التحالف الدولي والاتحاد الأوروبي يطالبان موسكو بالكف عن استهداف المدنيين في سوريا

الطيران الروسي يستهدف «داعش» في الرقة.. ومصدر دبلوماسي يرى «من المبكر الحديث عن خطوات عملية أميركية»

رجلان وأطفال يمشون أمس في أحد شوارع قرية اللطامنة في ريف حماه التي استهدفتها الغارات الجوية الروسية الأربعاء الماضي (رويترز)
رجلان وأطفال يمشون أمس في أحد شوارع قرية اللطامنة في ريف حماه التي استهدفتها الغارات الجوية الروسية الأربعاء الماضي (رويترز)
TT

التحالف الدولي والاتحاد الأوروبي يطالبان موسكو بالكف عن استهداف المدنيين في سوريا

رجلان وأطفال يمشون أمس في أحد شوارع قرية اللطامنة في ريف حماه التي استهدفتها الغارات الجوية الروسية الأربعاء الماضي (رويترز)
رجلان وأطفال يمشون أمس في أحد شوارع قرية اللطامنة في ريف حماه التي استهدفتها الغارات الجوية الروسية الأربعاء الماضي (رويترز)

حذّرت دول من التحالف الدولي الذي تقوده الولايات المتحدة من أنّ الغارات الجوية الروسية في سوريا ستؤدي إلى تصعيد النزاع، داعية موسكو إلى التوقف عن استهداف مقاتلي المعارضة السورية. كذلك شدد الاتحاد الأوروبي على ضرورة أن تستهدف الغارات الجوية في سوريا تنظيم داعش دون سواه، داعيا إلى تجنب سقوط ضحايا في صفوف المدنيين، في حين اتهم رئيس الوزراء التركي أحمد داود أوغلو روسيا باستهداف المعارضة المعتدلة بهدف دعم نظام الرئيس السوري بشار الأسد.
وفي وقت كانت قد تركزت معظم ضربات روسيا على فصائل معارضة مدعومة من قبل واشنطن، اعتبر مصدر دبلوماسي غربي أنّه «من المبكر اليوم الحديث عن خطوات عملية من قبل أميركا التي تراقب وترصد أهداف الضربات الروسية»، وأضاف في حديثه لـ«الشرق الأوسط» قائلاً: «موسكو تدّعي محاربتها (داعش) بينما سلوكها على الأرض لا يزال مثيرا للشكوك». وتابع الدبلوماسي: «أميركا تشعر بالقلق من التدخل العسكري الروسي في سوريا، وترفض أن يكون الرئيس السوري بشار الأسد شريكًا في الحرب ضدّ (داعش) كما في أي حل سياسي بسوريا، وهو الذي تسبب بمقتل وتهجير الآلاف». وأكد أن «الخلافات بين واشنطن وموسكو لا تزال كما هي، والمحادثات اليوم بين الدولتين لا تعدو كونها تنسيقًا تقنيًا وليس استراتيجيًا مع التأكيد على استمرار عمل طيران التحالف الدولي ضدّ (داعش)».
ميدانيًا، واصلت روسيا أمس في تعزيز مواقع قواتها العسكرية وتوسيع دائرة استهدافاتها الجوية في سوريا، إذ أعلنت عن قصفها مساء الخميس للمرّة الأولى مواقع لـ«داعش» في الرقة إضافة إلى مواقع في محافظتي حماه وإدلب، بينما أكدت مواقع معارضة أنّ الضربات استهدفت مناطق مدنية في إدلب وريف حماه وأدت إلى سقوط قتلى وجرحى. وبعدما كانت معلومات قد أشارت إلى إرسال إيران وحزب الله مئات العناصر للمشاركة في هجوم بري في سوريا، قال رامي الدالاتي، رئيس المكتب السياسي في جيش التوحيد (أحد فصائل المعارضة)، أنّه لغاية الآن لا يظهر أي وجود جديد لعناصر غير سورية على الأرض، مشيرًا في حديثه لـ«الشرق الأوسط» إلى أن هناك تحركات لافتة لآليات وفصائل تابعة لقوات النظام، لا سيما، من طرطوس والقلمون الشرقي باتجاه مدينة حمص وريفها. وفي المقابل، كشف المتحدث باسم القوات الجوية الروسية عن وصول عشر طائرات صهريج إلى سوريا في إطار توفير الظروف اللازمة لإنجاح مهمة القوات الجوية الروسية هناك. وقال العقيد إيغور كليموف، المتحدث باسم القوات الجوية الروسية، أمس بأنه توجد عشر طائرات صهريج روسية في قاعدة حميميم الجوية في الساحل السوري، وأوضح أن روسيا أرسلتها لتزويد الطائرات العسكرية الروسية التي تنفذ العملية الجوية ضد «المجموعات الإرهابية هناك بالوقود»، وأضاف: «تمت تهيئة كل الظروف اللازمة لإنجاح مهمة العسكريين الروس في سوريا» بحسب وكالة «سبوتنيك الروسية».
من جهة أخرى، أعلن المتحدث الرسمي باسم وزارة الدفاع الروسية الجنرال إيغور كوناشينكوف، أن ممثلي وزارتي الدفاع الروسية والأميركية عقدوا اجتماعا تشاوريًا عبر الفيديو بناء على مبادرة من قبل وزارة الدفاع الأميركية (البنتاغون)، مشيرًا إلى أنهم ناقشوا «استخدام الطيران فوق أراضي سوريا بشكل آمن».
إلا أن بيانًا أصدرته سبع دول هي تركيا والمملكة العربية السعودية والولايات المتحدة وبريطانيا وفرنسا وألمانيا وقطر، ونشر على موقع وزارة الخارجية الأميركية أن «هذه الأعمال العسكرية ستؤدي إلى تصعيد أكبر وستزيد من التطرف والأصولية». وأضاف البيان الذي نشر أيضا على موقع وزارتي الخارجية الألمانية والفرنسية: «ندعو روسيا إلى وقف هجماتها فورا على المعارضة والمدنيين في سوريا». وتابع أن روسيا «عليها أن تركز جهودها على محاربة تنظيم داعش». وأعرب البيان عن «القلق الشديد» إزاء الغارات الجوية الروسية التي «أوقعت ضحايا من المدنيين ولم تستهدف تنظيم داعش».
من جهته، اتهم رئيس الوزراء التركي أحمد داود أوغلو روسيا باستهداف مقاتلي المعارضة السورية المعتدلة بغاراتها الجوية بهدف دعم نظام الأسد وسيستفيد منها «داعش».
وفي تصريحات للصحافيين الأتراك على متن الطائرة التي أقلته من اجتماعات الجمعية العامة للأمم المتحدة في نيويورك، رفض داود أوغلو إصرار موسكو على أن عملياتها الجوية التي بدأتها هذا الأسبوع تستهدف «داعش»، مضيفًا: «العملية برمتها تستهدف مواقع الجيش السوري الحر». ونقلت الكثير من الصحف التركية وبينها «حرييت» و«ملييت» عن داود أوغلو قوله: «النتيجة مقلقة جدًا».
وقال داود أوغلو: «بينما إيران، الداعم الرئيسي الدولي الآخر للأسد، تقدم الدعم بالعناصر العسكرية على الأرض، تقوم روسيا بدعم النظام من الجو».
وأضاف أن الدعم العسكري الروسي لنظام الأسد ليس سرا، لافتا إلى سفن حربية روسية عبرت مضيق البوسفور أمام إسطنبول خلال الأسابيع الأخيرة. وتابع: «الجميع يعرف ما الذي تحمله ووجهتها».
وأمس، أعلنت وزارة الدفاع الروسية أن مقاتلاتها «نفذت خلال الـ24 ساعة الأخيرة 18 طلعة جوية ضد 12 موقعا للإرهابيين في كل من الرقة وحماه وإدلب وحلب بسوريا»، وأوضحت أن مقاتلات «سوخوي 34» دمرت مركز قيادة ومعسكر تدريب لـ«داعش» قرب الرقة، ومركز قيادة ومعسكرا له في حماه. ونشرت الوزارة مقطع فيديو قالت إنها للضربات الجوية التي نفذها الطيران الروسي خلال الساعات الماضية ضد مواقع لـ«داعش» في معرة النعمان. وأشار الجنرال إيجور كوناشينكوف، المتحدث الرسمي لوزارة الدفاع الروسية، إلى أن طائرات «سو - 25» استهدفت أيضًا معسكرًا لمسلحي «داعش» في منطقة معرة النعمان بمحافظة إدلب ودمرت بالكامل مخابئ تحت الأرض وكذلك مخازن للأسلحة والوقود للإرهابيين. وأضاف أن الطيران الروسي دمر مركز قيادة لمسلحي «داعش» في محافظة حماه إضافة إلى عشرات الآليات العسكرية المزودة بأسلحة نارية من عيار كبير. وكان المرصد السوري لحقوق الإنسان، قد ذكر أنّ الطيران الروسي شنّ لأول مرة مساء الخميس غارة على الأطراف الغربية لمدينة الرقة والمنطقة التي يقع فيها مطار الطبقة في محافظة الرقة، مما أدى إلى مقتل ما لا يقل عن 12 عنصرا نقلت جثثهم إلى أحد مستشفيات المحافظة، ويوم أمس أعلن عن قصف الطائرات الروسية لمدينة القريتين بريف حمص الشرقي الواقعة تحت سيطرة «داعش».
ومن جهته، أكد «مكتب أخبار سوريا» مقتل تسعة مدنيين وإصابة العشرات، ليل الخميس جراء استهداف الطيران الحربي الروسي مناطق خاضعة لسيطرة المعارضة في ريف محافظة إدلب الجنوبي. وأفادت مصادر محلية أنّ «الطيران الروسي استهدف بالصواريخ الموجهة وسط بلدة الهبيط بريف مدينة معرة النعمان، تسببت بمقتل أربعة مدنيين وإصابة ثمانية آخرين بجروح مختلفة، بينهم حالات (خطرة)، كما تسببت الغارات بدمار في منازل والممتلكات». وأشار المكتب إلى ارتفاع عدد قتلى قرية بليون بمنطقة جبل الزاوية، إلى خمسة مدنيين وإصابة ما لا يقل عن 11 آخرين، نتيجة استهداف الطيران الحربي للقرية الخميس، لافتا كذلك، إلى أن المقاتلات الجوية الروسية استهدفت بلدة كفرسجنا والطريق الواصلة بين بلدتي كنصفرة وكفرعويد بالصواريخ الموجهة، نتج عنها أضرار مادية.



حكومة الزنداني تؤدي اليمين وفي انتظارها ملفات مثقلة بالتحديات

وزراء حكومة الزنداني مع رئيس مجلس القيادة الرئاسي رشاد العليمي بعد أدائهم اليمين (سبأ)
وزراء حكومة الزنداني مع رئيس مجلس القيادة الرئاسي رشاد العليمي بعد أدائهم اليمين (سبأ)
TT

حكومة الزنداني تؤدي اليمين وفي انتظارها ملفات مثقلة بالتحديات

وزراء حكومة الزنداني مع رئيس مجلس القيادة الرئاسي رشاد العليمي بعد أدائهم اليمين (سبأ)
وزراء حكومة الزنداني مع رئيس مجلس القيادة الرئاسي رشاد العليمي بعد أدائهم اليمين (سبأ)

في مراسم بروتوكولية رسمية احتضنها مقر السفارة اليمنية في العاصمة السعودية الرياض، أدت الحكومة اليمنية الجديدة، برئاسة الدكتور شائع محسن الزنداني، الاثنين، اليمين الدستورية أمام رئيس مجلس القيادة الرئاسي رشاد العليمي، إيذاناً ببدء مهامها المثقلة بالتحديات المتشابكة أمنياً واقتصادياً وخدمياً.

وجاءت مراسم أداء اليمين تتويجاً لمسار مشاورات سياسية معقدة استغرقت نحو 3 أسابيع، عقب تكليف العليمي الزندانيَّ تشكيل الحكومة، وسط تجاذبات بين القوى السياسية والمكونات المنضوية في إطار مجلس القيادة الرئاسي.

واعتمد التشكيل الحكومي الجديد على معادلة «التوازنات الدقيقة»، التي فرضتها تعقيدات الواقع اليمني، حيث ضمت الحكومة 35 وزيراً، توزعوا وفق حسابات المحاصصة المناطقية والتمثيل السياسي. وسجلت المحافظات الجنوبية حضوراً لافتاً بـ20 حقيبة وزارية، مقابل 15 حقيبة للمحافظات الشمالية، في توزيع يعكس التحولات السياسية والواقع الميداني القائم.

رئيس الحكومة اليمنية شائع الزنداني يؤدي اليمين الدستورية (سبأ)

وبرزت محافظة حضرموت بوصفها ثقلاً اقتصادياً وجغرافياً مؤثراً في التشكيل، بحصولها على 6 حقائب وزارية؛ مما يعكس الرهان على دورها المحوري في دعم الاستقرار الاقتصادي والمالي خلال المرحلة المقبلة.

وعلى الصعيد السياسي، حافظت الحكومة على إشراك مختلف القوى الممثلة في مجلس القيادة الرئاسي، بمن فيهم محسوبون على المجلس الانتقالي الجنوبي المنحل، في مسعى لتعزيز وحدة القرار وتخفيف حدة الاستقطاب داخل معسكر الشرعية.

وفي حين ضم التشكيل 8 وزراء دولة، فإنه سجل حضوراً نسوياً بتكليف 3 نساء حقائب؛ هي: الشؤون القانونية، والتخطيط والتعاون الدولي، وشؤون المرأة، في خطوة لاقت ترحيباً محلياً ودولياً، بوصفها مؤشراً على التزام الحكومة تعزيز الحكم الشامل.

تحديات الداخل

وضمن مشهد التعقيدات والتوازنات التي واجهت التشكيل الحكومي، احتفظ رئيس الوزراء شائع الزنداني بحقيبة الخارجية وشؤون المغتربين، في محاولة لضمان استمرارية التحرك الدبلوماسي اليمني والحفاظ على زخم التواصل مع المجتمع الدولي والشركاء الإقليميين.

وفي حين غاب عن مراسم أداء اليمين وزير التعليم العالي والبحث العلمي، وهو محسوب على «التنظيم الوحدوي الشعبي الناصري»؛ لأسباب غير معلنة، يرى مراقبون أن التحدي الأول أمام الحكومة يتمثل في ضرورة مباشرة مهامها من الداخل، في ظل مطالب شعبية متصاعدة بعودة مؤسسات الدولة إلى عدن وتفعيل حضورها على الأرض.

الحكومة اليمنية الجديدة ضمت 3 حقائب للنساء بعد سنوات من التهميش (سبأ)

وتواجه حكومة الزنداني تركة ثقيلة من الأزمات المتراكمة، يتصدرها الملف الاقتصادي، في ظل تدهور سعر الصرف، وتوقف تصدير النفط، وتراجع الإيرادات العامة، إضافة إلى أزمات الخدمات الأساسية، وعلى رأسها الكهرباء والمياه، التي باتت تمس الحياة اليومية للمواطنين.

ولا يقل الملف الأمني أهمية؛ إذ تتطلع الأوساط السياسية إلى توحيد الأجهزة العسكرية والأمنية تحت مظلتَيْ وزارتَيْ الدفاع والداخلية، بما يعزز الاستقرار ويحد من مظاهر الانفلات والتعددية الأمنية.

وتُوصف حكومة الزنداني بأنها «حكومة الفرصة الأخيرة» لوقف التدهور المعيشي، في ظل آمال معلقة على انتقالها من سياسة إدارة الأزمات إلى معالجتها جذرياً، وهو ما يتطلب انسجاماً سياسياً داخلياً ودعماً إقليمياً ودولياً مستداماً.

ترحيب دولي

وفي هذا السياق، رحب المبعوث الخاص للأمم المتحدة إلى اليمن، هانس غروندبرغ، بتشكيل الحكومة اليمنية الجديدة برئاسة رئيس الوزراء شائع الزنداني، مشيراً إلى أن هذا التطور يأتي في وقت تشتد فيه الحاجة إلى بذل جهود متجددة للنهوض بعملية سياسية شاملة بقيادة اليمنيين، ولمعالجة التحديات السياسية والاقتصادية والأمنية التي تواجه اليمن، والاستجابة لأولويات الشعب اليمني.

كما رحب المبعوث الخاص غروندبرغ أيضاً بعودة النساء إلى مجلس الوزراء اليمني، بوصفها خطوة مهمة نحو تعزيز الحكم الشامل ودعم عملية صنع القرار.

وقال المبعوث الأممي في بيان: «من المهم أن يُسمح للحكومة المشكّلة حديثاً بأداء عملها في بيئة بنّاءة لتحقيق الاستقرار، وتخفيف معاناة الشعب اليمني، والمساعدة في تهيئة الظروف المواتية لسلام دائم».

وأفاد غروندبرغ بأنه سيواصل انخراطه مع الأطراف اليمنية والإقليمية لدعم الجهود الرامية إلى تعزيز الحوار وخفض التصعيد.

من جهتها، هنأت السفارة الأميركية لدى اليمن بتشكيل الحكومة الجديدة، وقالت في بيان إن «هذا التحول يعدّ فرصةً سانحة لتعزيز الاستقرار وتثبيت دعائم الحوكمة الفاعلة».

وأكد البيان تطلع واشنطن للتعاون مع حكومة ذات كفاءة وشاملة للتنوع الجغرافي، تُشرك النساء والشباب بفاعلية، بوصفهم عنصراً أساسياً في بناء الدولة وتلبية احتياجات المجتمع.

وأضاف: «أصبح الفرق بين نهج الدولة الذي تمثله الحكومة وبين جماعة الحوثي الإرهابية واضحاً تماماً اليوم. نجدد تأكيدنا على الوقوف بجانب الشعب اليمني في سعيه نحو غد أكثر أمناً وازدهاراً».

من جانبه، رحب «الاتحاد الأوروبي» بإعلان تشكيل الحكومة اليمنية الجديدة في خطوة نحو العمل على استقرار الوضع وتحسين تقديم الخدمات والمضي في الإصلاحات المطلوبة، وقال في تغريدة على منصة «إكس»: «يُعدّ (إشمال) المرأة وشخصيات شابة عنصراً أساسياً يظهر الالتزام الواضح بالشمول والتنوع».

في السياق نفسه، أكدت السفيرة البريطانية لدى اليمن، عبدَة شريف، التزام لندن الراسخ العمل مع الحكومة اليمنية لتعزيز الأمن والاستقرار والازدهار للشعب اليمني. كما رحبت بـ«شدة» بتقلد كفاءات نسائية مناصب وزارية رفيعة؛ وقالت إن «الحكومة الشاملة هي الركيزة الأساسية لسلام واستقرار مستدام».

Cannot check text—confirm privacy policy first


الحوثيون حوّلوا رمضان المبارك ضيفاً ثقيلاً على اليمنيين

مشاهد الفقر والكساد تطغى على الأسواق في مناطق سيطرة الحوثيين قبيل حلول رمضان المبارك (إعلام محلي)
مشاهد الفقر والكساد تطغى على الأسواق في مناطق سيطرة الحوثيين قبيل حلول رمضان المبارك (إعلام محلي)
TT

الحوثيون حوّلوا رمضان المبارك ضيفاً ثقيلاً على اليمنيين

مشاهد الفقر والكساد تطغى على الأسواق في مناطق سيطرة الحوثيين قبيل حلول رمضان المبارك (إعلام محلي)
مشاهد الفقر والكساد تطغى على الأسواق في مناطق سيطرة الحوثيين قبيل حلول رمضان المبارك (إعلام محلي)

في واقعٍ مثقل بالفقر والعوز، يستقبل ملايين اليمنيين في مناطق سيطرة الجماعة الحوثية شهر رمضان هذا العام وهم عاجزون عن توفير أبسط متطلبات هذه المناسبة الدينية، التي لطالما تميزت بطقوسها الخاصة ومأكولاتها المتنوعة.

وحوّل الحوثيون رمضانَ ضيفاً ثقيلاً على غالبية الأسر، في ظل انعدام الأمن الغذائي، وتوقف المرتبات، وغياب المساعدات الإنسانية التي كانت تمثل شريان حياة لملايين السكان.

وتفاقمت هذه المعاناة مع مغادرة عدد من منظمات الأمم المتحدة المناطق الخاضعة لسيطرة الحوثيين، وتوقف برامجها الإغاثية، عقب مداهمة الجماعة مكاتبها واعتقال العشرات من العاملين فيها. ووفق تقديرات منظمات إغاثية، فإن نحو 13 مليون شخص في تلك المناطق يعيشون اليوم على حافة الجوع، في واحدة من أسوأ الأزمات الإنسانية التي يشهدها اليمن منذ سنوات.

الحوثيون متهمون برعاية الانفلات الأمني في إب لمنع أي انتفاضة شعبية (إعلام محلي)

عبد الرحمن، وهو موظف في شركة محلية بمحافظة إب (193 كيلومتراً جنوب صنعاء)، يصف لـ«الشرق الأوسط» الأوضاع؛ قبل أيام من دخول شهر رمضان المبارك، بأنها «مأساوية بكل المقاييس». ويؤكد أن الغالبية المطلقة من سكان المحافظة باتت عاجزة عن توفير الاحتياجات الغذائية الأساسية، واضطرت إلى تقليص عدد الوجبات اليومية إلى الحد الأدنى.

ويعزو عبد الرحمن هذا الوضع إلى «قطع الحوثيين مرتبات عشرات آلاف الموظفين منذ 8 أعوام، إضافة إلى توقف الأنشطة الاقتصادية وشلل سوق العمل، إلى جانب انقطاع المساعدات الإنسانية التي كانت تقدمها الأمم المتحدة خلال السنوات الماضية». ويقول إن «البؤس يعلو وجوه المتسوقين في أسواق عاصمة المحافظة، في مشهد يناقض تماماً أجواء الفرح التي اعتادها اليمنيون مع قدوم رمضان».

أسواق خالية

ولا تختلف الحال كثيراً في العاصمة اليمنية المختطفة صنعاء، حيث أعلنت الجماعة الحوثية قبل أيام صرف نصف راتب عن نهاية العام الماضي لبعض الموظفين العموميين، وبواقع نحو 50 دولاراً فقط، بمناسبة حلول الشهر الفضيل. إلا إن هذا المبلغ، وفق شكاوى الموظفين، لا يغطي حتى جزءاً يسيراً من متطلبات المعيشة.

وتبدو أسواق صنعاء خالية من الزحام المعتاد الذي كانت تشهده في مثل هذه الأيام من كل عام؛ إذ انعكست حالة الفقر والعوز على القدرة الشرائية للسكان، ودفع ذلك بهم إلى الاكتفاء بشراء الضرورات القصوى، في ظل ارتفاع الأسعار وتراجع الدخل إلى مستويات غير مسبوقة.

منصور، وهو معلم يقيم في صنعاء، يقول إنه تسلم نصف راتب، لكنه لا يكفي حتى لتسديد إيجار المنزل. ويضيف في حديثه لـ«الشرق الأوسط»: «الحديث عن شراء احتياجات رمضان أصبح نوعاً من الترف لا يعرفه إلا القليل من الميسورين. نحن وغالبية الناس نبحث فقط عما يسد جوعنا وجوع أطفالنا».

ملايين اليمنيين في مناطق سيطرة الحوثيين يعانون انعدام الأمن الغذائي (إعلام محلي)

ويشير منصور إلى أن «المساعدات الغذائية التي كانت تقدمها الأمم المتحدة والمنظمات الدولية خلال الأعوام الماضية، كانت توفر الحد الأدنى من الأمن الغذائي لكثير من الأسر، وتمنحها فرصة شراء بعض متطلبات رمضان، بما فيها الحلويات التقليدية».

ازدياد الفقراء

ومع انقطاع هذه المساعدات الأممية بشكل كامل، انضم آلاف الأسر إلى قوائم الفقراء الباحثين عمّا يسد رمقهم، فيما باتت أسر أخرى تعيش على الخبز والشاي، أو اضطرت إلى التسول في الشوارع وأمام المطاعم ومحال البقالة.

وفي سياق متصل، شكا الصحافي حسن الوريث، الذي كان في السابق من مؤيدي الحوثيين، من تعرضه لمضايقات وضغوط متواصلة بسبب مواقفه المنتقدة للفساد. واتهم جهات نافذة بالسعي إلى إسكاته ومنعه من أداء دوره المهني، مشيراً إلى أن تلك الضغوط تنوعت بين التهديد المباشر، والإقصاء، ومحاربته في مصدر رزقه.

وأكد الوريث عزمه على الاستمرار في الكشف عن الفساد، محذراً من انهيار شامل في حال عدم التصدي لما وصفها بـ«منظومة الفساد ومراكز النفوذ»، داعياً إلى «حماية الصحافيين والإعلاميين في مناطق سيطرة الحوثيين الذين يؤدون واجبهم المهني بصدق، رغم المخاطر».

Cannot check text—confirm privacy policy first


إهمال حوثي يهدد حياة السكان في صنعاء

شارع في صنعاء تغمره مياه المجاري جراء انسداد شبكة التصريف (الشرق الأوسط)
شارع في صنعاء تغمره مياه المجاري جراء انسداد شبكة التصريف (الشرق الأوسط)
TT

إهمال حوثي يهدد حياة السكان في صنعاء

شارع في صنعاء تغمره مياه المجاري جراء انسداد شبكة التصريف (الشرق الأوسط)
شارع في صنعاء تغمره مياه المجاري جراء انسداد شبكة التصريف (الشرق الأوسط)

تعيش العاصمة اليمنية المختطَفة صنعاء، ومدن أخرى خاضعة لسيطرة الجماعة الحوثية، على وقع تدهور خِدمي متسارع يُهدد حياة السكان بشكل مباشر، مع تفاقم أخطار أعمدة الكهرباء المُتهالكة، واستمرار طفح مياه الصرف الصحي في الأحياء السكنية، في مشهد يعكس حجم الإهمال المزمن وتقاعس الجهات المعنية عن القيام بأبسط واجباتها تجاه السلامة العامة، خصوصاً مع اقتراب شهر رمضان.

مصادر محلية مُطلعة كشفت، لـ«الشرق الأوسط»، عن وجود مئات من أعمدة الكهرباء الخشبية المتهالكة في صنعاء وضواحيها، يعود تركيب بعضها إلى عقود مضت، وهي، اليوم، مائلة أو متشققة القواعد، وتتدلى منها أسلاك مكشوفة، ما يُشكل تهديداً مباشراً للمارّة، ولا سيما الأطفال وطلبة المدارس، في ظل غياب أي أعمال صيانة أو استبدال حقيقية.

وأوضحت المصادر أن معظم هذه الأعمدة تُستخدم حالياً في شبكات توزيع الكهرباء التجارية، في ظل الانقطاع شبه الكامل للكهرباء الحكومية منذ سنوات، ما أدى إلى زيادة الأحمال الكهربائية بصورة تفوق قدرتها على التحمل، وسط تمديدات عشوائية وأسلاك مُتشابكة تُنذر بكوارث وشيكة.

عمود كهرباء سقط في حي بصنعاء وسارع السكان إلى إعادة إصلاحه (الشرق الأوسط)

ورغم البلاغات المتكررة التي تقدَّم بها مواطنون للسلطات الحوثية، فإن الجماعة، وفق المصادر، تُواصل تجاهلها المتعمد لهذه الشكاوى، مكتفية بطلب تبرعات من السكان لإجراء إصلاحات محدودة، دون أي تحرك رسمي لمعالجة الخطر أو وضع حلول إسعافية تقلل حجم المخاطر.

يقول أحمد الهمداني، وهو صاحب محل تجاري في حي التحرير، إن سقوط أي عمود كهرباء بات «مسألة وقت لا أكثر»، مؤكداً أن الأعمدة لم تخضع، منذ سنوات، لأي صيانة، وأن انهيار أحدها قد يؤدي إلى كارثة إنسانية، خاصة في الأحياء ذات الكثافة السكانية العالية.

المياه الآسنة

بالتوازي مع هذا الخطر، يعيش سكان صنعاء في ظل أوضاع بيئية وصحية متدهورة، مع تصاعد ظاهرة طفح مياه الصرف الصحي في عدد من المديريات، وتجمعات المياه الآسنة، ما حوّل شوارع وأزقّة كاملة إلى بؤر للتلوث، وسط روائح كريهة وانتشار للحشرات، وتهديد مباشر للصحة العامة.

صورة تُظهر تردي شبكة الصرف الصحي في صنعاء (الشرق الأوسط)

سياسة ممنهجة

ويرى مراقبون أن هذا التدهور يعكس سياسة حوثية ممنهجة لإهمال البنية التحتية، مقابل توجيه الموارد والإيرادات العامة نحو المجهود الحربي والمصالح الخاصة، في ظل غياب الرقابة والمحاسبة، وافتقار المؤسسات الخاضعة لسيطرة الحوثيين لأدنى معايير السلامة والمسؤولية.

ويُحذر مختصون في السلامة العامة من أن استمرار تهالك أعمدة الكهرباء قد يؤدي إلى حوادث صعق أو انهيارات مُميتة، بينما يؤكد أطباء ومختصون صحيون أن طفح مياه الصرف الصحي يُشكل بيئة خصبة لانتشار الأوبئة، مثل الكوليرا والإسهالات المائية الحادة وأمراض الجلد والجهاز التنفسي.

عنصر حوثي أثناء تفقُّده عداداً كهربائياً في صنعاء (إعلام حوثي)

وتشير تقديرات محلية إلى أن أكثر من 68 في المائة من أعمدة الكهرباء في صنعاء، خصوصاً في الأحياء القديمة، باتت متهالكة، في حين سجلت صنعاء وضواحيها، خلال الفترة الأخيرة، أكثر من 23 حادثة سقوط أو انكسار أعمدة، تسببت بوقوع وفيات وإصابات.

ويُجمع خبراء بيئيون وإداريون على أن استمرار هذا الإهمال ينذر بمضاعفة الكلفة الإنسانية والصحية مستقبلاً، مؤكدين أن معالجة هذه الأزمات تتطلب تحركاً عاجلاً ومسؤولاً، يضع سلامة المواطنين وحقهم في بيئة صحية وحياة كريمة في صدارة الأولويات.