هل يجب أن نحمِّل العلم مآسي البشرية كلها؟

إتيان كلان ومؤلفه «غاليليو والهنود»

هل يجب أن نحمِّل العلم مآسي البشرية كلها؟
TT

هل يجب أن نحمِّل العلم مآسي البشرية كلها؟

هل يجب أن نحمِّل العلم مآسي البشرية كلها؟

في إحدى ليالي شتاء 2005، قامت إحدى طالبات الاثنولوجيا بدعوة الباحث الفيزيائي إتيان كلان «Etienne Klein» إلى سهرة يحضرها خمسة من زعماء شعب من الهنود من الأمازون يدعى: «الكايابو LES KAYAPO»، حضروا إلى أوروبا للقيام بجولة دفاعا عن أراضيهم وما لحق بهم من ضياع، جراء زحف الحضارة الغربية التي تهاجم نمط عيشهم وتهدد نظامهم البيئي. يحكي إتيان كلان، بعضا من تفاصيل ذلك اللقاء، الذي يسمه بالمثير فيقول إن وجوههم أصبحت غليظة، فور انتهائهم من تناول وجبة الطعام المعد لهم واحتسائهم للقهوة. وصارت أصواتهم أكثر فخامة وتنبئ بالجدية، وانطلقوا في حديث مطول، يحكون عن قلقهم على مصير ثقافتهم ومجال وجودهم، ويخبرون عن التهديدات التي تطالهم من العالم الغربي وتكنولوجيته. فطرائدهم أصبحت تهرب من غاباتهم، ومجاري مياههم تجف جراء قطع الأشجار. أما أسماكهم، فهي تتسمم بسبب الزئبق الذي يستعمل لتصفية الذهب، ناهيك عن مخلفات الطريق السيار الذي يقطع أراضيهم، والسد الذي سيزج بهم في المجاعة.

في تلك الأثناء، وبينما هم يتكلمون، بدأ يتشكل في ذهن إتيان كلان مباشرة، عالمان متخاصمان لا يجتمعان: عالم الهنود من جهة وعالم الغرب من جهة أخرى. كما توضح له، كم كان لديه من الأفكار المسبقة عما يسمى «بالشعوب البدائية»، وعن أن العقلانية هي فقط عنوان الغرب ووليدته. إن لقاءه مع الهنود وحواره معهم، أظهر له كم كان ساذجا. فهم يمتلكون العقل ولديهم المنطق، ويقدمون الحجج دفاعا عن رأيهم، كما يتعاملون بالمفاهيم وبدقة عالية. ويقول إنهم مثلنا، نحن الذين ندعي أننا «ورثة» المعجزة اليونانية. فإذا كانت قراءة الفيلسوف كانط لديفيد هيوم قد دفعته لإعلان أنه «قد أيقظه من سباته الدوغمائي»، فٳن إتيان كلان يقول بشكل مماثل، إن لقاءه بهؤلاء الزعماء الهنود قد أيقظه من سباته الدوغمائي أيضا. ويقول: لقد سافرت إلى مناطق متعددة ولكني لم أطرح أسئلة، الذات والآخر بوضوح، كما طرحتها وأنا أواجه الهنود، رغم قراءتي للعالم الإنتروبولوجي كلود ليفي شتراوس الذي كان يعلنها عالية: «لا وجود لشعوب بدائية». في هذا السياق بالضبط، سيتساءل إتيان كلان: إذا كان للهنود عقل مثل عقل الغرب تماما، فما الفارق إذن؟
فصل الإنسان عن الطبيعة
في محاولة للإجابة عن السؤال أعلاه، سنلقي نظرة على كتاب ألفه إتيان كلان خصيصا لذلك، وهو بعنوان «غاليليو والهنود» Galilée et Les Indiens، وسنعتمد طبعة فلاماريون لسنة 2013، وتجدر الإشارة إلى أن إتيان كلان، هو من مواليد سنة 1958 في باريس، وهو متخصص في الفيزياء الدقيقة، ومهتم بفلسفة العلوم حيث كانت مجال اشتغاله في الدكتوراه.
يرى إتيان كلان، أنه ورغم اقتناعه بوحدة العقل البشري، فإن اختلاف الغرب عن الهنود يكمن في العلم كما نشأ في القرن السابع عشر، وهو يركز بالذات، على المنعطف الغاليلي. يقول إتيان كلان: إن المجتمعات المسماة «بدائية» تفكر مثلنا بمجرد أن نتوقف عن التفكير بطريقة علمية. لكن لماذا المنطلق مع غاليليو؟ باختصار،، لأن معه سيتم فصل الذات عن الموضوع الخارجي أي عزل الطبيعة عن الإنسان. لكن الهنود لم يقوموا بذلك، فالعالم والإنسان عندهم شيء واحد. فالإنسان لا يقتصر على ما هو إنساني، بل يدمج معه الهواء الذي يستنشقه، والطريدة التي يقنصها، والنبات الذي يبحث عنه للأكل أو للشفاء، والنهر الذي يضم الأسماك التي يصطاد.. فالعالم ممزوج بالإنسان في وصل لا ينقطع.
إن غاليليو بحسب إتيان كلان، سيدشن طريقة جديدة في التفكير، حيث سينقلنا من النظرة التأملية الدافئة والساحرة للعالم، إلى نظرة باردة له. يقول غاليليو «عندما تلمسني الريشة وتحدث لي دغدغة، فهذا الإحساس ينتمي لذاتي وليس للريشة». فغاليليو، وكما يظهر من هذا المثال، كان يسعى لوضع فصل بين ما ينتمي للذات وما ينتمي للعالم الخارجي، إذ يجب، بحسبه، عدم إسقاط ما هو إنساني على الطبيعة. فهذه الأخيرة، صماء وعاطلة لا سبيل إلى فهمها إلا بتكميمها وترويضها، ووضعها في قوالب رياضية. فالكيفيات التي نسقطها على الطبيعة تشوه الموضوع المدروس، وتعطي صورة زائفة عنه. بكلمة واحدة، مع العلم سيضرب سؤال الغايات والمقاصد عرض الحائط، أي إن أسئلة الخير والشر هي خارج اهتمام العلم.
إذن، «ذا كانت نظرة الهنود تضع الإنسان في تناغم مع الكون»، فن نظرة العلم الحديث وبالضبط مع غاليليو، ستضع الإنسان في مواجهة العالم، فهو مختلف عنه. وهنا نتذكر ديكارت معاصر غاليليو، الذي جعل جسمنا أيضا، لا ينتمي إلينا، بل ينتمي إلى العالم الخارجي. فنحن نوجد بالفكر الحر، وهو المميز لنا عن العالم الخاضع للحتمية، الذي يمكن ضبطه والتحكم فيه، بل السيطرة عليه. وهو طموح ديكارت الأكبر الذي تحقق منه الكثير.
إن ما يحدث في العالم بحسب نظرة الفصل الغاليلية، لا يمت بصلة للإنسان. فهما عالمان متمايزان. فكل ما يطرأ في العالم، يتحرك وفق قوانين ميكانيكية محايدة. فالمطر أو الزلزال أو المرض أو الجفاف، هي ظواهر تحدث، ليس من أجل الإنسان دعما له أو انتقاما منه. كما أن الكواكب لا تتبع مساراتها بسبب ترتيب أخلاقي سام، بل هي ببساطة تحقق حالات من المعادلة الميكانيكية. وهو ما سيتجسد مع نيوتن بوضوح. فالعالم يسير تبعا لنظام آلي حيادي، إذ ليس هناك جزء من الكون استثنائي أو يتمتع بامتيازات خاصة. فكل شيء وكل مكان يخضع للقوانين ذاتها. وليس هناك من مادة نقية سماوية خالصة أو مادة مدنسة أرضية. باختصار النظرة العلمية أفقدت الطبيعة قداستها، وكأننا نعيش في عالم شاحب وفاتر. أو لنقل إننا مقذوفون داخل ساعة كبرى يمكن التحكم فيها، بل التلاعب بها.
هل العلم مغامرة خطرة؟
إن المتأمل في مسار حياته، سيجد أنه تنتابه مشاعر متضاربة، فتارة الإعجاب بما هو علمي وتارة أخرى الإحساس بأن العلم يقودنا إلى الهاوية. إذ لم تعد مغامرة العلم مريحة كما كانت، بل أصبحت مثار نقد واتهام، حيث هناك من يرى بأن العلم سينقذنا، بينما هناك من يلح بأنه قد خذلنا وزج بنا في الكارثة.
نعم كان هناك فزع من قنبلة هيروشيما ونكازاكي. نعم هناك تغير في المناخ ينبئ بالخطر. نعم هناك ارتفاع في منسوب البحر. نعم أصبحت أبقارنا مجنونة. نعم نكاد نختنق بالتلوث.. لكن هل يمكن أن نلقي كل هذا على عاتق العلم؟
إنه بمجرد ظهور تكنولوجيا جديدة مثل «Les OGM» أي الأعضاء المعدلة وراثيا، يظهر منطقان ونظرتان متباينتان ومصطدمتان: واحدة تفكر فيما سيتم جنيه من أرباح، والثانية تخشى من الخسائر والتبعات المترتبة عن ذلك.
إذن لقد أصبحت الشكوك تطرح حول العلم وبوضوح، وهذا ما جعل إتيان كلان يقف موقف المدافع عن العلم، رافضا أن تعلق عليه كل مآسي البشرية، إلى درجة أن البعض يطالب بترك العلم نهائيا. يرى إتيان كلان، أن المشكل لا يكمن في العلم لسبب بسيط، وهو أن العلم لا يقول لنا ماذا علينا أن نفعل؟ فهو يكتشف حقائق وكفى. أما استغلال هذه الحقائق بطريقة مخلة، فهذا يعود لأمر غير علمي. إذن ماذا ننتظر من العلم؟ يجيب إتيان كلان بالطبع، ليس الخلاص. فالعلم يؤهلنا لمعرفة محدودة من دون الدخول في تنافس مع الطرق الأخرى لرؤية العالم. وإذا كانت المعرفة العلمية كونية، فهذا لا يعني أنها كاملة، بل هي معرفة تجيب فقط عن الأسئلة التي تدخل ضمن إطار اشتغاله. فالكثير من الأسئلة التي يطرحها البشر ليست علمية من قبيل: كيف نعيش سويا؟ كيف نحقق العدالة؟ كيف نفكر في الحرية؟ ما الحق؟ هذه الأمور القيمية، لا يمكن أن تكون ضمن حقل العلم. وإذا كان العلم لا يقول لنا ماذا سنفعل، فما منبع الخلاص؟ يقول إتيان كلان: إذا ما أخذنا البيولوجيا كعلم، فهي تخبرنا، مثلا، عن كيفية صناعة كائن معدل وراثيا. لكن هي لا تقول لنا هل سنفعل ذلك أم لا؟ فمن سيقرر إذن؟ يؤمن إتيان كلان بأن الجواب يجب أن يكون بعد مشاورة جماعية تستدعي ما أمكن الذكاء الجماعي. فالعالم دوره محدود، هو أن يقول منجزه، أما أن يجيب عن سؤال الخلاص، فهذا ليس مجاله.
إن الدعوة إلى التخلص من العلم بمبرر أنه كلما عرفنا قليلا تصرفنا جيدا، جعلت إتيان كلان يقول: وكأن الأخطاء المرتكبة باسم العلم تجعل من الجهل قيمة!



هل البشر أعداء ما يعلمون؟

تمثال لسقراط
تمثال لسقراط
TT

هل البشر أعداء ما يعلمون؟

تمثال لسقراط
تمثال لسقراط

هناك سلوكٌ ثقافي نسقي يشير إلى أن عقول البشر تسكن، وتطمئن حين تجهل، وتتوتر حين تعرف. وأكرر هنا تعبير «ألاّ تعرف فأنت آمن»، وقد استخدمته من قبل في توريقةٍ سابقة مع نظرة مختلفة. وهذه حالٌ تتكشف مع ردود الفعل على ما يستجد من نظريات ومن مخترعات.

وفي سيرة المعرفة يقع أي جديد معرفي في ردود فعلٍ تدخله في مواجهات حية. ومن أهم وأقوى أسباب حياة النظرية هي في المواقف ضدها، بينما تموت أي نظرية إن هي مرت بسلامٍ وقبول، وبقدر ما يكون الرفض تكون النظرية أصلب، وهذا يعني أول ما يعني أنها جديدةٌ ومختلفةٌ. ومن شرط أي نظرية جديدة أن تعطي تفسيراً مختلفاً لظاهرة ما أو لنصوص ما، سواء كانت نظرية علمية أو فلسفية أو نقدية. وأبرز علامات الاختلاف عما استقرّ هو ظهور الخلاف على ما استجد. وكلما زادت درجات الخلاف تقوت درجات الاختلاف أكثر وأكثر. وعادة يتناسل الخلاف في تداعي أصحاب المهنة ضد المستجد وكأنهم يتآمرون عليه، والحقيقة المخفية هي أنهم يشعرون بأن الجديد هو المتآمر عليهم وعلى مقامهم. ذلك لأنهم يخافون من فقدان ما استقرت عليه معارفهم، وكل تغير معرفي هو تحول من الراحة إلى الشك، ولا يقف التغيّر عند تحول النظر والمفاهيم فحسب بل هو أيضاً تغيرٌ في السلوك الذهني وفي نظام الخطاب.

وهنا تتكشف حالات الاستجابة من صاحب النظرية، وكيف يتعامل مع ردود الفعل هذه. وهي لحظة ميلاد المعارك الكبرى في تواريخ الثقافات، وأولها وأقساها تاريخياً رد الفعل على مقولات سقراط الذي انتهى بالحكم عليه بالإعدام حين صدقت الجماهير تهم الخصوم وبلغت بهم حد السخط المطلق وانتهت بعقد محكمة خضعت لضغط الشارع. ثم توالت سير ردود الفعل ولم تسلم منه أي نظرية قوية في تحولها وطرحها، وفي ثقافتنا القريبة من ذاكرتنا حدثت المعارك الأدبية الكبرى، وهي التي اختصت بوصفها بالأدبية لأنها وقعت بين أدباء ولم يسلم أديب في عقود منتصف القرن العشرين من معارك وقعت ما بين هجومٍ ومنافحة، ونتج عن ذلك أدبيات كثيرة بمثل ما نتج عنها من عدوات واستقطابات، وتطورت هذه الظاهرة مع انفتاح وسائل التواصل، حيث أصبح التعارك ملمحاً ثقافياً بارزاً في كل أمر العلاقات الثقافية بكافة صيغها السياسية والشعبوية والشخصية، فتغريدة واحدة قد تفجر براكين الغضب الذي يخرج كل مخازن الذواكر في امتحان جماهيري بين أخلاقيات اللغة وأخلاقيات السلوك اللساني، وإذا سكنت الحروب دخلت في النسيان لتخلي الفضاء لمعارك تنتظر دورها للانبثاق ثم لتحفيز الذواكر للانفجار.

وكل هذا شرط معرفي بمثل ما هو من صفات السلوك الثقافي، وهي مزودة أصلاً برصيد وافر من العتاد اللفظي والصيغ الماكرة ومن الاستعداد البشري للصراع اللغوي كما الصراعات الحربية، ولن يكون الإنسان كائناً حياً ما لم يدخل في تصارع مع غيره كما هي صفة كل كائن حي حيواناً كان أو إنساناً.

على أن المعرفة والرأي والفتوى كلها صيغٌ لغوية، ودوماً ما يكون سبب المعارك نابعاً من حالات الأسلوب ذاته، والطريقة التي قيل فيها الرأي أو بنيت عليه المقولة، وهنا ندرك أن اللغة سلاحٌ ليس ذا وجهين فحسب، بل ذو وجوه لا تقف عند حصر. ولا تتكشف وجوه اللغة بكاملها إلا للمشاهد المحايد الذي يقرأ دون حس بالتوتر أو الشخصانية. وقد يجد المحايد أن الأمر لا يستحق ذلك الضجيج، لكن الحقيقة هي أن كل شأن لغوي هو حالة رد فعل ابتداءً واستمراراً. فالطفل الوليد يصرخ لحظة خروجه من الرحم الذي كان يحميه ويطعمه ويعتني به، وإذا خرج أحس أنه تعرض لعنفٍ خارجي أخرجه من مأمنه إلى عالم يجهله ويجهل شروط العيش فيه. ويظل عمره كله يتعلم كيف يعيش خارج رحمه الأول الذي فقده فيصرخ محتجاً على إخراجه منه لكنه لن يعود ولذا يظل في توجس مستمر لن يلين إلا حين يدخل في رحم ختامي ويغادر الحياة لحياة لن يعرفها إلا إذا دخل فيها. وهنا تحضر كلمة حمزة شحاتة «لا يعطي تفسيراً تاماً للحياة إلا الموت»، وأول أسرار الموت أن الثقافة علمتنا أن نتذكر محاسن موتانا، لأننا في حياتهم نمعن فقط في تذكر سيئاتهم، وهذا سر المعرفة التي تتأبى التحقق دون ولادات قيصرية وصرخات احتجاجية.

أخيراً فإن البشر يجمعون بين رغبتين متناقضتين، فالجهل راحةٌ واطمئنان، وأن تكشف غطاء المحجوب عنك شقاءٌ وصرخة ميلاد، ولكننا لسنا بخيارٍ بينهما. ونحن نتطلب الكشوفات المعرفية ولكن راحتنا في البقاء على ما عهدنا، غير أنها راحةٌ مشاغبة، إذ ما يلبث الفضول أن يتحرك لكشف المخفي ليظل على قلق كأن الريح تحته (حسب كلمة المتنبي).

* كاتب وناقد سعودي


«بوكر العربية» تعلن عن قائمتها القصيرة

أغلفة الروايات المرشحة
أغلفة الروايات المرشحة
TT

«بوكر العربية» تعلن عن قائمتها القصيرة

أغلفة الروايات المرشحة
أغلفة الروايات المرشحة

أعلنت الجائزة العالمية للرواية العربية (البوكر العربية)، عن قائمتها القصيرة للدورة التاسعة عشرة، وتضم 6 روايات. وجاء الإعلان في مؤتمر صحافي عُقد بهيئة البحرين للثقافة والآثار، في المنامة.

وضمّت القائمة القصيرة ست روايات هي: «غيبة مَي» للبنانية نجوى بركات، و«أصل الأنواع» للمصري أحمد عبد اللطيف، و«منام القيلولة» للجزائري أمين الزاوي، و«فوق رأسي سحابة» للمصرية دعاء إبراهيم، و«أغالب مجرى النهر» للجزائري سعيد خطيبي، و«الرائي» للعراقي ضياء جبيلي.

ترأس لجنة تحكيم دورة هذا العام الناقد والباحث التونسي محمد القاضي، وضمّت في عضويتها الكاتب والمترجم العراقي شاكر نوري، والأكاديمية والناقدة البحرينية ضياء الكعبي، والكاتبة والمترجمة الفلسطينية مايا أبو الحيات، إضافة إلى ليلى هي وون بيك، وهي أكاديمية من كوريا الجنوبية.

وجاء في بيان اللجنة: «تتوفر القائمة القصيرة على نصوص روائية متنوّعة تجمع بين الحفر العميق في أعماق النفس البشرية، وسبر الواقع العربي الراهن بمختلف التيارات الفكرية التي تعصف به، والسفر عبر الزمن إلى العصور الماضية التي يُعاد استحضارها وقراءتها، لتكشف للقارئ عن جوانب خفية من هويتنا المتحوّلة».

وأضاف البيان: «تمثل هذه الروايات المستوى الرفيع الذي بلغته الرواية العربية، ومدى نزوعها إلى الانفتاح على قضايا العصر وإلى تنويع الأساليب التي تنأى بها عن المباشرة والتعليم، وتجعلها خطاباً يتوجه إلى ذائقة متحولة لقارئ يطمح إلى أن يكون شريكاً في عملية الإبداع لا مجرد مستهلك للنصوص».

من جانبه، قال ياسر سليمان، رئيس مجلس الأمناء: «تطوّرت الرواية العربية تطوّراً لافتاً خلال العقود القليلة الماضية، متقدّمة بخطى واثقة اعتماداً على ديناميتها الذاتية، من دون أن تغفل ارتباطها بالأدب العالمي من حيث الشكل والقضايا التي تنشغل بها. وتلتقط الروايات المرشّحة في هذه الدورة عالماً من التقاطعات المتعدّدة، فتربط أحياناً بين الحاضر والعالم القديم، أو بين المألوف ثقافياً وعوالم غير مألوفة، بما يكشف في الحالتين عن الاستمرارية أكثر مما يكشف عن القطيعة.

وتستدعي الأصوات الداخلية القارئ بوصفه شريكاً فاعلاً في إنتاج المعنى، من دون أن تُثقله بسرد كابح. كما أنّ تنوّع الموضوعات واتّساعها، واختلاف الرؤى السردية في هذه الروايات، من شأنه أن يلقى صدى لدى طيف واسع من القرّاء، سواء قُرئت الأعمال بلغتها العربية الأصلية أم في ترجماتها إلى لغات أخرى».


«ربيع الصحارى الكبرى»... تاريخ ليبيا من الاستعمار إلى الثورة

«ربيع الصحارى الكبرى»... تاريخ ليبيا من الاستعمار إلى الثورة
TT

«ربيع الصحارى الكبرى»... تاريخ ليبيا من الاستعمار إلى الثورة

«ربيع الصحارى الكبرى»... تاريخ ليبيا من الاستعمار إلى الثورة

في روايته «ربيع الصحارى الكبرى»، دار «بتانة» للنشر (القاهرة)، يمزج الروائي الليبي أحمد الفيتوري، المتخيل بالواقعي، والسرد الروائي بسرد السيرة الذاتية، ففي بنية النص تمتزج حكاية البطلة المروي عنها، وهي صحافية فرنسية تزور ليبيا أثناء الثورة على الزعيم الليبي السابق معمر القذافي، بحكاية الراوي والسارد، وهو المؤلف نفسه، إذ يحضر الفيتوري بتاريخه وسيرته ومحطات حياته منذ كان طفلاً. وفي الرواية أيضاً مراوحة واضحة بين الماضي البعيد في بدايات القرن العشرين، حيث الاحتلال الإيطالي والفرنسي، ومعاناة الليبيين مع الاستعمار والحروب العالمية، والماضي القريب في مطلع القرن الحالي، ومعاناتهم في الثورة من اللجان الثورية، والقتال الذي انتشر في طول البلاد وعرضها بين الثوار وأعوان النظام السابق، وصولاً إلى الضربات التي وجهتها قوى دولية لمعسكرات النظام، مستهدفة أسلحته لتقليم أظافره، ومنعه من العسف بشعبه.

يرسم الكاتب خريطة ليبيا، عبر رحلة الفتاة الفرنسية، التي قيل إنها اختطفت. يرتحل السرد معها، متجولاً في صحارى ليبيا ومدنها، من شرقها لغربها، من مخابئ الثوار إلى سجون النظام، وبين الطبيعة الغناء الفسيحة الغنية، وغرف الفنادق التي تتحول إلى سجن، تقبع فيه الفتاة قسرياً، بأوامر من رجال أمن النظام، بعد أن أطلقوا سراحها من سجن «بوسليم»، ليفرضوا عليها إقامة جبرية في غرفة الفندق، لتغرق في كوابيسها، من فرط رعبها كلما سمعت صوت انفجار القنابل، فتستدعي تحولات مسخ «كافكا»، وتخشى أن تتحول إلى «صرصار» كما حدث مع بطل رواية «المسخ». وطوال الوقت، وفي المقابل، تستدعي الفتاة حكايات جدها، الذي سبق ووقع في غرام ليبيا، وفتنته صحاريها، لتكون هذه الحكايات زاداً لها ودافعاً للبقاء واستكشاف هذه الصحارى، والوصول إلى مكمن السحر المختبئ تحت طبقات الكثبان الرملية.

تبدأ الرواية بخبر صحافي عن اختطاف فتاة فرنسية في ليبيا، وتتعدد الروايات حول ملابسات اختطافها أو اختفائها، واجتهادات الصحف والمواقع الإلكترونية والقنوات التلفزيونية في تفسير الخبر وما آل إليه مصير الفتاة، وتتبع خط سيرها، بما يمنح الرواية فاتحة شبه بوليسية، تجعل هذه الفتاة بؤرة مركزية للحدث. وبعيداً عن اجتهادات الصحافة، يروي السارد مسيرة الفتاة قبل هذا الاختفاء، وخلاله، وبعده، بدءاً من مرافقتها للثوار، ثم وقوعها في يد قوات أمن القذافي ولجانه الثورية، مروراً بسجنها، ورؤيتها لما يعانيه الليبيون من عذاب وعسف على يد رجال القذافي. فهذا المفتتح البوليسي يعطي السرد قدراً من التشويق في تتبع مصير الفتاة الغامض، الذي يظل غامضاً مع نهاية الرواية أيضاً، في حالة من اللا حسم، فسرديتها تنتهي بسرد الكوابيس التي تراها في منامها داخل غرفة الفندق.

في مقابل حكاية الفتاة وسرديتها، تبرز سردية الراوي، أو للدقة سردية المؤلف أحمد الفيتوري نفسه، الذي ينتقل من سرد حكاية الفتاة إلى سرد جوانب من سيرته، منذ أن كان طفلاً، لنرى الواقع والتاريخ والجغرافية الليبية بعيون محلية، عيون ابن المكان والمنتمي له، والمنغمس في تاريخه ووقائعه منذ مطلع السبعينات، حتى لا تكون الحكاية بعيون الفتاة وحدها؛ عيون السائحة المنبهرة أو المصدومة فقط. هكذا يضع الروائي سرديتها في ضفيرة مع سرديته لا لتنقضها أو تفككها، وإنما لتكملها، وتتضافر معها، لتكون السرديتان معاً بنهاية المطاف رؤيةً بانوراميةً تجمع بين العين الغربية والعين الليبية، وبين الخيالي والسيري، بين حكايات جدها الفرنسي وحكايات جدته التي «ولدت وعاشت في العهد الإيطالي، ثم واكبت مرحلة الإدارة الإنجليزية، فالعهد الملكي، فالانقلاب العسكري»، بما يجعل من هذه الجدة تجسيداً حياً للتاريخ الليبي في العصر الحديث.

يعمد الفيتوري في كثير من مواضع الرواية، سواء في الجزء المتخيل أو في الجزء الذي يمتح من السيرة الذاتية، إلى توثيق تواريخ وأحداث شتى، متكئاً على كثير من الاقتباسات، سواء من خطابات رسمية أو من كتب، فيقول مثلاً: «في يناير من سنة 1707م، كتب شارل لامار، القنصل الفرنسي، إلى وزيره، حول هذه المدينة الحجرية...»، ثم يورد جزءاً من نص الخطاب. كما يورد في مقطع آخر جانباً توثيقياً مختلفاً، يقول فيه: «قام القذافي خلال الخطاب الذي ألقاه في 23 سبتمبر (أيلول) 2009، في مقر الأمم المتحدة، بتمزيق ميثاق الأم المتحدة، ورماه وراء ظهره، متعللاً بعدم احترام المجتمع الدولي للميثاق، وعدم صلاحيته، لأن عهده ولى مع نهاية الحرب العالمية الثانية، على حد تعبيره». هذه الاقتباسات تجعل من النص الروائي، فضلاً عن طابعه الجمالي، مدخلاً للولوج إلى التاريخ بشكل موثق، أقرب إلى تيار الواقعية التوثيقية، وهو ما يتكرر كثيراً في ذكر تفاصيل صراع الثوار مع قوات النظام، بما يجعل أحد أهداف النص الروائي التوثيق لأحداث الثورة الليبية، جنباً إلى جنب مع توثيق السيرة الذاتية للفيتوري، لتندغم سيرة الوطن وثورته بسيرة الإنسان الفرد في لحمة واحدة، لا يمكن فيها فصل إحدى السيرتين عن الأخرى.

يقسم الكاتب الجزء السيري إلى مقاطع سردية، يحمل كل منها عنواناً دالاً على الأحداث التي سيحكيها فيها، ليكون العنوان هو مركز التبئر داخل المقطع، مثلما يعنون أحد هذه المقاطع بعنوان «أبي»، وآخر بعنوان «جدتي»، وثالث «مدرسة الصابري»، ورابع «الصحافة»، وخامس «السجن»، وهكذا... ليكون كل مقطع مخصصاً للحكي حول ما جاء في العنوان، دون أن يكون هذا حداً فاصلاً، فحكايات الأب مثلاً تنسرب في غيره من الفصول والمقاطع كثيراً، وكذا حكاية الجدة، أما حكاية الصحافة فتكاد تكون ممتدة على مدار الرواية كلها، وكذا حكايات السجون التي تفرض حضورها في كل صفحات الرواية، إذ تبدو ليبيا في عهد الاستبداد بمثابة سجن كبير للجميع، مواطنين وأجانب.

وفي أحد هذه المقاطع يروي علاقته بمصر، وهروبه إليها منذ كان مراهقاً، حين سافر دون علم والده.

كما يحكي كثيراً من كواليس العمل الصحافي في ليبيا، وكواليس سجنه طوال عشر سنوات، أثناء حقبة السبعينات، والحياة داخل سجن «بوسليم»، السجن نفسه الذي قبعت فيه الفتاة الفرنسية المروي عنها بعد ذلك، لنرى معاناة الراوي والمروي عنها في السجن نفسه، وعلى يد القذافي نفسه، الذي التقى الكاتب واستقبله مع مجموعة من المفكرين عقب الإفراج عنهم وقتها، فتقترب العدسة الروائية من هذا الشبح الذي سجن كل أبطال الرواية وعسف بهم، فتقدمه كشخصية آدمية من لحم ودم، وليس مجرد طيف مخيف، كاشفة عن جوانب من طبيعة شخصيته.

جانب آخر تعتمد عليه الرواية جمالياً، وهو تضمين السرد جوانب من فنون أخرى، خصوصاً الشعر، إذ يورد الكاتب قصائد كاملة لأبي نواس والمتنبي، كما نرى حضوراً لرواية فرانز كافكا «المسخ»، كما يقتبس مقاطع مطولة من «صلاة تشيرنوبل» للكاتبة الحاصلة على نوبل، سفيتلانا أليكساندروفنا أليكسيفيتش، لتكون الرواية خريطة لتاريخ من الجمال الأدبي، تماماً كما هي خريطة للحياة في ليبيا، ولصحاريها، وللتاريخ المضني الذي عاشه الليبيون، وخريطة لتاريخ الجنون والعسف والقتل، سواء على يد زعيم وطني، أو على يد الاستعمار.