المستثمرون يتخلون عن فكرة بقاء أسعار الفائدة أعلى لفترة أطول

بعد الارتفاع الكبير الذي حققته أسواق السندات العالمية

متداولون في بورصة نيويورك يراقبون تطور سوق السندات عقب مؤتمر باول الصحافي (أ.ف.ب)
متداولون في بورصة نيويورك يراقبون تطور سوق السندات عقب مؤتمر باول الصحافي (أ.ف.ب)
TT

المستثمرون يتخلون عن فكرة بقاء أسعار الفائدة أعلى لفترة أطول

متداولون في بورصة نيويورك يراقبون تطور سوق السندات عقب مؤتمر باول الصحافي (أ.ف.ب)
متداولون في بورصة نيويورك يراقبون تطور سوق السندات عقب مؤتمر باول الصحافي (أ.ف.ب)

أدى الارتفاع الذي شهدته أسواق السندات العالمية الأسبوع الماضي، إلى تحطيم افتراض المستثمرين الذي دام أشهراً بأن أسعار الفائدة في الولايات المتحدة وأماكن أخرى ستظل أعلى لفترة أطول.

وانخفض العائد القياسي لسندات الخزانة الأميركية لأجل 10 سنوات، والذي يُنظر إليه على أنه مؤشر لتكاليف الاقتراض في جميع أنحاء العالم، إلى أقل من 4 في المائة للمرة الأولى منذ أغسطس (آب). وانخفض العائد على السندات لأجل عامين، والذي يتتبع من كثب توقعات أسعار الفائدة، إلى أدنى مستوى له منذ مايو (أيار)، وفق صحيفة «فايننشيال تايمز».

وشهدت أسواق السندات الحكومية الأخرى أيضاً تحولاً كبيراً في الأيام الأخيرة، مع انخفاض عائد السندات الألمانية لأجل 10 سنوات إلى أدنى مستوى له في 9 أشهر، مع ارتفاع سعره.

وجاءت التحركات الحادة بعد أن أعطى مصرف «الاحتياطي الفيدرالي» أوضح إشارة حتى الآن إلى أنه لن يرفع تكاليف الاقتراض مرة أخرى، وأشار إلى أنه يتوقع تخفيضات بمقدار ربع نقطة مئوية في عام 2024. وأشار رئيس «الاحتياطي الفيدرالي» جيروم باول إلى أن سعر الفائدة القياسي «من المرجح أن يكون عند أو قريباً من ذلك. ذروتها في دورة التشديد هذه».

وقالت كريستينا هوبر، كبيرة استراتيجيي الأسواق العالمية في شركة «إنفيسكو»: «الارتفاع لفترة أطول هو أمر ميت»، وفق ما نقلت عنها الصحيفة البريطانية.

وحتى أوائل نوفمبر (تشرين الثاني)، كانت الأسواق تستعد لفترة طويلة من ارتفاع تكاليف الاقتراض، مع استمرار المصارف المركزية في معركتها لترويض التضخم.

وفي الأسابيع الأخيرة، ساعدت علامات تباطؤ الاقتصاد وبيانات نمو الأسعار الضعيفة على تخفيف هذه المخاوف، مما أدى إلى رفع أسواق السندات والأسهم. لكن توقعات «الاحتياطي الفيدرالي» التي تمت مراقبتها من كثب يوم الأربعاء، عدَّها كثيرون الإشارة الأكثر رسمية حتى الآن إلى أن «الارتفاع لفترة أطول» قد انتهى.

وبحلول يوم الجمعة، كانت الأسواق تعكس توقعات المستثمرين بشأن تخفيضات أسعار الفائدة الأميركية 6 مرات في عام 2024، بدءاً من مارس (آذار). ومن شأن هذه التوقعات أن تخفض تكاليف الاقتراض في أكبر اقتصاد في العالم من النطاق الحالي، الذي يتراوح بين 5.25 إلى 5.5 في المائة إلى نحو 3.9 في المائة.

وقال بوب ميشيل، كبير مسؤولي الاستثمار ورئيس مجموعة الدخل الثابت والعملات والسلع العالمية في «جيه بي مورغان» لإدارة الأصول: «إن المحور الحذر من (الاحتياطي الفيدرالي) هو إشارة مسبقة بأقصى سرعة لسوق السندات».

وفي حين قال رئيس مصرف «الاحتياطي الفيدرالي» في نيويورك، جون ويليامز، يوم الجمعة، إن الحديث عن تخفيضات أسعار الفائدة في شهر مارس «سابق لأوانه»، فإن تحذيره لم يكن كافياً لوقف الارتفاع.

واستمرت هذه الرواية المتفائلة أيضاً في أوروبا والمملكة المتحدة -حيث كان التضخم أكثر عناداً بكثير مما هو عليه في الولايات المتحدة- حتى مع معارضة رئيسة المصرف المركزي الأوروبي كريستين لاغارد، ومحافظ بنك إنجلترا أندرو بيلي لاحتمال التخفيضات الوشيكة في أسعار الفائدة.

كما أدت معنويات المستثمرين المزدهرة إلى رفع أسواق الأسهم الأسبوع الماضي؛ حيث أنهى مؤشر «إس أند بي 500» في «وول ستريت» أسبوعه السابع على التوالي من المكاسب، ويقترب من مستوى قياسي جديد.

وأشار بعض الاستراتيجيين إلى أن التضخم في الولايات المتحدة لا يزال بعيداً عن هدف بنك «الاحتياطي الفيدرالي» على المدى الطويل بنسبة 2 في المائة، مما يعني أنه من غير المرجح أن تنخفض أسعار الفائدة بسرعة. وقد بلغت قراءة مؤشر أسعار المستهلكين الرئيسي في الولايات المتحدة لشهر نوفمبر 3.1 في المائة، بانخفاض عن رقم أكتوبر (تشرين الأول) البالغ 3.2 في المائة، وبما يتماشى مع التوقعات المتفق عليها.

لكن بالنسبة لمايكل كوشما، كبير مسؤولي الاستثمار للدخل الثابت للأسواق الواسعة في بنك «مورغان ستانلي»، فإن «(الاحتياطي الفيدرالي) حوّل تركيزه من التضخم إلى النمو».

وأضاف أنه إذا كان «الاحتياطي الفيدرالي» راضياً عن انتظار عودة نمو الأسعار إلى 2 في المائة: «فلا يوجد سبب لوجود اقتصاد ضعيف للغاية في عام 2024. لقد قرر مصرف (الاحتياطي الفيدرالي) أن التضخم يتصرف بشكل جيد، لذا ننطلق إلى السباقات».

وقد تُرجم الانخفاض الحاد في عائدات السندات الحكومية الأسبوع الماضي أيضاً إلى انخفاض تكاليف تمويل الديون بالنسبة للمقترضين من الشركات. وانخفض متوسط عائد السندات للشركات الأميركية المصنفة عالية المخاطر إلى أقل من 8 في المائة، وفقاً لمؤشر «بنك أوف أميركا»، بالقرب من المستويات التي شوهدت آخر مرة في فبراير (شباط)، مع تسجيل يوم الخميس أكبر انخفاض يومي له منذ 13 شهراً.

كما تقلص الفارق أو العلاوة التي يدفعها المقترضون الخطرون على الحكومة الأميركية بنسبة كبيرة بلغت 0.33 نقطة مئوية يوم الخميس إلى 3.47 نقطة مئوية.

وتكثفت المخاوف هذا العام من أن بعض الشركات ذات التصنيف الأدنى على جانبي المحيط الأطلسي سوف تكافح من أجل إعادة تمويل ديونها في بيئة ذات تكاليف تمويل أعلى بكثير، مما قد يؤدي إلى زيادة طفيفة في حالات التخلف عن السداد. وأمام الشركات الأميركية المصنفة على أنها غير مرغوب فيها وحدها استحقاق بقيمة 1.87 تريليون دولار، على مدى السنوات الخمس المقبلة، وفقاً لوكالة «موديز».

وقالت هوبر من شركة «إنفيسكو» إنه «على الرغم من أننا لم نشهد خفضاً واحداً لسعر الفائدة حتى الآن، فقد كان هناك تخفيف كبير في الظروف المالية، مما أعطى الشركات مجالاً للتنفس».

ورأى أندريه سكيبا، رئيس الدخل الثابت لشركة «بلوباي» الأميركية في «آر بي سي جام»، إن احتمال التخفيضات له آثار أكثر وضوحاً على مصدري القروض ذات الفائدة المتغيرة، مقارنة بمصدري السندات ذات القسيمة الثابتة.

وقال: «خلافاً للسندات الأميركية ذات العائد المرتفع؛ حيث تكون إيجابية هامشية، في مجال القروض ذات الرفع المالي والائتمان الخاص، يمكن أن يُحدث هذا فرقاً بين أن تتعرض الشركة للمشكلات أم لا».

ومع ذلك، أشار إلى أن مزيداً من التباطؤ في الاقتصاد الأميركي قد يبدأ في التأثير على أرباح الشركات.


مقالات ذات صلة

تحسن معنويات الأعمال في اليابان رغم ظلال حرب إيران

الاقتصاد الموظفون الجدد في «شركة الخطوط الجوية اليابانية» يحتفلون ببداية عملهم داخل مقر الشركة بالعاصمة اليابانية طوكيو (رويترز)

تحسن معنويات الأعمال في اليابان رغم ظلال حرب إيران

أظهر مسحٌ يحظى بمتابعة دقيقة أن اليابان شهدت تحسناً في معنويات الأعمال وارتفاعاً في توقعات التضخم لدى الشركات خلال الأشهر الثلاثة المنتهية بمارس (آذار) الماضي.

«الشرق الأوسط» (طوكيو)
الاقتصاد شعار «أوبك» (رويترز)

روسيا: ارتفاع الأسعار يتصدر أجندة الاجتماع المرتقب للجنة «أوبك بلس»

قالت وزارة الخارجية الروسية إنها تتوقع أن تناقش لجنة مراقبة «أوبك بلس» الارتفاع الأخير في أسعار النفط خلال اجتماعها المقرر عقده في 5 أبريل (نيسان).

«الشرق الأوسط» (موسكو)
خاص جانب من منافسات كأس العالم للرياضات الإلكترونية في الرياض (واس)

خاص سوق الألعاب السعودية تقترب من 2.4 مليار دولار بنهاية 2025

بلغ حجم سوق الألعاب الإلكترونية في السعودية نحو 2.39 مليار دولار خلال عام 2025، في وقت تشهد فيه الصناعة تحولاً متسارعاً مدفوعاً بنمو قاعدة اللاعبين.

زينب علي (الرياض)
الاقتصاد مخازن للغاز الطبيعي في نقطة تسلم تابعة لشركة «بتروتشاينا» في مدينة داليان الصينية (رويترز)

الصين تعيد بيع كميات قياسية من الغاز المسال

تُعيد الشركات الصينية بيع كميات قياسية من الغاز الطبيعي المسال، مستفيدةً من ارتفاع أسعار السوق الفورية

«الشرق الأوسط» (بكين)
الاقتصاد انعكاس مبنييْ بنك إنجلترا والبورصة الملكية في مرآة مرورية بلندن (رويترز)

بنك إنجلترا يحذر من المخاطر المالية لحرب الشرق الأوسط

أعلن بنك إنجلترا، يوم الأربعاء، أن حرب الشرق الأوسط تسببت في «صدمة سلبية كبيرة في العرض للاقتصاد العالمي».

«الشرق الأوسط» (لندن)

تنسيق دولي لضمان أمن الطاقة واستقرار سلاسل التوريد المتأثرة بالحرب

شعار صندوق النقد الدولي (رويترز)
شعار صندوق النقد الدولي (رويترز)
TT

تنسيق دولي لضمان أمن الطاقة واستقرار سلاسل التوريد المتأثرة بالحرب

شعار صندوق النقد الدولي (رويترز)
شعار صندوق النقد الدولي (رويترز)

اتفقت وكالة الطاقة الدولية، وصندوق النقد والبنك الدوليان، يوم الأربعاء، على تشكيل مجموعة تنسيق تهدف إلى تعظيم استجابة هذه المؤسسات للآثار الطاقية والاقتصادية الناتجة عن الحرب في الشرق الأوسط.

وأكد رؤساء المؤسسات الثلاث، في بيان مشترك حول تداعيات الأزمة وآليات العمل المستقبلي، أن الحرب في الشرق الأوسط تسببت في اضطرابات كبيرة طالت الأرواح وسبل العيش في المنطقة، وأدت إلى أحد أكبر أوجه نقص الإمدادات في تاريخ أسواق الطاقة العالمية. وأشار رؤساء المؤسسات إلى أن تأثير هذه الأزمة جوهري، وعالمي، وغير متماثل إلى حد كبير، حيث يتضرر مستوردو الطاقة بشكل غير متناسب، ولا سيما البلدان منخفضة الدخل.

وأوضح البيان أن آثار الأزمة انتقلت بالفعل عبر ارتفاع أسعار النفط والغاز والأسمدة، مما أثار مخاوف جدية بشأن أسعار المواد الغذائية أيضاً. كما تأثرت سلاسل التوريد العالمية، بما في ذلك إمدادات الهيليوم، والفوسفات، والألومنيوم، وغيرها من السلع الأساسية، فضلاً عن تأثر قطاع السياحة نتيجة تعطل الرحلات الجوية في مراكز الطيران الرئيسية بمنطقة الخليج.

وحذر رؤساء المؤسسات من أن تقلبات السوق الناتجة عن ذلك، وضعف العملات في الاقتصادات الناشئة، والمخاوف بشأن توقعات التضخم، تزيد من احتمال اتخاذ سياسات نقدية أكثر تشدداً وتؤدي إلى ضعف النمو الاقتصادي.

مجموعة تنسيق لمواجهة الأزمة

في ظل هذه الأوقات التي تتسم بعدم اليقين الشديد، شدد البيان على ضرورة توحيد جهود المؤسسات الثلاث لمراقبة التطورات، وتنسيق التحليلات، ودعم صناع السياسات لتجاوز هذه الأزمة. ويستهدف هذا التنسيق بشكل خاص الدول الأكثر عرضة للآثار المترتبة على الحرب، وتلك التي تواجه مساحة محدودة للسياسات ومستويات عالية من الديون.

ولضمان استجابة منسقة، اتفق الرؤساء على تشكيل مجموعة عمل تتولى المهام التالية:

  • تقييم حدة الآثار: عبر تبادل البيانات المنسقة حول أسواق الطاقة وأسعارها، والتدفقات التجارية، والضغوط على المالية العامة وميزان المدفوعات، واتجاهات التضخم، والقيود المفروضة على تصدير السلع الأساسية، واضطرابات سلاسل التوريد.
  • تنسيق آلية الاستجابة: التي قد تشمل تقديم مشورة سياساتية مستهدفة، وتقييم الاحتياجات التمويلية المحتملة، وتوفير الدعم المالي المرتبط بها (بما في ذلك التمويل الميسر)، واستخدام أدوات تخفيف المخاطر حسب الاقتضاء.
  • حشد أصحاب المصلحة: إشراك الشركاء الدوليين والإقليميين والثنائيين الآخرين لتقديم دعم منسق وفعال للدول المحتاجة.

واختتم رؤساء المؤسسات بيانهم بالتأكيد على التزامهم بالعمل المشترك لحماية الاستقرار الاقتصادي والمالي العالمي، وتعزيز أمن الطاقة، ودعم البلدان والمتضررين في مسيرتهم نحو التعافي المستدام، والنمو، وخلق فرص العمل من خلال الإصلاحات اللازمة.


صدمة الطاقة قد تقلب الحرب على إيران إلى أزمة اقتصادية

ترمب يتحدث خلال مراسم توقيع أمر تنفيذي في المكتب البيضاوي بالبيت الأبيض (أرشيفية - إ.ب.أ)
ترمب يتحدث خلال مراسم توقيع أمر تنفيذي في المكتب البيضاوي بالبيت الأبيض (أرشيفية - إ.ب.أ)
TT

صدمة الطاقة قد تقلب الحرب على إيران إلى أزمة اقتصادية

ترمب يتحدث خلال مراسم توقيع أمر تنفيذي في المكتب البيضاوي بالبيت الأبيض (أرشيفية - إ.ب.أ)
ترمب يتحدث خلال مراسم توقيع أمر تنفيذي في المكتب البيضاوي بالبيت الأبيض (أرشيفية - إ.ب.أ)

رغم إصرار الرئيس الأميركي دونالد ترمب على أن الحرب تقترب من نهايتها، فإن النقاشات داخل البيت الأبيض تبدو أقل اطمئناناً بكثير. فالمسألة لم تعد محصورة في تكلفة العمليات العسكرية أو في سؤال متى تنتهي الحملة، بل باتت تدور أيضاً حول ما الذي سيحدث إذا بقيت إمدادات الطاقة مختنقة وارتفع النفط إلى 150 دولاراً أو حتى 200 دولار للبرميل. هذا هو جوهر القلق الذي تعكسه المناقشات الأخيرة في الإدارة، بحسب تقرير في «بوليتيكو»، والذي يتحدث عن تعامل داخلي مع 100 دولار بوصفها «خط أساس» لا سقفاً، وعن بحث أفكار طارئة لاحتواء الصدمة الاقتصادية المحتملة.

المفارقة أن الأسواق التقطت، يوم الأربعاء، إشارات ترمب الإيجابية أكثر مما التقطت تحذيرات خبراء الطاقة. فقد تراجع برنت إلى قرب 102 دولار، بل هبط في لحظة ما دون 100 دولار، بعد قوله إن القوات الأميركية قد تغادر خلال «أسبوعين أو ثلاثة». لكن هذا التراجع لا يلغي أن الأسعار كانت قد قفزت بقوة طوال مارس (آذار)، وأن السوق لا تزال تتعامل مع إغلاق أو تعطيل مضيق هرمز باعتباره الخطر الأكبر والأكثر مباشرة على الاقتصاد العالمي.

سيناريو 150 و200 دولار

السبب الأساسي هو أن الخطر لم يعد نظرياً. فمضيق هرمز يمر عبره نحو خُمس تجارة النفط والغاز العالمية، ومع استمرار الاختناقات والهجمات على الملاحة والطاقة، بدأت الأسواق تدخل مرحلة مختلفة: مرحلة النقص المادي الفعلي، لا مجرد الخوف النفسي أو المضاربة. وكالة الطاقة الدولية حذرت، الأربعاء، من أن خسائر الإمدادات في أبريل (نيسان) قد تتضاعف مقارنة بمارس، بعدما كان الشهر الماضي يستفيد جزئياً من شحنات كانت قد غادرت قبل تفاقم الأزمة.

هذا يعني أن الأثر الحقيقي قد يكون مؤجلاً لا غائباً. فحتى لو انخفض النفط لساعات أو أيام بفعل تصريحات سياسية، فإن نقص الديزل ووقود الطائرات وارتفاع تكلفة النقل قد يواصلان الضغط على الاقتصاد. لذلك فإن الحديث عن 150 دولاراً لم يعد يُقرأ بوصفه تهويلاً إعلامياً فقط، فيما يبدو سيناريو 200 دولار مرتبطاً خصوصاً باستمرار إغلاق هرمز أو بتوسع الضربات على البنية التحتية للطاقة.

أسعار البنزين معروضة في محطة وقود تابعة لشركة «شل» في أوستن بتكساس (أ.ف.ب)

الخطط المطروحة

المؤكد حتى الآن أن إدارة ترمب لا تعلن خطة واحدة حاسمة، لكنها تبحث سلّة أدوات طوارئ. يشير تقرير «بوليتيكو» إلى بحث «صلاحيات طارئة إضافية» وإلى تنسيق عبر «المجلس الوطني لهيمنة الطاقة»، مع انخراط وزارات الدفاع والطاقة والتجارة والخارجية والداخلية في هذه المناقشات. كما ينقل أن مسؤولين في البيت الأبيض يدرسون كل فكرة يمكن أن تخفف أسعار الطاقة أو تحد من اضطراب سلاسل التوريد.

وعلى المستوى الدولي، تبدو الخيارات الأكثر واقعية هي السحب الإضافي من الاحتياطات الاستراتيجية، وهو أمر قالت وكالة الطاقة الدولية إنها تدرسه بعد سحب قياسي سابق بلغ 400 مليون برميل.

كما يجري الحديث في بعض الدوائر عن إجراءات لخفض الطلب، لا العرض فقط، مثل تشجيع العمل عن بُعد أو تدابير ترشيد استهلاك الوقود إذا تفاقمت الأزمة. لكن المشكلة أن هذه الأدوات تخفف الصدمة ولا تُنهيها، لأن العطب الأساسي يبقى في المرور عبر هرمز وفي سلامة منشآت الطاقة المتضررة.

أما الخيارات الأكثر حساسية سياسياً، مثل تقييد الصادرات النفطية الأميركية لخفض الأسعار المحلية، فهي تظل مثار قلق داخل قطاع الطاقة نفسه، لأنها قد تربك السوق أكثر مما تعالجها. كذلك فإن زيادة الإنتاج الأميركي ليست وصفة سريعة؛ فالولايات المتحدة منتج ضخم فعلاً، لكن توسيع الإمداد بسرعة يواجه قيوداً لوجيستية وتكريرية وسوقية. لهذا تبدو واشنطن، في الجوهر، قادرة على شراء الوقت أكثر من قدرتها على فرض عودة فورية إلى «الوضع الطبيعي».

سفينة شحن ترفع العلم الهندي حاملةً غاز البترول المسال عبر مضيق هرمز لدى وصولها إلى ميناء مومباي (إ.ب.أ)

التداعيات المحتملة

في الداخل الأميركي، الخطر السياسي يوازي الخطر الاقتصادي. فمتوسط البنزين تجاوز 4 دولارات للغالون، وأي قفزة جديدة ستتحول سريعاً إلى عبء على الأسر، خصوصاً الفئات الأفقر، عبر الوقود والنقل وأسعار السلع. وهذا ما يجعل صدمة النفط أشبه بـ«ضريبة» واسعة النطاق على الاستهلاك، تستنزف الدخل المتاح وتضغط على شعبية البيت الأبيض والجمهوريين قبل انتخابات التجديد النصفي.

أمّا خارجياً، فالتداعيات أوسع. أوروبا تستعد لاستقبال آثار نقص الإمدادات خلال أبريل ومايو (أيار)، وآسيا تعاني أصلاً شحاً في وقود الطائرات والديزل والغاز النفطي المسال. وقد حذرت وكالة الطاقة الدولية من أن الأزمة الراهنة قد تتجاوز، من حيث الحجم والتشابك، صدمات طاقة كبرى سابقة، بينما خفضت مؤسسات اقتصادية توقعات النمو في أوروبا بسبب التضخم وتكلفة الطاقة. بعبارة أخرى، لا يهدد نفط الـ150 دولاراً أو الـ200 دولار جيوب المستهلكين فقط، بل يهدد أيضاً النمو، والتضخم، وأسعار الفائدة، واستقرار الأسواق.

لهذا يمكن القول إن لدى إدارة ترمب «خططاً» بالمعنى الإجرائي، لا «حلّاً» بالمعنى الاستراتيجي. هناك أدوات طوارئ، واحتياطات يمكن السحب منها، ومناقشات مستمرة لاحتواء الأسعار. لكن نجاح هذه الأدوات يبقى رهناً بالمتغير الأهم: هل ينتهي القتال فعلاً؟ وهل يُفتح مضيق هرمز بصورة آمنة ومستقرة؟ إذا كان الجواب نعم، فقد يبقى سيناريو 150 أو 200 دولار مجرد كابوس استباقي. أما إذا طال أمد الحرب أو استمر تعطيل الملاحة، فإن البيت الأبيض قد يجد نفسه أمام حقيقة قاسية: الانتصار العسكري وحده لا يكفي إذا كان ثمنه صدمة نفطية عالمية.


مخزونات النفط الأميركية تقفز بـ5.5 مليون برميل وتدفع الأسعار إلى التراجع

منصة حفر جنوب ميدلاند بتكساس (رويترز)
منصة حفر جنوب ميدلاند بتكساس (رويترز)
TT

مخزونات النفط الأميركية تقفز بـ5.5 مليون برميل وتدفع الأسعار إلى التراجع

منصة حفر جنوب ميدلاند بتكساس (رويترز)
منصة حفر جنوب ميدلاند بتكساس (رويترز)

أظهرت بيانات إدارة معلومات الطاقة الأميركية الصادرة الأربعاء، زيادة غير متوقعة وكبيرة في مخزونات النفط الخام بالولايات المتحدة خلال الأسبوع الماضي، في حين سجلت مخزونات البنزين والمشتقات النفطية تراجعاً ملحوظاً.

وقفزت مخزونات الخام بمقدار 5.5 مليون برميل لتصل إلى 461.6 مليون برميل في الأسبوع المنتهي في 27 مارس (آذار)، وهو رقم تجاوز بكثير توقعات المحللين في استطلاع «رويترز» التي كانت تشير إلى زيادة متواضعة قدرها 814 ألف برميل فقط. كما ارتفعت المخزونات في مركز التسليم الرئيسي في كوشينغ بولاية أوكلاهوما بنحو 520 ألف برميل.

وحافظت أسعار النفط على خسائرها المسجلة في وقت سابق من الجلسة عقب صدور هذه البيانات؛ حيث تراجع خام برنت العالمي إلى 101.85 دولار للبرميل (بانخفاض قدره 2.12 دولار)، بينما هبط خام غرب تكساس الوسيط الأميركي إلى 99.32 دولار للبرميل (بانخفاض 2.06 دولار).

نشاط المصافي والمشتقات

سجل التقرير انخفاضاً في عمليات تكرير الخام بنحو 219 ألف برميل يومياً، مع تراجع معدلات تشغيل المصافي بنسبة 0.8 في المائة. وفيما يخص المنتجات النهائية:

  • البنزين: تراجعت المخزونات بمقدار 0.6 مليون برميل لتصل إلى 240.9 مليون برميل.
  • المشتقات (الديزل وزيت التدفئة): سجلت انخفاضاً أكبر من المتوقع بمقدار 2.1 مليون برميل، مقابل توقعات بتراجع طفيف قدره 0.6 مليون برميل فقط.

كما أشار التقرير إلى انخفاض صافي واردات الولايات المتحدة من النفط الخام بمقدار 209 آلاف برميل يومياً خلال الأسبوع الماضي.