مسيرة العلاقات الثقافية السعودية ـ الروسية منذ مطلع القرن العشرين

الأواصر الثقافية التي ربطت روسيا بالعرب ولغتهم وديانتهم بدأت عمليًا في أواخر القرن السابع عشر

الملك عبد العزيز
الملك عبد العزيز
TT

مسيرة العلاقات الثقافية السعودية ـ الروسية منذ مطلع القرن العشرين

الملك عبد العزيز
الملك عبد العزيز

بدأت فكرة هذا الموضوع قبل نحو خمسة عشر عامًا، في فعالية ثقافية أُقيمت في موسكو بمناسبة مرور سبعين عامًا على زيارة الأمير (الملك) فيصل بن عبد العزيز وزير الخارجية السعودي آنذاك إلى الاتحاد السوفياتي وبعض دول أوروبا، والتي قام بها قُبيل إعلان توحيد السعودية (1932) وبعد ثلاث سنوات من تعيينه وزيرا للخارجية في عهد والده المؤسس الملك عبد العزيز، وهذا الموضوع - الذي يحصره العنوان بإطار زمني محدد وهو مطلع القرن العشرين المنصرم، وبإطار مكاني يسمى جغرافيًا روسيا الاتحادية حاليًا - قد يُحلّق متجاوزًا حدّيه الزماني والمكاني، حيث يصعب الالتزام بدقة ببداية القرن الماضي في مثل هذا الموضوع، كما يصعب التفريق بين روسيا اليوم والاتحاد السوفياتي بالأمس.
إن أول ما سجلته العلاقات الروسية السعودية سياسيا، هو تلك الاتصالات المبكّرة بين الروس من جهة والإمام عبد الرحمن وابنه الأمير (الملك) عبد العزيز في الكويت في مطلع القرن العشرين من جهة أخرى، حيث تشير الوثائق التي عُثر عليها في العقود القليلة الماضية إلى مراسلات ولقاءات جرت في الكويت وبوشهر قُبيل استرداد الرياض وبُعيد ذلك، كانت تهدف إلى الحصول على دعم من الروس لاستعادة الحكم، وكان الروس فيها يتمنّعون حينًا مداراة للنفوذ البريطاني، بينما كانوا في أحيان أخرى على العكس من ذلك يرغبون في ما يتيح لهم إقامة علاقات وديّة مع إمارات الجزيرة العربية، وكان آخر تلك الاتصالات رسالة مكتوبة بتاريخ 30 أبريل (نيسان) 1904 مفادها أن عبد العزيز أتى إلى الكويت عام 1903 أي بعد استعادة الرياض بعام واحد، وأنه التقى بالقنصل الروسي وبقائد عسكري فرنسي كانا موجودين في الكويت حينها، حيث عرضا الحماية على المناطق التي يسيطر عليها ابن سعود، إلا أنه رفض العرض.
على أن الأرشيف الدبلوماسي لتاريخ بلاد الحرمين الشريفين، يسجل بأن روسيا القيصرية، كانت تقيم لها قنصلية في جدة منذ عام 1892 وأن روسيا السوفياتية كانت أول حكومة اعترفت بسلطة الملك عبد العزيز على الحجاز (16 - 2 - 1926) وأنها رفعت تمثيلها الدبلوماسي عام 1929 إلى مفوّضية (بمثابة سفارة) اهتمت بشؤون الحج وبتنمية العلاقات السياسية وبرعاية المصالح الاقتصادية وزيادة حجم التبادل التجاري، مما أعطى دليلاً قويًا على أهمية بلاد الحرمين الشريفين في نظر الروس، وعلى قِـدم التواصل بين البلدين، وتدل الوثائق على أن العلاقات التي ربطت بين الدولتين قد حكمتها المصداقية والشفافية، ومثّـلت مكاسب سياسية لروسيا وجدت فيها بريطانيا منافسة كبيرة لها حاولت مرارًا تعطيلها.
ويذكر التاريخ الدبلوماسي لفترة ما قبل الحكم السعودي اسم الأمير لُطف الله الذي كان يمثّـل الحجاز في عهد الهاشميين (الأشراف) في موسكو في بداية علاقاتهما، أما بالنسبة للممثّـلين الروس فإن أبرزهم اثنان، اهتم الأول منهما وهو كريم حكيموف بتطوير الصلات الدينية والثقافية، بينما اهتم الثاني وهو نذير توراكلوف بتنمية العلاقات التجارية، وقد تناولت المراجع اللقاءات المتكررة التي كان هذان المسؤولان يجريانها مع الرسميين السعوديين وعلى رأسهم الملك عبد العزيز، ولأن كريم حكيموف عاش حقبة انتقال الحكم في الحجاز من الهاشميين إلى السعوديين (1925) فقد أسهم في تأسيس العلاقات مع الدولة الجديدة، وصار عميدًا للسلك الدبلوماسي في جدة، وهو مسلم من أصل تتري يجيد الفارسية والتركية إلى جانب لغته الأصلية الروسية، وقد عاد وزيرا مفوضًا في المفوّضية الروسية في الحجاز مرة أخرى (22 - 2 - 1936) لكن فترة إقامته الثانية لم تدم طويلاً، إذ استدعي في غضون عامين وقُفلت المفوضية في عهد ستالين (11 - 1 - 1938) وكان مصير الإعدام في انتظاره، وقد تزامن قفل الممثلية مع غلق الكثير من الممثليّات السوفياتية الأخرى في أنحاء العالم بما فيها اليمن، ويقول أحد التعليقات إن السوفيات لم ينجحوا في تحقيق مكاسب كبيرة من وراء تلك المفوضية وإن ترشيد الإنفاق كان أحد الأسباب.
ومن بين الدبلوماسيين الروس الذين عملوا في جدة في تلك الفترة ولم يرد لهما ذكر كاف في الكتابات المتأخرة؛ الكاتب مويس مارلوفيتش اكسلو الذي يُذكر أنه كتب مقالات مؤيّدة للملك عبد العزيز لا ندري أين نشرت، والطبيب سيتبكوف الذي - خشية على نفسه - استقر في الحجاز بعد إغلاق المفوضية وعمل في أحد المستشفيات بجدة.
ولقد تتوّج اعتراف موسكو بالحكم السعودي الجديد في الحجاز، بالزيارة التاريخية الرائدة التي قام بها الأمير فيصل ــ بوصفه وزيرا للخارجية ونائب الملك في الحجاز ــ إلى موسكو بعد سبع سنوات (مايو/ أيار 1932) طالبًا دعمًا سياسيا واقتصاديا وعسكريًا لبلاده التي كانت على وشك إعلان توحيدها جغرافيًا وسياسيا، تحت اسمها الحالي (المملكة العربية السعودية) في العام نفسه، وتحدثت الكتابات التي صدرت في الذكرى السبعين لتلك الزيارة عن تفاصيل واسعة عنها وعمّا دار فيها، حيث أبانت الكتابات أنها لم تكن مجرد مجاملة بروتوكولية، وإن لم تحقق كثيرًا مما استهدفه الوفد السعودي بل والروسي من مطالب، لكن حضور الأمير فيصل ذي الخمسة والعشرين عامًا حظي بحفاوة بالغة على كل المستويات.
وكان مما سجله تاريخ العلاقات الجيّدة بين البلدين في الثلث الأول من القرن الماضي، مشاركة روسيا السوفياتية في المؤتمر الإسلامي العالمي الأول المنعقد في مكة المكرمة عام 1926 بشخص العلامة موسى جار الله (من قازان) وبشخصيّات إسلامية بارزة من مناطق أخرى، وتذكر المراجع أن تلك المشاركة جاءت من موسكو بهدف تعزيز مركز الملك عبد العزيز لقيادة العالم الإسلامي في مقابل جهات منافسة تدعمها بريطانيا وفرنسا.
وتذكر المراجع السعودية والروسية بالتقدير إسهام روسيا في عام 1934 في توفير وسائل الاتصال اللاسلكي، عندما كانت البلاد السعودية تفتقر إلى أدناها ولا تمتلك المال لشرائها، إذ أهدت موسكو (20) محطة لاسلكية إلى السعودية تم توزيعها في أرجاء البلاد، وكان لتلك الهدية دلالاتها الودية والاقتصادية (جريدة أم القرى، العدد 499 لسنة 1934).
لكن القارئ للعلاقات الروسية السعودية سرعان ما يستحضر تلك الفترة المعتمة التي أطبقت عليها إبان الحقبة الشيوعية ودامت أكثر من نصف قرن، لم يكن المجتمع السعودي في معظمها، يتذكر من روسيا سوى ما كانت تختزنه ذاكرته عن علماء مسلمين أفذاذ ينتمون إلى مدن روسية أو سوفياتية التبعية، حيث حالت السياسة طيلة خمسين عامًا ونيّفًا، دون أن تتصل بلاد البخاري والترمذي والخوارزمي وابن سينا مع بلاد الحرمين الشريفين، مع أن صلتهما لم تنقطع طيلة القرون التي سبقت وكانت الشعوب فيها - رغم بُعدها الجغرافي - على أعلى ما تكون الأفئدة قربًا ووثوقًا، وكان الحاج من طشقند وداغستان (محج قلعة) ودربند وقازان والشيشان وتترستان واستراخان وسمرقند وخوارزم وبخارى يمشي شهورًا، راجلاً أو ممتطيًا دابّته، ليأوي إلى مكة المكرمة والمدينة المنورة، يقيم فيهما ردحًا من الزمن أو يمضي بقية عمره، يعلّم فيهما ويتعلّم، ويتبادل فيهما ثقافته، لأنه يرتبط معهما برباط روحي إيماني وثيق.
وكانت روسيا في الثلاثينات، أقرضت الحكومة السعودية بعض احتياجاتها من المنتجات البترولية والحبوب والسكر، لكنها سرعان ما توقفت في الأربعينات، اللهم إلا ما تسرّب من أنواع السيارات الروسية رخيصة الثمن (موسكوفيتش) كانت تصل إلى السعودية مباشرة أو عبر وسيط ثالث، وقد أسهمت ظروف الحرب العالمية الثانية وما خلّفتها من تداعيات سياسية وآثار عقدية وفكرية وانكماش في الاقتصاد العالمي، في تراجع هذا التواصل المادي والثقافي بين آسيا الوسطى والجزيرة العربية، حتى أصبح الحجاج من الاتحاد السوفياتي يعدّون بالمئات بعد أن كانوا يعدّون بالآلاف.
وهكذا شهد القرن الماضي أشكالاً متفاوتة من الصلات السياسية والثقافية والاقتصادية، تراوحت بين دفء وبرود، وامتداد وانكماش، وكانت العلاقات بين البلدين مسرحًا تتنازعه منافسات الدول الكبرى وبخاصة بريطانيا، التي ما انفكّت تعمل على إضعاف العلاقات الوديّة في مجملها بين السعودية والاتحاد السوفياتي، وهو الذي رغم نزعته الآيديولوجية لم يتدخّل - كما تذكر الوثائق - في المسار الديني الذي كانت تنتهجه السعودية.
ولعل من أفضل من درس تأثيرات الحج والعوامل الدينية الإسلامية في المجتمع الروسي، وانعكاساتها السياسية والاقتصادية والاجتماعية - وبخاصة بعد ضم الشيشان وداغستان وتترستان وأوزبكستان وقازاقستان وقرغيستان وتركمانستان وأذربيجان إلى روسيا (1898) وزيادة أعداد المسلمين الخاضعين للإمبراطورية الروسية - هو ما كتبه الضابط الروسي عبد العزيز دولتشين المولود عام 1861 وكان يتحدث العربية والفارسية والتركية والفرنسية والإنجليزية، والذي قام برحلة غير معلنة للحج عام 1898 حيث قدّم رواية وصفيّة شملت رحلات الحج من روسيا في تلك الفترة (نهاية القرن التاسع عشر ومطلع القرن العشرين) وغطّت مظاهر الروابط التاريخية بين شعوب آسيا الوسطى وبلاد الحرمين الشريفين، وقد صدر الكتاب مؤخّرًا بعنوان «الحج قبل مائة سنة: الرحلة السرية للضابط الروسي عبد العزيز دولتشين إلى مكة المكرمة 1898 - 1899 الصراع الدولي على الجزيرة العربية والعالم الإسلامي» قدّم فيه سردًا لتاريخ الإسلام السياسي في روسيا، وبدايات الاهتمام بظاهرة تنامي الروح الدينية في الأقاليم الخاضعة لها، وإنشاء المساجد والمراكز الدينية ونشر الكتب، وترجمات معاني القرآن الكريم، وهو ما دعا القيادة السياسية الروسية إلى جمع المعلومات عن دور الإسلام في الحياة الاجتماعية والسياسية للسكان المسلمين في روسيا ومن ثمّ إيفاد دولتشين، فلقد اكتسب الحج أهمية خاصة بالنسبة روسيا لأنه كان سبيلاً لتسرب مختلف المذاهب الإسلامية إلى روسيا، كما وجدت القيادة الروسية في دراسة التجمّع في الحج آنذاك وسيلة لمعرفة التوجّهات السياسية وكسب تأييد المعسكرات المتضادّة الممثلة فيه، كما انتقلت بواسطة الحج بعض العبادات والطرائق والأفكار والعادات الدينية، فضلاً عن انتقال الكتب والمطبوعات الإسلامية المؤثّـرة، ووصف هذا الكتاب الذي نشره يفيم ريزفان (بيروت 1944ط 3 ثم أعيدت طباعته حديثًا في لبنان) الدروب الرئيسية للحج الروسي، وتكاليفه، وأعداده، وفئاته، والمدد التي يستغرقها، والجاليات المستقرة في الحجاز من روسيا، والأوضاع الصحية بين الحجاج، ومأكولاتهم ووسائل مواصلاتهم، والمخاطر والابتزازات التي يتعرضون لها في طريقهم، ثم تحدث عن تأثير الحج على المسلمين القادمين من روسيا وتأثيرهم في الحجاز والدوافع التي تدفعهم للحج، وذكر الكتاب أن عدد الحجاج القادمين من روسيا في نهاية القرن التاسع عشر بلغ نحو (3500) من أصل ما يقرب من إجمالي مائة ألف حاج من أنحاء العالم الإسلامي، كما ذكر أسماء مطوّفين من أصول بخارية يتولون أمر الحجاج القادمين من روسيا، وقدم الكتاب إحصائيات توضح تناقص أعداد الحج من روسيا، حيث أصبح يقاس بالمئات، بشكل لا يتناسب مع مجمل عدد المسلمين في روسيا.
وبلغ من اهتمام الروس بالدراسات المتصلة بالإسلام والمسلمين أن قاموا منذ عام 1910 بترجمة أبرز كتب الرحالة والمستشرقين، مثل ذلك الكتاب الذي ألّفه الرحالة الهولندي سنوك هورخرونيه عن وصف مكة المكرمة عام 1885 وكذلك كتاب رالي «مكة المكرمة في أوصاف الأوروبيين» وبالإضافة إلى كتاب دولتشين هذا، هناك كتاب قديم نادر طبع في روسيا بالعربية قبل مائة وخمسة عشر عامًا يحكي (أخبار التتار والبلغار) للشيخ الرمزي، وكان من أبرز ما تضمّنه قائمة بعلماء روسيا من ذوي العلاقة ببلاد الحرمين الشريفين مطلع القرن الماضي.
وبمناسبة الحديث عن الهجرات إلى الحجاز، يثبت عدد من المؤرخين والرحالة والمستشرقين، أن مهاجرين ومجاورين من شعوب وسط آسيا ومن يطلق عليهم مصطلح البخارية أو قديمًا (الموسكوف) كانوا موجودين في الحجاز قبل القرن التاسع عشر، وأصبحوا جزءًا من بنية الحياة الاجتماعية اليومية المكيّة والمدنيّة جنبًا إلى جنب مع هجرات أخرى ؛ مصرية وتركية وجاويّة وهندية وأفريقية.
كانت هجرة جاليات وسط آسيا قد تمت على ثلاث مراحل، بدأت بوادرها في سنة 1885 ثم في مطلع القرن العشرين (في حدود عام 1917) عند قيام الثورة البلشفية، وبلغت حدتها في سنة 1933 حيث وفدت مئات من التركستانيين (ومنها الطاشكندي، والقوقندي، والمرغلاني، والإنديجاني) وكان من بين هذه الجاليات علماء وحرفيون نقلوا معهم معارفهم وثقافاتهم، وبينما تذكر الدراسات أن بعض تلك الهجرات كانت من كبار السن والمنقطعين عن أقاربهم، فإن أعدادًا منهم كانوا صغار السن من أبناء العلماء والتجار، حتى إن أغلبهم مرّ في أفغانستان وباكستان للتزوّد ببعض العلوم، وقد أكرم الملك عبد العزيز وفادتهم، وربما يكون هو الذي اختار الطائف مقرًا لإقامة معظمهم، حتى أن حيًا كاملاً في الطائف (الشرقية) يسمّى باسمهم، وكان من أبرز آثار الطوائف القادرة من هذه الجاليات، جهودها الجماعية في إقامة الأربطة والأوقاف التي يعود تاريخ بعضها في مكة المكرمة والمدينة المنورة إلى ما يزيد على مائتي عام، وقد سميت هذه الأربطة الخيرية ــ التي كانت توقف على إسكان الحجاج وطلبة العلم وتغذيتهم أحيانًا ــ سميت بأسماء مدن تميّز تلك الجاليات (كالقستي والسمرقندي والقوقندي والأنديجاني والنمنكاني) وقد تُـلحق بها مدارس لتحفيظ القرآن الكريم والسنة النبوية، مع استخدامها لإقامة المناسبات الدينية والولائم الخيرية وإطعام المحتاجين، ونظرًا لانقطاع الصلة المباشرة لمعظم تلك الجاليات المهاجرة مع مواطنهم الأصلية، ولما يتطلبه الاندماج في المجتمع الحجازي، فإن البعض يرى في علاقته بالمجتمع الأصلي علاقة رمزية، ويسعى للتأكيد على هويته السعودية وحذف ما يشير إلى جذوره القومية والحرص على التزاوج مع الأسر المحلية، أسوة بالجاليات المهاجرة الأخرى، ويتركز نشاط معظم تلك الجاليات في التجارة وفتح المطاعم، حيث نجحت في إشاعة مأكولات معينة أصبحت مع السنوات جزءًا من الوجبات الوطنية، كما انخرط جزء منهم في الوظائف الحكومية عامة وفي التخصصات الأمنية بخاصة، والتحق أبناؤها بدراسات الشريعة والطب والهندسة والمكتبات على وجه الخصوص.
ولا يكتمل الحديث عن الصلات الثقافية بين روسيا وبلاد الحرمين الشريفين، دون التطرق إلى دور ثقافة الاستشراق، وإلى جهود الرحالة والمؤرخين وكتاباتهم، فبرغم أهمية الاستشراق الروسي الذي ألّفت عنه الكتب وكتب عنه الكثير من الأبحاث، ورغم كثرة المستشرقين والرحالة الروس، مع أن القليل منهم زار الأراضي المقدسة لأسباب دينية، لكن القاسم المشترك الأهم في كثير من الدراسات الاستشراقية الروسية الاهتمام بتحليل الروابط الدينية بين روسيا وبلاد الحرمين الشريفين، وبتأثير الحج على أساس أنه أحد دوافع الرحلات، وأحد أبرز مظاهر التديّن للمسلمين، كما عنيت بترجمات معاني القرآن الكريم وصحيح البخاري وعيون الكتب الإسلامية والعربية، وتعيد بعض تلك الدراسات تاريخ بدء اهتمام أهل المشرق العربي بالروس إلى العصر العباسي الأول، عندما توغّل التجار العرب في الأراضي الروسية لأغراض التجارة وحب الاستطلاع، وبادلهم التجار الروس ذلك بقصد التجارة أو الحج، ثم زادت الروابط وثوقًا بعد سقوط الإمبراطورية المغولية، وما تبع ذلك من توغّل روسيا في آسيا الوسطى الغنية بالمعارف وبالثقافة العربية والإسلامية والكتب والمخطوطات من آثار البيروني والفارابي والرازي وابن سينا وغيرهم، فربط الإسلام بينها وبين العرب، بعد أن أصبح فيها نحو (25) مليونا من المسلمين في آسيا والقوقاز، وما يزال أحفادهم يتحدثون العربية إلى اليوم.
كانت الأواصر الثقافية التي ربطت روسيا بالعرب ولغتهم وديانتهم، بدأت عمليًا في أواخر القرن السابع عشر، عندما قامت الدوائر العلمية الروسية بترجمة الكثير من الكتابات والمصادر الأوروبية، ثم كان انفتاح القيصر بطرس الأول على الثقافتين الغربية والشرقية، ورغبته في التعرف على الإسلام، فصار الاهتمام بالإسلام يأخذ منحى علميًا بدأه المستشرق الروسي (كانتمير) الذي تناول ظروف النشأة التاريخية للنبي محمد صلى الله عليه وسلم، وهو الذي أقام أول مطبعة عربية في روسيا، وقد شهد مطلع القرن الثامن عشر أول ترجمة روسية لمعاني القرآن الكريم (1716) وكان قرار القيصر بتأسيس قسم خاص لدراسة الحضارة العربية والإسلامية في أكاديمية العلوم الروسية، ومن ثم إيفاد بعثات لدراسة اللغة العربية مفتاحًا حقيقيًا لانتشار متحدثيها في الدوائر العلمية والرسمية الروسية، بعد أن تعمّقوا في عالم الشرق وثقافته وديانته.
وهكذا كانت صلات الحج والروابط الدينية بين مسلمي آسيا الوسطى وبلاد الحرمين خصوصًا والمشرق عمومًا، أحد حوافز نشاط الاستشراق والاهتمام السياسي الروسي، ويكفي أن يُشار إلى الدراسة التي أنجزها فاسيلييف (الثاني) عن تاريخ السعودية (موسكو، دار التقدم 1986) واعتمدت كثيرًا على التراث الاستشراقي في محاولته لفهم الخلفية الثقافية لتاريخ شعب الجزيرة العربية.
وشهدت الأعوام الخمسة والعشرون الماضية منذ أن عادت العلاقات السياسية إلى صافي طبيعتها القديمة، عددًا من الندوات والفعاليات والمؤلفات والأطروحات العلمية والمنح الدراسية ومراكز الدراسات والزيارات الرسمية المتبادلة التي تعزز من وديّة العلاقة وتزيدها حميمية، مشيرًا في هذا الصدد إلى عشرات الكتب التي أصدرها الداعية والرحّالة السعودي الشيخ محمد ناصر العبودي عن روسيا بخاصة وعن بلاد ما وراء النهر وآسيا الوسطى بعامة، وإلى كتاب «العلاقات السعودية السوفياتية والسعودية الروسية 1926 - 1997» لعلي محمد الشهري الصادر عام 2001 معتمدًا على أرشيف السياسة الخارجية الروسية للاتحاد السوفياتي، وإلى كتاب «العلاقات السعودية الروسية في ضوء المتغيّرات الإقليمية والدولية 1926 - 2004» للدكتور ماجد التركي (2004) وهي دراسة علميّة مجازة من قسم العلوم السياسية بجامعة موسكو، وإلى بحث حديث بعنوان «العلاقات السعودية السوفياتية بين عامي 1926 و1938» للدارسة هبة السبيعي من قسم التاريخ بجامعة الملك سعود بالرياض، وإن إقامة هذا الملتقى الثقافي بمناسبة اليوم الوطني السعودي والمصادف لمرور ربع قرن على استئناف العلاقات السعودية الروسية، هي فرصة تشيّد من جديد جسرًا ثقافيًا مع منطقة طالما أسدت للحضارة الإسلامية كنوزًا من المعارف والمخطوطات وأسهم مفكروها وعلماؤها في خدمة التراث العربي والإسلامي، ومناسبة تمدّ ذراعًا من التواصل لتعزيز الاحترام المتبادل والشراكة الثنائية المتكافئة.

* إعلامي وباحث سعودي



روايات الخيال العلمي تنعش سوق الكتب

غلاف "هل تحلم الروبوتات بخراف كهربائية؟"  لفيليب ك. ديك
غلاف "هل تحلم الروبوتات بخراف كهربائية؟" لفيليب ك. ديك
TT

روايات الخيال العلمي تنعش سوق الكتب

غلاف "هل تحلم الروبوتات بخراف كهربائية؟"  لفيليب ك. ديك
غلاف "هل تحلم الروبوتات بخراف كهربائية؟" لفيليب ك. ديك

شهد أدب الخيال العلمي طفرة غير مسبوقة، مدفوعاً بالأزمات العالمية، والمنصات الرقمية التي أعادت تشكيل أنماط القراءة الشعبية. فبعد أن كان يُنظر إليه على أنه ترفيهي ثانوي، تحول أدب الخيال إلى فضاء تعبيري عميق يعكس مخاوف الإنسان المعاصر إزاء مستقبل غامض تهيمن عليه تكنولوجيا متسارعة، فانفجرت مبيعاته بشكل لافت، مما أعاد إشعال النقاش حول شرعيته الأدبية.

ففي فرنسا مثلاً كشفت دراسة لـ«مرصد الخيال» (أوبسرفاتوار دو ليماجينار) لعام 2025 عن الأرقام التي تؤكد هذا الانتعاش، حيث تبين أن مبيعات روايات الخيال العلمي قد قفزت بنسبة 40 في المائة بين عامي 2023 و2024، ومعها ظهرت أيضاً دور نشر جديدة متخصصة في هذا النوع الأدبي. التوجه نفسه ينطبق على سوق الكتب الأميركية، والتي شهدت أيضاً ارتفاعاً في مبيعات رواية الخيال العلمي، فحسب بيانات معهد سيركانا بوك سكان، وصلت نسبة الزيادة إلى 12 في المائة خلال الأشهر التسعة الأولى من عام 2025، في حين شهدت مبيعات روايات الخيال العلمي والفانتازيا قفزة مذهلة بنسبة 41.3 في المائة في المملكة المتحدة بين عامي 2023 و2024 بحسب تقرير نشر في صحيفة «الغارديان» البريطانية بعنوان: «بوك توك وراء ارتفاع كبير لمبيعات روايات الخيال العلمي والفانتازيا».

"حكاية الخادمة" لمارغريت أتوود

وبعيداً عن الصورة النمطية التي تختزل هذه الروايات في طابعها الترفيهي القائم على المبالغة، والغرابة، والكائنات الخرافية، والسفر عبر الزمن، والتقنيات الخارقة التي لا وجود لها في الواقع، فإن الصورة أصبحت اليوم أقرب للأدب الاستكشافي الذي يستعين بالخيال العلمي لفهم قضايا سياسية، واجتماعية، وأخلاقية، من خلال إسقاطات مستقبلية، ورمزية.

يرى سيمون بريان، الباحث المختص في مركز دراسات الآداب الفرنسية بجامعة السوربون، أن الخيال العلمي يعمل بوصفه أداة لتشخيص الحاضر عبر تضخيم قضايا محورية، مثل رقمنة الحياة، أو الكوارث المناخية الوشيكة، وهو ما نراه مثلاً في رواية 1984 لجورج أرويل التي لا يظهر فيها التقدم التقني بوصفه أداة لرفاهية الإنسان، بل باعتبار أنه «عين ساهرة» لا تنام، تهدف إلى إلغاء الخصوصية، وإعادة صياغة العقل البشري. وفي السياق ذاته، يشير جان بول أنجيليبيرت، أستاذ الأدب المقارن في جامعة بوردو إلى أن هاجس نهاية العالم في هذه الروايات ليس مجرد ترف فني، بل هو محاولة لاستباق مخاوفنا عبر سيناريوهات تحبس الأنفاس، مما يجنب الإنسان المعاصر ضياع البوصلة في حاضر يفتقر إلى ثوابت مستقرة. ففي رواية «عالم جديد شجاع» لألدوس هكسلي توظف التكنولوجيا، والتحكم العلمي في الإنجاب، والتكييف النفسي لتحقيق مجتمع مستقر ظاهرياً، لكنه فاقد للحرية، والإرادة الفردية، وهو تجسيد لمخاوفنا من أن تؤدي التقنيات الحديثة إلى تسليع الإنسان، وتحويله إلى كائن مبرمج. كما تعبر أعمال مثل «هل تحلم الروبوتات بخراف كهربائية؟» لفيليب ك. ديك عن القلق المرتبط بالذكاء الاصطناعي، حيث يتداخل الحد الفاصل بين الإنسان والآلة، وأسئلة جوهرية عن معنى الإنسانية في عصر التكنولوجيا.

العامل المشترك وراء هذا الانتعاش الجديد يعود حسب تقرير صحيفة «الغارديان» إلى فضل المنصّات الرقمية، وبالأخص «بوك توك»، حيث تشير دراسة معهد سيركانا بوك سكان إلى أن واحداً من كل اثني عشر كتاباً ورقياً يباع في الأسواق العالمية حالياً يعود الفضل في انتشاره مباشرة إلى تأثير صُنّاع المحتوى على «تيك توك».

ومن الأمثلة الأخيرة رواية «الجناح الرابع» للكاتبة ربيكا ياروس، والتي حققت نجاحاً ساحقاً بفضل «بوك توك»، مما دفع دور النشر إلى رفع سقف التوقعات، والطباعة الأولية لأعمالها اللاحقة إلى أرقام فلكية تتجاوز 300 ألف نسخة طبعة أولى، وهو رقم كان يُعد مستحيلاً لرواية من فئة الخيال قبل عصر الـ«تيك توك». على أن تأثير مجتمع الـ«تيك توك» لم يقتصر على الإصدارات الحديثة فقط، بل امتد ليعيد روايات منسية إلى الواجهة. على سبيل المثال: رواية «أغنية أشيل» التي نُشرت عام 2011، والتي شهدت انفجاراً في المبيعات بعد سنوات من صدورها لتتجاوز مليوني نسخة في 2024بفضل مقاطع فيديو عاطفية قصيرة لم تتجاوز الستين ثانية.

وأقدم منها رواية 1984 لجورج أرويل، والتي تشهد زيادة مستدامة في المبيعات السنوية بنسبة تتراوح بين 10 إلى 20 في المائة مقارنة بما قبل عصر المنصة، وهو رقم ضخم لعمل تجاوز عمره سبعة عقود. ولذا، فلن نبالغ إن قلنا إن المنصات الرقمية، وعلى رأسها «بوك توك» قد لعبت دوراً حاسماً في كسر النخبوية المحيطة بالشرعية الأدبية، فمن خلال إعادة إحياء الكلاسيكيات، والاحتفاء بالروايات الديستوبية، فرض الجمهور الشاب ذائقته على دور النشر، ولم يعد الاعتراف يأتي من «الأكاديميات» فحسب، بل من قوائم الأكثر مبيعاً التي تسيطر عليها الآن روايات الخيال العلمي، والفانتازيا.

نظرة النقاد إلى الخيال العلمي بدأت تتغير مع بروز قضايا وجودية مثل التغير المناخي والذكاء الاصطناعي والحريات الفردية والهندسة الوراثية

لقد ظل أدب الخيال العلمي، ولفترة طويلة، مهمشاً باعتباره «أدباً شعبياً»، أو «شبه أدب»، حيث اعتبره قسم من النقاد أدباً استهلاكياً يفتقر إلى العمق الإنساني، والتعقيد اللغوي. وفي هذا السياق، تقول الكاتبة الشهيرة أورسولا كيه لو غوين، التي خاضت معارك طويلة لنيل اعتراف النقاد بهذا النوع، ما يلي : «لقد تم حصرنا في محميات أدبية وكأننا لا نكتب عن البشر، بينما الحقيقة أن الخيال العلمي هو الأداة الأقوى لاستكشاف ما يعنيه أن تكون إنساناً في مواجهة المجهول».

والملاحظ أن نظرة النقاد إلى الخيال العلمي بدأت تتغير مع بروز قضايا وجودية، مثل التغير المناخي، والذكاء الاصطناعي، والحريات الفردية، والهندسة الوراثية، ولم يعد هذا الأدب مجرد نبوءات تكنولوجية، بل أصبح بمثابة مختبر اجتماعي، وفلسفي. ويرى الكاتب الفرنسي المختص في هذا الجنس الأدبي جان مارك ليني أن الخيال العلمي هو أدب الواقع، لأنه لا يهرب من العالم، بل يستخدم المستقبل مجهراً لمراقبة الانحرافات الأخلاقية والاجتماعية الحالية، وقد كان الكاتب الفرنسي-الكندي الراحل موريس دانتيك قد صرّح في إحدى مقابلاته مع الصحافة الفرنسية بأن الأدب الفرنسي الكلاسيكي يعاني من النسيان، وأن الخيال العلمي هو النوع الوحيد القادر على دمج الانفجار التكنولوجي العلمي في الرواية الإنسانية. وقد أثبت النجاح الكبير الذي حققه آلان داماسيو مع روايته المعروفة «المتسلّلون» التي بيعت بأكثر من 150 ألف نسخة، وحصلت على عدة جوائز، أن الكتابة المتقنة للغاية يمكن أن تتزاوج بشكل مثالي مع موضوعات الاستباق السياسي. وفي نفس السياق تشكل الجوائز الأدبية علامة بارزة على هذا الاعتراف، وأفضل مثال: رواية «حكاية الخادمة» لمرغاريت أتوود التي فازت بعدة جوائز، منها جائزة آرثر سي كلارك للخيال العلمي، وكانت مرشحة لجائزة بوكر، وقد بيع أكثر من 8 ملايين نسخة باللغة الإنجليزية وحدها.


تراث البهجة والعمران

تراث البهجة والعمران
TT

تراث البهجة والعمران

تراث البهجة والعمران

في كتابه «المدينة الإسلامية - تراث البهجة والعمران» الصادر عن دار «تمهيد » بالقاهرة، يؤكد الباحث في شؤون التراث الحضاري الدكتور خالد عزب أن تخطيط الأحياء السكنية في المدينة الإسلامية القديمة، من بخارى وسمرقند شرقاً حتى مراكش وفاس غرباً، يكشف عن قانون متماسك يراعي الهوية الحضارية والتجانس الاجتماعي والاتساع والبهجة مع الحرص على البساطة وعدم المبالغة.

ويشير المؤلف إلى أن الأماكن العامة في تلك المدينة كانت تقع على جانبي الشارع التجاري «قصبة المدينة»، وتشمل الأسواق المركزية للمدينة والمتاجر الكبرى المغطاة والمكشوفة وورش المهنيين والمساجد الكبرى ومجموعات الأسواق المتخصصة والحمامات. وتتفرع من هذا الشارع الأنشطة الحرفية للحي ومساجده وحماماته ومقاهيه، ويتخللها بعض الدور والمساكن وهى أكثر ارتفاعاً.

أما الأماكن الخاصة، فهي التي تقع على امتداد الحواري والمسالك المسدودة الضيقة، أو المنعطفات، وتتفرع من الشوارع المركزية للأحياء، وتشمل المباني السكنية التي تتميز بواجهات مبانيها القليلة الارتفاع والفتحات، في حين التزمت مباني الأحياء بارتفاع يكاد يكون ثابتاً عدا المساجد. كما نلحظ تعدد الأفنية وتداخلها بين مجموعات المباني، لاستقطاب حياة الناس إلى الداخل، بينما تنساب الأسواق المغطاة خلال الكتلة العمرانية للمدينة، مكوّنة محاور للحركة ونقطة تلاقٍ للسكان بين الأحياء المختلفة.

ويخترق الحي أو المجاورة شارع رئيسي واحد في الغالب، ويسكنه مجتمع متجانس عادة وقليل العدد نسبياً، وتربط ما بين أفراده روابط دينية أو عرقية أو مهنية، ويتوفر لديهم شعور قوي بترابط الجماعة، وباحترام الواجبات والالتزامات المتبادلة بينهم.

ورغم ذلك، لا يتم تقسيم الأحياء بحسب مكانة الطبقات الاجتماعية؛ فالحي عالم مصغر، يعيش فيه الغني والفقير جنباً إلى جنب، ويتشاركان في الجوامع والأسواق والحمامات والأسبلة.

وقد عدّت سلطات الدولة الحي، وحدة إدارية وكان له رئيسه ومجلسه، وفي أوقات الاضطرابات، عدّ أيضاً وحدة دفاعية. ورغم أنه قد تُحرس بوابات الأحياء بالحراس في الليل في أوقات القلاقل، لكن الحي ليس محدداً تحديداً معمارياً في الغالب، ويتصل اتصالاً عضوياً بالمباني المجاورة للأحياء الملاصقة، ويستطيع السكان أن يوطدوا علاقاتهم دائماً.

والملاحظ أن الكتل المعمارية في الحي السكني منفصلة عن بعضها بواسطة ما يحتّمه التخطيط، من ترك الفراغات حول الأبنية، فإذا اتصلت هذه الفراغات بفراغات الشوارع، تكونت مساحات كبيرة من الفراغات التي تكوّن كمية كبيرة من الضوء، والحرارة لكل من في المنطقة. وهذا الاتجاه يكاد يكون سائداً في معظم التجمعات السكنية، في أنحاء العالم وخصوصاً في الدول الغربية التي كانت سباقة في اتباع هذا الاتجاه، وتبعها بعض دول العالم، ومن بينها الدول الإسلامية، التي لم تحاول مناقشة مدى صلاحية هذا الاتجاه لطبيعة بلادها.

ويشير المؤلف في هذا السياق إلى ما يسمى «الرحبات» التي تمثل مناطق التقاء في المدن الإسلامية، فهي نقطة تلاقٍ للشوارع وتتوسط الأحياء السكنية، وكان اتساعها سبباً في اتخاذها مكاناً للباعة الجائلين، ما أدى إلى تسمية «الرحبة» باسم التجارة التي تروج بها مثل «رحبة البصل» في دمشق. وقد تضم الرحبة أحد المرافق العامة، ومن أمثلة ذلك الرحبة التي كانت أمام مسجد الدرعي بمدينة الفسطاط المصرية، فقد اشتملت على «بئر سابلة» أي بئر ماء عامة تمد من يرغب بالمياه، وهذا مؤشر على بدايات الصهاريج العامة والأسبلة في مصر.


العُماني محمود الرحبي يحصد جائزة «الملتقى للقصة القصيرة العربية»

الكاتب العُماني محمود الرحبي الفائز بجائزة «الملتقى للقصة القصيرة» في الكويت بالدورة الثامنة (الشرق الأوسط)
الكاتب العُماني محمود الرحبي الفائز بجائزة «الملتقى للقصة القصيرة» في الكويت بالدورة الثامنة (الشرق الأوسط)
TT

العُماني محمود الرحبي يحصد جائزة «الملتقى للقصة القصيرة العربية»

الكاتب العُماني محمود الرحبي الفائز بجائزة «الملتقى للقصة القصيرة» في الكويت بالدورة الثامنة (الشرق الأوسط)
الكاتب العُماني محمود الرحبي الفائز بجائزة «الملتقى للقصة القصيرة» في الكويت بالدورة الثامنة (الشرق الأوسط)

أعلنت جائزة «الملتقى للقصة القصيرة العربية»، فوز الكاتب العُماني محمود الرحبي، بجائزة الملتقى في الدورة الثامنة 2025 - 2026 عن مجموعته القصصية «لا بار في شيكاغو».

وفي حفل أقيم مساء الأربعاء على مسرح مكتبة الكويت الوطنية، بحضور عدد كبير من الكتّاب والنقّاد والمثقفين الكويتيين والعرب والمترجمين، أعلن الدكتور محمد الشحّات، رئيس لجنة التحكيم، قرار اللجنة بالإجماع فوز الكاتب العُماني محمود الرحبي بالجائزة في هذه الدورة عن مجموعته «لا بار في شيكاغو».

وقال الشحّات، إن الأعمال القصصية المشاركة في هذه الدورة بلغ مجموعها 235 مجموعة قصصية، مرّت بعدد من التصفيات انتهت إلى القائمة الطويلة بعشر مجموعات، ثم القائمة القصيرة بخمس مجموعات.

وأوضح الشحّات: «باتت جائزة الملتقى عنواناً بارزاً على ساحة الجوائز العربية، لا سيّما والنتائج الباهرة التي حقَّقها الفائزون بها في الدورات السابقة، وذهاب جميع أعمالهم إلى الترجمة إلى أكثر من لغة عالمية، فضلاً عن الدور الملموس الذي قامت به الجائزة في انتعاش سوق طباعة ونشر المجموعات القصصية التي أخذت تُزاحم فنّ الرواية العربية في سوق الكتاب الأدبي العربي، وفي معارض الكتب الدولية في العواصم العربية الكبرى».

وقد وصل إلى القائمة القصيرة خمسة أدباء هم: أماني سليمان داود عن مجموعتها (جبل الجليد)، وشيرين فتحي عن مجموعتها (عازف التشيلّو)، ومحمود الرحبي عن مجموعته القصصية (لا بار في شيكاغو)، وندى الشهراني عن مجموعتها (قلب منقّط)، وهيثم حسين عن مجموعته (حين يمشي الجبل).

من جهته، قال القاص العماني الفائز محمود الرحبي، إن فوزه «بجائزة الملتقى يعني الفوز بأهم جائزة عربية على الإطلاق للقصة القصيرة، وهو فوز بأوسكار الجوائز الأدبية العربية، وسوف يضع مسؤولية على كاهلي بأن أقدّم القصة القصيرة المبدعة دائماً».

المجموعة القصصية «لا بار في شيكاغو» الفائزة بجائزة «الملتقى للقصة القصيرة العربية» (الشرق الأوسط)

«الكويت والقصة القصيرة»

وفي الندوة المصاحبة التي ترافق إعلان الفائز، أقامت جائزة الملتقى ندوة أدبية بعنوان: «الكويت والقصة القصيرة العربية» شارك فيها عدد من مبدعي الكتابة القصصية في الوطن العربي، إضافة إلى النقاد والأكاديميين.

وبمناسبة إطلاق اسم الأديب الكويتي فاضل خلف، على هذه الدورة، وهو أوَّل قاص كويتيّ قام بإصدار مجموعة قصصية عام 1955، تحدث الشاعر والمؤرخ الدكتور يعقوب يوسف الغنيم، وزير التربية السابق، عن صديقه الأديب فاضل خلف، حيث وصف فاضل خلف بأنه «صديق قديم، عرفته منذ منتصف خمسينات القرن الماضي، واستمرت صلتي به إلى يوم فراقنا بوفاته. ولقد تعرفت عليه قبل أن أعرفه، وذلك من خلال ما نشر في مجلة (البعثة) ومجلة (الرائد) وغيرهما. وكانت له صلة مع عدد كبير من الأدباء في الكويت وفي عموم الوطن العربي».

وأضاف الغنيم: «للأستاذ فاضل تاريخ أدبي ناصع، فقد كان من أبرز كتاب القصة القصيرة في الكويت، وكان يتابع كل ما يتعلق بالمفكرين العرب سعياً إلى الاطلاع على إنتاجهم. ويكفيه فخراً أنه من فتح باب نشر المجاميع القصصية حين أصدر مجموعته الأولى (أحلام الشباب) عام 1955».

من جانبه، قال الدكتور محمد الجسّار، الأمين العام للمجلس الوطني للثقافة والفنون والآداب (راعي الجائزة): «نعيش حدثاً إبداعياً ثقافياً عربياً مُتميّزاً، احتفاءً بفن القصة القصيرة العربية، وتكريماً لذكرى أحد رجالات الكويت الأفاضل الأديب الكويتي المبدع (فاضل خلف)، الذي كان في طليعة كتّاب القصة الكويتيين الذين اتخذوا من فن القصة طريقاً لمسيرة حياتهم، حين أصدر مجموعته القصصية الأولى (أحلام الشباب) عام 1955، حاملة بُعدَها الكويتي ونَفَسها العروبي الإنساني».

وأضاف الجسار: «جائزة الملتقى للقصة القصيرة، منذ انطلاقها عام 2015، كانت تنتمي إلى الكويت بقدر انتمائها للمشهد الإبداعي العربي، حيث أكّدت دورها الريادي في دعم فن القصة القصيرة، وها نحن نحتفل بالدورة الثامنة للجائزة، مؤكّدين التزام المجلس الوطني للثقافة والفنون والآداب بدعم ورعاية جائزة الملتقى، بوصفها مبادرة إبداعية ثقافية ترفع من شأن الإبداع والأدب، وتعزز من مكانة دولة الكويت بوصفها حاضنة للفكر والإبداع العربيين».

طالب الرفاعي: صوت الكويت

من جانبه، أشار مؤسس ورئيس مجلس أمناء الجائزة الأديب طالب الرفاعي، إلى «اقتران اسم الجائزة بالقصة القصيرة من جهة والكويت من جهة أخرى، وذلك بعد مرور عشر سنوات على إطلاقها، وهذا ما جعل الكويت طوال السنوات الماضية حضناً وبيتاً للقصة العربية، وقبلة لأهم كتّاب القصة القصيرة في الوطن العربي».

وأكّد أن الجائزة تزداد حضوراً وأهميةً على مشهد الجوائز العربية والعالمية، حيث صار يُشار إليها بوصفها «أوسكار الجوائز العربية الأدبية»، وأنها سنوياً تقدم للترجمة العالمية قصاصاً عربياً مبدعاً.

وقال الرفاعي إن «القصة أصبحت وجهاً مشرقاً من وجوه وصل الكويت بالمبدع العربي».