«زهرة الساحل»... مدينة اكتشف السودانيون أسرارها بعد الحرب

ساحل بورتسودان من أنظف السواحل في العالم (وزارة السياحة في بورتسودان)
ساحل بورتسودان من أنظف السواحل في العالم (وزارة السياحة في بورتسودان)
TT

«زهرة الساحل»... مدينة اكتشف السودانيون أسرارها بعد الحرب

ساحل بورتسودان من أنظف السواحل في العالم (وزارة السياحة في بورتسودان)
ساحل بورتسودان من أنظف السواحل في العالم (وزارة السياحة في بورتسودان)

تشهد مدينة بورتسودان المطلة، على ساحل البحر الأحمر شرق السودان أو «زهرة الساحل» كما تحلو للسكان الأصليين تسميتها، انتعاشاً في السياحة البحرية، بعد أن استقرّ فيها آلاف الأشخاص الفارين من جحيم الحرب في العاصمة السودانية، الخرطوم.

وعقب حرب 15 أبريل (نيسان) شكّلت مدينة بورتسودان الساحلية، التي خطفت العاصمة الخرطوم بريقها لعقود مضت، منفذَ الخروج الرئيسي للسودانيين والأجانب، ليتحقق المثل الشعبي القائل: «رب ضارة نافعة» لتنتعش المدينة من جديد ضاجةً بالسكان الذين امتلأت بهم ردهات الفنادق وباحات الشقق الفندقية، وأرصفة المدينة الساحلية.

أبرز المعالم السياحية في بورتسودان هما جزيرتا سواكن وسنكاب (وزارة السياحة في بورتسودان)

يقول بدر الدين همت، يعمل في قطاع السياحة، لـ«الشرق الأوسط»، إن الولاية التي عانت لعقود من ركود حاد في أحد أكبر قطاعاتها الرافدة للاقتصاد (السياحة البحرية) عادت لتسجّل أرقاماً قياسية في طلب خدمات السياحة بشقيها، البحرية والطبيعية. وتابع: «حتى في مواسم مهرجانات السياحة والتسوق لم تشهد الولاية اكتظاظاً كما نشهده الآن».

بورتسودان هي مدينة ساحلية تقع شمال شرقي السودان على الساحل الغربي للبحر الأحمر على ارتفاع مترين فوق سطح البحر، يسودها مناخ البحر الأبيض المتوسط، وتبعد عن العاصمة، الخرطوم، مسافة 675 كيلومتراً. وهي الميناء البحري الرئيسي للدولة.

وحسب همت، فإن ساحل بورتسودان من أنظف السواحل في العالم، ويتميّز مقارنه بالسواحل السياحية الأخرى حول العالم بنقاء مياهه، كما أنه يزخر بعديد من أنواع الشعاب المرجانية والأسماك الملونة والحيوانات البرمائية كالسلاحف البحرية، علاوة على أن (زهرة الساحل) تجذب أعداداً كبيرة من السياح، من هواة الغطس والتصوير داخل المياه. ويشير همت إلى أن أشهر المناطق السياحية في المدينة الساحلية هي: سنقنيب، وهي محمية بحرية في السودان تقع على بعد 13 ميلاً بحرياً من ميناء بورتسودان داخل المياه الإقليمية، وتزخر بتنوع حيوي بحري يتمثل في أسماك مستوطنة على مختلف أنواعها وأحجامها، وأخرى زائرة من بينها الحيتان، وتضم مستوطنات كبيرة من الشعاب المرجانية وغيرها من الكائنات البحرية النادرة، وتوجد حولها بقايا حطام سفن وإنشاءات بحرية ذات قيمة أثرية، وقد أدرجتها من قبل، لجنة التراث العالمي التابعة لمنظمة الأمم المتحدة للتربية والعلم والثقافة، ضمن التراث العالمي.

وحسب همت فإن اسم «سنقنيب» مقتبس من لفظ «سنقانيي»، وهو نوع من الأشجار تنمو في وادي منطقتَي، جبيت و سنكات شرق السودان، حسب نُطق السكان الأصليين. ومن أشهر الشعاب أيضاً وفق همت، شعاب الرومي، وشعاب وينجيت، حيث يرقد حطام سفينة بحرية، وهناك 2 من الفنارات التاريخية، وعنقروش.

أكسسوارات من أصداف البحر (وزارة السياحة في بورتسودان)

وتشير التقديرات المحلية، غير الرسمية، إلى وصول نحو 1500 شخص إلى مدينة بورتسودان منذ اندلاع الحرب في العاصمة الخرطوم، جلّهم سودانيون اتخذوا المدينة ملجأ آمناً، وهناك أيضاً أجانب تم إجلاء معظمهم إلى الخارج عبر مطار بورتسودان والموانئ البحرية.

وتشير هنادي عباس، نازحة من العاصمة الخرطوم، في حديثها لـ«الشرق الأوسط» إلى أنهم لم يكتشفوا جمال بورتسودان ونظافة شواطئها قبيل الحرب التي اضطرتهم للوصول إليها طلباً للهجرة خارج البلاد. وحسب هنادي فإنها وأسرتها يمكثون في المدينة الساحلية بانتظار السفر إلى دول الجوار.

وتتابع هنادي: «لم تكن بورتسودان وجهة سياحية لنا، وحال انتهاء الحرب وعودتنا إلى منازلنا سنعود للمدينة الساحلية لنستمتع بالسياحة فيها، فنحن مثل حال كثير من السودانيين اكتشفنا سحراً براقاً، وإرثاً ساحلياً لم نستمتع بجمال مناظره الخلابة سابقاً، لكن ستكون بورتسودان أولى وجهاتنا السياحية في بلادنا عقب خروجنا من المأساة التي نعيشها الآن».

بورتسودان مدينة ساحلية تقع شمال شرقي السودان على الساحل الغربي للبحر الأحمر

بدوره يقول محمد صلاح، وهو مسؤول في أحد فنادق بورتسودان، لـ«الشرق الأوسط»، شهدت الفنادق منذ 17 أبريل الماضي، اكتظاظاً كثيفاً بالسكان وطالبي السكن. وتابع: «أصبح من النادر أن تجد غرفة شاغرة في فندق أو شقة فندقية»، مشيراً إلى أن الوافدين للمدينة في الأيام الأولى لم يهتموا كثيراً بالسياحة. وردّ ذلك إلى سخونة الأجواء وقتها، علاوة على الحالة النفسية التي كان يمر بها النازحون. إلا أن صلاح عاد وقال: «تشهد السياحة في المدينة حالياً انتعاشاً لم يسبق له مثيل، وذلك يعود إلى الأجواء الربيعية التي تمر بها الولاية، وتحسن الحالة النفسية للسودانيين تدريجياً».

ووفق صلاح، فإن من أبرز المعالم السياحية في بورتسودان جزيرتَي سواكن، وسنكاب، اللتين تتميزان بالأصداف البحرية، والشعاب المرجانية، والآثار البحرية، بالإضافة إلى «منتجع أركويت» في جنوب المدينة، الذي يتميّز بطقسه البارد والمعتدل على مدار العام، بجانب الشاطئ الرئيسي على ساحل البحر الأحمر، والكورنيش، الذي يضم عدداً من المحال التجارية والترفيهية.


مقالات ذات صلة

ما سرّ مراتب الفنادق المريحة؟

سفر وسياحة المعروف عن الفنادق استخدامها أجود أنواع الأسرة (بيكسيلز)

ما سرّ مراتب الفنادق المريحة؟

أصبح النوم في أيامنا هذه عملة نادرة ورفاهية عصرية، حتى بات الحديث عنه جزءاً من النقاش المتزايد حول الصحة العقلية والنفسية وتأثيرهما المباشر على راحتنا الجسدية.

جوسلين إيليا (لندن)
سفر وسياحة عودة "وكالة قايتباي" الأثرية لسابق عهدها بعد ترميمها (الشرق الأوسط)

«فندق قايتباي» يُعيد نزلاءه إلى العصر المملوكي في قلب القاهرة التاريخية

وسط منطقة الجمالية بالقاهرة التاريخية، التي تعج بعشرات المباني الأثرية العتيقة، سيكون لدى البعض فرصة العودة بالزمن لنحو 5 قرون عبر الإقامة في فندق «قايتباي»،

حمدي عابدين (القاهرة)
يوميات الشرق استخدام السماعات لتقليل صخب الموسيقى (شاتورستوك)

غرامات تصل إلى ألف جنيه إسترليني لمكافحة الموسيقى الصاخبة في القطارات البريطانية

تعتزم شركات السكك الحديدية في بريطانيا تشديد الإجراءات ضد الركاب الذين يشغّلون الموسيقى بصوت مرتفع داخل القطارات، مع التلويح بغرامات تصل إلى ألف جنيه إسترليني،…

سفر وسياحة من يدفع ثمن الأعطال التقنية في المطارات؟

من يدفع ثمن الأعطال التقنية في المطارات؟

لم تعد المطارات مجرد محطات عبور للمسافرين، بل أصبحت شبكة عالمية شديدة الترابط. ولهذا فإن عطلاً تقنياً في نظام ملاحة جوية، أو انقطاعاً في الكهرباء، أو طائرة...

جوسلين إيليا (لندن)
سفر وسياحة جولة على مدن تجذب الزوار من أجل طعامها

جولة على مدن تجذب الزوار من أجل طعامها

لم نعد نختار المدن لمجرد رؤية معالمها، بل لنستكشفها وجبة بعد وجبة.

«الشرق الأوسط» (لندن)

وكلاء الذكاء الاصطناعي يعطّلون الرقابة... ثم ينكرون

حادثتان داخل «أوبن إيه آي» تثيران مخاوف بشأن قدرة الأنظمة الذكية على تجاوز الضوابط الأمنية (رويترز)
حادثتان داخل «أوبن إيه آي» تثيران مخاوف بشأن قدرة الأنظمة الذكية على تجاوز الضوابط الأمنية (رويترز)
TT

وكلاء الذكاء الاصطناعي يعطّلون الرقابة... ثم ينكرون

حادثتان داخل «أوبن إيه آي» تثيران مخاوف بشأن قدرة الأنظمة الذكية على تجاوز الضوابط الأمنية (رويترز)
حادثتان داخل «أوبن إيه آي» تثيران مخاوف بشأن قدرة الأنظمة الذكية على تجاوز الضوابط الأمنية (رويترز)

ماذا يحدث عندما يعطّل نظام للذكاء الاصطناعي أدوات مراقبته، ثم ينكر أنه فعل ذلك؟ لم يعد السؤال افتراضياً تماماً، بعدما كشفت حادثتان داخل شركة «أوبن إيه آي»، المطوّرة لـ«تشات جي بي تي»، عن قيام وكيلين للذكاء الاصطناعي بإضعاف إجراءات رقابية خلال تنفيذ مهمتين برمجيتين.

وبحسب تقارير نشرتها صحيفة «فايننشال تايمز» وشبكة «إيه بي سي نيوز»، وقعت الحادثتان خلال أكتوبر (تشرين الأول) 2026. ففي الواقعة الأولى، عطّل أحد الوكلاء التنبيهات التلقائية المرسلة إلى فريق الأمن، بعدما أساء تفسير تعليمات تتعلق بعدم إرسال رسائل عبر منصة «سلاك» في أثناء البحث في سجل المحادثات، واعتبرها مبرراً لإيقاف إشعارات المراقبة أيضاً.

أما الحادثة الثانية، فكانت أكثر إثارة للقلق. فقد كُلّف وكيل بنقل برنامج إلى مسار برمجي آخر مع الحفاظ على وظائفه الأساسية، لكنه أزال نظام المراقبة المدمج فيه سعياً إلى مطابقة النسخة الجديدة للنموذج المرجعي. والأكثر لفتاً أن «أوبن إيه آي» أفادت بأنه أنكر لاحقاً إزالة نظام المراقبة.

وتحقق الشركة فيما إذا كان هذا السلوك يعكس إصراراً مفرطاً على إنجاز المهام، أم أنه يشير إلى ميل نحو التهرب من الرقابة. والفرق بين الاحتمالين مهم؛ فالرغبة في إتمام المهمة قد تدفع النظام إلى اتخاذ خطوات غير مطلوبة، لكن تعطيل أدوات الإشراف وإنكار ذلك يثيران تساؤلات أعمق بشأن فاعلية الضوابط الأمنية.

ولا تثبت الحادثتان أن الأنظمة تمتلك نية واعية للخداع على غرار الإنسان، لكنهما تكشفان أن سلوكها قد يؤدي إلى تقويض إجراءات السلامة، حتى عندما يُفترض أن تكون هذه الإجراءات جزءاً من بيئة عملها.

هل تكفي الرقابة الداخلية؟

قالت «أوبن إيه آي» إنها تعمل على تعزيز أنظمة المراقبة واختبارات السلامة. غير أن الواقعتين تطرحان سؤالاً جوهرياً: كيف يمكن ضمان فاعلية الرقابة إذا كان النظام الخاضع لها قادراً على تعطيلها؟

وتبرز هنا أهمية وضع قيود تمنع الوكلاء من تغيير أدوات الإشراف، والاستعانة بتقييم مستقل للتحقق من سلوكهم، بدلاً من الاعتماد حصراً على أنظمة المراقبة الداخلية.

ومع انتقال الذكاء الاصطناعي من الإجابة عن الأسئلة إلى تنفيذ مهام معقدة باستقلالية متزايدة، لن تكون قدرته على الإنجاز وحدها معيار النجاح. فالثقة تتطلب أيضاً احترام القيود، وإمكانية مراجعة القرارات، والتأكد من أن النظام لا يستطيع تقويض الضمانات الموضوعة للحد من أخطائه.


حل لغز التوهجات النجمية الفائقة في حقل «كيبلر»

تصور فني للعملاق الأحمر والنجم القزم المرافق له في الخلفية (زولت كوفاري - مرصد كونكولي)
تصور فني للعملاق الأحمر والنجم القزم المرافق له في الخلفية (زولت كوفاري - مرصد كونكولي)
TT

حل لغز التوهجات النجمية الفائقة في حقل «كيبلر»

تصور فني للعملاق الأحمر والنجم القزم المرافق له في الخلفية (زولت كوفاري - مرصد كونكولي)
تصور فني للعملاق الأحمر والنجم القزم المرافق له في الخلفية (زولت كوفاري - مرصد كونكولي)

كشفت دراسة جديدة، قادها باحثون من مرصد «كونكولي» في بودابست بالمجر، الأسباب التي تجعل نجماً عملاقاً أحمر بعيداً هو الأكثر نشاطاً وانفجاراً في حقل رصد تليسكوب «كيبلر» الضخم.

ولطالما كان فهم العوامل التي تغذي هذه الانفجارات لغزاً محيراً منذ أن لفت هذا النجم الأنظار إليه لأول مرة. ولكن نتائج الدراسة أظهرت أن تفاعلاً بين نجمٍ مرافِق، وبقع نجمية داكنة ضخمة، بالإضافة إلى آلية داخلية تساعد النجم على توليد مجاله المغناطيسي والحفاظ عليه، تقف وراء هذه التوهجات النجمية الفائقة، مما يجعل النجم يتفوق على غيره في حدة ثورانه.

ولا يُعد النجم «KIC 2852961» الأكبر أو الأكثر سطوعاً بين النجوم التي رصدها تلسكوب «كيبلر» الفضائي التابع لوكالة «ناسا»، لكنه، وبفارق كبير، الأكثر عنفاً. إذ يطلق هذا العملاق الأحمر «توهجات فائقة»؛ تجعل التوهجات الشمسية تبدو ضئيلة للغاية.

وقال زولت كوفاري، الباحث الرئيسي للدراسة من مرصد «كونكولي»، في بيان الأربعاء: «أردنا معرفة السبب الذي يجعل هذا النجم يتسم بهذا القدر من التطرف. هل يعود الأمر لتأثير جاذبية نجمٍ مرافِق؟ أم إلى عمليات تحدث في أعماقه؟».

كان الفريق البحثي قد سلط الضوء على هذا النجم في دراسة نُشرت عام 2020 في دورية «علم الفلك والفيزياء الفلكية»، حيث وثّقوا 59 توهجاً فائقاً من خلال بيانات «كيبلر»، وأظهروا أن تلك التوهجات -التي تظهر في أنواع مختلفة جداً من النجوم- تشترك على الأرجح في الآلية الفيزيائية نفسها.

وتستند الورقة البحثية الجديدة -التي قُبلت للنشر في الدورية ذاتها- إلى النتائج السابقة، بالإضافة لعمليات الرصد الطيفي من الأرض، والبيانات الفضائية من تلسكوب «كيبلر»، ومعلومات من مهمة «غايا» الأوروبية.

مفتاح التشغيل

وأكد الفريق البحثي أن النجم «KIC 2852961» ليس وحيداً؛ فهو المكون الرئيسي في نظام ثنائي متقارب، حيث يكون النجم المرافق قزماً خافتاً، وأن هذا التقارب يعني أن كلاً من النجمين يمارس قوى مد وجزر هائلة على الآخر؛ وهي عملية تشبه تأثير القمر على محيطات الأرض، لكنها تفوق ذلك بمراحل من حيث الحجم والقوة. ومع دخول النجم الرئيسي مرحلة «العملاق الأحمر» -وهي عملية تستغرق عشرات أو حتى مئات الملايين من السنين- بدأ النجم في التوسع وتباطأت سرعة دورانه. ومع ذلك، وتحت تأثير قوى المد والجزر، أصبحت سرعة دورانه متزامنة بشكل متزايد مع حركته المدارية، كما اتخذ مداره شكلاً دائرياً أكثر.

وعلى عكس الأجسام الصلبة، لا تدور النجوم عادةً ككتلة واحدة صلبة؛ إذ تدور خطوط العرض بسرعات متفاوتة، وهي ظاهرة تُعرف بـ«الدوران التفاضلي». ففي الشمس، على سبيل المثال، يدور خط الاستواء بسرعة أكبر من القطبين. ويبدو أن هذا الدوران التفاضلي المتبقي هو العامل الجوهري؛ فهو يغذي «دينامو مغناطيسياً» قوياً داخل النجم، وهي عملية تعمل على توليد المجالات المغناطيسية وتضخيمها باستمرار. وكلما ازدادت هذه المجالات قوةً وتعقيداً، زادت كمية الطاقة المغناطيسية التي يمكن تخزينها، ليتم إطلاقها في نهاية المطاف على شكل توهجات انفجارية.

وأوضح كوفاري: «يلعب الدوران التفاضلي دوراً مزدوجاً». من ناحية، تسهم هذه الظاهرة في تكوين بقع نجمية ضخمة على سطح النجم. ومن ناحية أخرى، تؤدي إلى التواء خطوط المجال المغناطيسي في الغلاف الجوي الخارجي للنجم فوق تلك البقع؛ وعندما تعيد خطوط المجال المغناطيسي الارتباط بعضها ببعض، ينتج ما يُعرف بـ«التوهج النجمي الفائق»، حيث تعمل البقع النجمية الضخمة كمخازن هائلة للطاقة؛ فكلما زادت المساحة التي تغطيها البقع النجمية، توفرت كمية كبرى من الطاقة. وكلما زاد حجم البقع، زادت قوة التوهجات الناتجة عنها.

ويشدد الباحثون على أن دور النجم المرافق غير مباشر ولكنه جوهري؛ فمن خلال قوى المد والجزر التي أدت إلى تسريع دوران النجم العملاق ومزامنته جزئياً، تهيأت الظروف المثالية التي تسمح للدوران التفاضلي بالعمل بفاعلية عالية. بعبارة أخرى، أسهم النجم المرافق في بناء «المحرك»، لكن النجم العملاق الأحمر هو من يملك «مفتاح التشغيل».


«نساء على خطوط المواجهة» في نسخته الـ13 يواكب التحوّلات الراهنة

أُقيم مؤتمر «نساء على خطوط المواجهة» بحضور رئيس مجلس الوزراء نواف سلام (الجهة المنظّمة)
أُقيم مؤتمر «نساء على خطوط المواجهة» بحضور رئيس مجلس الوزراء نواف سلام (الجهة المنظّمة)
TT

«نساء على خطوط المواجهة» في نسخته الـ13 يواكب التحوّلات الراهنة

أُقيم مؤتمر «نساء على خطوط المواجهة» بحضور رئيس مجلس الوزراء نواف سلام (الجهة المنظّمة)
أُقيم مؤتمر «نساء على خطوط المواجهة» بحضور رئيس مجلس الوزراء نواف سلام (الجهة المنظّمة)

«تمكين المرأة ليس قضية النساء وحدهن، بل ركيزة أساسية لتقدّم المجتمع بأسره». بهذه الكلمات، افتتحت الوزيرة السابقة مي شدياق، رئيسة مؤسّسة مي شدياق (MCF)، النسخة الثالثة عشرة من مؤتمر «نساء على خطوط المواجهة».

عُقد المؤتمر في فندق فينيسيا، برعاية رئيس مجلس الوزراء نواف سلام وحضوره، وبمشاركة شخصيات رسمية وسياسية ودبلوماسية وإعلامية واقتصادية. وتناول ملفات إعادة الإعمار والشراكة مع المجتمع الدولي، عبر خمس جلسات حوارية وحديث خاص. كما تطرّق إلى ترسيخ الأمن والسيادة، والنهوض الاقتصادي، والتحوّلات التي يفرضها الذكاء الاصطناعي، ومسؤولية الإعلام في زمن الأخبار المضلّلة. وانطلق من قناعة بأنّ مشاركة النساء الفاعلة في هذه الميادين ليست تفصيلاً، وإنما ركيزة لتحقيق تعافٍ متين وعادل ومستدام.

مي شدياق خلال إلقاء كلمتها في افتتاح المؤتمر (الجهة المنظّمة)

مي شدياق: التحدّي الأكبر ألّا نعتاد الخسارة

أشارت مي شدياق، في كلمتها، إلى أنّ لبنان يدفع أثماناً باهظة، لكنّ الخطر الأكبر يكمن في الاعتياد على الخسارة. وأضافت: «لا يكفي اليوم أن نثبت قدرتنا على الصمود، بل علينا أن نثبت قدرتنا على التغيير. فلبنان لا يعيد إعمار ما دمّرته الحرب بالحجر وحده، بل يعيد بناء الثقة بين المواطن والدولة». وتوجّهت إلى المرأة بالقول: «تمسّكي بحقّك، ارفعي صوتك، وكوني حاضرة حيث تُصنع القرارات».

وفي حديث لـ«الشرق الأوسط»، رأت شدياق أنّ النسخة الحالية تجاوزت تحدّيات كثيرة في ظلّ الأوضاع الراهنة في لبنان والعالم العربي، مشيرةً إلى أنها تناولت موضوعات حديثة تواكب التطوّرات.

وتوقّفت عند استذكارها والدتها التسعينية في كلمتها، مؤكدةً أنّها تستلهم قوتها منها وتعدّها قدوة لها. وأضافت: «إنها رمز الصمود، لا سيما أنها فقدت زوجها وربّتنا وحدها، فيما كنّا لا نزال قاصرات. ثمّ فقدت أخي الصغير، وأصرّت على إكمال دراستنا وتحدّي الحياة والتطلّع إلى الأفضل».

نواف سلام: لا يجوز تغييب النساء عن مواقع صنع القرار

من جهته، شدَّد الرئيس نواف سلام على أهمية تعزيز دور المرأة في التعافي والاستقرار وبناء الدولة، مشيراً إلى أنه ليس من العدل أن تكون النساء في الصفوف الأمامية، ثم يُغيَّبن عن مواقع صنع القرار. ودعا إلى الاحتفاء بنجاحاتهن رغم التحديات، وإزالة العوائق التي تحدّ من مشاركتهن.

بدورها، رأت ممثلة هيئة الأمم المتحدة للمرأة في لبنان، جيلان المسيري، أنّ مشاركة المرأة لا تقتصر على التمثيل والإنصاف، بل تسهم في تحسين جودة القرارات وتعزيز استدامة التعافي والاستقرار في لبنان.

وفي كلمتها، أكّدت المديرة العامة لشركة «لوريال»، الراعية للمؤتمر، إميلي وهّاب حرب، أنّ النهوض بالمرأة مسؤولية وطنية مشتركة تتكامل فيها جهود الدولة والقطاع الخاص والمجتمع المدني.

وعُرض بعد ذلك فيلم قصير عن مسيرة مؤسّسة مي شدياق (MCF) وإنجازاتها، بدءاً ببرامج التدريب على القيادة والتواصل، وصولاً إلى المبادرات الإعلامية التي أطلقتها. كما استعرض الفيلم مسار مؤتمر «نساء على خطوط المواجهة» (WOFL) منذ انطلاقته في بيروت عام 2013، وتحوّله إلى منصّة إقليمية تلتقي فيها أصوات عربية ودولية مؤثّرة دفاعاً عن حضور المرأة في مواقع صنع القرار.

تناول المؤتمر موضوعات تواكب الأوضاع الراهنة في لبنان (الجهة المنظّمة)

إعادة الإعمار بين قيادة الدولة ودعم الشركاء الدوليين

حملت الجلسة الحوارية الأولى عنوان «ما بعد الركام: الدولة في موقع القيادة والشركاء إلى الطاولة»، وشارك فيها وزيرة الشؤون الاجتماعية حنان السيد، والمنسّق الخاص للأمم المتحدة عمران ريزا، وسفيرة الاتحاد الأوروبي في لبنان ساندرا دي وال، ومدير مكتب مجموعة البنك الدولي في لبنان إنريكي بلانكو أرماس.

ولفتت حنان السيد إلى أنّ تكلفة إعادة الإعمار تتجاوز 9 مليارات دولار، في ظل فجوة تمويلية كبيرة. وأكّد ريزا أنّ أحد أبرز الدروس المستفادة من الأزمات المتعاقبة يتمثّل في أهمية بناء المؤسسات خلال الأزمات. من جهتها، أشارت دي وال إلى أنّ الاتحاد الأوروبي ودوله الأعضاء يشكّلون أكبر جهة مانحة للبنان. وشدّد أرماس على ضرورة التعاون مع الجهات المانحة واستقطاب مستثمرين من القطاع الخاص، مشيراً إلى منصّة لإعادة الإعمار برأسمال يبلغ 250 مليون دولار، يسعى البنك إلى زيادته.

الأمن والسيادة في صلب إعادة بناء لبنان

عُقدت الجلسة الحوارية الثانية بعنوان «ترسيخ السلام والاستقرار: قيادة لإعادة بناء أمن لبنان وسيادته»، بمشاركة سفيرة فنلندا في لبنان آن ميسكانين، والسفير الإيطالي فابريتسيو مارتشيللي، ووزير العدل عادل نصّار.

نور عريضة وزينة دكاش: من التأثير إلى إحداث التغيير

ومن الجلسات الحوارية التي استقطبت الاهتمام في المؤتمر، جلسة «أبعد من التأثير: حين يتحوّل الصوت إلى أثر»، التي جمعت المعالجة بالدراما والممثلة زينة دكاش بالمؤثّرة نور عريضة.

وأوضحت عريضة أنّ مواقفها من قضايا ضحايا الاغتصاب وحقوق المرأة، والقضية الفلسطينية التي تتناولها «من منظور إنساني» لا سياسي، كلّفتها بعض التعاونات التجارية. وتوقّفت عند أثر القصص التي سمعتها من نساء تعرّضن للعنف، قائلةً: «لا أزال أشعر بأنفاس هؤلاء النساء وارتجافهن... لكن عندما تستمعين إلى قصصهن، تبدئين برؤية مدى قوتهن. نحن بحاجة إلى اتخاذ خطوات فعلية وتغيير القوانين». ووجّهت رسالة إلى الفتيات قالت فيها: «أريد للمرأة أن تعرف أنها كافية كما هي، وأنّ قيمتها لا تتوقف على رأي الآخرين فيها».

الذكاء الاصطناعي بين الابتكار والأمن والمسؤولية

وتضمّن المؤتمر جلسة حوارية بعنوان «الذكاء الاصطناعي عند مفترق طرق: الابتكار والأمن والتقدّم الإنساني»، شاركت فيها تيفاني سعادة، المتخصّصة في أمن الذكاء الاصطناعي وسياساته، والمستشارة في حوكمة الذكاء الاصطناعي والأمن السيبراني لدى وزارة الدولة لشؤون التكنولوجيا والذكاء الاصطناعي.

وأشارت سعادة إلى أنّ الإشكالية المرتبطة بوكلاء الذكاء الاصطناعي تكمن في الصلاحيات والاستقلالية في اتخاذ القرارات، متسائلةً عمّن يتحمّل المسؤولية في حال تسرّب بيانات حسّاسة. وأوضحت أنّ دور الوزارة يتمثّل في التوعية والتدريب ومساعدة المؤسسات والأفراد على فهم الذكاء الاصطناعي، من دون أن يشكّل ذلك عبئاً على الابتكار.

ولفتت إلى أنّ كلّ شخص متّصل بالإنترنت قد يكون عرضة لهجمات سيبرانية باتت أكثر تكراراً وتعقيداً، مؤكدةً أنّ المعرفة التقنية ورفع مستوى الوعي عنصران أساسيان في مواجهة هذه المخاطر.

توصيات تدعو إلى تعافٍ شامل تقوده الدولة

واختُتم المؤتمر بتلاوة توصيات شدّدت على ضرورة أن تقود الدولة عملية التعافي ضمن إطار وطني منسّق، إلى جانب ترسيخ السيادة وسيادة القانون، واستعادة الثقة، وإنقاذ الاقتصاد المنتج، والمضي في الإصلاح المالي والمصرفي.

وأجمع المشاركون على أنّ تعافي لبنان يتطلّب الانتقال من الاستجابة الطارئة إلى نموذج منسّق وشفاف وشامل، يقوم على تعزيز قدرات الدولة، وحماية القدرة الإنتاجية، واستعادة الثقة، ووضع مشاركة المرأة في صلب عملية التعافي.