رحلة في قلب الجحيم السوري

يزبك ترسم مشاهد من سوريا أسوأ من تلك التي أعقبت الغزو المغولي

سوريا.. دمار يذكر بهجوم المغول
سوريا.. دمار يذكر بهجوم المغول
TT

رحلة في قلب الجحيم السوري

سوريا.. دمار يذكر بهجوم المغول
سوريا.. دمار يذكر بهجوم المغول

«لقد تجاهلنا العالم»، كانت تلك هي الرسالة التراجيدية التي أوجزها التحقيق الصحافي الرائع لسمر يزبك، الذي عنونته بـ«قلب سوريا المحطم». لكن ما مدى مصداقية هذه الرسالة؟
العبارة تجافي الحقيقة، إذ إن السوريين لم يتم تجاهلهم أبدا، فقصصهم ملء السمع والأبصار، والملايين وجدوا المأوى في معسكرات اللاجئين في دول الجوار، والآلاف ممن استطاعوا الوصول أحياء إلى شواطئ أوروبا ظهروا في أعداد لا حصر لها من الصور. حتى قادة أوروبا تاجروا بالأزمة بإتقانهم التقمص العاطفي بالحديث عن «معاناة الشعب السوري»، وكذلك يرسم الرئيس باراك أوباما «خطوطا حمراء»، ويشكل «التحالفات»، وفوق كل ذلك يدلي بأحاديث يكيل فيها الاتهامات للسوريين ويلقي «الخطب العصماء» عنهم.
السوريون لم يتم تجاهلهم لأسباب أخرى أيضا. يوقّع ملالي طهران الشيكات البنكية لتمويل آلة حرب بشار الأسد التي تدعمها وتطورها موسكو بانتظام، ويتدفق المرتزقة من مختلف أفرع حزب الله اللبناني بقيادة إيرانية لقتل السوريين، وعلى الطرف الآخر ينخرط المتشددون من قاطعي الرؤوس ممن أتوا من 80 دولة في ذبح بعضهم البعض.
العالم مستعد لذرف دموع التماسيح لسوريا، ويشن معارك دبلوماسية، ويلقي خطبا عاطفية عن معاناة شعبها، غير أنه لا يبدو مستعدا أو قادرا على إيقاف الطائرات التي تقصف مدنا وقرى بلا حماية، وغالبا باستخدام الأسلحة الكيماوية. إذن العالم لم يتجاهل سوريا. السوريون سيكونون أفضل حالا لو أن العالم تجاهلهم ولم يستخدم بلادهم كأرض للمعركة تعبث بها قوى متنافسة انخرطت في حرب بالوكالة.
يقدم كتاب يزبك باعتباره رواية، غير أن الكتاب الذي بين أيدينا ليس برواية بل عمل صحافي ممتاز. ويزبك التزمت بالقواعد الذهبية الثلاث للصحافة وهي «لا تفترض شيئا، لا تصدق أحدا، تحر عن كل شيء». برعت الكاتبة، وهي روائية أصلا، في تجسيد كل من قابلته وفي تسجيل مواقف حياتية مثل تلك التي وصفت فيها المرأة التي تلعب لعبة «الاستغماية» مع أحد قناصة بشار الأسد الذي وقف يرصدها من مبنى عال يطل على نافذتها، وبرعت كذلك في وصف هؤلاء النسوة اللاتي أصررن على الذهاب لمصفف الشعر وسط كل هذا الدمار ربما لإغاظة «الجزار بشار الأسد». يرسم تحقيق يزبك الصحافي صورة متجهمة تبرز من خلالها ثلاث أفكار رئيسية، أولاها أنه رغم أن الثورة السورية انطلقت في البداية كانتفاضة شعبية ضد نظام مستبد، فإنها انقسمت الآن إلى فرق كثيرة ذات اتجاهات وأهداف متباينة وغالبا متضاربة، بيد أن الانطباع العام الذي يكاد يتفق عليه غالبية السوريين هو حتمية رحيل الأسد.
الفكرة الثانية هي أن الطائفية تكمن في الهيمنة: «العلويون قتلونا وسوف نقتلهم»، حسب تصريح قائد جماعة مقاتلة شاب ليزبك، وهي علوية، أثناء مقابلة صحافية. وقال شاب آخر يتولى تحرير مجلة تصدر عن أحد الفرق المسلحة في إدلب: «لم يعد يكمن الخطر الحقيقي في نقص المال أو حتى في التفجير، لكن في التكفيريين». وقال مقاتل آخر معارض لنظام الأسد: «كان وصول حزب الله والإيرانيين أفضل مساعدة لداعش». وكشف قائد ينتمي لمجموعة يعتقد أنها معتدلة عن برنامج يعرض على المسيحيين، أو من يسميهم نصارى، اعتناق الإسلام أو دفع الجزية، وطرد العلويين والدروز خارج سوريا. ويضمر هؤلاء المتشددون الجدد الكراهية حتى للإخوان المسلمين، إذ يرون أن الفساد قد طالهم بسبب قبولهم للحلول الوسطى. سجلت يزبك بعض الملاحظات مثل الظهور المفاجئ للنقاب، المعروف باسم الخمار، بين السوريات، وظهور نوع معين من اللحى بين الرجال كدلالة على الطائفية المتزايدة.
أخيرا، وربما الأهم، يشير ما ترويه يزبك إلى أن إعادة ترتيب الأوضاع في سوريا كدولة موحدة ربما لم يعد ممكنا، على الأقل في الوقت الراهن. وتشير إلى أن التكفيريين ليس لهم وطن، «فإيمانهم هو وطنهم». وفي ظل بقاء سوريا تحت وطأة الاحتلال الروسي الإيراني، من ناحية، والتكفيريين، من ناحية أخرى، ليس بمقدورنا الحديث عن سوريا موحدة الآن. وحسب ما يقوله قائد في الجيش السوري الحر فإن «كل فئة صغيرة الآن باتت تشكل دولة مستقلة». لم تر يزبك أثناء مرورها على مناطق شاسعة في سوريا غير مدن وبلدات وقد تحولت إلى أكوام من الحجارة، وقد أُجبر الناس على ترك مدنهم والعيش في كهوف، وتحول نصف السكان إلى مشردين داخل بلادهم أو إلى لاجئين في دول الجوار، أو بالكاد أحياء في قراهم المحطمة. وتحدثت يزبك عن أطفال أصابهم الصمم نتيجة للقذف، وأطفال قضوا جوعا أو نتيجة لنقص الرعاية الصحية. وبمرورها وسط القرى المدمرة، والمزارع والبساتين المحروقة، وهياكل المصانع المتفحمة وحتى «مقابر الدبابات والمدرعات» تستحضر مشاهد من سوريا أسوأ حالا من تلك التي أعقبت الغزو المنغولي لسوريا في العصور الوسطى. وتزعم يزبك أن كل الفصائل المسلحة، ومنها إحدى الفصائل التي تتعاطف معها، متورطة في أعمل سلب ونهب، بينما يبرر التكفيريون السلب تحت حجج مضحكة ومنها أن «السلب مبدأ أصيل في الإسلام»، إذ يسمح للغازي بالاستيلاء على الغنائم (كذا). وفي بعض الحالات تصدر فتاوى عن بعض الشيوخ المنتسبين للفئات المتحاربة تبيح عمليات السلب والنهب. يأتي بعض المتشددين من الشيشان مثلا لمهمة قتالية محددة ثم يعودون إلى بلادهم في روسيا محملين بالغنائم. وتلعب عمليات السلب والنهب دورا كبيرا في تمويل تنظيم داعش، ومثال على ذلك خطف الرهائن، خاصة الأجانب، مقابل فدية. وحسب تحقيق يزبك، تتعمد بعض الجماعات المسلحة إطالة أمد المعارك للحصول على المزيد من المال من المتبرعين الأجانب. غير أن هناك أيضا بعض اللمسات السريالية الغامضة حيث تعمل شبكة الهاتف الجوال بشكل متواصل حتى مع القوات المعارضة للأسد رغم أن الشركة مُشغلة الخدمة مملوكة لرامي مخلوف، ابن عم بشار الأسد. كذلك يجيد حتى أكثر المسلحين رجعية استخدام الكومبيوتر، إذ يستخدمون جهاز التتبع (جي بي إس) في تعقب قوات الأسد أثناء سير المعارك. ووسط كل هذا الدمار، يحاول البعض الإبقاء على نمط حياة عادي، ومن ضمن ذلك تدريس الأطفال في المدارس. كذلك هناك مشروع أطلق عليه اسم «حافلة الكرم» التي تتولى توفير الكتب وأفلام الفيديو لمن يعيشون في القرى المحطمة.
وباعتمادها على الشهادات التي جمعتها، تضع يزبك التأكيدات محل تدقيق. فعلى سبيل المثال، تقول إنه مع بداية الثورة، قام الأسد بإطلاق سراح تكفيريين من السجون في الوقت الذي قام فيه باعتقالات منظمة ضد خصوم نظامه من العلمانيين والليبراليين، وكان الدافع وراء ذلك رغبة الأسد في الإيحاء إلى أنه لا يحارب سوريين عاديين يسعون لمزيد من الحرية، لكن أنماط من أشرس مقاتلي «القاعدة». وتؤكد يزبك أن النظام نفذ مجموعة من الهجمات الإرهابية ضد المدنيين السوريين مثل التفجيرات في سوق بدمشق كي يجبر الطبقات المتوسطة على قبول «حمايته» لهم من بطش «الجماعات المتطرفة».
غير أنني أختلف مع يزبك في نقطتين: الأولى هي اعتقادها أن السلفية تمثل «الإسلام المعتدل»، في حين أن السلفية حولت الدين إلى فكر سياسي. والحقيقة أن أي استخدام للدين كمطية للوصول للسلطة السياسية يؤدي في النهاية إلى العنف. وفي هذا السياق، السلفية ليست استثناء فالتاريخ مليء بأمثلة للوحشية التي مارسها زعماء الصوفية. نقطة الخلاف الثانية هي تأكيد يزبك أن خلاص سوريا ممكن فقط من خلال العلمانية والقومية العربية. لكن أليس نظام الأسد، أو بالأحرى كل الحركة البعثية، تدعي أنها علمانية وتتبنى الاتجاه القومي العربي؟
سوريا ليست في حاجة إلى مدرسة أو فكر معين تتبعه بل إلى الحد الأدنى من الأمن والحرية بمعناهما الواضحين. الناس الحقيقيون غير مطالبين بالانخراط في نظام سياسي يعتمد على الاستبداد بصورته المجردة.
فالعلمانية والقومية هما نمطان فكريان مجردان شأنهما شأن التكفيرية في العالم الإسلامي السني، والخمينية في إيران.
وبتطبيق ذلك على عامة الناس الطبيعيين، فتلك الأنماط التجريدية وغيرها من المدارس الفكرية لن تفضي إلى شيء سوى الديكتاتورية والموت.
تأكيدات يزبك الأخيرة تصيبنا بالقشعريرة؛ الفائز الوحيد في سوريا اليوم هو الموت.



روايات الخيال العلمي تنعش سوق الكتب

غلاف "هل تحلم الروبوتات بخراف كهربائية؟"  لفيليب ك. ديك
غلاف "هل تحلم الروبوتات بخراف كهربائية؟" لفيليب ك. ديك
TT

روايات الخيال العلمي تنعش سوق الكتب

غلاف "هل تحلم الروبوتات بخراف كهربائية؟"  لفيليب ك. ديك
غلاف "هل تحلم الروبوتات بخراف كهربائية؟" لفيليب ك. ديك

شهد أدب الخيال العلمي طفرة غير مسبوقة، مدفوعاً بالأزمات العالمية، والمنصات الرقمية التي أعادت تشكيل أنماط القراءة الشعبية. فبعد أن كان يُنظر إليه على أنه ترفيهي ثانوي، تحول أدب الخيال إلى فضاء تعبيري عميق يعكس مخاوف الإنسان المعاصر إزاء مستقبل غامض تهيمن عليه تكنولوجيا متسارعة، فانفجرت مبيعاته بشكل لافت، مما أعاد إشعال النقاش حول شرعيته الأدبية.

ففي فرنسا مثلاً كشفت دراسة لـ«مرصد الخيال» (أوبسرفاتوار دو ليماجينار) لعام 2025 عن الأرقام التي تؤكد هذا الانتعاش، حيث تبين أن مبيعات روايات الخيال العلمي قد قفزت بنسبة 40 في المائة بين عامي 2023 و2024، ومعها ظهرت أيضاً دور نشر جديدة متخصصة في هذا النوع الأدبي. التوجه نفسه ينطبق على سوق الكتب الأميركية، والتي شهدت أيضاً ارتفاعاً في مبيعات رواية الخيال العلمي، فحسب بيانات معهد سيركانا بوك سكان، وصلت نسبة الزيادة إلى 12 في المائة خلال الأشهر التسعة الأولى من عام 2025، في حين شهدت مبيعات روايات الخيال العلمي والفانتازيا قفزة مذهلة بنسبة 41.3 في المائة في المملكة المتحدة بين عامي 2023 و2024 بحسب تقرير نشر في صحيفة «الغارديان» البريطانية بعنوان: «بوك توك وراء ارتفاع كبير لمبيعات روايات الخيال العلمي والفانتازيا».

"حكاية الخادمة" لمارغريت أتوود

وبعيداً عن الصورة النمطية التي تختزل هذه الروايات في طابعها الترفيهي القائم على المبالغة، والغرابة، والكائنات الخرافية، والسفر عبر الزمن، والتقنيات الخارقة التي لا وجود لها في الواقع، فإن الصورة أصبحت اليوم أقرب للأدب الاستكشافي الذي يستعين بالخيال العلمي لفهم قضايا سياسية، واجتماعية، وأخلاقية، من خلال إسقاطات مستقبلية، ورمزية.

يرى سيمون بريان، الباحث المختص في مركز دراسات الآداب الفرنسية بجامعة السوربون، أن الخيال العلمي يعمل بوصفه أداة لتشخيص الحاضر عبر تضخيم قضايا محورية، مثل رقمنة الحياة، أو الكوارث المناخية الوشيكة، وهو ما نراه مثلاً في رواية 1984 لجورج أرويل التي لا يظهر فيها التقدم التقني بوصفه أداة لرفاهية الإنسان، بل باعتبار أنه «عين ساهرة» لا تنام، تهدف إلى إلغاء الخصوصية، وإعادة صياغة العقل البشري. وفي السياق ذاته، يشير جان بول أنجيليبيرت، أستاذ الأدب المقارن في جامعة بوردو إلى أن هاجس نهاية العالم في هذه الروايات ليس مجرد ترف فني، بل هو محاولة لاستباق مخاوفنا عبر سيناريوهات تحبس الأنفاس، مما يجنب الإنسان المعاصر ضياع البوصلة في حاضر يفتقر إلى ثوابت مستقرة. ففي رواية «عالم جديد شجاع» لألدوس هكسلي توظف التكنولوجيا، والتحكم العلمي في الإنجاب، والتكييف النفسي لتحقيق مجتمع مستقر ظاهرياً، لكنه فاقد للحرية، والإرادة الفردية، وهو تجسيد لمخاوفنا من أن تؤدي التقنيات الحديثة إلى تسليع الإنسان، وتحويله إلى كائن مبرمج. كما تعبر أعمال مثل «هل تحلم الروبوتات بخراف كهربائية؟» لفيليب ك. ديك عن القلق المرتبط بالذكاء الاصطناعي، حيث يتداخل الحد الفاصل بين الإنسان والآلة، وأسئلة جوهرية عن معنى الإنسانية في عصر التكنولوجيا.

العامل المشترك وراء هذا الانتعاش الجديد يعود حسب تقرير صحيفة «الغارديان» إلى فضل المنصّات الرقمية، وبالأخص «بوك توك»، حيث تشير دراسة معهد سيركانا بوك سكان إلى أن واحداً من كل اثني عشر كتاباً ورقياً يباع في الأسواق العالمية حالياً يعود الفضل في انتشاره مباشرة إلى تأثير صُنّاع المحتوى على «تيك توك».

ومن الأمثلة الأخيرة رواية «الجناح الرابع» للكاتبة ربيكا ياروس، والتي حققت نجاحاً ساحقاً بفضل «بوك توك»، مما دفع دور النشر إلى رفع سقف التوقعات، والطباعة الأولية لأعمالها اللاحقة إلى أرقام فلكية تتجاوز 300 ألف نسخة طبعة أولى، وهو رقم كان يُعد مستحيلاً لرواية من فئة الخيال قبل عصر الـ«تيك توك». على أن تأثير مجتمع الـ«تيك توك» لم يقتصر على الإصدارات الحديثة فقط، بل امتد ليعيد روايات منسية إلى الواجهة. على سبيل المثال: رواية «أغنية أشيل» التي نُشرت عام 2011، والتي شهدت انفجاراً في المبيعات بعد سنوات من صدورها لتتجاوز مليوني نسخة في 2024بفضل مقاطع فيديو عاطفية قصيرة لم تتجاوز الستين ثانية.

وأقدم منها رواية 1984 لجورج أرويل، والتي تشهد زيادة مستدامة في المبيعات السنوية بنسبة تتراوح بين 10 إلى 20 في المائة مقارنة بما قبل عصر المنصة، وهو رقم ضخم لعمل تجاوز عمره سبعة عقود. ولذا، فلن نبالغ إن قلنا إن المنصات الرقمية، وعلى رأسها «بوك توك» قد لعبت دوراً حاسماً في كسر النخبوية المحيطة بالشرعية الأدبية، فمن خلال إعادة إحياء الكلاسيكيات، والاحتفاء بالروايات الديستوبية، فرض الجمهور الشاب ذائقته على دور النشر، ولم يعد الاعتراف يأتي من «الأكاديميات» فحسب، بل من قوائم الأكثر مبيعاً التي تسيطر عليها الآن روايات الخيال العلمي، والفانتازيا.

نظرة النقاد إلى الخيال العلمي بدأت تتغير مع بروز قضايا وجودية مثل التغير المناخي والذكاء الاصطناعي والحريات الفردية والهندسة الوراثية

لقد ظل أدب الخيال العلمي، ولفترة طويلة، مهمشاً باعتباره «أدباً شعبياً»، أو «شبه أدب»، حيث اعتبره قسم من النقاد أدباً استهلاكياً يفتقر إلى العمق الإنساني، والتعقيد اللغوي. وفي هذا السياق، تقول الكاتبة الشهيرة أورسولا كيه لو غوين، التي خاضت معارك طويلة لنيل اعتراف النقاد بهذا النوع، ما يلي : «لقد تم حصرنا في محميات أدبية وكأننا لا نكتب عن البشر، بينما الحقيقة أن الخيال العلمي هو الأداة الأقوى لاستكشاف ما يعنيه أن تكون إنساناً في مواجهة المجهول».

والملاحظ أن نظرة النقاد إلى الخيال العلمي بدأت تتغير مع بروز قضايا وجودية، مثل التغير المناخي، والذكاء الاصطناعي، والحريات الفردية، والهندسة الوراثية، ولم يعد هذا الأدب مجرد نبوءات تكنولوجية، بل أصبح بمثابة مختبر اجتماعي، وفلسفي. ويرى الكاتب الفرنسي المختص في هذا الجنس الأدبي جان مارك ليني أن الخيال العلمي هو أدب الواقع، لأنه لا يهرب من العالم، بل يستخدم المستقبل مجهراً لمراقبة الانحرافات الأخلاقية والاجتماعية الحالية، وقد كان الكاتب الفرنسي-الكندي الراحل موريس دانتيك قد صرّح في إحدى مقابلاته مع الصحافة الفرنسية بأن الأدب الفرنسي الكلاسيكي يعاني من النسيان، وأن الخيال العلمي هو النوع الوحيد القادر على دمج الانفجار التكنولوجي العلمي في الرواية الإنسانية. وقد أثبت النجاح الكبير الذي حققه آلان داماسيو مع روايته المعروفة «المتسلّلون» التي بيعت بأكثر من 150 ألف نسخة، وحصلت على عدة جوائز، أن الكتابة المتقنة للغاية يمكن أن تتزاوج بشكل مثالي مع موضوعات الاستباق السياسي. وفي نفس السياق تشكل الجوائز الأدبية علامة بارزة على هذا الاعتراف، وأفضل مثال: رواية «حكاية الخادمة» لمرغاريت أتوود التي فازت بعدة جوائز، منها جائزة آرثر سي كلارك للخيال العلمي، وكانت مرشحة لجائزة بوكر، وقد بيع أكثر من 8 ملايين نسخة باللغة الإنجليزية وحدها.


تراث البهجة والعمران

تراث البهجة والعمران
TT

تراث البهجة والعمران

تراث البهجة والعمران

في كتابه «المدينة الإسلامية - تراث البهجة والعمران» الصادر عن دار «تمهيد » بالقاهرة، يؤكد الباحث في شؤون التراث الحضاري الدكتور خالد عزب أن تخطيط الأحياء السكنية في المدينة الإسلامية القديمة، من بخارى وسمرقند شرقاً حتى مراكش وفاس غرباً، يكشف عن قانون متماسك يراعي الهوية الحضارية والتجانس الاجتماعي والاتساع والبهجة مع الحرص على البساطة وعدم المبالغة.

ويشير المؤلف إلى أن الأماكن العامة في تلك المدينة كانت تقع على جانبي الشارع التجاري «قصبة المدينة»، وتشمل الأسواق المركزية للمدينة والمتاجر الكبرى المغطاة والمكشوفة وورش المهنيين والمساجد الكبرى ومجموعات الأسواق المتخصصة والحمامات. وتتفرع من هذا الشارع الأنشطة الحرفية للحي ومساجده وحماماته ومقاهيه، ويتخللها بعض الدور والمساكن وهى أكثر ارتفاعاً.

أما الأماكن الخاصة، فهي التي تقع على امتداد الحواري والمسالك المسدودة الضيقة، أو المنعطفات، وتتفرع من الشوارع المركزية للأحياء، وتشمل المباني السكنية التي تتميز بواجهات مبانيها القليلة الارتفاع والفتحات، في حين التزمت مباني الأحياء بارتفاع يكاد يكون ثابتاً عدا المساجد. كما نلحظ تعدد الأفنية وتداخلها بين مجموعات المباني، لاستقطاب حياة الناس إلى الداخل، بينما تنساب الأسواق المغطاة خلال الكتلة العمرانية للمدينة، مكوّنة محاور للحركة ونقطة تلاقٍ للسكان بين الأحياء المختلفة.

ويخترق الحي أو المجاورة شارع رئيسي واحد في الغالب، ويسكنه مجتمع متجانس عادة وقليل العدد نسبياً، وتربط ما بين أفراده روابط دينية أو عرقية أو مهنية، ويتوفر لديهم شعور قوي بترابط الجماعة، وباحترام الواجبات والالتزامات المتبادلة بينهم.

ورغم ذلك، لا يتم تقسيم الأحياء بحسب مكانة الطبقات الاجتماعية؛ فالحي عالم مصغر، يعيش فيه الغني والفقير جنباً إلى جنب، ويتشاركان في الجوامع والأسواق والحمامات والأسبلة.

وقد عدّت سلطات الدولة الحي، وحدة إدارية وكان له رئيسه ومجلسه، وفي أوقات الاضطرابات، عدّ أيضاً وحدة دفاعية. ورغم أنه قد تُحرس بوابات الأحياء بالحراس في الليل في أوقات القلاقل، لكن الحي ليس محدداً تحديداً معمارياً في الغالب، ويتصل اتصالاً عضوياً بالمباني المجاورة للأحياء الملاصقة، ويستطيع السكان أن يوطدوا علاقاتهم دائماً.

والملاحظ أن الكتل المعمارية في الحي السكني منفصلة عن بعضها بواسطة ما يحتّمه التخطيط، من ترك الفراغات حول الأبنية، فإذا اتصلت هذه الفراغات بفراغات الشوارع، تكونت مساحات كبيرة من الفراغات التي تكوّن كمية كبيرة من الضوء، والحرارة لكل من في المنطقة. وهذا الاتجاه يكاد يكون سائداً في معظم التجمعات السكنية، في أنحاء العالم وخصوصاً في الدول الغربية التي كانت سباقة في اتباع هذا الاتجاه، وتبعها بعض دول العالم، ومن بينها الدول الإسلامية، التي لم تحاول مناقشة مدى صلاحية هذا الاتجاه لطبيعة بلادها.

ويشير المؤلف في هذا السياق إلى ما يسمى «الرحبات» التي تمثل مناطق التقاء في المدن الإسلامية، فهي نقطة تلاقٍ للشوارع وتتوسط الأحياء السكنية، وكان اتساعها سبباً في اتخاذها مكاناً للباعة الجائلين، ما أدى إلى تسمية «الرحبة» باسم التجارة التي تروج بها مثل «رحبة البصل» في دمشق. وقد تضم الرحبة أحد المرافق العامة، ومن أمثلة ذلك الرحبة التي كانت أمام مسجد الدرعي بمدينة الفسطاط المصرية، فقد اشتملت على «بئر سابلة» أي بئر ماء عامة تمد من يرغب بالمياه، وهذا مؤشر على بدايات الصهاريج العامة والأسبلة في مصر.


العُماني محمود الرحبي يحصد جائزة «الملتقى للقصة القصيرة العربية»

الكاتب العُماني محمود الرحبي الفائز بجائزة «الملتقى للقصة القصيرة» في الكويت بالدورة الثامنة (الشرق الأوسط)
الكاتب العُماني محمود الرحبي الفائز بجائزة «الملتقى للقصة القصيرة» في الكويت بالدورة الثامنة (الشرق الأوسط)
TT

العُماني محمود الرحبي يحصد جائزة «الملتقى للقصة القصيرة العربية»

الكاتب العُماني محمود الرحبي الفائز بجائزة «الملتقى للقصة القصيرة» في الكويت بالدورة الثامنة (الشرق الأوسط)
الكاتب العُماني محمود الرحبي الفائز بجائزة «الملتقى للقصة القصيرة» في الكويت بالدورة الثامنة (الشرق الأوسط)

أعلنت جائزة «الملتقى للقصة القصيرة العربية»، فوز الكاتب العُماني محمود الرحبي، بجائزة الملتقى في الدورة الثامنة 2025 - 2026 عن مجموعته القصصية «لا بار في شيكاغو».

وفي حفل أقيم مساء الأربعاء على مسرح مكتبة الكويت الوطنية، بحضور عدد كبير من الكتّاب والنقّاد والمثقفين الكويتيين والعرب والمترجمين، أعلن الدكتور محمد الشحّات، رئيس لجنة التحكيم، قرار اللجنة بالإجماع فوز الكاتب العُماني محمود الرحبي بالجائزة في هذه الدورة عن مجموعته «لا بار في شيكاغو».

وقال الشحّات، إن الأعمال القصصية المشاركة في هذه الدورة بلغ مجموعها 235 مجموعة قصصية، مرّت بعدد من التصفيات انتهت إلى القائمة الطويلة بعشر مجموعات، ثم القائمة القصيرة بخمس مجموعات.

وأوضح الشحّات: «باتت جائزة الملتقى عنواناً بارزاً على ساحة الجوائز العربية، لا سيّما والنتائج الباهرة التي حقَّقها الفائزون بها في الدورات السابقة، وذهاب جميع أعمالهم إلى الترجمة إلى أكثر من لغة عالمية، فضلاً عن الدور الملموس الذي قامت به الجائزة في انتعاش سوق طباعة ونشر المجموعات القصصية التي أخذت تُزاحم فنّ الرواية العربية في سوق الكتاب الأدبي العربي، وفي معارض الكتب الدولية في العواصم العربية الكبرى».

وقد وصل إلى القائمة القصيرة خمسة أدباء هم: أماني سليمان داود عن مجموعتها (جبل الجليد)، وشيرين فتحي عن مجموعتها (عازف التشيلّو)، ومحمود الرحبي عن مجموعته القصصية (لا بار في شيكاغو)، وندى الشهراني عن مجموعتها (قلب منقّط)، وهيثم حسين عن مجموعته (حين يمشي الجبل).

من جهته، قال القاص العماني الفائز محمود الرحبي، إن فوزه «بجائزة الملتقى يعني الفوز بأهم جائزة عربية على الإطلاق للقصة القصيرة، وهو فوز بأوسكار الجوائز الأدبية العربية، وسوف يضع مسؤولية على كاهلي بأن أقدّم القصة القصيرة المبدعة دائماً».

المجموعة القصصية «لا بار في شيكاغو» الفائزة بجائزة «الملتقى للقصة القصيرة العربية» (الشرق الأوسط)

«الكويت والقصة القصيرة»

وفي الندوة المصاحبة التي ترافق إعلان الفائز، أقامت جائزة الملتقى ندوة أدبية بعنوان: «الكويت والقصة القصيرة العربية» شارك فيها عدد من مبدعي الكتابة القصصية في الوطن العربي، إضافة إلى النقاد والأكاديميين.

وبمناسبة إطلاق اسم الأديب الكويتي فاضل خلف، على هذه الدورة، وهو أوَّل قاص كويتيّ قام بإصدار مجموعة قصصية عام 1955، تحدث الشاعر والمؤرخ الدكتور يعقوب يوسف الغنيم، وزير التربية السابق، عن صديقه الأديب فاضل خلف، حيث وصف فاضل خلف بأنه «صديق قديم، عرفته منذ منتصف خمسينات القرن الماضي، واستمرت صلتي به إلى يوم فراقنا بوفاته. ولقد تعرفت عليه قبل أن أعرفه، وذلك من خلال ما نشر في مجلة (البعثة) ومجلة (الرائد) وغيرهما. وكانت له صلة مع عدد كبير من الأدباء في الكويت وفي عموم الوطن العربي».

وأضاف الغنيم: «للأستاذ فاضل تاريخ أدبي ناصع، فقد كان من أبرز كتاب القصة القصيرة في الكويت، وكان يتابع كل ما يتعلق بالمفكرين العرب سعياً إلى الاطلاع على إنتاجهم. ويكفيه فخراً أنه من فتح باب نشر المجاميع القصصية حين أصدر مجموعته الأولى (أحلام الشباب) عام 1955».

من جانبه، قال الدكتور محمد الجسّار، الأمين العام للمجلس الوطني للثقافة والفنون والآداب (راعي الجائزة): «نعيش حدثاً إبداعياً ثقافياً عربياً مُتميّزاً، احتفاءً بفن القصة القصيرة العربية، وتكريماً لذكرى أحد رجالات الكويت الأفاضل الأديب الكويتي المبدع (فاضل خلف)، الذي كان في طليعة كتّاب القصة الكويتيين الذين اتخذوا من فن القصة طريقاً لمسيرة حياتهم، حين أصدر مجموعته القصصية الأولى (أحلام الشباب) عام 1955، حاملة بُعدَها الكويتي ونَفَسها العروبي الإنساني».

وأضاف الجسار: «جائزة الملتقى للقصة القصيرة، منذ انطلاقها عام 2015، كانت تنتمي إلى الكويت بقدر انتمائها للمشهد الإبداعي العربي، حيث أكّدت دورها الريادي في دعم فن القصة القصيرة، وها نحن نحتفل بالدورة الثامنة للجائزة، مؤكّدين التزام المجلس الوطني للثقافة والفنون والآداب بدعم ورعاية جائزة الملتقى، بوصفها مبادرة إبداعية ثقافية ترفع من شأن الإبداع والأدب، وتعزز من مكانة دولة الكويت بوصفها حاضنة للفكر والإبداع العربيين».

طالب الرفاعي: صوت الكويت

من جانبه، أشار مؤسس ورئيس مجلس أمناء الجائزة الأديب طالب الرفاعي، إلى «اقتران اسم الجائزة بالقصة القصيرة من جهة والكويت من جهة أخرى، وذلك بعد مرور عشر سنوات على إطلاقها، وهذا ما جعل الكويت طوال السنوات الماضية حضناً وبيتاً للقصة العربية، وقبلة لأهم كتّاب القصة القصيرة في الوطن العربي».

وأكّد أن الجائزة تزداد حضوراً وأهميةً على مشهد الجوائز العربية والعالمية، حيث صار يُشار إليها بوصفها «أوسكار الجوائز العربية الأدبية»، وأنها سنوياً تقدم للترجمة العالمية قصاصاً عربياً مبدعاً.

وقال الرفاعي إن «القصة أصبحت وجهاً مشرقاً من وجوه وصل الكويت بالمبدع العربي».