«معرض بيروت للكتاب»... زوّاره يبحثون عن فلسطين

عودة الحياة إلى «عميد المعارض العربية»


نشاط في أحد الأجنحة
نشاط في أحد الأجنحة
TT

«معرض بيروت للكتاب»... زوّاره يبحثون عن فلسطين


نشاط في أحد الأجنحة
نشاط في أحد الأجنحة

في ظل أجواء الحرب على غزة، انطلقت أعمال «معرض بيروت العربي الدولي للكتاب» الذي ينظمه «النادي الثقافي العربي» منذ 65 عاماً. وإذ جاءت الهدنة وتوقف القتال، ليعطي دفعة غير منتظرة للمعرض، فإن الأيام الأولى تشي بحماسة وإقبال غير متوقعين، أسرّتا قلوب الناشرين.

«منذ يوم الافتتاح الخميس الماضي، بدا واضحاً أن الجمهور آتٍ ليشتري، هذا لاحظناه على رواد جناحنا»، تقول لنا رنا إدريس مديرة «دار الآداب». عطلة نهاية الأسبوع بحيويتها كانت مفرحة للناشرين، والإقبال على الأنشطة، زاد المنظمين إحساساً بالرضا.

ومن حسن الحظ أنه بالتزامن مع هدنة غزة، هدأت جبهة الجنوب اللبناني أيضاً، وكأنما شيء من الارتياح خيّم على البلاد.

ما يحدث خالف كل التوقعات. فمع أحزان الحرب، وتعلق الناس بشاشاتهم، أكثر من انشغالهم بحاجاتهم الثقافية، وبسبب أن «نقابة الناشرين اللبنانيين» كانت قد نظّمت «معرض لبنان الدولي للكتاب» قبل شهر فقط، وحشدت له حملة إعلامية كبيرة، وأقامته في «فوروم دو بيروت» حيث المساحة فسيحة والتقسيمات أنيقة؛ بدا أن هذا المعرض التقليدي الذي صار عمره أكثر من ستة عقود، قد ضُرب في مقتل، لكن المفاجأة السعيدة، أن الرواد بدوا مخلصين لمعرضهم المعتاد، أكثر مما تصوره البعض. مساحة المعرض الحالي صغيرة، في «سي سايد أرينا» الواجهة البحرية، المكان الذي نال منه انفجار المرفأ عام 2020، ولا يزال استرجاع المساحة السابقة مستعصياً، لكنها ليست مشكلة على ما يبدو. «نحن معتادون على هذا المعرض، وله تاريخ وعراقة، وصغر حجمه لا يعيبه، بل يبدو لنا دافئاً وحنوناً. المعرض السابق كان تنظيمه أفضل، لكننا شعرنا فيه بشيء من الغربة»، تشرح رنا إدريس.

رغم الوقت الضيق بين المعرضين، حرصت «دار الآداب» على الإتيان بكتب جديدة، لعل أقربها إلى قلب صاحبة الدار هو كتاب شريكها وشقيقها الأديب الراحل سماح إدريس. وهو رواية «قمر» التي كتبها قبل وفاته، ولم تبصر النور قبل اليوم. وأطلق الكتاب بحفل يشبه صاحبه الذي كان شغوفاً بفلسطين. ومن إصدارات الدار الجديدة لمواكبة المعرض: «عام واحد من العزلة» لإيمان اليوسف، و«الكلمة الأجمل» لأودور آفا أولافسدوثير، و«النكبة المستمرة» لإلياس خوري.

بالمناسبة توضح إدريس، أن إقبالاً لافتاً جداً تلاقيه كل إصدارات الدار عن فلسطين، وكأنما الناس تعود من جديد لتقرأ عن القضية التي نسيتها لفترة طويلة. هناك طلب كبير على كتب إدوارد سعيد، وإلياس خوري خاصة كتابه الجديد عن فلسطين «النكبة المستمرة»، و«حكاية جدار» للأسير الفلسطيني ناصر أبو سرور، وكذلك مؤلفات جبرا إبراهيم جبرا خاصة كتابه «البئر الأولى» الذي يروي فيه سيرة حياته وطفولته في القدس، و«صناعة الهولوكوست» لنورمان غاري فنكلشتاين، وبالطبع رواية عدنية شبلي «تفصيل ثانوي» بعد حرمانها من جائزة معرض فرانكفورت للكتاب. وهناك إقبال أيضاً على رواية «قناع بلون السماء» لباسم خندقجي، أسير في السجون الإسرائيلية، صدرت حديثاً.

«دار الآداب» ليست استثناء، فقد عملت غالبية الدور على إبراز كتبها عن فلسطين في أجنحتها، وعن الشخصيات الفلسطينية المعروفة، بسبب الطلب عليها، منها كتاب «استشهاد شيرين أبو عاقلة» الذي كانت قد أصدرته «مؤسسة الدراسات الفلسطينية» العام الماضي. أما الكتاب الأكثر مبيعاً في المؤسسة فهو «التطهير العرقي في فلسطين» للمؤرخ الإسرائيلي إيلان بابه. هكذا ربما يأتي المعرض في وقت يحتاج فيه القراء للعثور على إجابات لأسئلة عادت لتطفو على السطح من جديد، بعد صدمة الحرب على غزة ومجازرها الصادمة.

يحتفي مدير المعرض عدنان حمود، بعودة الحياة إلى هذا الحدث السنوي، فدورة العام الماضي كانت ظروفها الاقتصادية أشد وطأة. «الآن البلد أموره تسير، ونحن حالنا كما الآخرين. نعم شعرنا بوطأة الحرب ونحن ننظم المعرض، وبالطبع هناك صعوبات، لكننا تعودنا. وقد عاش هذا المعرض طوال الحرب الأهلية، ولم ينقطع، وخلال الاجتياح الإسرائيلي ولم يحتجب»، يشرح لنا حمود أنه منذ بدء التنظيم تصرف وكأن الوضع عادي، وقرر أن المعرض سيقام بمن حضر. «نعم ثمة من قرر تصغير مساحة جناحه للتوفير، وهذا يفهم، وبعض الدور قررت ألا تشارك، ولكنها ليست كثيرة»، يعد حمود أن العوائق لم تعد لبنانية فحسب، «بمقدوركم سؤال الناشرين وسيخبرونكم أن كل المعارض العربية تغيرت أحوالها، وخفتت مبيعاتها. لم تعد القراءة كما كانت، ولا الإقبال كالسابق. هذا الأمر ليس حكراً علينا»، ويروي حمود أن هذا المعرض الذي هو الأقدم في المنطقة، مديرو المعارض العربية هم الذين أطلقوا عليه عام 1992 اسم «عميد المعارض العربية» وليس نحن؛ لمكانته وأهميته، عادّاً أن الناشر اللبناني لا يزال متميزاً؛ «لأنه هو الذي يقرأ المخطوطة، ويطبع ويشرف على النشر، وهو الذي يحمل كتابه بنفسه ويسوقه في كل مكان، ولا يعهد به لأي أحد آخر». ورأت سلوى بعاصيري رئيسة «النادي الثقافي العربي» أن «إقامة المعرض في هذا الظرف العصيب ليست مغامرة في غير أوانها ولا تغريدة خارج هموم الناس وأولوياتهم، بل هو نوع من أنواع النضال».

ثمة ارتياح عام لدى الناشرين أن يروا «معرض بيروت للكتاب» كما عرفوه يعود إليه الزخم بعد فترة انقطاع بسبب وباء «كورونا» من جهة، والأزمة الاقتصادية من جهة أخرى، ومن ثم عودته المتعثرة قبل أن ينتعش هذه المرة. «الكلمات هي ذاتها يكررها الناشرون الذين سألناهم: (هو معرضنا الذي تعودنا عليه)»، هذا ما تقوله نسرين كريدية، المديرة التنفيذية لـ«دار النهضة العربية»، متأسفة لغياب دور نشر وازنة مثل «الرافدين» و«الراتب» و«نوفل»، و«التنوير»، بسبب الانقسام بين منظمي المعرضين المتتاليين زمنياً، لكنْ هناك سبب آخر لغياب بعض الدور اللبنانية، بحسب ما يشرح لنا مدير المعرض حمود، هو أن «اتحاد الناشرين العرب» برمج «معرض كتاب الكويت» في نفس الوقت؛ لأنه تعامل مع المعرض الذي عُقد الشهر الماضي على أنه الأساسي، ويضيف حمود: «رغم أن تعاوننا مع (اتحاد الناشرين) يمتد إلى عشرات السنين، فكيف يشطبون موعدنا بهذه الطريقة؟!».

هذه الخلافات لا تنغص فرحة الناشر سليمان بختي صاحب «دار نلسن» الذي يعد أن عودة الرواد إلى هذا المعرض تؤكد أن «من يصنع معرض الكتاب هم الناس، وليست نقابة (اتحاد الناشرين)، ولا (النادي الثقافي)، ولا التمويلات السخية. الكتاب ليس حكراً على أحد. هو نتاج المجتمع والناس، وهو لهم ومن أجلهم. والنشاطات الثقافية الغنية المصاحبة، بتنوعها، وبنوعية الحضور وطبيعة الحوارات، تظهر بوضوح دور بيروت، وكيف أنها صدى لكل ما يحدث في العالم العربي». ويعد بختي أن «بيروت أكبر من هذا الكباش الذي يدور بين الطرفين، ولا يليق تصغيرها على هذا النحو. وسأبقى - مع محبتي للجميع - مع معرض موحد فعّال، يحفظ لبيروت دورها». هذا المطلب تصرّ عليه رنا إدريس أيضاً التي تطالب بأن «تمارس دور النشر ضغطاً، باتجاه العودة إلى معرض واحد. ما حصل بشع ومزعج، وهو ليس لمصلحة الناشر ولا القراء». لنسرين كريدية الرأي عينه، عادة «أننا مع بعض الدور الأخرى على علاقة جيدة بالطرفين، وسنلعب دور حمامة السلام. فمن جهة هناك نقابتنا، ومن جهة أخرى النادي الذي لنا علاقة تاريخية معه، وعلينا أن نسعى معهما لتوحيد المعرض، فليس منطقياً ما يحدث».

البداية الطيبة للمعرض الحالي، شجعت على إعلاء الصوت لإنهاء الانقسام، وإن كان الناشرون يعدون أن الصيغة الحالية لمعرض بيروت بحاجة إلى تطوير مستمر.

ويتميز المعرض في دورته الحالية، بكثافة الأنشطة. فقد خُصص العديد من الندوات لمناقشة الكتب الجديدة. وثمة جلسة للاحتفال بمئوية كتاب «النبي» لجبران خليل جبران، وأخرى لقراءات في شعر نزار قباني بمناسبة مرور مائة عام على ولادته. كذلك هناك «احتفالية بيروت عاصمة الإعلام العربي»، وندوة حول «المفاعيل القانونية والأخلاقية للذكاء الاصطناعي»، ويتحدث عبيدو باشا عن كتابه الجديد «مئوية ولادة عاصي الرحباني»، وندوة حول «الخيار الاقتصادي البديل». ثمة يومياً ستة أنشطة في قاعتي المحاضرات وحدهما، فضلاً عن التواقيع والبرامج التي تنظمها الدور في أجنحتها.

وبما أن فلسطين هي موضوع الساعة، فقد نُظمت أمسية شعرية بعنوان «فلننصر غزة بالشعر والموقف»، شارك فيها الشعراء: جهاد الحنفي، وجمانة نجار، ووجدي عبد الصمد، وعماد الدين طه، وميراي شحادة، ومردوك الشامي، وعصمت حسان. وقد ألقيت مجموعة من القصائد التي تُحاكي فلسطين وجراحها ومعاناتها وبطولات مقاوميها والجرائم التي ارتكبها الاحتلال بحق أبناء غزة.

وضمن الأنشطة أربعة معارض، بينها معرض لأغلفة كتب تخص أنيس منصور ونجيب محفوظ وخيري شلبي، رسمها الفنان المصري التشكيلي حلمي التوني، وجمعها اللبناني عبودي أبو جودة، ومعرض آخر للفنان معتزّ الصواف، وثالث لطلاب الجامعات الذين فازوا بمسابقة لرسم أجمل لوحة تجسد علاقتهم بالكتاب، ورابع للفنان كميل حوّا.

يستمر المعرض حتى الثالث من الشهر المقبل، وحركة الزوار مرهونة بهدوء الحال.



هل البشر أعداء ما يعلمون؟

تمثال لسقراط
تمثال لسقراط
TT

هل البشر أعداء ما يعلمون؟

تمثال لسقراط
تمثال لسقراط

هناك سلوكٌ ثقافي نسقي يشير إلى أن عقول البشر تسكن، وتطمئن حين تجهل، وتتوتر حين تعرف. وأكرر هنا تعبير «ألاّ تعرف فأنت آمن»، وقد استخدمته من قبل في توريقةٍ سابقة مع نظرة مختلفة. وهذه حالٌ تتكشف مع ردود الفعل على ما يستجد من نظريات ومن مخترعات.

وفي سيرة المعرفة يقع أي جديد معرفي في ردود فعلٍ تدخله في مواجهات حية. ومن أهم وأقوى أسباب حياة النظرية هي في المواقف ضدها، بينما تموت أي نظرية إن هي مرت بسلامٍ وقبول، وبقدر ما يكون الرفض تكون النظرية أصلب، وهذا يعني أول ما يعني أنها جديدةٌ ومختلفةٌ. ومن شرط أي نظرية جديدة أن تعطي تفسيراً مختلفاً لظاهرة ما أو لنصوص ما، سواء كانت نظرية علمية أو فلسفية أو نقدية. وأبرز علامات الاختلاف عما استقرّ هو ظهور الخلاف على ما استجد. وكلما زادت درجات الخلاف تقوت درجات الاختلاف أكثر وأكثر. وعادة يتناسل الخلاف في تداعي أصحاب المهنة ضد المستجد وكأنهم يتآمرون عليه، والحقيقة المخفية هي أنهم يشعرون بأن الجديد هو المتآمر عليهم وعلى مقامهم. ذلك لأنهم يخافون من فقدان ما استقرت عليه معارفهم، وكل تغير معرفي هو تحول من الراحة إلى الشك، ولا يقف التغيّر عند تحول النظر والمفاهيم فحسب بل هو أيضاً تغيرٌ في السلوك الذهني وفي نظام الخطاب.

وهنا تتكشف حالات الاستجابة من صاحب النظرية، وكيف يتعامل مع ردود الفعل هذه. وهي لحظة ميلاد المعارك الكبرى في تواريخ الثقافات، وأولها وأقساها تاريخياً رد الفعل على مقولات سقراط الذي انتهى بالحكم عليه بالإعدام حين صدقت الجماهير تهم الخصوم وبلغت بهم حد السخط المطلق وانتهت بعقد محكمة خضعت لضغط الشارع. ثم توالت سير ردود الفعل ولم تسلم منه أي نظرية قوية في تحولها وطرحها، وفي ثقافتنا القريبة من ذاكرتنا حدثت المعارك الأدبية الكبرى، وهي التي اختصت بوصفها بالأدبية لأنها وقعت بين أدباء ولم يسلم أديب في عقود منتصف القرن العشرين من معارك وقعت ما بين هجومٍ ومنافحة، ونتج عن ذلك أدبيات كثيرة بمثل ما نتج عنها من عدوات واستقطابات، وتطورت هذه الظاهرة مع انفتاح وسائل التواصل، حيث أصبح التعارك ملمحاً ثقافياً بارزاً في كل أمر العلاقات الثقافية بكافة صيغها السياسية والشعبوية والشخصية، فتغريدة واحدة قد تفجر براكين الغضب الذي يخرج كل مخازن الذواكر في امتحان جماهيري بين أخلاقيات اللغة وأخلاقيات السلوك اللساني، وإذا سكنت الحروب دخلت في النسيان لتخلي الفضاء لمعارك تنتظر دورها للانبثاق ثم لتحفيز الذواكر للانفجار.

وكل هذا شرط معرفي بمثل ما هو من صفات السلوك الثقافي، وهي مزودة أصلاً برصيد وافر من العتاد اللفظي والصيغ الماكرة ومن الاستعداد البشري للصراع اللغوي كما الصراعات الحربية، ولن يكون الإنسان كائناً حياً ما لم يدخل في تصارع مع غيره كما هي صفة كل كائن حي حيواناً كان أو إنساناً.

على أن المعرفة والرأي والفتوى كلها صيغٌ لغوية، ودوماً ما يكون سبب المعارك نابعاً من حالات الأسلوب ذاته، والطريقة التي قيل فيها الرأي أو بنيت عليه المقولة، وهنا ندرك أن اللغة سلاحٌ ليس ذا وجهين فحسب، بل ذو وجوه لا تقف عند حصر. ولا تتكشف وجوه اللغة بكاملها إلا للمشاهد المحايد الذي يقرأ دون حس بالتوتر أو الشخصانية. وقد يجد المحايد أن الأمر لا يستحق ذلك الضجيج، لكن الحقيقة هي أن كل شأن لغوي هو حالة رد فعل ابتداءً واستمراراً. فالطفل الوليد يصرخ لحظة خروجه من الرحم الذي كان يحميه ويطعمه ويعتني به، وإذا خرج أحس أنه تعرض لعنفٍ خارجي أخرجه من مأمنه إلى عالم يجهله ويجهل شروط العيش فيه. ويظل عمره كله يتعلم كيف يعيش خارج رحمه الأول الذي فقده فيصرخ محتجاً على إخراجه منه لكنه لن يعود ولذا يظل في توجس مستمر لن يلين إلا حين يدخل في رحم ختامي ويغادر الحياة لحياة لن يعرفها إلا إذا دخل فيها. وهنا تحضر كلمة حمزة شحاتة «لا يعطي تفسيراً تاماً للحياة إلا الموت»، وأول أسرار الموت أن الثقافة علمتنا أن نتذكر محاسن موتانا، لأننا في حياتهم نمعن فقط في تذكر سيئاتهم، وهذا سر المعرفة التي تتأبى التحقق دون ولادات قيصرية وصرخات احتجاجية.

أخيراً فإن البشر يجمعون بين رغبتين متناقضتين، فالجهل راحةٌ واطمئنان، وأن تكشف غطاء المحجوب عنك شقاءٌ وصرخة ميلاد، ولكننا لسنا بخيارٍ بينهما. ونحن نتطلب الكشوفات المعرفية ولكن راحتنا في البقاء على ما عهدنا، غير أنها راحةٌ مشاغبة، إذ ما يلبث الفضول أن يتحرك لكشف المخفي ليظل على قلق كأن الريح تحته (حسب كلمة المتنبي).

* كاتب وناقد سعودي


«بوكر العربية» تعلن عن قائمتها القصيرة

أغلفة الروايات المرشحة
أغلفة الروايات المرشحة
TT

«بوكر العربية» تعلن عن قائمتها القصيرة

أغلفة الروايات المرشحة
أغلفة الروايات المرشحة

أعلنت الجائزة العالمية للرواية العربية (البوكر العربية)، عن قائمتها القصيرة للدورة التاسعة عشرة، وتضم 6 روايات. وجاء الإعلان في مؤتمر صحافي عُقد بهيئة البحرين للثقافة والآثار، في المنامة.

وضمّت القائمة القصيرة ست روايات هي: «غيبة مَي» للبنانية نجوى بركات، و«أصل الأنواع» للمصري أحمد عبد اللطيف، و«منام القيلولة» للجزائري أمين الزاوي، و«فوق رأسي سحابة» للمصرية دعاء إبراهيم، و«أغالب مجرى النهر» للجزائري سعيد خطيبي، و«الرائي» للعراقي ضياء جبيلي.

ترأس لجنة تحكيم دورة هذا العام الناقد والباحث التونسي محمد القاضي، وضمّت في عضويتها الكاتب والمترجم العراقي شاكر نوري، والأكاديمية والناقدة البحرينية ضياء الكعبي، والكاتبة والمترجمة الفلسطينية مايا أبو الحيات، إضافة إلى ليلى هي وون بيك، وهي أكاديمية من كوريا الجنوبية.

وجاء في بيان اللجنة: «تتوفر القائمة القصيرة على نصوص روائية متنوّعة تجمع بين الحفر العميق في أعماق النفس البشرية، وسبر الواقع العربي الراهن بمختلف التيارات الفكرية التي تعصف به، والسفر عبر الزمن إلى العصور الماضية التي يُعاد استحضارها وقراءتها، لتكشف للقارئ عن جوانب خفية من هويتنا المتحوّلة».

وأضاف البيان: «تمثل هذه الروايات المستوى الرفيع الذي بلغته الرواية العربية، ومدى نزوعها إلى الانفتاح على قضايا العصر وإلى تنويع الأساليب التي تنأى بها عن المباشرة والتعليم، وتجعلها خطاباً يتوجه إلى ذائقة متحولة لقارئ يطمح إلى أن يكون شريكاً في عملية الإبداع لا مجرد مستهلك للنصوص».

من جانبه، قال ياسر سليمان، رئيس مجلس الأمناء: «تطوّرت الرواية العربية تطوّراً لافتاً خلال العقود القليلة الماضية، متقدّمة بخطى واثقة اعتماداً على ديناميتها الذاتية، من دون أن تغفل ارتباطها بالأدب العالمي من حيث الشكل والقضايا التي تنشغل بها. وتلتقط الروايات المرشّحة في هذه الدورة عالماً من التقاطعات المتعدّدة، فتربط أحياناً بين الحاضر والعالم القديم، أو بين المألوف ثقافياً وعوالم غير مألوفة، بما يكشف في الحالتين عن الاستمرارية أكثر مما يكشف عن القطيعة.

وتستدعي الأصوات الداخلية القارئ بوصفه شريكاً فاعلاً في إنتاج المعنى، من دون أن تُثقله بسرد كابح. كما أنّ تنوّع الموضوعات واتّساعها، واختلاف الرؤى السردية في هذه الروايات، من شأنه أن يلقى صدى لدى طيف واسع من القرّاء، سواء قُرئت الأعمال بلغتها العربية الأصلية أم في ترجماتها إلى لغات أخرى».


«ربيع الصحارى الكبرى»... تاريخ ليبيا من الاستعمار إلى الثورة

«ربيع الصحارى الكبرى»... تاريخ ليبيا من الاستعمار إلى الثورة
TT

«ربيع الصحارى الكبرى»... تاريخ ليبيا من الاستعمار إلى الثورة

«ربيع الصحارى الكبرى»... تاريخ ليبيا من الاستعمار إلى الثورة

في روايته «ربيع الصحارى الكبرى»، دار «بتانة» للنشر (القاهرة)، يمزج الروائي الليبي أحمد الفيتوري، المتخيل بالواقعي، والسرد الروائي بسرد السيرة الذاتية، ففي بنية النص تمتزج حكاية البطلة المروي عنها، وهي صحافية فرنسية تزور ليبيا أثناء الثورة على الزعيم الليبي السابق معمر القذافي، بحكاية الراوي والسارد، وهو المؤلف نفسه، إذ يحضر الفيتوري بتاريخه وسيرته ومحطات حياته منذ كان طفلاً. وفي الرواية أيضاً مراوحة واضحة بين الماضي البعيد في بدايات القرن العشرين، حيث الاحتلال الإيطالي والفرنسي، ومعاناة الليبيين مع الاستعمار والحروب العالمية، والماضي القريب في مطلع القرن الحالي، ومعاناتهم في الثورة من اللجان الثورية، والقتال الذي انتشر في طول البلاد وعرضها بين الثوار وأعوان النظام السابق، وصولاً إلى الضربات التي وجهتها قوى دولية لمعسكرات النظام، مستهدفة أسلحته لتقليم أظافره، ومنعه من العسف بشعبه.

يرسم الكاتب خريطة ليبيا، عبر رحلة الفتاة الفرنسية، التي قيل إنها اختطفت. يرتحل السرد معها، متجولاً في صحارى ليبيا ومدنها، من شرقها لغربها، من مخابئ الثوار إلى سجون النظام، وبين الطبيعة الغناء الفسيحة الغنية، وغرف الفنادق التي تتحول إلى سجن، تقبع فيه الفتاة قسرياً، بأوامر من رجال أمن النظام، بعد أن أطلقوا سراحها من سجن «بوسليم»، ليفرضوا عليها إقامة جبرية في غرفة الفندق، لتغرق في كوابيسها، من فرط رعبها كلما سمعت صوت انفجار القنابل، فتستدعي تحولات مسخ «كافكا»، وتخشى أن تتحول إلى «صرصار» كما حدث مع بطل رواية «المسخ». وطوال الوقت، وفي المقابل، تستدعي الفتاة حكايات جدها، الذي سبق ووقع في غرام ليبيا، وفتنته صحاريها، لتكون هذه الحكايات زاداً لها ودافعاً للبقاء واستكشاف هذه الصحارى، والوصول إلى مكمن السحر المختبئ تحت طبقات الكثبان الرملية.

تبدأ الرواية بخبر صحافي عن اختطاف فتاة فرنسية في ليبيا، وتتعدد الروايات حول ملابسات اختطافها أو اختفائها، واجتهادات الصحف والمواقع الإلكترونية والقنوات التلفزيونية في تفسير الخبر وما آل إليه مصير الفتاة، وتتبع خط سيرها، بما يمنح الرواية فاتحة شبه بوليسية، تجعل هذه الفتاة بؤرة مركزية للحدث. وبعيداً عن اجتهادات الصحافة، يروي السارد مسيرة الفتاة قبل هذا الاختفاء، وخلاله، وبعده، بدءاً من مرافقتها للثوار، ثم وقوعها في يد قوات أمن القذافي ولجانه الثورية، مروراً بسجنها، ورؤيتها لما يعانيه الليبيون من عذاب وعسف على يد رجال القذافي. فهذا المفتتح البوليسي يعطي السرد قدراً من التشويق في تتبع مصير الفتاة الغامض، الذي يظل غامضاً مع نهاية الرواية أيضاً، في حالة من اللا حسم، فسرديتها تنتهي بسرد الكوابيس التي تراها في منامها داخل غرفة الفندق.

في مقابل حكاية الفتاة وسرديتها، تبرز سردية الراوي، أو للدقة سردية المؤلف أحمد الفيتوري نفسه، الذي ينتقل من سرد حكاية الفتاة إلى سرد جوانب من سيرته، منذ أن كان طفلاً، لنرى الواقع والتاريخ والجغرافية الليبية بعيون محلية، عيون ابن المكان والمنتمي له، والمنغمس في تاريخه ووقائعه منذ مطلع السبعينات، حتى لا تكون الحكاية بعيون الفتاة وحدها؛ عيون السائحة المنبهرة أو المصدومة فقط. هكذا يضع الروائي سرديتها في ضفيرة مع سرديته لا لتنقضها أو تفككها، وإنما لتكملها، وتتضافر معها، لتكون السرديتان معاً بنهاية المطاف رؤيةً بانوراميةً تجمع بين العين الغربية والعين الليبية، وبين الخيالي والسيري، بين حكايات جدها الفرنسي وحكايات جدته التي «ولدت وعاشت في العهد الإيطالي، ثم واكبت مرحلة الإدارة الإنجليزية، فالعهد الملكي، فالانقلاب العسكري»، بما يجعل من هذه الجدة تجسيداً حياً للتاريخ الليبي في العصر الحديث.

يعمد الفيتوري في كثير من مواضع الرواية، سواء في الجزء المتخيل أو في الجزء الذي يمتح من السيرة الذاتية، إلى توثيق تواريخ وأحداث شتى، متكئاً على كثير من الاقتباسات، سواء من خطابات رسمية أو من كتب، فيقول مثلاً: «في يناير من سنة 1707م، كتب شارل لامار، القنصل الفرنسي، إلى وزيره، حول هذه المدينة الحجرية...»، ثم يورد جزءاً من نص الخطاب. كما يورد في مقطع آخر جانباً توثيقياً مختلفاً، يقول فيه: «قام القذافي خلال الخطاب الذي ألقاه في 23 سبتمبر (أيلول) 2009، في مقر الأمم المتحدة، بتمزيق ميثاق الأم المتحدة، ورماه وراء ظهره، متعللاً بعدم احترام المجتمع الدولي للميثاق، وعدم صلاحيته، لأن عهده ولى مع نهاية الحرب العالمية الثانية، على حد تعبيره». هذه الاقتباسات تجعل من النص الروائي، فضلاً عن طابعه الجمالي، مدخلاً للولوج إلى التاريخ بشكل موثق، أقرب إلى تيار الواقعية التوثيقية، وهو ما يتكرر كثيراً في ذكر تفاصيل صراع الثوار مع قوات النظام، بما يجعل أحد أهداف النص الروائي التوثيق لأحداث الثورة الليبية، جنباً إلى جنب مع توثيق السيرة الذاتية للفيتوري، لتندغم سيرة الوطن وثورته بسيرة الإنسان الفرد في لحمة واحدة، لا يمكن فيها فصل إحدى السيرتين عن الأخرى.

يقسم الكاتب الجزء السيري إلى مقاطع سردية، يحمل كل منها عنواناً دالاً على الأحداث التي سيحكيها فيها، ليكون العنوان هو مركز التبئر داخل المقطع، مثلما يعنون أحد هذه المقاطع بعنوان «أبي»، وآخر بعنوان «جدتي»، وثالث «مدرسة الصابري»، ورابع «الصحافة»، وخامس «السجن»، وهكذا... ليكون كل مقطع مخصصاً للحكي حول ما جاء في العنوان، دون أن يكون هذا حداً فاصلاً، فحكايات الأب مثلاً تنسرب في غيره من الفصول والمقاطع كثيراً، وكذا حكاية الجدة، أما حكاية الصحافة فتكاد تكون ممتدة على مدار الرواية كلها، وكذا حكايات السجون التي تفرض حضورها في كل صفحات الرواية، إذ تبدو ليبيا في عهد الاستبداد بمثابة سجن كبير للجميع، مواطنين وأجانب.

وفي أحد هذه المقاطع يروي علاقته بمصر، وهروبه إليها منذ كان مراهقاً، حين سافر دون علم والده.

كما يحكي كثيراً من كواليس العمل الصحافي في ليبيا، وكواليس سجنه طوال عشر سنوات، أثناء حقبة السبعينات، والحياة داخل سجن «بوسليم»، السجن نفسه الذي قبعت فيه الفتاة الفرنسية المروي عنها بعد ذلك، لنرى معاناة الراوي والمروي عنها في السجن نفسه، وعلى يد القذافي نفسه، الذي التقى الكاتب واستقبله مع مجموعة من المفكرين عقب الإفراج عنهم وقتها، فتقترب العدسة الروائية من هذا الشبح الذي سجن كل أبطال الرواية وعسف بهم، فتقدمه كشخصية آدمية من لحم ودم، وليس مجرد طيف مخيف، كاشفة عن جوانب من طبيعة شخصيته.

جانب آخر تعتمد عليه الرواية جمالياً، وهو تضمين السرد جوانب من فنون أخرى، خصوصاً الشعر، إذ يورد الكاتب قصائد كاملة لأبي نواس والمتنبي، كما نرى حضوراً لرواية فرانز كافكا «المسخ»، كما يقتبس مقاطع مطولة من «صلاة تشيرنوبل» للكاتبة الحاصلة على نوبل، سفيتلانا أليكساندروفنا أليكسيفيتش، لتكون الرواية خريطة لتاريخ من الجمال الأدبي، تماماً كما هي خريطة للحياة في ليبيا، ولصحاريها، وللتاريخ المضني الذي عاشه الليبيون، وخريطة لتاريخ الجنون والعسف والقتل، سواء على يد زعيم وطني، أو على يد الاستعمار.