انتهاكات إسرائيل تدفع باريس لإعادة النظر «في دعمها اللامحدود» في غزة

«الخارجية» الفرنسية تعبّر عن «عميق القلق» إزاء العمليات العسكرية في مستشفى الشفاء

الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون لدى وصوله الأربعاء إلى سويسرا وإلى يمينه رئيس الفيدرالية السويسرية ألان بيريست (رويترز)
الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون لدى وصوله الأربعاء إلى سويسرا وإلى يمينه رئيس الفيدرالية السويسرية ألان بيريست (رويترز)
TT

انتهاكات إسرائيل تدفع باريس لإعادة النظر «في دعمها اللامحدود» في غزة

الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون لدى وصوله الأربعاء إلى سويسرا وإلى يمينه رئيس الفيدرالية السويسرية ألان بيريست (رويترز)
الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون لدى وصوله الأربعاء إلى سويسرا وإلى يمينه رئيس الفيدرالية السويسرية ألان بيريست (رويترز)

لم تتأخر ردة فعل وزارة الخارجية الفرنسية على «المذكرة» التي وجهها ما لا يقل عن 12 سفيراً فرنسياً في منطقة الشرق الأوسط إلى وزارتهم، للتعبير عن احتجاجهم على المسار الذي تسلكه الدبلوماسية الفرنسية إزاء حرب غزة، التي قررها رئيس الجمهورية المولج بحسب الدستور، رسم سياسة بلاده الخارجية، بينما تقوم مهمة الوزارة بوضعها موضع التنفيذ.

وسعت آن كلير لوجاندر، الناطقة باسم «الخارجية»، في رد على سؤال طُرح في إطار مؤتمرها الصحافي الإلكتروني، الثلاثاء، للتقليل من أهمية «المذكرة»، بتأكيد أن «أي مسألة دولية توفر مناسبة لمساهمات متعددة من مقارنا الدبلوماسية، ووظيفتها اليومية المساهمة في التفكير الدبلوماسي».

إلا أن الأهم ورد في الفقرة الثانية؛ حيث تقول إن «سلطاتنا السياسية التي انتخبها الفرنسيون، أكان رئيس الجمهورية أو الحكومة أو تلك المسؤولة أمام البرلمان، ووزيرة الخارجية، هي التي تعود إليها مسؤولية تحديد سياسة فرنسا الخارجية. كما أن الدبلوماسية ليست مسألة (آراء فردية) يتم التعبير عنها في الصحافة».

والخلاصة، أن «واجب التحفظ في التعبير عن الرأي الشخصي والولاء للدولة ومن يقودها، مطلوبان من الدبلوماسيين كما من كل الموظفين». وباختصار، فإن «رسالة» الخارجية إلى الدبلوماسيين الناقمين الذين يمثلون بلادهم في عواصم عربية، التي لا شك أنه تم التفاهم بمحتواها مع قصر الإليزيه، تقول ما معناه: «نفذوا ولا تعترضوا».

الشرطة الفرنسية تحاصر متظاهرين يحملون لافتة «أوقفوا تسليح إسرائيل» عند مدخل معرض ميليبول باريس (رويترز)

وكانت صحيفة «لو فيغارو» أول من أورد بعض مقتطفات من «المذكرة»، نقلاً عن دبلوماسيين اطلعوا عليها. وأهم ما تضمنته أن موقف فرنسا من إسرائيل منذ بداية الحرب «غير مفهوم» في الشرق الأوسط، وأنه «يتناقض مع موقف فرنسا المتوازن تقليدياً بين الإسرائيليين والفلسطينيين»، وأن من نتائجه «فقدان فرنسا مصداقيتها وتأثيرها وتدهور صورتها في العالم العربي».

ويؤخذ على الرئيس ماكرون، شخصياً، وقوفه المطلق في بداية الحرب إلى جانب إسرائيل وسعيها لتدمير «حماس»، وتمنعه لأسابيع عن المطالبة بوقف لإطلاق النار الذي رفضته إسرائيل وبدعم أميركي ــ بريطاني ــ ألماني. وبعد أن طالب ماكرون، في حديث الأسبوع الماضي لمحطة «بي بي سي» البريطانية بوقف لإطلاق النار، داعياً إسرائيل إلى التوقف عن قتل الأطفال والنساء والشيوخ، قفز السبت خطوتين إلى الوراء بعد احتجاجات إسرائيلية ويهودية في الداخل الفرنسي. وعاد للدعوة إلى «هدنة إنسانية يمكن أن تقود إلى وقف لإطلاق النار».

بيد أن الممارسات الإسرائيلية وصلت إلى درجة لم تعد الدبلوماسية الفرنسية ولا غيرها، قادرة على إشاحة النظر عما يقوم به الجيش الإسرائيلي. وأمس، عبّرت «الخارجية» الفرنسية، رداً على اقتحام مستشفى «الشفاء» في غزة، عن «عميق قلقها» للعمليات العسكرية الإسرائيلية في المستشفى.

فلسطينيون يبحثون عن ناجين بعد غارة إسرائيلية الثلاثاء على مبنى في مخيم جباليا بغزة (أ.ب)

وشددت مجدداً على «الضرورة المطلقة لأن تحترم إسرائيل (أحكام) القانون الدولي الإنساني الذي ينص بشكل خاص على حماية البنى الصحية التحتية، كالمستشفيات ويفرض مبادئ واضحة، في كل مكان وزمان، مثل التمييز بين ما هو عسكري وغير عسكري، والحيطة والتناسبية». وأضافت «الخارجية» أنه «ليس للمدنيين الفلسطينيين أن يدفعوا ثمن جرائم (حماس) خاصة الأشخاص الأكثر هشاشة والجرحى والمرضى والعاملين في الحقل الإنساني».

إلا أن باريس المتهمة بالتحيز لصالح إسرائيل، أخذت على ما يبدو تقيس النتائج المترتبة على مواقفها. من هنا، يمكن فهم سعيها إلى التعويض من خلال مبادرات إنسانية مثل «المؤتمر الدولي لمساعدة مدنيي غزة» الذي استضافه قصر الإليزيه الجمعة الماضي، ونجح في الحصول على وعود بتوفير مساعدات دولية تزيد على مليار دولار، منها وعود بـ100 مليون يورو من فرنسا.

صورة عامة لـ«مؤتمر دعم غزة» في قصر الإليزيه بباريس (أ.ب)

بيد أن موريس غوردو مونتاني، السفير والمستشار السابق للرئيس جاك شيراك، قال في حديث، الأسبوع الماضي لـ«الشرق الأوسط»، إن «المبادرات الإنسانية لا تشكل سياسة»، وإن «التاريخ لم يبدأ في 7 أكتوبر (تشرين الأول)»، أي عندما أطلقت «حماس» عمليتها العسكرية في قطاع غزة، التي أفضت وفق إسرائيل، إلى مقتل 1200 شخص وأسر 240 آخرين من مدنيين وعسكريين إسرائيليين.

وقال سفير فرنسي سابق في المنطقة، لـ«الشرق الأوسط»، إن «يد باريس تبدو مكبلة وتجد صعوبة في الانسلاخ عن الموقف الأميركي، وهي عندما تجرؤ، كما فعل ماكرون في حديثه للقناة البريطانية، يأتي من يضربها على يديها فتتراجع». وكان المصدر يشير بذلك إلى ردود الفعل العنيفة إسرائيلياً على تصريحات ماكرون، وعلى احتجاجات المجلس التمثيلي للمؤسسات اليهودية، الذي يتبنى حرفياً سردية رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو.

صورة لنتنياهو وماكرون خلال اجتماعهما في القدس أكتوبر الماضي (أ.ف.ب)

ويضيف المصدر أن «المزاج العام الفرنسي» متأثر كثيراً بالدعاية الإسرائيلية، لكن ماكرون «يستطيع تخطيها لأنه لن يخوض مستقبلاً أي معارك انتخابية، وبالتالي فإنه متحرر مبدئياً من ضغوط اللوبيات الفاعلة على الساحة الفرنسية». لكن لا شك أن سياسة باريس متأثرة بمقتل 39 شخصاً وفقدان 9 آخرين يظن أنهم رهائن بيد «حماس» أو تنظيمات فلسطينية أخرى.

اللافت أن باريس التي تنشط تقليدياً في مجلس الأمن والجمعية العامة، تبدو هذه المرة غائبة عن السمع؛ حيث إنها لم تتقدم بأي مشروع قرار في مجلس الأمن، ولم تقم بأي نشاط يذكر، باستثناء التصويت ضد مشروع القرار الروسي ولصالح مشروع القرار البرازيلي، وهو الذي نسفه «الفيتو» الأميركي.

على أي حال، ما زالت باريس راغبة في أن تلعب دوراً في الشرق الأوسط، رغم تراجع شعبيتها والمظاهرات التي شهدتها عواصم عربية عدة، احتجاجاً على مواقفها كما حصل في تونس وبيروت وبغداد؛ حيث طلب العراق تأجيل النسخة الثالثة من «مؤتمر بغداد» الذي كان من المفترض أن يلتئم في العاصمة العراقية نهاية الشهر الجاري برعاية فرنسية ــ عراقية مشتركة.

وزير الدفاع الفرنسي سيباستيان لوكارنو لدى اجتماعه الأربعاء بالرئيس المصري عبد الفتاح السيسي في القصر الرئاسي بالقاهرة (الرئاسة المصرية)

من هذه الزاوية يمكن فهم أهمية الجولة التي يقوم بها في الوقت الراهن سباستيان لوكورنو، وزير الدفاع والمقرب من ماكرون، التي بدأها الأربعاء في مصر وستقوده إلى المملكة العربية السعودية ودولة الإمارات وقطر، وتنتهي الجمعة في إسرائيل. والمطلوب من لوكورنو أن يعمد إلى شرح سياسة حكومته وتبيان صحة منطلقاتها وإبراز الدور الذي يمكن «أو تتمنى» القيام به.

وكان لوكورنو قد زار لبنان بداية الشهر الحالي، حيث أمضى 3 أيام وانتقل خلالها إلى جنوب البلاد للقاء القوة الفرنسية العاملة في إطار «اليونيفيل». وسبق لـماكرون أن أرسل وزيرة خارجيته كاترين كولونا إلى المنطقة في الأيام الأولى من الحرب. بيد أن أول شخصية فرنسية زارتها، كانت يائيل براون بيفيه، رئيسة البرلمان، التي عبّرت عن الدعم غير المحدود لإسرائيل، ودون الإشارة إلى ضرورة احترامها قواعد الحرب والقانون الدولي الإنساني.

هل ينجح ماكرون في أن يتوصل، أخيراً، إلى نقطة توازن في ملف بالغ التعقيد؟ السؤال مطروح وقد تكون الإجابة عنه إيجاباً أو سلباً، نظراً للعوامل التي تؤثر عليه وتدفعه في هذا الاتجاه أو ذاك.


مقالات ذات صلة

نتنياهو يعترض على تركيبة ترمب لـ«مجلس السلام»

شؤون إقليمية امرأة فلسطينية تحمل حطباً لإشعال النار في مخيم النصيرات للاجئين وسط قطاع غزة (أ.ف.ب)

نتنياهو يعترض على تركيبة ترمب لـ«مجلس السلام»

أثار إنشاء مجلس السلام في غزة، بمبادرة الرئيس الأميركي دونالد ترمب، استياء رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو، الذي عدّه متعارضاً مع السياسة الإسرائيلية.

«الشرق الأوسط» ( لندن)
المشرق العربي فلسطيني يقود حفاراً يُستخدَم لنقل الخرسانة والمعادن وحطام المباني والمنازل المُدمَّرة في خان يونس جنوب قطاع غزة (أ.ف.ب)

مَن هو الملياردير الإسرائيلي ياكير غاباي الذي عيّنه ترمب في «المجلس التنفيذي» لغزة؟

سلطت صحيفة «يديعوت أحرونوت» الإسرائيلية الضوء على الملياردير الإسرائيلي ياكير غاباي الذي عيّنه الرئيس دونالد ترمب في «المجلس التنفيذي التأسيسي» لقطاع غزة.

«الشرق الأوسط» (تل أبيب)
المشرق العربي نتنياهو يلتقي ترمب وسط أولويات متباينة

مكتب نتنياهو: الإعلان الأميركي لمجلس إدارة غزة يتعارض مع السياسة الإسرائيلية

قال مكتب رئيس الوزراء الإسرائيلي، ‌اليوم، ‌إن ⁠إعلان إدارة الرئيس ‌الأميركي تشكيل مجلس ⁠لإدارة غزة ‌لم يتم ‍بالتنسيق ‍مع إسرائيل.

«الشرق الأوسط» (تل أبيب)
تحليل إخباري امرأة فلسطينية تحمل حطباً لإشعال النار في مخيم النصيرات للاجئين وسط قطاع غزة (أ.ف.ب)

تحليل إخباري تشكيل «مجلس السلام» يعزز تنفيذ المرحلة الثانية من «اتفاق غزة»

أظهر تشكيل لـ«مجلس السلام» في غزة بقيادة الرئيس الأميركي دونالد ترمب، حضوراً عربياً وإسلامياً، وسط تأكيدات من واشنطن أنه يعزز مسار المرحلة الثانية من اتفاق غزة

محمد محمود (القاهرة )
شؤون إقليمية الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي ونظيره الأميركي دونالد ترمب خلال لقاء بمدينة شرم الشيخ في أكتوبر الماضي (أ.ف.ب)

ترمب يدعو السيسي لـ«مجلس السلام» في غزة

دعا الرئيس الأميركي دونالد ترمب نظيره المصري عبد الفتاح السيسي إلى الانضمام لـ«مجلس السلام».

وليد عبد الرحمن (القاهرة )

خامنئي: لا نريد الحرب وسنحاسب مثيري الشغب

 المرشد الإيراني يتحدث خلال اجتماع في طهران أمس (مكتب خامنئي - رويترز)
المرشد الإيراني يتحدث خلال اجتماع في طهران أمس (مكتب خامنئي - رويترز)
TT

خامنئي: لا نريد الحرب وسنحاسب مثيري الشغب

 المرشد الإيراني يتحدث خلال اجتماع في طهران أمس (مكتب خامنئي - رويترز)
المرشد الإيراني يتحدث خلال اجتماع في طهران أمس (مكتب خامنئي - رويترز)

اتَّهم المرشد الإيراني علي خامنئي الولاياتِ المتحدة بإشعال الاضطرابات في بلاده، مؤكداً في الوقت نفسه أنَّ طهران «لا تريد حرباً»، لكنَّها «لن تتسامح مع المجرمين في الداخل».

وقال خامنئي، في ثالث ظهور له منذ اندلاع أحدث موجةِ احتجاجات، إنَّ واشنطن أطلقت «الفتنة» بعد تحضيرات وأدوات عديدة لخدمة أهدافها الخاصة، لكنَّه أضاف أنَّ ذلك «لا يكفي»، وأنَّ على الولايات المتحدة «أن تحاسَب».

ونقل الموقع الرسمي لخامنئي قوله: «نعدّ رئيس الولايات المتحدة مجرماً بسبب الضحايا والخسائر، وبسبب الاتهامات التي وجهها إلى الشعب الإيراني». وأقرَّ خامنئي للمرة الأولى بأنَّ «آلافاً عدة من الأشخاص» لقوا حتفهم في الاحتجاجات.

من جانبه، قال الرئيس الأميركي دونالد ترمب لموقع «بوليتيكو»، أمس، إنَّ الوقت حان للبحث عن قيادة جديدة في إيران، واتَّهم خامنئي بالمسؤولية عمّا وصفه بالتدمير الكامل لبلاده.


نتنياهو يعترض على تركيبة ترمب لـ«مجلس السلام»

امرأة فلسطينية تحمل حطباً لإشعال النار في مخيم النصيرات للاجئين وسط قطاع غزة (أ.ف.ب)
امرأة فلسطينية تحمل حطباً لإشعال النار في مخيم النصيرات للاجئين وسط قطاع غزة (أ.ف.ب)
TT

نتنياهو يعترض على تركيبة ترمب لـ«مجلس السلام»

امرأة فلسطينية تحمل حطباً لإشعال النار في مخيم النصيرات للاجئين وسط قطاع غزة (أ.ف.ب)
امرأة فلسطينية تحمل حطباً لإشعال النار في مخيم النصيرات للاجئين وسط قطاع غزة (أ.ف.ب)

أثار إنشاء مجلس السلام في غزة، بمبادرة الرئيس الأميركي دونالد ترمب، استياء رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو، الذي عدّه متعارضاً مع السياسة الإسرائيلية.

وأعلن مكتب نتنياهو، أمس، ‌أنَّ إعلان ترمب تشكيل مجلس لإدارة غزة «‌لم يتم ‍بالتنسيق ‍مع إسرائيل، ‍ويتعارض مع سياستها».

وحسبما قالت وزارة الخارجية الأميركية، في بيان، فقد تم تشكيل المجلس التنفيذي التأسيسي من قادة يتمتَّعون بالخبرة في مجالات الدبلوماسية والتنمية والبنية التحتية والاستراتيجية الاقتصادية، وذلك بغرض تفعيل رؤية «مجلس السلام».

ويضمّ المجلس كلاً من: ستيف ويتكوف، وجاريد كوشنر، وهاكان فيدان، وعلي الذوادي، واللواء حسن رشاد، وتوني بلير، ومارك روان، وريم الهاشمي، ونيكولاي ملادينوف، وياكير جاباي، وسيغريد كاغ.

من جهة أخرى، أعطت إسرائيل «حماس» مهلة شهرين لنزع سلاحها، ملوِّحة بالحرب مجدداً لتنفيذ هذه المهمة.


خطة «لجنة التكنوقراط»... هل تُسرع من إعادة إعمار غزة؟

خيام تؤوي عائلات فلسطينية نازحة نُصبت على طول شاطئ مدينة غزة في حين تجتاح رياح شتوية قوية القطاع الفلسطيني (أ.ف.ب)
خيام تؤوي عائلات فلسطينية نازحة نُصبت على طول شاطئ مدينة غزة في حين تجتاح رياح شتوية قوية القطاع الفلسطيني (أ.ف.ب)
TT

خطة «لجنة التكنوقراط»... هل تُسرع من إعادة إعمار غزة؟

خيام تؤوي عائلات فلسطينية نازحة نُصبت على طول شاطئ مدينة غزة في حين تجتاح رياح شتوية قوية القطاع الفلسطيني (أ.ف.ب)
خيام تؤوي عائلات فلسطينية نازحة نُصبت على طول شاطئ مدينة غزة في حين تجتاح رياح شتوية قوية القطاع الفلسطيني (أ.ف.ب)

أنعش تشكيل «لجنة التكنوقراط الفلسطينية» لإدارة قطاع غزة وعقد أول اجتماعاتها في القاهرة، الجمعة، آمال تحريك الجمود القائم بشأن ملف «إعادة الإعمار» بعد عراقيل إسرائيلية تسببت في عدم انعقاد «مؤتمر إعادة الإعمار» الذي كان مقرراً أن تستضيفه مصر في نوفمبر (تشرين الثاني) الماضي حتى الآن، وسط رؤى مختلفة بشأن «الإعمار الجزئي» أو «الكلي» للقطاع.

وأكد رئيس اللجنة الفلسطينية علي شعث، في تصريحات إعلامية، الجمعة، أن أهم خطوة بالتزامن مع تشكيل اللجنة تمثلت في «إنشاء صندوق مالي خاص ضمن البنك الدولي، خُصص رسمياً لتمويل إعمار قطاع غزة وإغاثة سكانه».

وأوضح أن أولى الخطوات العملية الملموسة في خطة إعادة التأهيل والإعمار ستكون توريد وتركيب 200 ألف وحدة إيواء مسبقة الصنع (كرفانات) بشكل عاجل وغير آجل إلى القطاع، مشيراً إلى أن «الإسكان مهم جداً بعد دمار أكثر من 85 في المائة من المنازل» في غزة.

وما زال «إعمار قطاع غزة» يكتنفه الغموض مع مساعٍ إسرائيلية إلى «إعمار جزئي» في مناطق سيطرتها، وهو ما يتناغم مع موقف أميركي يتبنى هذا الخط، في حين قال المتحدث باسم وزارة الخارجية المصرية تميم خلاف، في تصريحات سابقة لـ«الشرق الأوسط»، الشهر الماضي، إن مصر تهدف إلى «إطلاق مسار متكامل بشأن إعمار غزة».

وتسعى مصر لتفعيل أدوار اللجنة مع تمكينها من أداء عملها من داخل قطاع غزة. وتوقع وزير الخارجية بدر عبد العاطي أن يتم الدفع بـ«لجنة إدارة غزة إلى داخل القطاع قريباً لإدارة الأمور الحياتية»، مشدداً، خلال مؤتمر صحافي أثناء استقباله نظيره البوسني إلمدين كوناكوفيتش، على «أهمية التزام إسرائيل بالانسحاب من قطاع غزة، ونشر القوة الدولية، والتعافي المبكر وإعادة الإعمار».

في حين أكد علي شعث خلال لقائه وأعضاء لجنته برئيس المخابرات العامة المصرية اللواء حسن رشاد، السبت، أن «أولويات اللجنة ترتكز على تحسين الوضع الإنساني المعيشي لمواطني القطاع»، مشيراً إلى أن «اللقاء ناقش الخطوات اللازمة لتسلّم اللجنة كافة مهامها بالقطاع».

عضو المجلس الثوري لحركة «فتح»، أسامة القواسمي، قال لـ«الشرق الأوسط»، إن تشكيل «لجنة إدارة غزة» خطوة إيجابية تمثل تطبيقاً عملياً للمرحلة الثانية، مشيراً إلى أن السلطة الفلسطينية كانت أولوياتها تتمثل في عدم استئناف الحرب مرة أخرى، وتثبيت المواطنين في القطاع، ثم الاتجاه لخطوات إعادة الإعمار.

وأوضح أن مهام اللجنة واضحة، وتتعلق بالترتيبات الداخلية، وتحقيق استتباب الأمن، وتجهيز البنية التحتية الملائمة لإعادة الإعمار، إلى جانب إغاثة الشعب الفلسطيني في غزة، مضيفاً: «هناك تفاؤل فلسطيني بأن تكون المرحلة الثانية أخف وطأة على أهالي القطاع من الفترات السابقة. والآمال منعقدة على ألا يكون هناك عوائق من جانب إسرائيل».

وأشار إلى أن سياسة «الصبر الاستراتيجي» التي اتبعتها السلطة الفلسطينية، إلى جانب الدول العربية والأطراف الإقليمية، نحو الضغط على الولايات المتحدة الأميركية لدفع إسرائيل إلى «المرحلة الثانية»، ستكون حاضرة أيضاً بشأن تنفيذ باقي الاستحقاقات، ومنها إعادة الإعمار، مع الانفتاح على المجتمع الدولي للمساهمة في عملية التعافي المبكر، واستمرار تثبيت وقف إطلاق النار.

رئيس جهاز المخابرات العامة المصري اللواء حسن رشاد يستقبل رئيس «لجنة إدارة غزة» علي شعث في القاهرة السبت (مواقع إخبارية رسمية)

وكان رئيس «هيئة الاستعلامات المصرية» ضياء رشوان، أكد في تصريحات إعلامية الخميس، أن «لجنة إدارة غزة» ستتولى ملفَّي الخدمات والإعمار خلال المرحلة المقبلة.

وبدأت «لجنة التكنوقراط» الفلسطينية لإدارة غزة اجتماعها الأول في العاصمة المصرية يوم الجمعة، ومن المقرر أن تدير اللجنة مؤقتاً قطاع غزة تحت إشراف «مجلس السلام».

وأكد المحلل السياسي الفلسطيني المقيم في قطاع غزة، عماد عمر، أن الأيام المقبلة سوف تحدد مدى قدرة اللجنة على تنفيذ الاستحقاقات المتعلقة بتحسين الأوضاع على الأرض، في ظل استمرار إسرائيل في استهداف الفلسطينيين يومياً، مشيراً إلى أن بدء عمل اللجنة يعد «باكورة تفكيك أزمات الملف الإنساني مع تعنت إسرائيل في تطبيق البروتوكول الذي ينص عليه وقف إطلاق النار».

وينص «البروتوكول» الذي يعد ضمن متطلبات المرحلة الأولى من اتفاق وقف إطلاق النار، على «دخول 600 شاحنة يومياً من المساعدات الإغاثية والإنسانية، منها 50 شاحنة مخصصة للوقود، مع تخصيص 300 شاحنة من الإجمالي لمنطقة شمال غزة لضمان وصول الإغاثة لكافة الأنحاء».

وأضاف عمر في تصريح لـ«الشرق الأوسط» أن الانخراط في أي خطوات إجرائية تستهدف التمهيد لإعادة الإعمار، يبقى رهن الدور الأميركي لدفع إسرائيل نحو المرحلة الثانية من وقف إطلاق النار، وبدء عمل باقي الهيئات المنوط بها إدارة القطاع، بما فيها «مجلس السلام» و«قوة الاستقرار»، مشيراً إلى أن مهمة «لجنة التكنوقراط» تتمثل في تقديم الخدمات، وتفكيك الأزمة الإنسانية، وإعادة تشغيل الصحة والتعليم، وإصلاح البنية التحتية، وضبط الأمن، وتأمين وصول المساعدات.

وأشار إلى أن الاختراق الآني بشأن إعادة الإعمار يمكن أن يتمثل في الضغط على إسرائيل لسماحها بدخول المعدات الثقيلة لإزالة الركام واستخراج جثامين الفلسطينيين، إلى جانب تهيئة البنية التحتية في الشوارع، وإيجاد حلول لأزمات الصرف الصحي.

وزير الخارجية المصري بدر عبد العاطي يتوقع عمل «لجنة إدارة غزة» من داخل القطاع قريباً (الخارجية المصرية)

وحذّر المدير التنفيذي لمكتب الأمم المتحدة لخدمات دعم المشاريع، خورخي موريرا دا سيلفا، الخميس، من أن إعادة إعمار غزة لا تحتمل التأجيل، وذلك عقب عودته من مهمته الثالثة إلى القطاع الفلسطيني الذي دمرته سنتان من الحرب، مشيراً إلى أن الأمم المتحدة والاتحاد الأوروبي والبنك الدولي قدّرت الاحتياجات بأكثر من 52 مليار دولار.

وكان المبعوث الأميركي إلى الشرق الأوسط ستيف ويتكوف، أعلن الأربعاء الماضي إطلاق المرحلة الثانية من خطة الرئيس الأميركي دونالد ترمب، المكوّنة من 20 نقطة لإنهاء الحرب في غزة، وقال إنها «تنتقل من وقف إطلاق النار إلى نزع السلاح، وتأسيس حكم تكنوقراط، والشروع في إعادة الإعمار».