«منتدى أصيلة» يناقش العلاقة بين المنجز الأدبي والفني

جلسة خاصة للكاتب السعودي الراحل هاني نقشبندي

«منتدى أصيلة» يناقش العلاقة بين المنجز الأدبي والفني
TT

«منتدى أصيلة» يناقش العلاقة بين المنجز الأدبي والفني

«منتدى أصيلة» يناقش العلاقة بين المنجز الأدبي والفني

شكّل واقع وتمظهرات العلاقة بين الرواية العربية والفنون البصرية، وبالتالي بين الروائيين والتشكيليين والسينمائيين العرب، محور اليوم الثاني من ندوة «الرواية العربية والخطاب البصري» ضمن فعاليات «منتدى أصيلة» الـ44.

وأظهرت مداخلات ومناقشات المشاركين في ثالثة جلسات الندوة، التي ترأستها الروائية المصرية مي التلمساني، أهمية العلاقة على مستوى المنجز الأدبي والفني على حد سواء، مؤكدين إيجابيات انفتاح الكتابة الروائية على جماليات التشكيل والسينما.

وسعى معجب سعيد العداوني، الناقد والأستاذ الجامعي السعودي، إلى إلقاء الضوء على عملين روائيين عربيين، هما «مسرى يا رقيب» للروائية السعودية رجاء عالم، و«حبس قارة» للروائي المغربي سعيد بنسعيد العلوي، وذلك من زاوية علاقتهما بالخطاب التشكيلي.

وقال العدواني، في سياق تناوله رواية عالم: إن العتاقة في التعامل مع الكتابة لم تكن مجرد استلهام للبعد التراثي، من منطلق أن عمل الكاتبة السعودية يرتكز على جانب التعالق والارتباط مع الفن التشكيلي، من خلال نص مكتوب و10 لوحات فنية مرفقة، من توقيع شقيقتها، وكأن هذه اللوحات تأتي لكي تضيف للنص المكتوب أبعاداً أخرى، بشكل يجعل الجسر بين المكتوب والبصري هو الخطوة الأولى للعبور إلى جسر الحداثة، مضيفاً: «رأيت أن هذا العمل هو مزيج من الحداثة والعتاقة». كما تطرق إلى البعد الأسطوري في الرواية، وتوظيف مساحات البياض.

أما رواية العلوي، يضيف العدواني:، فقد وضعَت لها مسارين سرديين، الأول يشير إلى علاقة الرسام الفرنسي أوجين دولاكروا بالمغرب واللوحات التي استلهمها منه، والتي تقدم إشارات مهمة لترسيخ تاريخ هذه اللوحات داخل المغرب، كما أن لها معنى إنسانياً، بكونها مجالاً للحب والجمال بين المغاربة والفرنسيين.

وتناولت كاتيا غصن، الناقدة اللبنانية والأستاذة بجامعة باريس 8، موضوع «السينما كتيمة في الرواية العربية ومساءلة الحداثة الغربية»؛ بهدف الوقوف على الكيفية التي عبّرت بها الرواية العربية عن العلاقة بين الشرق والغرب من خلال تضمينها السينما كموضوع.

وركزت غصن، في ورقتها على أربع روايات، «سارة» للمصري عباس محمود العقاد، و«تصطفل ميرل ستريب» للبناني رشيد الضعيف، و«حرمة» لليمني علي المقري، و«كلب بلدي مدرب» للمصري محمد علاء الدين.

وقالت: إن «سارة» و«تصطفل ميرل ستريب» وإن تباعدا في المكان والزمان إلا أنهما يقدّما نظرة متشابهة للحداثة مستمدة من حركة النهضة. كما تحدثت عن أوجه مشتركة وتداخل على مستوى الحكي بين العملين. أما العملان الآخران فقد عبّرا عن موضوع النقلة الحضارية، لكن بتوجه مختلف، وبفكرة مغايرة عن التحولات الثقافية في العلاقة مع الغرب.

وعادت غصن لتاريخ السينما في العالم العربي، مشيرة إلى أن ظهورها ارتبط ببدايات النهضة العربية. وقالت: إن أكبر مثال على تداخل عوالم الرواية والسينما في العالم العربي، يتلخص في الروائي المصري نجيب محفوظ، فتحولت إلى السينما 28 من رواياته، كما كتب 29 سيناريو خصيصاً لها. واليوم، هناك روائيون عرب آخرون يكتبون السيناريو.

من جانبها، تناولت الناقدة المصرية أماني فؤاد بالتحليل العلاقة بين «الفن الروائي والفن المعماري»، وكيف أن لكل معمار فلسفة شخصية وحكايات وتاريخاً ممتداً للأماكن.

وقالت فؤاد: إن الرواية تستخدم تقنيات أحد الفنون لكنها تستخدم، في الوقت نفسه، هذه التقنيات في بنائها. وأضافت أن النص الروائي يتغذى بتلك التقنيات، ويبرزها في الوقت ذاته، لتصبح موضوعاً له وتقنية أيضاً. وخلصت إلى أن هذا الواقع يفرض مجموعة أسئلة، تهم الكيفية التي يتعامل بها النقد الأدبي، بالدراسة والتحليل، مع هذه السرديات التي تتداخل في بنيتها مجموعة من الفنون.

وتناولت فؤاد، في معرض تحليلها، ثلاث روايات: «الفتى المتيم والمعلم» للتركية أليف شافاك، و«عمتي زهاوي» للعراقي خضير فليح الزيدي، و«الجبل» للمصري فتحي غانم. وقالت: إنها روايات مشغولة بفن المعمار، وإنها عمدت في قراءة كل رواية إلى فن المعمار لكي تتعرف على الفترة أو نوعية المعمار الذي تتحدث عنه.

من جانبه، استعرض الناقد والأستاذ الجامعي المغربي، حسن بحراوي، جملة مفارقات مغربية، وحتى عربية، مفادها أن الكاتب لا يزور المعارض ولا يشاهد الأفلام إلا مصادفة، علاوة على أن معظم الرسامين والمصورين لا يقبِلون على قراءة الأدب إلا لماماً أو اضطراراً، وبالتالي تلاشي فرص الاستفادة بين الطرفين. فالكاتب كاتب والفنان فنان، وفي أحيان كثيرة لا صلة بينهما.

وتحدث بحراوي عن علاقة التشكيل والرواية، مشيراً إلى أن الأول تصويري سكوني وهادئ، والثانية تعبيرية متحركة محكومة بزمن ومكان، هما زمن ومكان السرد.

واستعاد بحراوي تاريخ الرواية والسينما في أوروبا، بشكل خاص، وقال إنهما اشتركا في نشر القيم ذاتها والتبشير بالأحلام والطموحات المشتركة نفسها. كما تحدث عن «تحطيم جدار الفرقة» بين الكتاب والتشكيليين في المغرب. وكما كان الحال في اليوم الأول للندوة، خصص المنظمون الجلسة الأخيرة، في ثاني أيام الندوة، التي ترأستها الروائية الفلسطينية ليانة بدر، لقراءات روائيين في نماذج من أعمالهم الروائية. ، قرأ المغربي مبارك ربيع من روايته «أحمر وأسود»، واللبنانية علوية صبح من روايتها «أن تعشق الحياة»، والتونسي حسونة المصباحي من روايته «ليلة حديقة الشتاء»، والسوداني - المصري طارق الطيب من روايتيه «بيت النخيل» و«أطوف عارياً».

 

هاني نقشبندي... في جلسة وفاء خاصة

وفي جلسة وفاء خاصة أقامها المنتدى وترأستها الروائية المصرية مي التلمساني، استعاد أصدقاء وباحثون مشاهد من حياة وأعمال الروائي والصحافي السعودي الراحل هاني نقشبندي.

وقال الناقد والأستاذ الجامعي السعودي معجب سعيد العداوني، خلال هذه الجلسة: إن نقشبندي ينتمي إلى نخبة من الشباب السعودي، الذين اشتغلوا على الدخول في عصر حداثة المجتمع العربي، على المستوى الإعلامي، ونجحوا في ذلك بسرعة وتميز. كما تحدث عن المجال الآخر الذي تميز وعمل فيه الراحل، والمتمثل في الكتابة الروائية، مشيراً إلى أن كتابة نقشبندي كانت مختلفة إلى حدٍ كبير عن أعمال كثيرة كُتبت في الوسط الثقافي السعودي، مشيراً إلى أن مكان الاختلاف يعود إلى أن الراحل ركز على المتلقي، ولم يتوجه إلى النخبة، سواء في كتاباته، فكانت كتابة الجملة الروائية أحد أبرز العوامل التي جعلت أعماله تصل إلى القراء لتكتسب قاعدة كبيرة من المتلقين، علاوة على قبول أعماله لدى كثير من النقاد العرب.

من جانبه، قال الباحث والناقد المغربي شرف الدين ماجدولين: إن نقشبندي كان جزءاً من موسم أصيلة الثقافي، ومن عمقه الإنساني ومن الإشعاع الثقافي الذي ينثره أينما حل وارتحل.

وتطرق ماجدولين إلى محطات محددة من تاريخ علاقته به، مركزاً على اتصال جمعهما حين كان الراحل بصدد الاشتغال على عمله الروائي «سلام». وقال: إن نقشبندي لم تكن لديه أحلام كثيرة أو ادعاءات في حقل الرواية، وإنه كان يتحدث عن عمله بتواضع شديد، مشيراً إلى أن من أهم المنجزات التي قام بها على مستوى عمله الروائي أنه أدخله إلى ثقافة بلاد الأندلس، حيت إنه كان شديد الاهتمام بها، وبتفاصيل تاريخها وعاداتها. وأضاف أن الراحل صار، بذلك، باحثاً مهماً في حقل دراسات الأندلس.

وقال الروائي المغربي مبارك ربيع: إن نقشبندي إذا ما اقتربت منه أو ابتعدت عنه، فإن ما يتبقى في ذهنك عنه هو أنه شخص يمكن أن يقال عنه شفاف، تقبل عليه فتجده وديعاً مبتسماً، فتلقاه كأنه كان معك على موعد، وكأنه لا ينتظر غيرك.

وأضاف ربيع: إن كل ذلك يعبر عن سمة من سمات نقشبندي الإنسانية والثقافية العميقة، وأضاف أنه كان الرجل الذي لم يغضب أحداً.

كما تحدث ربيع عن علاقة نقشبندي بموسم أصيلة، وكيف كان يتطوع في ورشاته تطوعاً واحتساباً لخدمة الثقافة العربية.

وبعد أن تحدث عن تجربته الرواية، أشار ربيع إلى أن الراحل كان يحب المغرب؛ ولذلك بحث في تراثه الأندلسي بمحبة، ولثقافته العربية وللأمجاد العربية.

من جهته، انطلق الروائي التونسي حسونة المصباحي، في استحضاره الصداقة التي جمعته بنقشبندي، من مقولة للشاعر الألماني ريلكه، مفادها أن الحياة تقول دائماً وفي الوقت نفسه نعم ولا؛ أما الموت فهو الإثبات الحقيقي لأنه لا يقول إلا نعم أمام الأبدية.

وقال المصباحي: إنه لم يكن يظن أن نقشبندي، الرجل الهادئ، الذي يحاور الحياة باسماً وسعيداً يمكن أن يغيب بتلك السرعة والكيفية.

أما الصحافي السعودي حسين الحربي، فقال: إن نقشبندي عاش 60 عاماً مثل بلبل نبيل تحلو الحياة بشدوه يتنقل وينقل معه إنسانيته وطيبته والحب والتسامح يجمع منافسيه قبل أصدقائه، وأضاف الحربي أن قراءات نقشبندي المكثفة في علم الاجتماع وسيكولوجية الحياة وظّفها في منجزه السردي؛ فكتب ذات يوم في مقدمة إحدى رواياته: «كثيراً ما كنت أشعر أن الحياة تكرّر نفسها دون إرادة منا. أتخيل الله يهبنا الفرصة لإعادة اكتشاف أنفسنا، والتخلص من خطايانا لنصبح أكثر نقاءً وقرباً منه».


مقالات ذات صلة

العوامل المؤسِّسة لشاعرية الجنوب اللبناني

ثقافة وفنون محمد علي شمس الدين

العوامل المؤسِّسة لشاعرية الجنوب اللبناني

لم تكن الشاعريات العظيمة، كالفنون العظيمة على أنواعها، لتتكون فوق أرض المصادفات المجردة، أو في كنف فضاءات هلامية المنشأ، بل هي الثمرة الطبيعية لتضافر المواهب

شوقي بزيع
ثقافة وفنون مجالس العزف والغناء في الفنون الأموية

مجالس العزف والغناء في الفنون الأموية

شاع الغناء في العصر الأموي، وشاع معه العزف على الآلات الوترية والآلات الهوائية الخشبية، ورافق هذه الآلات الطبل والدف لتمييز الإيقاع، فتطوّر هذا الفن

محمود الزيباوي
ثقافة وفنون رواية «الثوب» لطالب الرفاعي بالفرنسية

رواية «الثوب» لطالب الرفاعي بالفرنسية

صدرت عن دار «أكت سود - ACTES SUD» الفرنسية، المعروفة باهتمامها بنشر الأدب العربي الحديث، ترجمة لرواية «الثوب» للأديب الكويتي طالب الرفاعي

«الشرق الأوسط» (الكويت)
ثقافة وفنون إيمان حميدان

حين تهزم الرواية النسوية ذاتها

كلما قرأت رواية نسوية، حاولت أن أتخيل كيف كانت تكون تلك الرواية بالشخصيات والأحداث نفسها وفي الزمان والمكان نفسهما لو أن الروائي كان رجلاً.

د. رشيد العناني
ثقافة وفنون ثنائية «الألم والصمت» في قصص سورية

ثنائية «الألم والصمت» في قصص سورية

يطل الوجع الإنساني في نصوص المجموعة القصصية «آلام برنابا وصمته»، الصادرة عن دار «بتانة» بالقاهرة للكاتب السوري المقيم في بلجيكا هوشنك أوسي،

«الشرق الأوسط» (القاهرة)

العوامل المؤسِّسة لشاعرية الجنوب اللبناني

محمد علي شمس الدين
محمد علي شمس الدين
TT

العوامل المؤسِّسة لشاعرية الجنوب اللبناني

محمد علي شمس الدين
محمد علي شمس الدين

لم تكن الشاعريات العظيمة، كالفنون العظيمة على أنواعها، لتتكون فوق أرض المصادفات المجردة، أو في كنف فضاءات هلامية المنشأ، بل هي الثمرة الطبيعية لتضافر المواهب الفردية مع الشرط الموضوعي، الذي يحتل التاريخ جانباً منه، والجغرافيا جانباً آخر، إضافةً إلى عوامل حضارية وثقافية مختلفة. ولعل التقاء هذه العوامل في بؤرة واحدة هو الذي أتاح للجنوب اللبناني أن يكون حاضنة ملائمة لكل تلك الشاعريات التي تعاقبت فوق أرضه منذ أقدم العصور حتى يومنا هذا.

وإذا كان البعض قد نظر إلى شعراء الجنوب بوصفهم صنيعة الإعلام السياسي أو الآيديولوجيا «المقاوِمة» التي بلغت ذروتها في سبعينات القرن المنصرم، فإن في ذلك التوصيف الكثير من الافتئات والتعسف النقدي. فلو سلمنا جدلاً بأن الإعلام السياسي التعبوي قد أسهم في رفد هذه الظاهرة بجرعات إضافية من الانتشار، فإنه لم يخلقها من جهة، ولا يفسر من جهة أخرى تحالف الجنوب مع الشعر منذ مئات السنين. فقبل أن تظهر بزمن طويل الكوكبة التي أطلقت عليها التسمية، وبينها محمد علي شمس الدين وموسى شعيب وحسن عبد الله وإلياس لحود ومحمد العبد الله وحمزة عبود وجودت فخر الدين وأحمد فرحات وعصام العبد الله ومحمد فرحات، وعشرات غيرهم، كانت تصدح في الأرجاء العاملية أصوات محمد علي الحوماني وعبد الحسين عبد الله وموسى الزين شرارة وعبد المطلب الأمين وحبيب صادق، وآخرون كثر من ذوي المواهب الأصيلة الذين ظلوا، بفعل تهميش الجنوب والتباس هويته، خارج دائرة الضوء، ولم يحظوا بما حظيت به الأجيال المتأخرة من مكانة واهتمام.

جودت فخر الدين

ومع أن الضجيج الذي ثار حول هذه الظاهرة قبل عقود، قد أخذ طريقه إلى الخفوت، بينما لم يصر ضجيج الحروب التي تطحن الجنوب وأهله إلى مآل مماثل، فإن الوقت لم يَفُتْ تماماً على مقاربتها في إطار موضوعي، بمعزل عن الإعلاء أو التبخيس والأحكام النقدية المسبقة. ولعل أهم ما يمكن فعله في هذا السياق هو محاولة الوقوف على الأسباب والعوامل التي جعلت من الجنوب اللبناني خزاناً للشعر لا تنضب مناجمه، بحيث يندر أن تخلو قرية من قراه، إن لم أقل منزل من منازله، من شاعر أو أكثر.

وإذا كانت عوامل كثيرة قد أسهم تضافرها في نشوء هذه الظاهرة، فإن العامل الوجداني الذي تشكلت من خلاله الروح الجمعية لسكان «جبل عامل»، والذي تعود جذوره البعيدة إلى واقعة كربلاء، يحتل دوراً متقدماً في هذا المجال. ولا أقصد هنا البعد المذهبي المغلق للواقعة الكربلائية، بل الواقعة في سياقها الثقافي الملحمي، حيث ظل الدم المراق فوق رمال الصحراء، على تقادم عهده، بعيداً عن التخثر، وقابلاً لتجديد نفسه مع كل مجابهة ضارية بين الحق والباطل. والواقع أن تلك الطقوس الفجائعية، التي تتغذى في بعض وجوهها من أساطير الشرق القديم، كبكاء إنانا على ديموزي وعشتار على تموز، قد تمكنت مع الزمن من رفد لغة الجنوبيين الشعرية بقدر من الاحتدام واشتداد العصب التعبيري، وبقدر مماثل من الحساسية المرهفة والتوهج القلبي.

كما لا يمكن أن نغفل الدور الذي لعبته المدارس الدينية التي انتشرت في جبل عامل عبر القرون، في تلقف مواهب الجنوبيين بالرعاية والاهتمام، باعتبار أنها لم تحصر مناهجها بعلوم الدين والتفسير والفقه، بل كان الشعر والأدب وقواعد اللغة واللسانيات، تُدرَّس جنباً إلى جنب مع العلوم الأخرى. وليس من قبيل الصدفة أن البيوتات الكبرى التي أتاح لها موقعها الطبقي والاجتماعي المتقدم، أن تُلحق أبناءها بتلك المدارس، هي نفسها البيوتات التي أنجبت العدد الأوفر من شعراء الجنوب وكتابه المرموقين.

الشاعر حسن عبدالله

أما العامل الثاني الذي يقف وراء شاعرية الجنوب وثرائه التخييلي، فهو ما اصطُلح على تسميته بعبقرية المكان، التي تجعل من الجغرافيا الطبيعية عاملاً أساسياً في تكوّن المواهب وبلورتها، وأخْذها في هذا الاتجاه أو ذاك. فنحن لسنا هنا إزاء جبال وعرة وشاهقة الارتفاع، ومغلقة على عزلتها الريفية الموحشة، ولا إزاء مدن ساحلية محصنة بإسمنتها الأصم، وبتهافت ساكنيها على المال والربح السريع، بل إزاء مشهدية بصرية باذخة، تتسم باعتدالها المناخي، وتتخللها هضاب «أنثوية» أليفة ومقوسة الخطوط. وكما هو حال الجغرافيا الجنوبية التي تقع على الحد الفاصل بين صلابة الصخور ورحابة المياه، فقد بدا شعراء الجنوب كأنهم يقيمون تجاربهم فوق أرض مشابهة، تتحالف في كنفها الجذور مع الأمواج، والوقائع مع الحدوس، والتراثي مع الحداثي.

كما شكلت الهوية القلقة للجنوب، والتباس كينونته التاريخية، وافتقار قاطنيه إلى الثبات والاستقرار، العامل الثالث من عوامل شاعريته، حيث وجد أهله في هذا الفن بالذات، ما يعبّرون بواسطتهم عن ذاتهم الجمعية، وما يؤرخون به تباريحهم، ويضمدون به جراحهم، ويلأمون بواسطته تصدُّع علاقتهم بالمكان. فقد ظل جبل عامل على امتداد قرون عدة، نهباً للأزمات المتلاحقة، ولصراع المصالح وتبدّل الموازين، بقدر ما ظل متناهباً بين الدول والإمبراطوريات والممالك. فقد تم إلحاقه حيناً بولاية عكا، وحيناً آخر بولاية دمشق، وحيناً ثالثاً بولاية صيدا. وبما أن الشعر هو الابن الشرعي للإقامة القلقة والوجود المهدد، فقد بات عبر العصور الركيزة الأكثر ثباتاً، التي ينهض فوقها حزن الجنوبيين وغضبهم وتشبثهم بالهوية.

الكوكبة التي أطلقت على أفرادها تسمية شعراء الجنوب لا تندرج في سوية واحدة إلا أن ذلك لا يقلل بشيء من فرادة الظاهرة وخصوصيتها

على أن نصيب الجنوب من انضمامه إلى الكيان الجديد، لم يكن أفضل بكثير من نصيبه في حقبة ما قبل التشكل. وإذا كان بعض ما لحق به من ظلم وتهميش، قد بدا نوعاً من العقاب الجماعي الناجم عن رفض قادته وأهل الرأي فيه، الانضمام إلى الجمهورية اللبنانية الوليدة، وإصرارهم على الالتحاق بالدولة العربية التي أعلنها فيصل الأول في الشام، فإن التهميش والحرمان لم يقتصرا من جهة أخرى على الجنوب وحده، بل اتسعت دائرتهما لتشمل مناطق الأطراف المماثلة، التي لم تُعرها الدولة ومؤسساتها أي اهتمام يُذكر. وكان من الطبيعي تبعاً لذلك أن يشكل إفقار الجنوبيين وتهميشهم الاقتصادي والاجتماعي، إضافةً إلى بوار الأرض وخراب الزراعة، والنزوح الكثيف باتجاه العاصمة، حيث تشكلت أحزمة الشقاء والبؤس... أحد العوامل المهمة التي حقنت مواهب الشعراء بأمصال الاستعارات وترجيعات الشجن القلبي.

ولست لأجافي الحقيقة بشيء إذا قلت إن الموقع الحساس الذي أغدق على الجنوب الكثير من نِعمه وكنوزه الجمالية، هو ذاته الذي رسم ملامح جلجلته وقدره التراجيدي. فقد كان عليه أن يدفع غالياً تكلفة مجاورته لحدود فلسطين، وأن يحمل بصبر سيزيف وإصراره، صخرة الأمل الهارب والانتصار المؤجل، بقدر ما كان على شعرائه أن يشحذوا قصائدهم على النصال الجارحة لآلام المكابدات والتهجير القسري، والمواجهات الدموية مع الاحتلال، وأن يقيسوا أعمارهم بعدد الحروب لا بالأعوام.

ومع أن الكوكبة التي أطلقت على أفرادها تسمية شعراء الجنوب لا تندرج من حيث قوة الموهبة ونفاذ الرؤية، في سوية واحدة، بما سيتكفل المستقبل بغربلته والفصل فيه، فإن ذلك لا يقلل بشيء من فرادة الظاهرة وخصوصيتها، التي تتكامل بشكل أو بآخر مع الفرادة المماثلة لشعرية الجوار الفلسطيني. ويبقى القول، أخيراً، إن الذين أشاروا إلى الجنوب بوصفه كنفاً وبوصلة وهوية، لم يفعلوا ذلك بهدف فصله عن الدوائر الإنسانية الأوسع، بل بهدف تعيين الجزء «المصاب» من الجسد، وبلسمة جراحه بترياق اللغة، علماً بأن الأسماء التي استلّت شاعريتها من أحشاء التراب الجنوبي، لم تكن منبتّةً أبداً عن حديقة الشعر العربي الوارفة، بل هي بعض عبقها ونكهتها وورودها المضافة.


مجالس العزف والغناء في الفنون الأموية

المعازف الأموية كما تظهر في جداريات قصير عمرة ببادية الأردن
المعازف الأموية كما تظهر في جداريات قصير عمرة ببادية الأردن
TT

مجالس العزف والغناء في الفنون الأموية

المعازف الأموية كما تظهر في جداريات قصير عمرة ببادية الأردن
المعازف الأموية كما تظهر في جداريات قصير عمرة ببادية الأردن

شاع الغناء في العصر الأموي، وشاع معه العزف على الآلات الوترية والآلات الهوائية الخشبية، ورافق هذه الآلات الطبل والدف لتمييز الإيقاع، فتطوّر هذا الفن، وشكّل تقليداً تعدّدت طبقاته ومدارسه، وانتشرت مجالسه في الحجاز والشام والعراق. رصد أبو الفرج الأصفهاني أخبار هذه المجالس في البلاط الأموي، واستفاض في نقل أخبار مشاهيرها في موسوعة «الأغاني». في المقابل، يتردد صدى هذه الجلسات بين أطلال القصور التي شيّدها حكام بني أمية وزينوها بالصور والتماثيل، وأبرزها قصير عمرة في بادية الأردن، حيث نقع على لوحات جدارية تمثّل أصنافاً من العازفين.

نقل ابن عبد ربه الأندلسي في «العقد الفريد» روايتين تشهدان لنشأة فن الغناء في مطلع العهد الأموي. تقول الأولى إن معاوية دخل على عبد الله بن جعفر بن أبي طالب، «فوجده مُفيقاً وعنده جارية في حِجرها عود»، فسأله: «ما هذا يا ابن جعفر؟»، فقال: «هذه جارية أروِّيها رقيق الشعر فتزيده حسناً بحسن نغمتها». حرَّكت الجارية عودها وغنَّت، فحرَّك معاويةُ رجلَه، فسأله ابن جعفر: «لم حركت رجلك يا أمير المؤمنين؟»، فردّ: «كلُّ كريم طَروب». الرواية الثانية طويلة، وتتألف من فصلين. في الأول، نزل معاوية المدينة ومرّ بدار عبد الله بن جعفر، «فسمع عنده غناءً على أوتار»، فأصغى ثم مضى وهو يقول: «أستغفر الله». وفي آخر الليل، مر بداره أيضاً، «فإذا عبد الله قائم يصلي، فوقف ليستمع قراءته، فقال: الحمد لله». وأضاف: «خلطوا عملاً صالحاً وآخر سيئاً عسى الله أن يتوب عليهم». بلغ ابن جعفر ذلك، فأعد له طعاماً، وأحضر ابن صياد المغني، وقال له: «إذا رأيت معاوية واضعاً يده في الطعام فحرّك أوتارك وغنّ». أعجب معاوية بأداء المغنّي وراح «يضرب برجله الأرض طرباً»، فسأله مضيفه: «يا أمير المؤمنين، إنما هو مختار الشعر يركب عليه مختار الألحان، فهل ترى به بأساً؟»، فأجابه الخليفة: «لا بأس بحكمة الشعر مع حكمة الألحان».

في الفصل الثاني من هذه الحكاية، زار ابن جعفر معاوية بالشام، وسمعت زوجة الخليفة فاختة ذات ليلة غناءً عند الزائر، فغاظها ذلك. استمع الخليفة إلى هذا الغناء، وأطربه ما سمعه، وقال: «والله إني لأسمع شيئاً تكاد الجبال تخر له، وما أظنه إلا من تلقين الجن». وفي آخر الليل، سمع قراءة عبد الله وهو قائم يصلي، فقال لزوجته: «اسمعي مكان ما أسمعتني، هؤلاء قومي، ملوك بالنهار، رهبان بالليل».

في موسوعة «الأغاني»، سجّل أبو الفرج الأصفهاني جلسات الغناء والطرب في البلاط الأموي، ورصد طبقات المغنين، ومنهم ابن محرز، الذي «شخص إلى فارس فتعلم ألحان الفرس وأخذ غناءهم، ثم صار إلى الشام فتعلم ألحان الروم وأخذ غناءهم، فأسقط من ذلك ما لا يستحسن من نغم الفريقين، وأخذ محاسنها فمزج بعضها ببعض وألف منها الأغاني التي صنعها في أشعار العرب، فأتى بما لم يُسمع مثله». ارتبط هذا الغناء في بداياته بعزف اقتصر على الأوتار، وتطوّر سريعاً مع دخول الآلات الهوائية الخشبية، والآلات الإيقاعية المتمثّلة بالدفوف وغيرها مما يُضرب. وضع يوسف الكاتب أول المؤلفات العربية الخاصة بهذا الفن، وهي «كتاب الغناء» و«كتاب القيان»، ومفرد القيان قَيْنة، ومعناها «الأمَة، سواء غنّت أم لم تغنّ، ثم غلب على المغنية منهنّ»، كما جاء في «لسان العرب».

عُرفت مجالس الغناء بالمعازف، ويحوي ميراث الفن الأموي التصويري مجموعة من الشواهد تشكّل تعبيراً تشكيلياً معاصراً لهذا التقليد، أبرزها تلك التي تحضر ضمن جداريات قصير عمرة في بادية الأردن. ينفتح هذا الموقع على قاعة كبيرة تتكون من ثلاثة إيوانات، ونجد لوحة جماعية تمثّل ثلاثة عازفين، تحتل الطرف الشرقي من أعلى الجدار الشمالي في الإيوان الأوسط. تبرز في الوسط قامة تغلب عليها المعالم الأنثوية، تحضر في وضعية نصف جانبية وهي تنفخ بمزمار طويل تمسكه بيديها، في حركة حية تُظهر حركة الأصابع في هذا العزف. الوجه بيضاوي، وملامحه محدّدة، وقوامها عينان لوزيتان واسعتان، وأنف طويل بارز، وثغر صغير. تكلل هذا الوجه كتلة كثيفة من الشعر الأسود تنعقد من حوله على شكل هالة، وتخفي الأذنين. اللباس جبة فضفاضة، تزيّنها شبكة من النقوش المتنوعة، مع حزام عريض ينعقد حول الخاصرة.

يقف عن يمين هذه القامة شخص ذو ملامح مشابهة، يمسك بين ذراعيه دفاً مستطيلاً، يضرب عليه بكف يده اليمنى. إلى جانب هذين العازفين، يحضر عن جهة اليسار عازف ثالث امحت قامته، وبقي منها يد تمسك بصنج دائري عريض. في الجهة المعاكسة، تظهر امرأة في وضعية المواجهة وهي ترفع ذراعيها نحو الأعلى فوق هامة رأسها تحت أغصان مورقة تمتدّ من خلفها. ترتدي هذه المرأة جبة زرقاء، مع حزام معقود حول الخصر، ويوحي حضورها في هذا المشهد الجماعي بأنها قَيْنة تغني، أو جارية ترقص على أنغام هذه الفرقة الموسيقية الثلاثية.

يحدّ الإيوان الأوسط عقدان مقوسان يرتفعان فوق عواميد تفصل بينه وبين الإيوان الغربي والإيوان الشرقي. يظهر عازف عود على ظهر العقد الغربي من جهة الشرق، في لوحة استعادت بريقها الأصلي بفضل عملية الترميم التي شملتها أخيراً. يظهر هذا العازف جالساً في وضعية المواجهة وسط مساحة مستطيلة زرقاء، حاضناً عوده بين ذراعيه. ملامح الوجه واضحة، وتتميّز بشارب عريض ولحية ترتسم حول الذقن. اللباس مزين بشبكة من المكعبات، تعلوها خطوط متقاطعة متجانسة، وقوامه جبّة فضفاضة، يعلوها وشاح يلتف حول الكتفين. يمسك العازف مقبض عوده بيد، ويضرب على أوتاره باليد الأخرى، وهذه الأوتار أربعة، ويحدها هلالان معاكسان يزينان سطح هذا العود.

نقع على عازف آخر يحضر واقفاً على ظهر العقد الغربي من جهة الشرق، وصورته تبدو ضبابية في انتظار عملية تنقية تعيد لها بريقها. يجلس هذا العازف كذلك وسط فضاء أزرق، حانياً رأسه في اتجاه اليمين، حاضناً آلة وترية تبدو أشبه بقيثارة كما يظهر في الرسم التوثيقي، والأرجح أنها طنبور، كما يوحي مقبض عنقها الطويل. في المقابل نقع على عازف مزمار يقف في إطار مماثل يحتل الجهة الشمالية من ظهر هذا العقد. يظهر هذا العازف في وضعية نصف جانبية، مرتدياً جبة قصيرة، رافعاً مزماره بيديه نحو فمه، ويُظهر الرسم التوثيقي حرص المصوّر على إظهار حركة أصابعه في العزف.

تكتمل هذه المجموعة مع ثلاث صور تحضر ضمن شبكة تزين قاعة صغيرة في الإيوان الأوسط تتصل بقاعة الحمّام. تشكّل هذه الصور جزءاً من حلّة مستقلّة تجمع بين مشاهد آدمية ومشاهد حيوانية، وتستحق دراسة متأنيّة مستقلّة.


رواية «الثوب» لطالب الرفاعي بالفرنسية

رواية «الثوب» لطالب الرفاعي بالفرنسية
TT

رواية «الثوب» لطالب الرفاعي بالفرنسية

رواية «الثوب» لطالب الرفاعي بالفرنسية

صدرت خلال الأيام القليلة الماضية عن دار «أكت سود - ACTES SUD» الفرنسية، المعروفة باهتمامها بنشر الأدب العربي الحديث، ترجمة لرواية «الثوب» للأديب الكويتي طالب الرفاعي، التي أنجزها المترجم الفرنسي الدكتور لوك باربلسكو/Loic Barbulsco بعنوان «الرواية المستحيلة للفاضل السيد ك» (L’Impossible roman de l’honorable monsieur K).

صدرت رواية «الثوب» بطبعتها العربية عن «دار المدى» عام 2009.

وتعتمد الرواية تكنيك «التخييل الذاتي»، حيث يحضر الكاتب في أعماله الروائية باسمه الصريح وبسيرته الذاتية الحقيقية، مع عائلته وأصدقائه ومكان عمله، وحيثيات عيشه.

تتناول الرواية الجديدة التجربة التي عايشها المؤلف في كتابة السيرة الذاتية لأحد الأغنياء، وكيف تنكشف التجربة على فكرة تسليع الأدب وبيع جهد الكاتب للمليونير المشتري، وبروز سؤال الرواية الأهم: هل يمكن للمال شراء الإبداع الإنساني؟

الاتفاق الذي يُعقد بين الكاتب والمليونير يأتي عبر المرور على السيرة الذاتية الحقيقية للرفاعي، بموقفه من الاتفاق، وموقف المحيطين به من أفراد أسرته بأسمائهم الحقيقية، وكذلك موقف الروائي الراحل إسماعيل فهد إسماعيل، والمحامي الراحل محمد مساعد الصالح وغيرهما. ويكتب المؤلف أحداث الرواية بوصفه إحدى شخصياتها الروائية إلى جانب كونه المؤلف، وبما يقدّم مستوى ثانياً للنص، كون حبكة الرواية تقوم على كتابة الرواية داخل الرواية، وبذلك يكون القارئ شريكاً حاضراً في النص، وهو النهج نفسه الذي اتبعه الرفاعي في أعماله منذ صدور روايته الأولى «ظل الشمس» عام 1998، و«سمر كلمات»، و«الثوب»، و«في الهُنا»، ومجموعته القصصية «الدكتور نازل».

وسبق للدار نفسها «أكت سود» أن نشرت ترجمات لروايات الرفاعي، منها رواية «في الهُنا»، و«ظل الشمس»، و«النجدي»، و«حابي»، و«خطف الحبيب».

وحصل طالب الرفاعي على وسام الآداب والفنون برتبة فارس من الجمهورية الفرنسية عام 2022.