المستثمرون يتخلون عن فكرة بقاء أسعار الفائدة أعلى لفترة أطول

بعد الارتفاع الكبير الذي حققته أسواق السندات العالمية

متداولون في بورصة نيويورك يراقبون تطور سوق السندات عقب مؤتمر باول الصحافي (أ.ف.ب)
متداولون في بورصة نيويورك يراقبون تطور سوق السندات عقب مؤتمر باول الصحافي (أ.ف.ب)
TT

المستثمرون يتخلون عن فكرة بقاء أسعار الفائدة أعلى لفترة أطول

متداولون في بورصة نيويورك يراقبون تطور سوق السندات عقب مؤتمر باول الصحافي (أ.ف.ب)
متداولون في بورصة نيويورك يراقبون تطور سوق السندات عقب مؤتمر باول الصحافي (أ.ف.ب)

أدى الارتفاع الذي شهدته أسواق السندات العالمية الأسبوع الماضي، إلى تحطيم افتراض المستثمرين الذي دام أشهراً بأن أسعار الفائدة في الولايات المتحدة وأماكن أخرى ستظل أعلى لفترة أطول.

وانخفض العائد القياسي لسندات الخزانة الأميركية لأجل 10 سنوات، والذي يُنظر إليه على أنه مؤشر لتكاليف الاقتراض في جميع أنحاء العالم، إلى أقل من 4 في المائة للمرة الأولى منذ أغسطس (آب). وانخفض العائد على السندات لأجل عامين، والذي يتتبع من كثب توقعات أسعار الفائدة، إلى أدنى مستوى له منذ مايو (أيار)، وفق صحيفة «فايننشيال تايمز».

وشهدت أسواق السندات الحكومية الأخرى أيضاً تحولاً كبيراً في الأيام الأخيرة، مع انخفاض عائد السندات الألمانية لأجل 10 سنوات إلى أدنى مستوى له في 9 أشهر، مع ارتفاع سعره.

وجاءت التحركات الحادة بعد أن أعطى مصرف «الاحتياطي الفيدرالي» أوضح إشارة حتى الآن إلى أنه لن يرفع تكاليف الاقتراض مرة أخرى، وأشار إلى أنه يتوقع تخفيضات بمقدار ربع نقطة مئوية في عام 2024. وأشار رئيس «الاحتياطي الفيدرالي» جيروم باول إلى أن سعر الفائدة القياسي «من المرجح أن يكون عند أو قريباً من ذلك. ذروتها في دورة التشديد هذه».

وقالت كريستينا هوبر، كبيرة استراتيجيي الأسواق العالمية في شركة «إنفيسكو»: «الارتفاع لفترة أطول هو أمر ميت»، وفق ما نقلت عنها الصحيفة البريطانية.

وحتى أوائل نوفمبر (تشرين الثاني)، كانت الأسواق تستعد لفترة طويلة من ارتفاع تكاليف الاقتراض، مع استمرار المصارف المركزية في معركتها لترويض التضخم.

وفي الأسابيع الأخيرة، ساعدت علامات تباطؤ الاقتصاد وبيانات نمو الأسعار الضعيفة على تخفيف هذه المخاوف، مما أدى إلى رفع أسواق السندات والأسهم. لكن توقعات «الاحتياطي الفيدرالي» التي تمت مراقبتها من كثب يوم الأربعاء، عدَّها كثيرون الإشارة الأكثر رسمية حتى الآن إلى أن «الارتفاع لفترة أطول» قد انتهى.

وبحلول يوم الجمعة، كانت الأسواق تعكس توقعات المستثمرين بشأن تخفيضات أسعار الفائدة الأميركية 6 مرات في عام 2024، بدءاً من مارس (آذار). ومن شأن هذه التوقعات أن تخفض تكاليف الاقتراض في أكبر اقتصاد في العالم من النطاق الحالي، الذي يتراوح بين 5.25 إلى 5.5 في المائة إلى نحو 3.9 في المائة.

وقال بوب ميشيل، كبير مسؤولي الاستثمار ورئيس مجموعة الدخل الثابت والعملات والسلع العالمية في «جيه بي مورغان» لإدارة الأصول: «إن المحور الحذر من (الاحتياطي الفيدرالي) هو إشارة مسبقة بأقصى سرعة لسوق السندات».

وفي حين قال رئيس مصرف «الاحتياطي الفيدرالي» في نيويورك، جون ويليامز، يوم الجمعة، إن الحديث عن تخفيضات أسعار الفائدة في شهر مارس «سابق لأوانه»، فإن تحذيره لم يكن كافياً لوقف الارتفاع.

واستمرت هذه الرواية المتفائلة أيضاً في أوروبا والمملكة المتحدة -حيث كان التضخم أكثر عناداً بكثير مما هو عليه في الولايات المتحدة- حتى مع معارضة رئيسة المصرف المركزي الأوروبي كريستين لاغارد، ومحافظ بنك إنجلترا أندرو بيلي لاحتمال التخفيضات الوشيكة في أسعار الفائدة.

كما أدت معنويات المستثمرين المزدهرة إلى رفع أسواق الأسهم الأسبوع الماضي؛ حيث أنهى مؤشر «إس أند بي 500» في «وول ستريت» أسبوعه السابع على التوالي من المكاسب، ويقترب من مستوى قياسي جديد.

وأشار بعض الاستراتيجيين إلى أن التضخم في الولايات المتحدة لا يزال بعيداً عن هدف بنك «الاحتياطي الفيدرالي» على المدى الطويل بنسبة 2 في المائة، مما يعني أنه من غير المرجح أن تنخفض أسعار الفائدة بسرعة. وقد بلغت قراءة مؤشر أسعار المستهلكين الرئيسي في الولايات المتحدة لشهر نوفمبر 3.1 في المائة، بانخفاض عن رقم أكتوبر (تشرين الأول) البالغ 3.2 في المائة، وبما يتماشى مع التوقعات المتفق عليها.

لكن بالنسبة لمايكل كوشما، كبير مسؤولي الاستثمار للدخل الثابت للأسواق الواسعة في بنك «مورغان ستانلي»، فإن «(الاحتياطي الفيدرالي) حوّل تركيزه من التضخم إلى النمو».

وأضاف أنه إذا كان «الاحتياطي الفيدرالي» راضياً عن انتظار عودة نمو الأسعار إلى 2 في المائة: «فلا يوجد سبب لوجود اقتصاد ضعيف للغاية في عام 2024. لقد قرر مصرف (الاحتياطي الفيدرالي) أن التضخم يتصرف بشكل جيد، لذا ننطلق إلى السباقات».

وقد تُرجم الانخفاض الحاد في عائدات السندات الحكومية الأسبوع الماضي أيضاً إلى انخفاض تكاليف تمويل الديون بالنسبة للمقترضين من الشركات. وانخفض متوسط عائد السندات للشركات الأميركية المصنفة عالية المخاطر إلى أقل من 8 في المائة، وفقاً لمؤشر «بنك أوف أميركا»، بالقرب من المستويات التي شوهدت آخر مرة في فبراير (شباط)، مع تسجيل يوم الخميس أكبر انخفاض يومي له منذ 13 شهراً.

كما تقلص الفارق أو العلاوة التي يدفعها المقترضون الخطرون على الحكومة الأميركية بنسبة كبيرة بلغت 0.33 نقطة مئوية يوم الخميس إلى 3.47 نقطة مئوية.

وتكثفت المخاوف هذا العام من أن بعض الشركات ذات التصنيف الأدنى على جانبي المحيط الأطلسي سوف تكافح من أجل إعادة تمويل ديونها في بيئة ذات تكاليف تمويل أعلى بكثير، مما قد يؤدي إلى زيادة طفيفة في حالات التخلف عن السداد. وأمام الشركات الأميركية المصنفة على أنها غير مرغوب فيها وحدها استحقاق بقيمة 1.87 تريليون دولار، على مدى السنوات الخمس المقبلة، وفقاً لوكالة «موديز».

وقالت هوبر من شركة «إنفيسكو» إنه «على الرغم من أننا لم نشهد خفضاً واحداً لسعر الفائدة حتى الآن، فقد كان هناك تخفيف كبير في الظروف المالية، مما أعطى الشركات مجالاً للتنفس».

ورأى أندريه سكيبا، رئيس الدخل الثابت لشركة «بلوباي» الأميركية في «آر بي سي جام»، إن احتمال التخفيضات له آثار أكثر وضوحاً على مصدري القروض ذات الفائدة المتغيرة، مقارنة بمصدري السندات ذات القسيمة الثابتة.

وقال: «خلافاً للسندات الأميركية ذات العائد المرتفع؛ حيث تكون إيجابية هامشية، في مجال القروض ذات الرفع المالي والائتمان الخاص، يمكن أن يُحدث هذا فرقاً بين أن تتعرض الشركة للمشكلات أم لا».

ومع ذلك، أشار إلى أن مزيداً من التباطؤ في الاقتصاد الأميركي قد يبدأ في التأثير على أرباح الشركات.


مقالات ذات صلة

بعد عقد على «بريكست»... الاقتصاد البريطاني يدفع ثمن الانفصال عن أوروبا

تحليل إخباري مشاركون في لندن خلال «المسيرة الوطنية الرابعة للعودة إلى الاتحاد الأوروبي» يعبّرون عن دعمهم إعادة انضمام بريطانيا للاتحاد 20 يونيو 2026 (إ.ب.أ)

بعد عقد على «بريكست»... الاقتصاد البريطاني يدفع ثمن الانفصال عن أوروبا

بعد مرور عشر سنوات على التصويت التاريخي الذي أخرج المملكة المتحدة من الاتحاد الأوروبي، لا يزال الجدل حول حصيلة «بريكست» محتدماً.

«الشرق الأوسط» (لندن)
الاقتصاد شعار «إس كيه هاينكس» (رويترز)

«إس كيه هاينكس» تتفوق على «سامسونغ» وتصبح أكبر شركة بكوريا الجنوبية

تجاوزت القيمة السوقية لشركة صناعة الرقائق الكورية الجنوبية «إس كيه هاينكس» بشكل مؤقت نظيرتها «سامسونغ إلكترونيكس» يوم الاثنين.

«الشرق الأوسط» (سيول)
الاقتصاد متداولو العملات يراقبون تحرك الأسهم قرب شاشة تعرض مؤشر «كوسبي» الكوري في بنك هانا بسيول (أ.ب)

الأسهم الآسيوية ترتفع مع إعلان إيران إحراز تقدم في المحادثات مع الولايات المتحدة

ارتفعت أسواق الأسهم الآسيوية، الاثنين، بعدما أعلن مفاوضون إيرانيون إحراز تقدم في محادثات السلام مع الولايات المتحدة.

«الشرق الأوسط» (سيدني)
خاص شاحنات نفط آتية من العراق في طريقها إلى محطة بانياس النفطية يوم 14 مايو 2026 (رويترز)

خاص فاتورة «هرمز» القاسية: 37 مليار دولار تهز البنية الاقتصادية العراقية

يقدر خبراء ومراكز رصد مختصة في الشؤون المالية والنفطية الخسائر التي تكبدها العراق جراء الحرب التي أدت إلى إغلاق مضيق هرمز، بأكثر من 37 مليار دولار...

فاضل النشمي (بغداد)
الاقتصاد صورة للعاصمة العمانية مسقط (وكالة الأنباء العمانية)

عُمان تسجل إيرادات 31.5 مليار دولار وعجزاً بـ1.2 مليار في 2025

سجَّلت سلطنة عمان ارتفاعاً في الإيرادات العامة الفعلية خلال السنة المالية 2025 بنسبة 8 في المائة لتبلغ 12.122 مل ريال، وبلغ الإنفاق العام بلغ 12.583 مليار ريال.

«الشرق الأوسط» (مسقط)

أسواق السندات الأوروبية ترتفع مع تحسُّن شهية المخاطرة

أوراق نقدية من اليورو (رويترز)
أوراق نقدية من اليورو (رويترز)
TT

أسواق السندات الأوروبية ترتفع مع تحسُّن شهية المخاطرة

أوراق نقدية من اليورو (رويترز)
أوراق نقدية من اليورو (رويترز)

تراجعت عوائد سندات حكومات منطقة اليورو يوم الاثنين، مع تحسن شهية المخاطرة في الأسواق، عقب مؤشرات على إحراز تقدم في المحادثات بين الولايات المتحدة وإيران، خلال عطلة نهاية الأسبوع، ما خفف المخاوف من تصعيد جديد قد يهدد استقرار أسواق الطاقة والتجارة العالمية.

وقال وسطاء إن خط اتصال قد أُنشئ لضمان المرور الآمن للسفن التجارية عبر مضيق هرمز، في وقت أعلن فيه «الحرس الثوري» الإيراني إغلاق المضيق يوم السبت، رغم تأكيد الجيش الأميركي أن حركة السفن التجارية استمرت في الممر المائي الحيوي، وفق «رويترز».

وفي أسواق الطاقة، تراجعت العقود الآجلة لخام برنت بنسبة 1.9 في المائة إلى 79.06 دولار للبرميل، بعد مكاسب سابقة، وهو ما ساهم في تهدئة المخاوف بشأن الضغوط التضخمية وتباطؤ النمو في منطقة اليورو، المرتبطة عادة بتقلبات أسعار الطاقة.

وفي هذا السياق، انخفض العائد على السندات الألمانية لأجل 10 سنوات، وهو المعيار القياسي في منطقة اليورو، بمقدار نقطتين أساس ليصل إلى 2.966 في المائة، بعد أن كان قد ارتفع بنحو 6 نقاط أساس يوم الجمعة، عقب تعليق مفاجئ لمحادثات السلام، في إشارة إلى استمرار هشاشة الوضع الجيوسياسي.

وقال راينر غونترمان، استراتيجي أسعار الفائدة في «كومرتس بنك»، إن أي تطورات سلبية، مثل إعادة إغلاق مضيق هرمز، من شأنها أن تعزز حذر الأسواق، وتؤخر توقعات التوصل إلى اتفاق مستدام بين واشنطن وطهران.

وأضاف أن هذا الوضع سيُبقي على أي تعافٍ في السندات الألمانية محدوداً، في حين يُتوقع أن يشكل مستوى 3 في المائة لعائد السندات لأجل 10 سنوات منطقة دعم مهمة في المدى القريب.

عدم يقين يحيط بسياسة المركزي الأوروبي

وفي سياق متصل، تترقب الأسواق كلمة رئيسة البنك المركزي الأوروبي كريستين لاغارد أمام البرلمان الأوروبي يوم الاثنين؛ حيث يُنتظر أن تقدم إشارات إضافية حول تقييم البنك المركزي للتطورات الاقتصادية والجيوسياسية، واتجاه السياسة النقدية في المرحلة المقبلة.

وكان المركزي الأوروبي قد أصبح أول بنك مركزي رئيسي يبدأ دورة تشديد نقدي منذ اندلاع الأزمة الأخيرة، إلا أن تحسن المعنويات المرتبط بالمحادثات بين واشنطن وطهران خفف من توقعات الأسواق بشأن وتيرة التشديد المستقبلي.

وتشير تسعيرات الأسواق حالياً إلى تسعير نحو 35 نقطة أساس من التشديد بحلول نهاية العام، أي ما يعادل رفعاً واحداً إضافياً بمقدار 25 نقطة أساس تقريباً، مع احتمال بنسبة 40 في المائة لرفع آخر، مقارنة بتوقعات سابقة كانت تشير إلى تشديد أوسع بنحو 40 نقطة أساس، بعد اجتماع البنك المركزي الأوروبي في 11 يونيو (حزيران).

وفي أسفل منحنى العوائد، انخفض العائد على السندات الألمانية لأجل عامين، الأكثر حساسية لتوقعات أسعار الفائدة، بمقدار نقطتين أساس إلى 2.626 في المائة، في انعكاس مباشر لتراجع الرهانات على مزيد من التشديد النقدي في المدى القريب.


البورصات الخليجية ترتفع بدعم آمال التهدئة بين واشنطن وطهران

مستثمر يتابع الشاشات بسوق قطر (رويترز)
مستثمر يتابع الشاشات بسوق قطر (رويترز)
TT

البورصات الخليجية ترتفع بدعم آمال التهدئة بين واشنطن وطهران

مستثمر يتابع الشاشات بسوق قطر (رويترز)
مستثمر يتابع الشاشات بسوق قطر (رويترز)

ارتفعت معظم أسواق الأسهم الخليجية، خلال تعاملات الاثنين المبكرة، مع انحسار مخاوف المستثمرين بشأن تعثر المفاوضات بين الولايات المتحدة وإيران، عقب إعلان طهران إحراز تقدم في محادثات السلام الجارية بين الجانبين.

قالت مصادر دبلوماسية إن الجولة الأولى من المحادثات بين مسؤولين أميركيين وإيرانيين في سويسرا انتهت، يوم الاثنين، بعد بداية متوترة شهدت تجدد إغلاق إيران مضيق هرمز وتهديدات أميركية باستئناف الهجمات على إيران.

ووفق بيان مشترك صادر عن وزارة الخارجية القطرية، اتفقت واشنطن وطهران، بوساطة قطر وباكستان، على خريطة طريق تمتد لـ60 يوماً بهدف التوصل إلى اتفاق نهائي، على أن تستمر المباحثات الفنية، خلال الأسبوع الحالي.

وفي الأسواق، ارتفع مؤشر سوق دبي المالية بنسبة 0.1 في المائة؛ مدعوماً بصعود سهم «هيئة كهرباء ومياه دبي» بنسبة 2.1 في المائة، في حين زاد مؤشر سوق أبوظبي للأوراق المالية بنسبة 0.4 في المائة.

كما ارتفع مؤشر بورصة قطر بنسبة 0.3 في المائة؛ بدعم من مكاسب سهم «بنك قطر الوطني» الذي صعد 0.6 في المائة.

يأتي ذلك في وقتٍ واصلت فيه ناقلات الغاز الطبيعي المُسال القطرية عبور مضيق هرمز، رغم تراجع حركة الملاحة بعد إعلان إيران إغلاق الممر البحري مجدداً، خلال عطلة نهاية الأسبوع.

في المقابل، تراجع المؤشر السعودي الرئيس «تاسي» بنسبة 0.1 في المائة، متأثراً بانخفاض سهم «البنك الأهلي السعودي» بنسبة 0.6 في المائة، وسهم «أرامكو السعودية» بنسبة 0.2 في المائة.

وتزامن ذلك مع تراجع أسعار النفط، إذ هبط خام برنت 2.09 في المائة إلى 78.89 دولار للبرميل، بحلول الساعة 06:33 بتوقيت غرينتش.


بريطانيا أمام منعطف سياسي جديد... والجنيه والسندات يواجهان عدم اليقين

رئيس الوزراء البريطاني كير ستارمر يتحدث مع سكان محليين خلال زيارة لمشروع سكني في شمال غرب لندن 19 يونيو الحالي (أ.ف.ب)
رئيس الوزراء البريطاني كير ستارمر يتحدث مع سكان محليين خلال زيارة لمشروع سكني في شمال غرب لندن 19 يونيو الحالي (أ.ف.ب)
TT

بريطانيا أمام منعطف سياسي جديد... والجنيه والسندات يواجهان عدم اليقين

رئيس الوزراء البريطاني كير ستارمر يتحدث مع سكان محليين خلال زيارة لمشروع سكني في شمال غرب لندن 19 يونيو الحالي (أ.ف.ب)
رئيس الوزراء البريطاني كير ستارمر يتحدث مع سكان محليين خلال زيارة لمشروع سكني في شمال غرب لندن 19 يونيو الحالي (أ.ف.ب)

تراجع الجنيه الإسترليني يوم الاثنين مع تصاعد التكهنات بشأن مستقبل رئيس الوزراء البريطاني كير ستارمر، وسط تقارير إعلامية أشارت إلى أنه يدرس الإعلان قريباً عن جدول زمني لمغادرة منصبه، في خطوة قد تمهد الطريق أمام السياسي العمالي البارز آندي بورنهام لتولي قيادة الحزب والحكومة، لتصبح بريطانيا أمام احتمال تغيير سابع رئيس وزراء خلال عقد واحد فقط منذ استفتاء الخروج من الاتحاد الأوروبي.

وانخفض الجنيه الإسترليني بنسبة 0.2 في المائة إلى 1.321 دولار، مواصلاً خسائره التي قاربت 3 في المائة منذ فبراير (شباط) الماضي، عندما بدأت الضغوط السياسية تتصاعد على ستارمر نتيجة تراجع شعبيته وتزايد الانتقادات لأدائه الاقتصادي.

أوراق نقدية من الجنيه الإسترليني (رويترز)

وتأتي هذه التطورات في وقت تواجه فيه المملكة المتحدة تحديات مالية واقتصادية كبيرة، إذ تسجل أعلى تكاليف اقتراض بين دول مجموعة السبع الكبرى، في ظل ارتفاع مستويات الدين العام ومدفوعات الفائدة، واستمرار ضعف النمو الاقتصادي، وصعوبة خفض الإنفاق الحكومي، إلى جانب الحاجة المتزايدة لتمويل استثمارات استراتيجية في مجالات مثل الدفاع والبنية التحتية.

وتعززت الضغوط على ستارمر يوم الجمعة الماضي بعد فوز آندي بورنهام، عمدة مانشستر الكبرى السابق، بفارق كبير في الانتخابات الفرعية، مما أتاح له العودة إلى مجلس العموم البريطاني ومهَّد الطريق أمام تحدٍ محتمل لزعامة حزب العمال.

ويرى المستثمرون أن أي انتقال للسلطة قد يفتح الباب أمام تغييرات في التوجهات الاقتصادية والمالية للحكومة. وقال جورج باكلي، الخبير الاقتصادي لدى «نومورا»، إن السؤال الأساسي بالنسبة للأسواق لا يتعلق بشخص بورنهام فحسب، بل بموقفه من السياسة المالية، واختياراته لفريقه الاقتصادي، ومدى التزامه بالقواعد المالية الصارمة التي تتبعها الحكومة الحالية.

وتعكس أسواق المال هذا القلق المتزايد، إذ أظهرت بيانات سوق الخيارات أن المتعاملين أصبحوا أكثر استعداداً لدفع علاوات أعلى للتحوط من تقلبات الجنيه الإسترليني خلال الأسابيع المقبلة مقارنة بما كان عليه الوضع قبل أيام قليلة فقط.

سوق السندات في دائرة القلق

ويولي المستثمرون اهتماماً خاصاً لسوق السندات الحكومية البريطانية، التي تعد مؤشراً أساسياً على الثقة في الاقتصاد البريطاني والمالية العامة للدولة.

وتبلغ عوائد السندات الحكومية البريطانية لأجل عشر سنوات نحو 4.85 في المائة، وهي مستويات تقترب من أعلى معدلاتها منذ الأزمة المالية العالمية عام 2008، مما يعني أن الحكومة البريطانية تضطر إلى دفع تكاليف مرتفعة لتمويل احتياجاتها من الاقتراض مقارنة بمعظم الاقتصادات المتقدمة الأخرى.

وقد جعلت حالة عدم الاستقرار السياسي المتكررة، إلى جانب المخاوف بشأن الأوضاع المالية العامة، المستثمرين أكثر حذراً تجاه الأصول البريطانية، خصوصاً السندات طويلة الأجل التي باتت أكثر عرضة لتقلبات حادة، مقارنة بنظيراتها في العديد من الدول المتقدمة.

ويُنظر إلى بورنهام على أنه أكثر ميلاً إلى اليسار مقارنة بستارمر، ورغم تأكيده مراراً التزامه بالقواعد المالية التي وضعتها وزيرة المالية راشيل ريفز، فإن الأسواق لا تزال تنتظر دلائل عملية تثبت قدرته على الجمع بين الإنفاق الحكومي والانضباط المالي.

وقال موهيت كومار، كبير الاستراتيجيين في «جيفريز»: «أكد بورنهام احترامه للقواعد المالية، لكن السؤال الجوهري يتمثل في كيفية تمويل أي إنفاق إضافي محتمل. الضرائب بلغت مستويات تجعل رفعها أكثر صعوبة، في حين أن الحديث عن وفورات الكفاءة يبدو جيداً نظرياً لكنه غالباً ما يواجه عقبات عند التطبيق».

وأضاف: «لقد تجنبنا الاستثمار في السندات الحكومية البريطانية طويلة الأجل، وفضلنا زيادة تعرضنا للسندات ذات العوائد المرتفعة، كما خفضنا مراكزنا في الجنيه الاسترليني. وما زلنا نتوقع استمرار التقلبات في سوق السندات البريطانية طويلة الأجل خلال الفترة المقبلة».

وأشار إلى أن الاستراتيجية المفضلة حالياً تتمثل في تفضيل السندات قصيرة الأجل على حساب السندات طويلة الأجل، نظراً لتنامي المخاوف بشأن الوضع المالي البريطاني على المدى البعيد.

تكهنات متزايدة بشأن مستقبل ستارمر

وفي موازاة القلق الاقتصادي، تتسارع التطورات السياسية في لندن. وأكد عدد من الوزراء أن زعيم حزب العمال أمضى عطلة نهاية الأسبوع في دراسة خياراته السياسية ومستقبله في قيادة الحكومة.

وبينما احتشد الصحافيون صباح الاثنين أمام مقر رئاسة الوزراء في «10 داونينغ ستريت»، لم يكن واضحاً ما إذا كان ستارمر قد حسم قراره النهائي، بينما امتنع مكتبه عن تأكيد ما إذا كان سيعقد مؤتمراً صحافياً خلال اليوم.

يقف الصحافيون خارج «داونينغ ستريت» بانتظار تصريح محتمل لرئيس الوزراء كير ستارمر 22 يونيو (رويترز)

وقالت وزيرة الدولة للتعليم جاكي سميث لشبكة «سكاي نيوز»: «لا أعرف ما إذا كان قد اتخذ قراره، لكنني أعلم أنه يفكر بعمق فيما هو الأفضل للبلاد.» وأضافت: «أثق بأنه سيتخذ القرار الصحيح».

بورنهام... المنافس الأقوى

كان ستارمر، البالغ من العمر 63 عاماً، قد أكد مراراً أنه سيقاوم أي محاولة لإقصائه من السلطة، لكن فوز بورنهام الكاسح في دائرة ماكرفيلد الانتخابية يبدو أنه دفعه إلى إعادة تقييم موقفه خلال عطلة نهاية الأسبوع.

وذكرت صحيفة «الغارديان» أن رئيس الوزراء يواجه ضغوطاً هائلة من نواب حزب العمال للتنحي وإفساح المجال أمام بورنهام.

كما أشارت هيئة الإذاعة البريطانية (بي بي سي) إلى أن المؤشرات على قرب إعلان ستارمر خطة للاستقالة تتزايد، في وقت تصدرت فيه الصحف البريطانية عناوين مثل «انتهت اللعبة».

حتى الرئيس الأميركي دونالد ترمب دخل على خط الأزمة السياسية البريطانية، إذ كتب على منصته «تروث سوشيال» يوم الأحد: «كير ستارمر سيستقيل».

وأضاف ترمب أن رئيس الوزراء البريطاني أخفق في إدارة ملفات الهجرة والطاقة، في إشارة إلى تراجع العلاقات بين الرجلين خلال الأشهر الأخيرة على خلفية التوترات المرتبطة بالحرب الإيرانية.

فرصة أخيرة لحزب العمال

من جانبه، لم يخفِ آندي بورنهام، الذي يشغل منصب عمدة مانشستر الكبرى منذ عام 2017، رغبته في خوض سباق زعامة الحزب، محذراً في خطاب فوزه بالانتخابات الفرعية من أن حزب العمال يواجه «فرصته الأخيرة للتغيير».

آندي بورنهام النائب الجديد عن حزب العمال في ماكرفيلد يتحدث بعد فوزه في الانتخابات الفرعية في 19 يونيو الحالي (أ.ف.ب)

وبفضل الأغلبية البرلمانية الكبيرة التي يتمتع بها حزب العمال، فإن فوز بورنهام بزعامة الحزب قد يضعه تلقائياً على رأس الحكومة ما لم يظهر منافسون أقوياء داخل الحزب.

وتفيد تقارير إعلامية بأن بورنهام يدرس إجراء تعديلات واسعة على الفريق الاقتصادي في حال وصوله إلى السلطة، بما في ذلك استبدال وزيرة المالية راشيل ريفز، مع الإبقاء على وزيرة الداخلية شبانة محمود.

ضغوط داخلية متصاعدة

ووفقاً للتقارير، أمضى ستارمر عطلة نهاية الأسبوع في مقر الإقامة الريفي لرؤساء الوزراء في تشيكرز، حيث عقد سلسلة من الاجتماعات مع مقربين ومستشارين لبحث الخيارات المتاحة.

وقال وزير الأعمال بيتر كايل إن رئيس الوزراء «يخصص وقتاً للتأمل في الحقائق السياسية والتحديات والفرص التي تواجهه».

كما أفادت صحيفة «الغارديان» بأن ستارمر وفريقه المقرب بدأوا بالفعل العمل على مسودة خطاب استقالة محتمل، مشيرة إلى أن السيناريو الأكثر ترجيحاً يتمثل في بقائه حتى نهاية الصيف قبل تسليم القيادة إلى خليفة جديد خلال مؤتمر حزب العمال في سبتمبر (أيلول).

وأشارت تقارير إعلامية إلى أن أكثر من 100 نائب من أصل 403 نواب لحزب العمال باتوا يدعون إلى رحيله، فيما تُعد وزيرة الخارجية إيفيت كوبر من بين أبرز الشخصيات الحكومية التي تطالب بإجراء تغيير في القيادة.

ويأتي ذلك بعد أشهر من التراجع السياسي المتواصل لحكومة ستارمر، التي واجهت انتقادات حادة بسبب سلسلة من الأخطاء السياسية والتراجعات في السياسات العامة والاستقالات الوزارية، فضلاً عن الجدل الذي أثاره تعيين بيتر ماندلسون سفيراً للمملكة المتحدة في واشنطن.

كما شكلت النتائج الضعيفة التي حققها حزب العمال في الانتخابات المحلية والإقليمية الأخيرة في إنجلترا واسكوتلندا وويلز عاملاً إضافياً في تأجيج الدعوات إلى تغيير القيادة.