الصين تتعهد مزيداً من تيسير الوصول إلى الأسواق رغم الانتقادات الأوروبية

كشفت أنها ستسرّع إصدار سندات في إطار حل ديون الحكومات المحلية

رئيس مجلس الدولة الصيني لي تشيانغ يتحدث في حفل افتتاح معرض الصين الدولي للاستيراد في شنغهاي بالصين في 5 نوفمبر 2023 (رويترز)
رئيس مجلس الدولة الصيني لي تشيانغ يتحدث في حفل افتتاح معرض الصين الدولي للاستيراد في شنغهاي بالصين في 5 نوفمبر 2023 (رويترز)
TT

الصين تتعهد مزيداً من تيسير الوصول إلى الأسواق رغم الانتقادات الأوروبية

رئيس مجلس الدولة الصيني لي تشيانغ يتحدث في حفل افتتاح معرض الصين الدولي للاستيراد في شنغهاي بالصين في 5 نوفمبر 2023 (رويترز)
رئيس مجلس الدولة الصيني لي تشيانغ يتحدث في حفل افتتاح معرض الصين الدولي للاستيراد في شنغهاي بالصين في 5 نوفمبر 2023 (رويترز)

أعلنت الصين أنها ستوسع الوصول إلى الأسواق والواردات وتعزز الانفتاح وتزيل الحواجز أمام الاستثمار الأجنبي في التصنيع، وسط انتقادات من الشركات الأوروبية التي قالت إنها تريد رؤية مزيد من التحسن الملموس في بيئة الأعمال بالبلاد.

وتعهد رئيس الوزراء الصيني، لي كه تشيانغ، في كلمة ألقاها في افتتاح معرض الصين الدولي السادس للاستيراد ومنتدى هونغتشياو الاقتصادي الدولي، استمرار تعميق الإصلاحات وتوسيع مناطق التجارة الحرة وتسهيل وصول الاستثمار الأجنبي إلى الأسواق ومواصلة خلق بيئة أعمال موجهة نحو السوق، سعياً إلى جذب الآلاف من الشركات الأجنبية التي تتوق لشراء المنتجات الصينية وتتطلع إلى توسيع التجارة والاستثمار مع ثاني أكبر اقتصاد في العالم، وفق ما ذكرت وكالة أنباء الصين الجديدة (شينخوا).

وبحسب تشيانغ، يبلغ عدد سكان الصين أكثر من 1.4 مليار نسمة، ومجموعة الدخل المتوسط تضم أكثر من 400 مليون نسمة، وهو ما يمثل إمكانات هائلة من حيث الطلب في السوق. وأشار إلى أن الصين ترغب دائماً في مشاركة فرصها السوقية، موضحاً أنها ستوسع نشاط الاستيراد، وتعزز التنمية المنسقة للتجارة في السلع والخدمات، وتنفذ القوائم السلبية لتجارة الخدمات عبر الحدود، وتدعم الابتكار في أشكال ونماذج التجارة الخارجية، وتعزز التجارة الرقمية.

وتابع: «بغض النظر عن كيفية تغير العالم، فإن وتيرة الانفتاح في الصين لن تتوقف أبداً، وتصميمها على تقاسم فرص التنمية مع العالم لن يتغير أبداً». وتوقع أن تصل قيمة واردات الصين من السلع والخدمات إلى 17 تريليون دولار من حيث القيمة التراكمية في غضون السنوات الخمس المقبلة.

وكشف أن بلاده ستفرج قريباً عن خطة لتعزيز الانفتاح المؤسسي على مستوى عالٍ حتى في منطقة التجارة الحرة شنغهاي.

وشدد أيضاً على أن الصين ستواصل السعي بنشاط للانضمام إلى اتفاقية الشراكة عبر المحيط الهادي التي تضم 12 دولة واتفاقية شراكة الاقتصاد الرقمي والتفاوض لإبرام اتفاقيات التجارة الحرة بمعايير أعلى.

لكن رئيس الوزراء الأسترالي، أنتوني ألبانيز الذي حضر معرض هذا العام، في إطار زيارة رسمية للصين تركز إلى حد كبير على استعادة الروابط التجارية التي تم حظرها لسنوات بسبب التوترات الاقتصادية والسياسية، قال إن أستراليا لن تدعم محاولة الصين للانضمام إلى اتفاقية التجارة الحرة المعروفة باسم الاتفاقية الشاملة والتقدمية للشراكة عبر المحيط الهادي، عاداً أن الصين لم تلتزم بالمعايير المقترحة.

وقال ألبانيز: «إن الزيارة الأولى منذ 7 سنوات لشريكنا التجاري الرئيسي خطوة إيجابية للغاية، وأنا أتطلع إلى مناقشات بناءة وحوار مع الرئيس ورئيس مجلس الدولة خلال زيارتي إلى شنغهاي وبكين».

وقد أثار المعرض انتقادات من غرفة التجارة الأوروبية في الصين يوم الجمعة، التي وصفته بأنه «استعراض سياسي»، وحثت السلطات على سن مزيد من الإجراءات الملموسة لاستعادة الثقة في البلاد بين الشركات الأوروبية.

تجدر الإشارة إلى أن المعرض الذي يقام في الفترة من 5 إلى 10 نوفمبر (تشرين الثاني)، حدث سنوي أطلقه الرئيس شي جينبينغ عام 2018 تحت عنوان الترويج لصورة الصين بعدّها مؤيدة للتجارة الحرة. أما منتدى هونغتشياو الاقتصادي الدولي، فيُعد جزءاً مهماً من معرض الصين الدولي للاستيراد، ويتمحور موضوعه حول «العمل معاً لتعزيز التنمية والانفتاح للفوز في المستقبل». وستنعقد خلال المنتدى قمة «عام الاستثمار في الصين»، تزامناً مع صدور «تقرير الانفتاح العالمي 2023» ومؤشر الانفتاح العالمي الجديد. كما سيتم عقد عدد من المنتديات الفرعية، مثل «الممارسة الجديدة والمنصة الجديدة للتعاون الدولي في إطار مبادرة الحزام والطريق»، و«تحسين مرونة السلاسل الصناعية العالمية».

إصدار سندات حكومية

على صعيد آخر، أعلن وزير المالية الجديد، لان فوان، في مقابلة لوكالة أنباء الصين الجديدة (شينخوا) نشرت يوم الأحد، أن الصين ستسرع إصدار واستخدام السندات الحكومية، مشيراً إلى أنها ستعزز بشكل مطرد حل مخاطر ديون الحكومات المحلية.

وقالت وسائل إعلام رسمية الشهر الماضي، إن لان، وهو تكنوقراطي يبلغ من العمر 61 عاماً ويتمتع بخبرة قليلة في الحكومة المركزية، تم تعيينه وزيراً للمالية، في الوقت الذي تكثف فيه الحكومة التحفيز المالي لإنعاش ثاني أكبر اقتصاد في العالم. ويأتي تعيينه، الذي كان متوقعاً على نطاق واسع، في وقت تعتمد فيه بكين على قواعد اللعبة المستخدمة بشكل جيد، والتي تعتمد بشكل كبير على الدين والإنفاق الحكومي، لكن المحللين يقولون إنها لا تحقق الإصلاحات الأعمق، بحسب وكالة «رويترز» للأنباء.

وقالت وسائل إعلام رسمية إن أعلى هيئة برلمانية في الصين، وافقت الشهر الماضي على إصدار سندات سيادية بقيمة تريليون يوان (140 مليار دولار) في الربع الأخير، لتمويل إعادة بناء المناطق التي تضررت من فيضانات هذا العام.

وكانت بيانات رسمية أظهرت أن الاقتصاد الصيني نما بمعدل سنوي 4.9 في المائة، في الفترة من يوليو (تموز) إلى سبتمبر (أيلول)، متجاوزاً توقعات المحللين البالغة نحو 4.5 في المائة. لكن ذلك كان أبطأ بكثير من معدل النمو السنوي الذي بلغ 6.3 في المائة في الربع السابق. كما أن الرياح المعاكسة لا تزال قائمة مع تفاقم أزمة العقارات وإحجام الشركات الخاصة عن الإنفاق وسط ضعف الثقة.

وتبنت الحكومة الصينية سياسات مختلفة لمساعدة الاقتصاد عبر زيادة الإنفاق على بناء الموانئ وغيرها من البنية التحتية، وخفض أسعار الفائدة وتخفيف القيود المفروضة على شراء المنازل. كما اشتكت الشركات الأجنبية من تدهور بيئة الاستثمار في الصين، خصوصاً مع إقرار تشريع جديد يمكن أن يعد حيازة البيانات الاقتصادية القياسية شكلاً من أشكال التجسس.



البرلمان الألماني يقرّ مكافأة 1000 يورو للعمال وتخفيضات «وقود» استثنائية

وزير المالية الألماني لارس كلينغبايل يدلي بتصريح لوسائل الإعلام قبل مناقشة خفض الضرائب على الطاقة في مجلس النواب (رويترز)
وزير المالية الألماني لارس كلينغبايل يدلي بتصريح لوسائل الإعلام قبل مناقشة خفض الضرائب على الطاقة في مجلس النواب (رويترز)
TT

البرلمان الألماني يقرّ مكافأة 1000 يورو للعمال وتخفيضات «وقود» استثنائية

وزير المالية الألماني لارس كلينغبايل يدلي بتصريح لوسائل الإعلام قبل مناقشة خفض الضرائب على الطاقة في مجلس النواب (رويترز)
وزير المالية الألماني لارس كلينغبايل يدلي بتصريح لوسائل الإعلام قبل مناقشة خفض الضرائب على الطاقة في مجلس النواب (رويترز)

أقرّ مجلس النواب الألماني، يوم الجمعة، حزمة إجراءات تهدف إلى تخفيف أثر ارتفاع أسعار الوقود الناجم عن الحرب الإيرانية، تشمل مكافأة إغاثة معفاة من الضرائب تصل إلى 1000 يورو (1170 دولاراً) للعمال، إلى جانب تخفيضات مؤقتة لأسعار الوقود.

وقال وزير المالية الألماني، لارس كلينغبايل، أمام البرلمان: «هذه رسالة واضحة للمواطنين بأننا لن نتركهم وحدهم في هذه الأزمة، وأننا سنواصل دعمهم حتى في الأوقات الصعبة».

وتتضمن الحزمة خفض ضريبة الطاقة على البنزين والديزل بنحو 0.17 يورو لكل لتر لمدة شهرين، في مايو (أيار) ويونيو (حزيران)، على أن ينعكس هذا التخفيض فعلياً على الأسعار النهائية رهناً بسلوك شركات النفط، وفق «رويترز».

وأضاف كلينغبايل: «سنراقب من كثب لضمان تمرير هذا التخفيض إلى المستهلكين، ومنع أي استغلال للأموال التي نوفرها لتحقيق أرباح غير مبررة»، مشيراً إلى أن الحكومة ستستخدم أدواتها الرقابية وقوانين المنافسة إلى جانب الضغط السياسي والرأي العام لضمان ذلك.

وبعد موافقة مجلس النواب، أقرّ مجلس الشيوخ أيضاً خفض أسعار الوقود، في خطوة تُقدّر تكلفتها بنحو 1.6 مليار يورو للمستهلكين والشركات.

في المقابل، وجّه بعض الاقتصاديين انتقادات لهذه الإجراءات، معتبرين أن الدعم ينبغي أن يكون أكثر استهدافاً للأسر الأكثر تضرراً. كما دعا كلينغبايل إلى فرض ضريبة على الأرباح الاستثنائية لشركات الطاقة، مؤكداً أنه أجرى مشاورات «بنَّاءة» مع المفوضية الأوروبية بهذا الشأن.

وقال: «هناك شركات تحقق أرباحاً كبيرة في خضم أزمة حادة».

كما وافق البرلمان على مكافأة إغاثة للعمال تصل إلى 1000 يورو، يمكن لأصحاب العمل صرفها حتى 30 يونيو (حزيران) 2027. وتُعد هذه المدفوعات اختيارية، ومعفاة من الضرائب لكل من أصحاب العمل والموظفين؛ ما يثير تساؤلات حول مدى إقبال الشركات على تطبيقها في ظل ضعف الأوضاع الاقتصادية.

ويُقدّر الائتلاف الحاكم أن هذه الخطوة ستؤدي إلى خسارة إيرادات ضريبية لا تقل عن 2.8 مليار يورو، على أن يتم تعويض جزء من ذلك عبر زيادة ضريبة التبغ خلال العام الحالي.

وكانت ألمانيا قد طبّقت إجراءً مشابهاً خلال أزمة الطاقة في عام 2022، حيث قدمت مكافآت معفاة من الضرائب تصل إلى 3000 يورو، عقب الغزو الروسي لأوكرانيا.

وانتقدت مجموعات الأعمال نقل عبء دعم الأسر إلى كاهل الشركات، في وقت تتزايد فيه التحديات الاقتصادية.

ويرى اقتصاديون أن أزمة الطاقة الحالية كشفت مجدداً عن هشاشة التوازن داخل الائتلاف الحاكم، وصعوبة التوفيق بين تقديم دعم فوري لتخفيف الأعباء عن المستهلكين، والمضي قدماً في إصلاحات هيكلية طويلة الأجل.

وقال كارستن برزيسكي، الرئيس العالمي للاقتصاد الكلي في بنك «آي إن جي»، إن تراجع معنويات قطاع الأعمال إلى أدنى مستوياتها منذ 2020، إلى جانب خفض توقعات النمو لعام 2026، يعكس عمق التحديات، مضيفاً أن الانتعاش الاقتصادي قد يتأخر، لكنه لن يتعثر إذا ما ترافقت الحوافز المالية مع إصلاحات هيكلية فعّالة.


الجوع يتفاقم في 2026... وحرب إيران تهدد بالمزيد

أطفال فلسطينيون في انتظار مساعدات غذائية بقطاع غزة (رويترز)
أطفال فلسطينيون في انتظار مساعدات غذائية بقطاع غزة (رويترز)
TT

الجوع يتفاقم في 2026... وحرب إيران تهدد بالمزيد

أطفال فلسطينيون في انتظار مساعدات غذائية بقطاع غزة (رويترز)
أطفال فلسطينيون في انتظار مساعدات غذائية بقطاع غزة (رويترز)

أظهر التقرير العالمي عن الأزمات الغذائية لعام ​2026 أنَّ الصراعات والجفاف وتراجع المساعدات عوامل ستبقي مستويات الجوع العالمية عند مستويات خطيرة في 2026، مع توقع تفاقم انعدام الأمن الغذائي في عدد من أكثر بلدان العالم هشاشة.

وجاء في النسخة العاشرة من تقرير رصد الجوع، الذي نشرته مجموعة من المنظمات التنموية والإنسانية، أنَّ مستويات الجوع الحاد زادت بمقدار المثل خلال العقد الماضي، في وقت أُعلنت فيه حالتان من المجاعة العام الماضي للمرة الأولى في تاريخ التقرير، وذلك في كل من غزة والسودان.

وفي المجموع، واجه 266 مليون شخص في 47 دولة ‌ومنطقة مستويات عالية من ‌انعدام الأمن الغذائي الحاد في 2025، في ​حين ‌عانى ⁠1.4 مليون شخص ​من ⁠أوضاع كارثية في مناطق من هايتي ومالي وغزة وجنوب السودان والسودان واليمن.

وعانى 35.5 مليون طفل في أنحاء العالم من سوء التغذية الحاد في عام 2025 وحده، من بينهم نحو 10 ملايين طفل عانوا من سوء التغذية الحاد الوخيم.

وبالنظر إلى عام 2026، أفاد التقرير بأنَّ مستويات الخطورة لا تزال حرجة، مع توقع أن تكون هايتي الدولة الوحيدة التي تخرج من أسوأ فئة «كارثية»، بفضل تحسُّن طفيف في الوضع الأمني وزيادة المساعدات الإنسانية.

وقال ألفارو ⁠لاريو، رئيس الصندوق الدولي للتنمية الزراعية (إيفاد) التابع للأمم المتحدة، و‌الذي يساعد على إعداد التقرير السنوي: «لم نعد نشهد ‌صدمات مؤقتة فحسب، بل صدمات مستمرة على مر ​الزمن». وأضاف لاريو لـ«رويترز»: «المغزى الأساسي هو ‌أن انعدام الأمن الغذائي لم يعد قضيةً منعزلةً، بل يضغط على الاستقرار العالمي».

‌حرب إيران

وقال لاريو إن الحرب الأميركية والإسرائيلية على إيران زادت حدة القلق، محذراً من أن استمرار الاضطراب في تجارة الطاقة والأسمدة يمكن أن يمتد إلى أسواق الغذاء العالمية، ويعمق أزمة الجوع في البلدان المعتمدة على الاستيراد، والتي تمر بالفعل ‌بأزمات. وأضاف: «حتى لو انتهى الصراع في الشرق الأوسط الآن، فإننا نعلم أن كثيراً من صدمات أسعار المواد الغذائية ومعدلات التضخم ⁠ستظهر خلال الأشهر الستة ⁠المقبلة».

وحتى قبل الضغوط الإضافية الجديدة الناتجة عن هذه الحرب، بدا أنَّ غرب أفريقيا ومنطقة الساحل الأفريقي سيظلان تحت ضغوط شديدة هذا العام؛ بسبب الصراعات والتضخم المستمر، لا سيما في نيجيريا ومالي والنيجر وبوركينا فاسو.

ومن المتوقع أن تسجل نيجيريا واحدة من أكبر الزيادات في مستويات انعدام الأمن الغذائي في 2026، مع توقع معاناة 4.1 مليون شخص جديد من الجوع الحاد.

وفي شرق أفريقيا، يرجَّح أن يؤدي تراجع هطول الأمطار في معظم أنحاء منطقة القرن الأفريقي إلى تفاقم المعاناة في الصومال وكينيا، حيث يسهم الجفاف وانعدام الأمن وارتفاع أسعار الغذاء وتقلص المساعدات الإنسانية في تعميق الأزمة.

وحذَّر التقرير أيضاً من تراجع التمويل الإنساني والإنمائي المخصص لقطاعات الغذاء في الأزمات في 2025، مع توقُّع ​انخفاضه بشكل أكبر. ويُقدر أن التمويل الإنساني ​لقطاع الغذاء انخفض بنحو 39 في المائة العام الماضي مقارنة بمستويات عام 2024، في حين تراجعت المساعدات الإنمائية بما لا يقل عن 15 في المائة.


اليابان بين مخاطر الذكاء الاصطناعي... وضغوط العملة

وزيرة المالية اليابانية ساتسوكي كاتاياما في مؤتمر صحافي بالعاصمة طوكيو (رويترز)
وزيرة المالية اليابانية ساتسوكي كاتاياما في مؤتمر صحافي بالعاصمة طوكيو (رويترز)
TT

اليابان بين مخاطر الذكاء الاصطناعي... وضغوط العملة

وزيرة المالية اليابانية ساتسوكي كاتاياما في مؤتمر صحافي بالعاصمة طوكيو (رويترز)
وزيرة المالية اليابانية ساتسوكي كاتاياما في مؤتمر صحافي بالعاصمة طوكيو (رويترز)

تواجه اليابان جملةً من التحديات الاقتصادية والمالية المتشابكة، تتراوح بين المخاطر الناشئة عن تطورات الذكاء الاصطناعي وتهديداته للأمن السيبراني، إلى تقلبات سوق العملات مع تراجع الين إلى مستويات حساسة.

وفي خطوة تعكس تصاعد القلق الرسمي، أعلنت طوكيو تشكيل فريق عمل لمعالجة المخاطر التقنية، بالتزامن مع تجديد تحذيراتها من تدخل محتمل في سوق الصرف.

وفي صدارة هذه التطورات، أعلنت وزيرة المالية اليابانية، ساتسوكي كاتاياما، أنَّ الحكومة ستُشكِّل فريق عمل متخصصاً لمواجهة مخاطر الأمن السيبراني داخل النظام المالي، في خطوة جاءت عقب مخاوف متزايدة بشأن نموذج ذكاء اصطناعي متطور يُعرَف باسم «ميثوس».

وأوضحت كاتاياما أنَّ القرار جاء بعد اجتماع ضمَّ جهات تنظيمية رئيسية، من بينها وكالة الخدمات المالية، وبنك اليابان، والمكتب الوطني للأمن السيبراني، إلى جانب أكبر البنوك ومجموعة بورصة اليابان، بحسب «رويترز». وأكدت الوزيرة أنَّ المسألة لم تعد نظريةً، بل تمثل «أزمة قائمة بالفعل»، مشيرة إلى أنَّ القطاع المالي نفسه أبدى قلقاً مماثلاً من المخاطر المحتملة.

وجاء هذا التحرك بعد إعلان شركة «أنثروبيك» أنَّ نموذج «ميثوس» كشف «آلاف» الثغرات الأمنية الخطيرة في أنظمة تشغيل ومتصفحات رئيسية، ما أثار مخاوف واسعة بشأن قدرة الأنظمة الحالية على الصمود أمام أدوات الذكاء الاصطناعي المتقدمة. ويحذِّر خبراء من أنَّ مثل هذه النماذج قد تسرِّع وتيرة الهجمات الإلكترونية، إذ يمكنها اكتشاف واستغلال ثغرات غير معروفة بسرعة تفوق قدرة الشركات على معالجتها، وهو ما يُشكِّل تهديداً خاصاً للقطاع المالي المعروف بتعقيده واعتماده على أنظمة مترابطة.

وأشارت كاتاياما إلى أنَّ طبيعة هذا القطاع، القائم على العمليات الفورية والترابط العالي، تعني أنَّ أي خلل قد ينتشر بسرعة، مسبِّباً اضطرابات في الأسواق وتقويضاً للثقة.

وفي موازاة هذه المخاطر التقنية، تجد اليابان نفسها أمام تحديات متزايدة في سوق العملات، فقد جدَّدت كاتاياما تحذيراتها من تحركات المضاربة في سوق الصرف، مؤكدة استعداد الحكومة لاتخاذ «إجراء حاسم» بالتنسيق مع الولايات المتحدة، في حال استمرار ضعف الين. ويأتي هذا التحذير في وقت يقترب فيه الين من مستوى 160 مقابل الدولار، وهو مستوى يعده كثير من المتعاملين في الأسواق خطاً أحمر قد يدفع السلطات إلى التدخل.

وأوضحت الوزيرة أنَّ التحركات الأخيرة في سوق العملات تعكس نشاطاً مضاربياً تأثر بتقلبات أسعار النفط، مؤكدة أنَّ طوكيو على تواصل دائم مع واشنطن لضمان تنسيق أي خطوات محتملة.

ويشير هذا التنسيق إلى احتمال تدخل مشترك بين اليابان والولايات المتحدة، في خطوة قد تكون الأولى من نوعها منذ نحو 15 عاماً، في حال استمرَّت الضغوط على العملة اليابانية. ويعكس ذلك القلق من أن يؤدي ضعف الين إلى زيادة تكلفة الواردات، خصوصاً الطاقة، ما يضيف ضغوطاً على الاقتصاد المحلي.

وتتزامن هذه التطورات مع إشارات متباينة من بيانات التضخم، التي تظلُّ عاملاً محورياً في توجهات السياسة النقدية. فقد أظهرت بيانات حديثة أنَّ التضخم الأساسي في اليابان تباطأ إلى 1.8 في المائة في مارس (آذار)، دون هدف «بنك اليابان»، البالغ 2 في المائة للشهر الثاني على التوالي، رغم استمرار الضغوط الناتجة عن ارتفاع تكاليف الطاقة.

وفي المقابل، تشير مؤشرات أخرى إلى تصاعد الضغوط السعرية، إذ ارتفع مؤشر يستثني الغذاء والوقود إلى 2.4 في المائة، كما قفزت أسعار خدمات الشركات بنسبة 3.1 في المائة، مدفوعة بزيادة حادة في تكاليف الشحن البحري، التي ارتفعت بأكثر من 40 في المائة.

وتعكس هذه البيانات بيئةً اقتصاديةً معقدةً، حيث تتقاطع عوامل داخلية وخارجية، من بينها تداعيات الحرب في الشرق الأوسط، التي أدت إلى ارتفاع أسعار الطاقة وتعطيل سلاسل الإمداد، ما يضع صناع القرار أمام تحديات متعددة في إدارة الاستقرار المالي والنقدي.

وفي المجمل، تكشف التطورات الأخيرة عن أنَّ اليابان تواجه مرحلةً دقيقةً تتداخل فيها المخاطر التكنولوجية مع الضغوط الاقتصادية، في ظلِّ بيئة عالمية غير مستقرة.

وبينما تتحرَّك الحكومة لتعزيز أمن النظام المالي ومواجهة تقلبات العملة، تبقى قدرة طوكيو على تحقيق التوازن بين هذه التحديات عاملاً حاسماً في الحفاظ على استقرار الأسواق، والثقة الاقتصادية.