مراسلو جنوب لبنان لـ«الشرق الأوسط»: نغطي حرباً بلا قواعد اشتباك

مقتل زملاء شكل لهم صدمات كبيرة

إدمون ساسين وفريقه من "إل بي سي آي" (الشرق الأوسط)
إدمون ساسين وفريقه من "إل بي سي آي" (الشرق الأوسط)
TT

مراسلو جنوب لبنان لـ«الشرق الأوسط»: نغطي حرباً بلا قواعد اشتباك

إدمون ساسين وفريقه من "إل بي سي آي" (الشرق الأوسط)
إدمون ساسين وفريقه من "إل بي سي آي" (الشرق الأوسط)

لا يُحسد مراسلو الحرب على المهمة الصحافية التي يقومون بها أثناء تغطيتهم اشتباكات جنوب لبنان إثر اندلاع حرب غزة. فهم ومنذ 7 أكتوبر (تشرين الأول) اتخذت حياتهم منحى آخر يميل أكثر نحو خطر الموت. وتوسعت هذه الفرضية إثر استشهاد زميلهم في وكالة «رويترز» عصام عبد الله، ولاحقاً المراسلة فرح عمر والمصوّر ربيع المعماري، كما ازداد الأمر تعقيداً مع قرار وكالات الأنباء الأجنبية الانسحاب من أرض المعركة.

المصورون والمراسلون لن ينسوا لكن لن يسمحوا بخسارة أي فرد من أفرادهم، لا سيما أن استشهاد أي إعلامي، صحافياً كان أم مصوراً، يشكل لزملاء المهنة صدمة عارمة. ومن جهة ثانية، تراهم الآن يدركون أن الغطاء الدولي الذي كانوا يظنونه متوفراً للجسم الإعلامي ولّى. إذ تبين للجميع أن الجيش الإسرائيلي لا يلتزم بالقواعد العالمية للحرب، ولا يفرّق بين صحافي أو عسكري، ولا بين مستشفى ومركز قتال. ذلك أنه ضرب عرض الحائط كل هذه القواعد، ما جعل مهمة الصحافي المراسل والمصور محفوفة بالأخطار.

مجموعة من هؤلاء المراسلين التقتهم «الشرق الأوسط»، وتعرفت إلى نمط حياتهم وطبيعة مهماتهم خلال تغطيتهم اشتباكات الجنوب. بينهم من ترك عائلته وأولاده خلفه كأي جندي حرب، وبينهم المراسلة المرأة التي باتت أرض المعركة منزلها الثاني.

محمود شكر ونوال برّي (الشرق الأوسط)

شغف المهنة

السؤال البديهي الذي قد يطرحه أي شخص على أحد هؤلاء المراسلين هو «هل أنت مضطر للقيام بهذه المهمة الخطيرة؟»... خصوصاً وأن غالبية المراسلين تفرّغوا للإقامة في أرض الحرب منذ بدايتها، عيونهم الساهرة تتابع مجريات الأمور لحظة بلحظة. ثم أنهم حتى عندما يخلدون إلى النوم، يكون العدو وراءهم يراقبون تحركاته خوفاً من حصول مفاجأة ما، وبينهم من ينتمي إلى أرض الجنوب لأنها مسقط رأسه. إنهم أبطال من نوع آخر، يضعون حياتهم على كف عفريت من أجل شغف المهنة.

نيران غير صديقة

يقول إدمون ساسين، مراسل المؤسسة اللبنانية للإرسال «إل بي سي آي»، إنه قبل حرب غزة كان يغطي حرب أرمينيا وأذربيجان. وتجربته غنية بأخرى خاضها على مدى 12 سنة في هذا المضمار. وهو حالياً يقوم بتغطية الاشتباكات الساخنة الدائرة في جنوب لبنان مع إسرائيل.

كيف يصف إدمون مهمته هذه؟ فيجيب: «نحن اليوم نقف على خط التماس الأساسي لحرب تدور بين جنوب لبنان وشمال إسرائيل. الخطورة التي نواجهها كبيرة جداً. فالصواريخ والانفجارات تحيط بنا، والطائرات والمسيّرات الحربية تحوم فوق رؤوسنا. أي غلط وارد في حال أخطأ الطرف الآخر هدفه».

ثم يضيف: «عادةً في الحروب نعرف أين يجب أن نتموضع... إلا أن هذا يغيب في هذه الحرب. نحن الآن نمشي على خط الموت وليس على خط نار. وعندما حصلت عملية استشهاد الزميل عبد الله كنا نقف في وسط أرض المعركة، ولكن على مبعد من خط النار. وفجأة سقط صاروخ على هذه النقطة، وكنت على بعد أمتارٍ من فريق عبد الله. لقد شاهدنا الحادثة بأم العين، ولذا كانت صدمتنا كبيرة، وأدركنا بعدها أن مبدأ تحييد الصحافيين عند الإسرائيليين أمر غير متوفر بتاتاً».

كوابيس الطفولة عادت

أما نوال برّي، مراسلة تلفزيون «إم تي في»، فتقول لـ«الشرق الأوسط» إن التجربة الميدانية التي تعيشها اليوم ذكرتها بطفولتها. فهي ابنة الجنوب وقد عرفت ويلات الحرب وتأثرت بها. وتتابع نوال شارحة: «النوم هرب من عيني وعادت إليّ كوابيس حرب الجنوب عندما كنت طفلة. أنا أعيش اليوم مع فريق (إم تي في) على جبهة الحرب. قبل استشهاد الزميل عبد الله كنا نقوم بمهمتنا معتقدين أننا محيّدون كأي صحافي حرب... ولكن زمن ما بعد رحيل عصام ليس كما قبله. تغيّر أدائي وصرت أكثر حذراً... بعدما كنت أكثر اندفاعاً أتنقل بين بلدة وأخرى سعياً وراء الخبر». وتستطرد: «إن أسوأ ما يمكن أن نتعرّض له كمراسلين الآن هو العجز عن الانسحاب من نقطة اشتعلت فجأة... فنعلق في الوسط ونواجه خطر الموت ويغدو مصيرنا مجهولاً. صحيح الحس الصحافي يغلب على انفعالاتنا في لحظة الحدث... لكن الأهم تجنب التهور وتحاشي التفريط بسلامة الفريق».

دارين الحلوة (الشرق الأاوسط)

صدمة العمر

محمود شكر، مراسل قناة «العربية»، أكد أن مهمته، كما غيره من الزملاء، صعبة من دون شك، وأردف خلال حوار مع «الشرق الأوسط» موضحاً: «أنا هنا على الحدود الجنوبية للبنان منذ اندلاع حرب غزة. طبعاً نعرف تماماً ما ينتظرنا، وكيف نتحرك ونتنقل ونلحق بالخبر. كانت الأمور تدور في أفقها الطبيعي بالنسبة لمراسل ميداني. ولكن بعد استهداف عصام عبد الله تغيّر كل شيء. كان مع فريقه على بعد أمتار قليلة منّا. زارني في موقعي وألقى عليّ التحية ودلّني على الموقع الذي يقصده. كانوا تحت موقعنا مباشرة، وعندما أصيبوا راحوا يصرخون ويطلبون النجدة. لا يمكن أن أنسى هذا المشهد فقد أصبت بصدمة لن أنساها».

حب مهنة المصاعب

أما دارين الحلوة، مديرة مكتب وكالة «سكاي نيوز» في بيروت، فلديها تجربة لا تشبه تلك التي يعيشها زملاؤها. فهي تترك ولديها التوأم في البيت منذ أول أيام حرب غزة. ومع فريقها في جنوب لبنان تحاول أن تمدّ وكالتها بكل المستجدات على أرض المعركة. ثم أنها عملت من قبل مراسلة وتعرف تماماً طبيعة مهمتها الميدانية أثناء الحرب... ولكن في الحرب الحالية القواعد تغيرت.

تروي دارين لـ«الشرق الأوسط» قائلة: «تغيّرت تحركاتنا تماماً بعد مقتل الزميل عصام عبد الله. لا أجد أن هناك ما يستأهل خسارة واحد من أفراد فريقي. نحن نقيم اليوم في بلدتي جديدة مرجعيون وعين إبل بعيداً عن خطوط النار. وأحياناً أسأل نفسي عمّا يدفعني للقيام بهذه المهمة الخطيرة؟ ويأتيني الجواب الصريح إنه شغف الصحافة». وتتابع دارين الحلوة: «أشتاق لأن أشمّ رائحة أولادي وأغمرهم، وهم في المقابل يحاسبونني على غيابي عنهم. حادثة عصام عبد الله دفعتنا إلى إعادة حساباتنا، فمن الواضح أن أهداف العدو ليست عسكرية فقط. أولويّاتي اختلفت اليوم، فأنا لا أخاطر اليوم بفريقي ولا بنفسي لتصوير ما يحدث مكان القصف. والصورة إذا لم تشكّل إضافة مستحقّة فلا ضرورة للمجازفة من أجلها. فماذا يعني أن نصوّر منزلاً مهدّماً...أو قن دجاج محروقاً؟ المعلومة والتحليل لهما فائدتهما أيضاً. والصورة ليست أهم من حياتنا... إنه الجنون بحد ذاته في هذه الحرب والتجربة ثقيلة».

ولكن، من ناحيته، يؤكد مصوّر قناة «العربية» ماهر المرّ، أن الصورة أساسية في العمل الميداني. ويقول: «ما يكمل أهميتها رسالة المراسل، ولكن من دونها يبقى التقرير ناقصاً. والمكان الذي نوجد فيه يكشف على مواقع العسكر الإسرائيلي... وهكذا أستفيد من موقعنا وأنقل صورة حية عما يحصل. شغفي لمهنتي يحدثني مرات للاقتراب أكثر من مواقع ساخنة، ولكننا بتنا الآن نتوخى الحذر أكثر».

طريقة اختيار المراسلين

الخلطة باتت معروفة في عملية اختيار المحطة التلفزيونية أو الوكالة الإخبارية لمراسليها. إذ تؤخذ بعين الاعتبار عوامل مثل عمر تجربة كل منهم وتخصصهم في النقل الميداني المباشر. ثم أنه لا يُفرض على أي مراسل خوض التجربة إذا كان لا يستسيغها. وبالفعل، غالبية المراسلين الذين تحدثنا إليهم التحقوا بمهمتهم عن رغبة وتصميم.

أيام الاستراحة تكون قليلة لا تتعدى الأيام الثلاثة وهم يمضونها بقلق. وحسب نوال برّي: «لا أحب أن يفوتني أي مستجد على الساحة. بل إنني أشعر بالذنب عندما يعوضون بي زميلاً آخر، لذلك ترينني في أيام الاستراحة بعيدة عن الراحة الحقيقية».

للمراسل مصادره

رامز القاضي، مذيع الأخبار في تلفزيون «الجديد»، اختار شخصياً مهمته في الجنوب. ذلك هو ابن المنطقة ومتضلع من جغرافيتها. وسبق له أن غطى حرب الجنوب غير مرة... كما غيرها. وهو يرى أن ما يحصل في غزة راهناً لا يمكن مقارنته بما يحصل في الجنوب، ويشرح: «هناك حجم الموت والضحايا من الأطفال كبير جداً».

من جهة ثانية، مهمة المراسل الميداني محددة بنقل واقع يواكبه بمعلومات موثوقة. وهنا يشرح القاضي: «ليست مهمة المراسل التحليل، بل ربط المعطيات المتوافرة له على الأرض. الصورة تلعب دوراً من دون شك، والمصادر منبع المعلومات أيضاً». ويضيف: «مصادرنا معروفة، وهي تنحصر بـ(حزب الله)... كما أن تراكم الخبرات يسهم في النجاح في مهمات شبيهة. كنا نعتقد في البداية أن الإسرائيلي لن يقصف بالمباشر الصحافيين، لكننا كنا على خطأ، ولذا صار عندنا خوف من غدر العدو كونه لا يأخذ بمعايير السلامة العالمية. فكلمة (Press) المعلّقة على بزاتنا الميدانية الخاصة أو على مركبات النقل الخاصة بنا ما عادت تنفع».

ارتدادات نفسية

على صعيد آخر، تترك ارتدادات الحرب على المراسل نفسه آثارها السلبية، فهو من ناحية يعاني من عقدة الذنب كونه يترك وراءه أهله وعائلته وأولاده، ولا يحب الالتفات إلى الوراء كي لا يضعف... فيمشي بخطوات ثابتة ويلحق بشغف المهنة. لكنه من ناحية أخرى يعيش حالة نفسية صعبة لمشاهد قاسية يراها عن قرب. إن مشاهد مثل استشهاد زميل وإصابات خطرة، ونزوح مواطنين وتشتتهم تاركين بيوتهم وقراهم، واندلاع نيران هنا وقصف للطيران، وانفجارات على بعد أمتار منهم هناك... كلها تصيبهم في العمق ولا يلمسون غور جروحها إلا بعد انتهاء المهمة.

وهنا يعلّق إدمون ساسين: «على أصحاب المحطات ووكالات الأنباء الاهتمام بالصحة النفسية لمراسل الحرب. فمداراة تداعيات الحرب عليه يجب أن تؤخذ بعين الاعتبار. أنا شخصياً نجوت من موت محتّم نحو 5 مرات. صحيح أن شغفي بمهنتي ينسيني هذه الصور وأنا أقوم بالمهمة... ولكن مع الوقت تعود وتطفو آثار الحرب علينا لأن هذه الجروح تسكن أعماقنا».

ولنوال برّي رأيها أيضاً في الموضوع، فتقول: «هناك صراع قاسٍ نعيشه بين شغفنا لمهنتنا وبين عقدة الذنب تجاه أهلنا. فعندما استشهد زميلي عصام طلب مني والدي العودة إلى البيت. وخلال اتصالي معه عبر الهاتف دافعت عن مهمتي وناقشته... تركته حزيناً، وهو ما بقي يحزّ في نفسي وانعكس سلباً عليّ».

أما رامز القاضي فيقول: «نقطة ضعفي تتمثل بأمي وأبي. وعندما أتعرض إلى أي خطر أتصل بهما بسرعة لأطمئنهما. لكل منا مفهومه الخاص للحياة، لكني مقتنع بأن علينا ألا نجعل من الموت هاجساً عندنا، وإلا فإننا لن نتحرك من أماكننا... نحن معرّضون للرحيل في أي لحظة، وليس بسبب الحرب فقط».



«تيك توك» تركز على «دعم الاقتصاد الإبداعي» في المنطقة

"تيك توك" تأمل في أن تكون منصة اقتصاد إبداعي في منطقة الشرق الأوسط. (الشرق الأوسط)
"تيك توك" تأمل في أن تكون منصة اقتصاد إبداعي في منطقة الشرق الأوسط. (الشرق الأوسط)
TT

«تيك توك» تركز على «دعم الاقتصاد الإبداعي» في المنطقة

"تيك توك" تأمل في أن تكون منصة اقتصاد إبداعي في منطقة الشرق الأوسط. (الشرق الأوسط)
"تيك توك" تأمل في أن تكون منصة اقتصاد إبداعي في منطقة الشرق الأوسط. (الشرق الأوسط)

قالت كِندة إبراهيم، المديرة العامة الإقليمية لشؤون العمليات لدى «تيك توك» في الشرق الأوسط وأفريقيا وجنوب ووسط آسيا، إن استراتيجية المنصة في المنطقة خلال عامي 2026 و2027 ترتكز على بناء «اقتصاد إبداعي مستدام» يحوّل المحتوى من نشاط رقمي إلى مسار مهني حقيقي، ويمنح المواهب المحلية أدوات النمو والوصول إلى الاقتصاد الرقمي العالمي.

وأوضحت إبراهيم، خلال لقاء مع «الشرق الأوسط» على هامش حفل جوائز «تيك توك» الذي نُظم أخيراً، أن المنصة «لا تنظر إلى نفسها بوصفها منصة ترفيه فحسب، بل منظومة متكاملة تتحول فيها الإبداعات إلى مهن، والاهتمامات إلى مجتمعات رقمية، والقصص المحلية إلى محتوى قادر على الانتشار عالمياً مع الحفاظ على هويته الثقافية».

وأضافت أن هذه الاستراتيجية «تقوم على الاستثمار في أدوات صناعة المحتوى، وتوسيع فرص تحقيق الدخل المستدام، وتعزيز أنظمة الأمان، وبناء شراكات تمكّن المواهب المحلية من النمو داخل المنطقة وخارجها بثقة». وأردفت أن تركيز المنصة سيظل منصبّاً على أسواق رئيسية مثل المملكة العربية السعودية ودولة الإمارات العربية ومصر، إلى جانب أسواق واعدة أخرى تشهد زخماً متزايداً في ريادة الأعمال والإبداع الرقمي.

مؤشرات نضج المنظومة

في هذا السياق، رأت كندة إبراهيم أن نتائج حفل جوائز «تيك توك» لمنطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا لعام 2025 «شكّلت مؤشراً واضحاً على نضج منظومة صناع المحتوى في المنطقة، بعدما شارك أكثر من 5.7 مليون مستخدم في التصويت، مما يعكس تحول الجمهور من مجرد متلقٍّ إلى شريك فاعل في صناعة المشهد الإبداعي».

وأوضحت أن تكريم 33 صانع محتوى ضمن 11 فئة شملت الترفيه والتعليم والتأثير الاجتماعي والرياضة والطعام والأزياء والابتكار، «يعكس اتّساع نطاق الإبداع وعمقه».

وتابعت قائلةً إن صناعة المحتوى في المنطقة «لم تعد مرتبطة بلحظة انتشار عابرة أو بنوع واحد من المحتوى، بل أصبحت منظومة حقيقية تبني مجتمعات رقمية وتسهم في تشكيل الثقافة».

واستطردت بأن «وصول 66 صانع محتوى إلى القوائم النهائية قبل بدء التصويت يؤكد وجود قاعدة واسعة ومتنوعة من المواهب في مختلف أنحاء المنطقة، وهو ما دفع (تيك توك) إلى تطوير برامج دعم جديدة لعام 2026، تشمل استثمارات أكبر في أدوات مثل (تيك توك استديو) و(تيك توك ون)، إلى جانب برامج متخصصة للمعلمين والفنانين وصناع المحتوى الرياضيين ورواة القصص».

كِندة إبراهيم، المدير العام الإقليمي لشؤون العمليات لدى "تيك توك" في الشرق الأوسط وأفريقيا وجنوب ووسط آسيا.(الشرق الأوسط)

محركات النمو

من جهة ثانية، ذكرت كندة إبراهيم أن نمو «تيك توك» في منطقة الشرق الأوسط وأفريقيا تقوده ثلاثة عوامل رئيسة تتمثل في: الاكتشاف، والمجتمع، وفرص الدخل المستدام.

ولفتت إلى أن «نظام التوصية القائم على الاهتمامات، وليس على عدد المتابعين، يتيح للأصوات الجديدة الظهور بسرعة، ويسمح للاهتمامات المتخصصة من التعليم والرياضة إلى الطعام والجمال، بأن تتحول إلى حركات ثقافية واسعة تقودها المجتمعات نفسها... وأدوات مثل (تيك توك ون)، والتعاون بين صناع المحتوى، أمور تسهم في تحويل التفاعل إلى علاقات أعمق وفرص دخل حقيقية، مما يدعم بناء منظومة إبداعية أكثر استدامة في المنطقة». ومن ثم، فإن المنصة -وفق كندة ابراهيم- «تقيس هذا النمو عبر مجموعة من المؤشرات، تشمل عدد المستخدمين النشطين، ووقت المشاهدة، والتفاعل المتكرر، ونشاط صناع المحتوى، وتبني أدوات تحقيق الدخل، إضافة إلى عدد الصنّاع الذين ينشرون محتوى بشكل منتظم، وسرعة وصول المواهب الجديدة إلى مجتمعاتها».

التعليم والترفيه

ورداً على سؤال عن طبيعة المحتوى، أكدت أن الترفيه لا يزال عنصراً أساسياً في تجربة «تيك توك»، لكنه لم يعد النوع الوحيد الذي يبحث عنه الجمهور... ذلك أن المحتويين التعليمي والمعرفي، إلى جانب محتوى ريادة الأعمال والتأثير الاجتماعي، قطاعات تشهد نمواً متزايداً، خصوصاً عبر مبادرات مثل «تعلم في تيك توك».

وأوضحت أن التعليم على المنصة لا يأتي بصيغة تقليدية، بل في قالب بسيط وسريع وممتع، يمزج بين الفائدة والترفيه، وهو ما يجعل المحتوى أكثر قرباً من الناس وأكثر قابلية للمشاركة والاستمرار.

منصة متعددة الأجيال

وفيما يتعلق بالفئات العُمرية، شددت المدير العام الإقليمي لشؤون العمليات لدى «تيك توك» في الشرق الأوسط وأفريقيا وجنوب ووسط آسيا، على أن «تيك توك» باتت «منصة متعددة الأجيال بطبيعتها». إذ تعتمد تجربة المستخدم على الاهتمامات لا على العمر، وبالتالي، «فإن كل مستخدم يجد محتوىً يناسبه، سواءً للترفيه أو التعلّم أو التعبير عن الذات، مما يجعل التجربة أكثر شمولاً وإنسانية».

السلامة والذكاء الاصطناعي

أما عن التحديات، فقالت إن «تيك توك» تولي أولوية قصوى لبناء بيئة رقمية آمنة وشفافة، خصوصاً مع الانتشار المتزايد لأدوات الذكاء الاصطناعي. وشرحت كيف أن المنصة كانت أول جهة تطبّق تقنية «بيانات اعتماد المحتوى Content Credentials بالتعاون مع تحالف C2PA لتمييز المحتوى المُنشأ بالذكاء الاصطناعي».

وأضافت أن أكثر من 37 مليون صانع محتوى استخدموا أداة وسم المحتوى المُنشأ بالذكاء الاصطناعي منذ العام الماضي، كما جرى وسم أكثر من 1.3 مليار فيديو بعلامات مائية غير مرئية، في خطوة تهدف إلى تعزيز الشفافية.

كذلك كشفت عن إطلاق صندوق بقيمة مليوني دولار لدعم محو الأمية في مجال الذكاء الاصطناعي، إضافةً إلى الانضمام إلى «Partnership on AI» لتعزيز التعاون على مستوى الصناعة. وشددت على أن هدف «تيك توك» في الشرق الأوسط وأفريقيا هو مواكبة الابتكار، مع الحفاظ على بيئة آمنة ومسؤولة تحترم الخصوصية، وتعزز الثقة، وتدعم الإبداع الحقيقي الذي يعكس ثقافة وقيم مجتمعات المنطقة.

هذا، وتجدر الإشارة إلى أن المنصة كانت قد نظّمت اخيراً حفل جوائزها السنوي لمنطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا احتفاءً بأبرز صنّاع المحتوى في المنطقة الذين كان لهم تأثير متميز خلال عام 2025، وتم تكريم صنّاع المحتوى الذين ساهمت قصصهم وإبداعاتهم وتأثيرهم في رسم ملامح هذا العام على المنصة وخارجها.

تنامي المنصة

للعلم، تُعدّ «تيك توك» من المنصات الرقمية المتنامية العالم. وخلال السنوات الماضية عملت على طرح المحتوى بشكل مختلف من خلال الفيديوهات القصيرة. إذ تقوم فلسفة المنصة على نموذج اكتشاف قائم على الاهتمامات لا على عدد المتابعين، مما يمنح الأصوات الجديدة فرصة الظهور والانتشار السريع، ويتيح للمجتمعات الرقمية أن تتشكل حول متابعات مشتركة، سواءً في التعليم أو الرياضة أو الطعام أو ريادة الأعمال أو الفنون.

وفي منطقة الشرق الأوسط وأفريقيا، تتطلع «تيك توك» لأن تكون لاعباً رئيسياً في تشكيل الثقافة الرقمية، إذ تحوّلت إلى مساحة للتعبير عن الهوية المحلية، ومسرح للأفكار الجديدة، ومنصة لإطلاق المواهب الشابة.


«فيسبوك» يراهن على الذكاء الاصطناعي لمواجهة «تراجع التفاعل»

شعار "فيسبوك" (د ب أ)
شعار "فيسبوك" (د ب أ)
TT

«فيسبوك» يراهن على الذكاء الاصطناعي لمواجهة «تراجع التفاعل»

شعار "فيسبوك" (د ب أ)
شعار "فيسبوك" (د ب أ)

عاد الجدل حول مستقبل التفاعل على منصة «فيسبوك» إلى الواجهة، في ظل مؤشرات أداء حديثة تُظهر استمرار تراجع معدلات التفاعل، مقارنة بمنصات اجتماعية منافسة. وهذا الأمر يدفع الآن شركة «ميتا»، مالكة المنصة، إلى الرهان على الذكاء الاصطناعي بوصفه مساراً لاستعادة التفاعل عبر تحسين أنظمة التوصية وترتيب المحتوى، وتقديم تجربة أكثر تخصيصاً للمستخدمين.

لقد أشار تقرير أجرته «سوشيال إنسايدر» (وهي شركة متخصصة في تحليل بيانات وسائل التواصل الاجتماعي وتقديم تقارير مؤشرات أداء)، خلال الشهر الحالي، إلى أن «متوسط معدلات التفاعل على (فيسبوك) بلغ 0.15 في المائة. وهي نسبة تعكس انخفاضاً تم تسجيله منذ مطلع عام 2025». وتبيّن المؤشرات التي استندت إلى تحليل بيانات نحو 70 مليون منشور عبر منصات «تيك توك» و«إنستغرام» و«فيسبوك» و«إكس» (تويتر سابقاً)، أنه لا يمكن فصل هذا التراجع عن التحولات الأوسع في سلوك المستخدمين، ولا عن المنافسة المحتدمة مع منصات تقدّم أنماطاً أكثر حيوية من المحتوى، وفي مقدمتها الفيديو القصير.

حاتم الشولي، المشرف على تحرير الإعلام الرقمي في قناة «الشرق للأخبار»، أرجع انخفاض التفاعل على «فيسبوك» إلى عدة عوامل. وأوضح لـ«الشرق الأوسط» أن «(فيسبوك) بات يعاني من هجرة جيلَي زد وألفا، وتحوّل المنصة إلى فئة عُمرية أكبر (في سن 35 سنة)، والسبب في ذلك أساساً وجود منافسين أكثر حيوية ومنصّات تقدّم أنماطاً جديدة من المحتوى مثل (تيك توك) و(إنستغرام)، حتى إن (فيسبوك) باتت منصة الآباء والأجداد».

الشولي يشير إلى «تحول (فيسبوك) لإحراق المحتوى؛ إذ تتعرّض الحسابات العادية لنحو 1500 منشور محتمل خلال أقل من 8 ساعات، ما أدى إلى مفهوم انهيار السياق والاتجاه نحو التلوث في الكم مع إغفال النوع». ويضيف: «هو بالأساس يدخل في إطار فلسفة الاقتصاد، بتحويل انتباه المستخدمين وجعلها عملية نادرة، تتنافس عليها الشركات المعلنة، الأمر الذي أدى لتحول المنصة لسوق من الإعلانات، مع انعدام المحتوى». ويلفت إلى أن «الكمية الهائلة من المنشورات ولّدت فقراً في الانتباه، كما يقول هربرت سايمون، الذي أسس لفكرة اقتصاد الانتباه».

جدير بالذكر أن مارك زوكربيرغ، الرئيس التنفيذي لـ«ميتا»، كان قد ألمح إلى نية الشركة الدفع باتجاه مزيد من الأدوات والاستخدامات المعززة بالذكاء الاصطناعي، وهو ما عدّه خبراء «رهاناً لتعويض تراجع التفاعل». وكشفت «ميتا» عقب إعلانها أحدث تحديثات الأداء عن دور أنظمتها المتقدمة المدعومة بالذكاء الاصطناعي في تحسين ترتيب المحتوى وزيادة الصلة داخل الخلاصات.

عودة إلى الشولي، فإنه يرى صعوبة في إيجاد تغيير ملموس بشكل كامل على «فيسبوك»؛ إذ يقول: «المنصة بحاجة لإعادة نظر في شكلها الحالي وطبيعة عملها... والأهم من ذلك استقطابها لجمهور الشباب؛ إذ لدى (فيسبوك) نحو 3 مليارات مستخدم نشط شهرياً، منهم 2 مليار ناشطون بشكل يومي، ولكن معدل الأعمار الأكثر نشاطاً هم الأكبر بالعمر، وهذه مشكلة عنق الزجاجة التي تعاني منه (فيسبوك) طوال السنوات العشر الماضية».

ويضيف أن «الذكاء الاصطناعي قد يؤثر في استهلاك المحتوى من قبل المستخدمين؛ لكن داخل حيز الحسابات النشطة فقط». وهو لا يعتقد بارتفاع أعداد الحسابات النشطة أكثر مما عليه الآن.

من جهة ثانية، وفق البيانات الرسمية لـ«ميتا»، أسهمت تحسينات ترتيب الخلاصات والفيديو على «فيسبوك» خلال الربع الرابع من عام 2025 في زيادة مشاهدات منشورات الخلاصة والفيديو العضوية بنسبة 7 في المائة، مع تسجيل نمو في وقت مشاهدة الفيديو على أساس سنوي داخل الولايات المتحدة. كذلك زادت المنصة من عرض المقاطع القصيرة المنشورة في اليوم نفسه بنسبة تجاوزت 25 في المائة مقارنة بالربع الثالث من العام ذاته.

وهنا ذكرت دعاء عمار، الصحافية المتخصصة في الذكاء الاصطناعي وصناعة المحتوى، في لقاء مع «الشرق الأوسط»، أن «فيسبوك» لم تنجح في جذب الشرائح الأصغر سناً. ولفتت إلى التغيّر في تفضيلات الخوارزمية، قائلة: «في السابق كانت خوارزمية (فيسبوك) تعرض ما ينشره أصدقاؤك وأقاربك، أما الآن فتحاول (فيسبوك) استنساخ (تيك توك)». وأردفت دعاء عمار أن «الخوارزمية المدعومة بالذكاء الاصطناعي ما تشاهده على أساس اهتمامك الحالي، وليس بناء على مَن تتابعهم»، معتبرة أن هذا قلّل «الحميمية» التي كانت قبل ذلك دافعاً أساسياً للتفاعل بالتعليقات والمشاركة.

وبالنسبة لرهان «فيسبوك» على الذكاء الاصطناعي، رأت دعاء عمار أن «المشكلة تكمن في أن خوارزميات الذكاء الاصطناعي مصممة لزيادة التفاعل بأي ثمن، ما قد يؤدي على سبيل المثال إلى انتشار الأخبار المضللة أو حبس المستخدم في فقاعة من المحتوى الذي يوافق مزاجه فقط؛ ما قد يخلق استقطاباً مجتمعياً حاداً». ومن ثم «التفاعل يجب أن يكون هدفاً مقيداً وليس الهدف الوحيد... والحد الفاصل هو عندما يتحوّل الذكاء الاصطناعي من أداة لتحسين التفاعل، إلى محرّك غير خاضع للمساءلة لزيادة هذا التفاعل».


«واشنطن بوست» تعلن تنحي رئيسها التنفيذي بعد عمليات تسريح جماعية

ويل لويس الرئيس التنفيذي لصحيفة «واشنطن بوست» (ا.ب)
ويل لويس الرئيس التنفيذي لصحيفة «واشنطن بوست» (ا.ب)
TT

«واشنطن بوست» تعلن تنحي رئيسها التنفيذي بعد عمليات تسريح جماعية

ويل لويس الرئيس التنفيذي لصحيفة «واشنطن بوست» (ا.ب)
ويل لويس الرئيس التنفيذي لصحيفة «واشنطن بوست» (ا.ب)

أعلنت صحيفة «واشنطن بوست»، السبت، تنحي رئيسها التنفيذي ويل لويس من منصبه، بعد أيام من بدء تنفيذ خطة واسعة النطاق لخفض عدد الموظفين في هذه المؤسسة الصحافية الأميركية التي يملكها جيف بيزوس.

مقر صحيفة «واشنطن بوست» (إ.ب.أ)

وتسبب إعلان الخطة الأربعاء لتسريح قرابة 300 صحافي من أصل 800 بصدمة، في ظل تنامي التحالف بين مؤسس «أمازون» والرئيس الأميركي دونالد ترمب الذي يشنّ باستمرار حملات على وسائل الإعلام التقليدية منذ عودته إلى السلطة.

وفي رسالة إلكترونية أُرسلت إلى الموظفين وكشفها أحد صحافيي «واشنطن بوست» على وسائل التواصل الاجتماعي، قال ويل لويس إنه «بعد عامين من العمل على تطوير صحيفة واشنطن بوست، حان الوقت المناسب للتنحي عن منصبه».

وسيتم استبداله بجيف دونوفريو الذي يشغل منصب المدير المالي لواشنطن بوست منذ العام الماضي، بحسب الصحيفة.

قراء صحيفة واشنطن بوست شاركوا في وقفة احتجاجية أمام مبنى الصحيفة الخميس الماضي (ا.ف.ب)

وتعاني «واشنطن بوست»، المعروفة بكشفها فضيحة «ووترغيت ووثائق البنتاغون، والحائزة 76 جائزة بوليتزر منذ العام 1936، أزمة مستمرة منذ سنوات.

وخلال ولاية ترمب الأولى، حققت الصحيفة أداء جيدا نسبيا بفضل أسلوبها الصريح في تغطية الأحداث. وبعد مغادرة الملياردير الجمهوري البيت الأبيض، تراجع اهتمام القراء بها وبدأت نتائجها بالانخفاض الحاد.

وخسرت الصحيفة 100 مليون دولار في عام 2024، وفق صحيفة «وول ستريت جورنال».

في خريف عام 2024، امتنعت «واشنطن بوست» عن نشر افتتاحية تدعم كامالا هاريس في الحملة الرئاسية ضد دونالد ترمب، رغم أنها أيدت المرشحين الديموقراطيين في انتخابات أعوام 2008 و2012 و2016 و2020. واعتبر كثر ذلك محاولة من جيف بيزوس للتقرب من ترمب.

واستحوذ بيزوس الذي تُقدّر ثروته حاليا بـ 245 مليار دولار وفقا لمجلة فوربس، على صحيفة واشنطن بوست عام 2013.

وقال لويس في رسالته «خلال فترة إدارتي، اتُخذت قرارات صعبة لضمان مستقبل مستدام للصحيفة، حتى تتمكن من الاستمرار في نشر أخبار عالية الجودة وغير متحيزة لملايين القراء يوميا».

ونقل بيان «واشنطن بوست» عن بيزوس قوله إن الصحيفة لديها «فرصة استثنائية. ففي كل يوم، يزوّدنا قراؤنا بخريطة طريق نحو النجاح. تقول لنا البيانات ما هو قيّم وأين يجب أن نركز جهودنا».

وجرى الاستغناء عن عدد كبير من المراسلين الأجانب، بمن فيهم جميع من يغطون أخبار الشرق الأوسط والأحداث في روسيا وأوكرانيا.

كما طالت عمليات الصرف الجماعي أقسام الرياضة والكتب والبودكاست والأخبار المحلية والرسوم البيانية، حتى أن بعضها أُلغي في شكل شبه كامل.