عن دار «الشروق» بالقاهرة، صدرت الرواية الأخيرة للكاتب المصري حمدي أبو جليل «1967 - 2023» بعد أشهر فقط من رحيله، التي تحمل عنوان «ديك أمي». وفي تقديمه للعمل، يشير الناقد د. محمد بدوي إلى أن القارئ عادة ما يجد في مؤلفات «أبو جليل» السابقة من روايات وقصص قصيرة فضاء مدينة يحيا فيه المهمشون من الرجال والنساء وهم يصطدمون مع أنفسهم ومع الآخرين من البشر والمؤسسات، إنه عالم ضيق برغم اتساعه يئن تحت وطأة الجوع والشبع والخوف. شخصيات هذه الروايات والقصص غالباً تعاني خوفاً قديماً متأصلاً، خوفاً معتقاً موروثاً متجدداً في مواجهة العالم الصعب المغري والمخيف في آن واحد.
في «ديك أمي»، يغادر المؤلف الخارج الصاخب في المدن ويعود إلى الداخل، إلى مسقط رأسه ليسرد تاريخ المكان ويجعل من حكاياته اليومية الصغيرة حكاية كبرى. صحيح أن مسقط رأسه كان ماثلاً في السابق في البدوي الذي يكتشف المدينة وطرق المهاجرين إلى أوروبا عبر الصحاري، إلا أنه كان حضوراً طيفياً عابراً وغالباً ما كان
هذا الحضور مدرجاً في سياق السخرية القاسية التي تطول البشر والبيوت وتفاصيل الحياة خالقاً شخصيات مثقلة بخوفها وبغرائزها ورغباتها وجوعها الذي لا ينتهي.
أما هنا في هذه الرواية فنحن، بحسب بدوي، مع عالم صلابته نابعة من البحث عن معنى للوجود عبر سرد قصة الأم الفلاحة ذات الأصل البدوي التي تملك يقيناً يكاد يصبح ذا طابع إيماني ديني بواجب محدد، هو الذود عن أطفالها بعد موت الأب، واهن الحضور، خائر القلب المنسحب إلى ظل الموت الذي يحضر بقوة السرد بوصفه دلالة على تدفق الحياة وتجددها.
إن السخرية الحادة القاسية في وجه العالم الملتبس القاسي في النصوص السابقة تتحول هنا إلى سخرية حانية تتفهم أخطاء البشر الصغيرة ورغباتهم الملتبسة وتدرجها في سياق غنائي، لكن هذه الغنائية لا تصبح مجرد غناء لنبل الفقراء، فهي في النهاية من إنتاج كاتب يسخر من التباس الوجود الإنساني.
يسرد المؤلف سيرة الأم من خلال مراياها، الزوج المنسحب، ورجال القبيلة الذين يعيشون وهم العصر الذهبي للبدو حيث يمتهنون السطو تحت لافتة الفروسية، والنسوة الراضيات بوضعهن الخاضع لأعراف القبيلة، والنسوة اللاتي ينافسن الأم في البيت والحقل والسوق. ولا يسرد الكتاب قصص البشر وحيواناتهم وضغائنهم وعداواتهم ومنافستهم فقط، بل يسرد أيضاً في فصول مكتملة سرديته عن القبيلة وتفككها وتحولها إلى الزراعة والاستقرار، وسرديته عن تاريخ مصر من البداية حتى الدولة الحديثة، ولذلك يجد القارئ نوعين من السرد في هذا النص، السرد التقليدي في «بورتريهات» الشخصيات والحيوانات، ولا سيما الديك، والسرد التاريخي الذي يعتمد آلية الخلاصة التي تقفز فوق الاختلافات.
حمدي أبو جليل هو كاتب وروائي مصري من مواليد الفيوم، انعكست نشأته على أسلوبه السردي حيث استفاد في كتاباته من تجاربه في الحياة عبر لغة مختلفة استقاها من خلفيته البدوية، وكذلك من عمله ببعض المهن اليدوية مثل عامل البناء أو «الفاعل» الذي كان عنواناً لإحدى رواياته. صدرت له 3 مجموعات قصصية، هي «أسراب النمل» 1997 و«أشياء مطوية بعناية فائقة» 2000 و«طي الخيام» 2010. كما أصدر عدة كتب، منها «القاهرة... شوارع وحكايات» و«القاهرة... جوامع وحكايات» و«الأيام العظيمة البلهاء... طرف من خبر الدناصوري» و«نحن ضحايا عك... رواية أخرى للتاريخ الإسلامي».
كما صدرت له 5 روايات، هي «لصوص متقاعدون» 2002 التي ترجمت إلى الإنجليزية والفرنسية والإسبانية، و«الفاعل» 2008 التي فازت بجائزة «نجيب محفوظ للرواية العربية» وترجمت إلى الإنجليزية، و«قيام وانهيار الصاد شين» 2018، و«يدي الحجرية» 2021، ثم رواية «ديك أمي» وهي آخر مؤلفاته.
ومن أجواء الرواية نقرأ:
«جيل أمي هو الجيل البدوي المصري الذي تحققت فيه إصلاحات محمد علي باشا لتوطين البدو المصريين. تحولوا كما خطط وأراد من البداوة للفلاحة، انتقلوا من الرعي للزراعة ومن الخيمة المتنقلة للبيت المستقر للأبد. جيل أبيها انتقل أيضاً وامتلك الأرض الزراعية وعاش في البيوت الحجرية ولكنه لم يصدق أو لم يستوعب أو لم يتهيأ للفلاحة والاستقرار وجيل أمي فهم واستوعب وصدق وصاروا فلاحين وكأنما ولدوا أساساً فلاحين ولا تستطيع أن تفرق بينهم وبين الفلاحين إلا في اللهجة التي ذهبت أخيراً أو كادت مع جيلي التليد.
ومع استقرار جيل أمي تماماً، بدأ عصر الحمير بعد أن كان البدو يعتدون ويتفاخرون بالحصان. لا فلاح من دون حماره، وصار علية القوم يركبون الحمار وليس الحصان. وظهرت الحمير العالية والبرادع الحمراء المريحة الفخمة وشاعت أيضاً الأشعار البدوية التي تمدح الحمير وكأنها خيول أو كما كانت تمدح الخيول. طبعاً الحمير كانت موجودة بيننا في أي زمن، ولكن لشيل الغلة ونقل السباخ ولم تتحول إلى ركوبة تُمدح بالأشعار إلا في جيل أمي».
