«داعش» استغل المتطرفين المحليين في ليبيا لاختراق حدود مصر الغربية

(«الشرق الأوسط») تنشر تفاصيل محاولات التنظيم المتطرف لاستمالة القبائل

القوات المسلحة المصرية تقضي على محاولة تسلل من الصحراء الغربية إلى داخل البلاد (صورة من صفحة المتحدث العسكري المصري) .. وفي الإطار أبو خالد (صورة خاصة لـ«الشرق الأوسط»)
القوات المسلحة المصرية تقضي على محاولة تسلل من الصحراء الغربية إلى داخل البلاد (صورة من صفحة المتحدث العسكري المصري) .. وفي الإطار أبو خالد (صورة خاصة لـ«الشرق الأوسط»)
TT

«داعش» استغل المتطرفين المحليين في ليبيا لاختراق حدود مصر الغربية

القوات المسلحة المصرية تقضي على محاولة تسلل من الصحراء الغربية إلى داخل البلاد (صورة من صفحة المتحدث العسكري المصري) .. وفي الإطار أبو خالد (صورة خاصة لـ«الشرق الأوسط»)
القوات المسلحة المصرية تقضي على محاولة تسلل من الصحراء الغربية إلى داخل البلاد (صورة من صفحة المتحدث العسكري المصري) .. وفي الإطار أبو خالد (صورة خاصة لـ«الشرق الأوسط»)

راهن تنظيم داعش في ليبيا على قيادات وسطى تنتمي إلى مدن مصرية مجاورة للحدود، من أجل وضع أقدامه على الصحراء الغربية لنهر النيل، لكن هذه المحاولات لم تنجح حتى الآن لعدة أسباب من بينها فشل التنظيم في استمالة القبائل الحدودية المصرية، رغم التحاق عدد من أبنائها بـ«داعش» في درنة وسرت وبنغازي. ويسود شعور بـ«العار» بين قبائل الصحراء المصرية التي يُقتل لها أبناء يحاربون مع «داعش» داخل ليبيا، لدرجة رفضها إقامة سرادق عزاء أو تسلم جثث القتلى.
ووفقا لمعلومات من مصادر أمنية ليبية ومصرية، فإن عدد القيادات الوسطى المعروفة من أبناء المنطقة الغربية بمصر يبلغ نحو 16 رجلا، تتراوح أعمارهم بين 23 سنة و30 سنة، إضافة لمئات آخرين من المقاتلين من أصول تعود للمنطقة نفسها. ومن أشهر من ينشطون في درنة قيادي يدعى جويدة شريف، وأسرته من مدينة براني التي تبعد نحو 100 كيلومتر فقط عن الحدود الليبية، وهذا الرجل في العقد الثالث من العمر.
وتضيف المصادر أن تنظيم داعش ليبيا بزعمائه من الليبيين والمصريين والأجانب، حاول التركيز على كل من ينتمي للمدن المصرية المجاورة ليبيا، لمد نشاطه إلى داخل مصر عبر حدودها الغربية، لكنه وجد عقبات كثيرة منها رفض القبائل المصرية لفكر «داعش»، ويقظة الجيش المصري والسلطات الأمنية على الحدود مع ليبيا.
ويقدر عدد زعماء «داعش» ليبيا من المصريين الكبار بنحو تسعة، وهم من محافظات حضرية منها القاهرة والإسكندرية والغربية، وليست لديهم خبرة كبيرة بالصحراء. وكان بعضهم يعمل في الخدمة النظامية بمصر قبل تقاعده وسفره لليبيا، منذ عام 2013. ويشرف هؤلاء على عمليات التدريب والتوجيه لتنشيط العناصر الداعشية التي تعود أصولها إلى مدن مرسى مطروح والضبعة وبراني ورأس الحكمة، للدفع بهم لعبور الصحراء والإعلان عن وجود التنظيم في غرب مصر.
وبحسب المصادر الأمنية فقد اضطر هؤلاء الزعماء لترك معاقل التنظيم في درنة وسرت على شواطئ ليبيا، واللجوء لمواقع صحراوية في الجنوب يسهل منها العبور إلى داخل الحدود المصرية الوعرة، حيث يوجد بين عناصر التنظيم في ليبيا، إضافة لأبناء القبائل الحدودية، مصريون آخرون من محافظات الصعيد (جنوب) والدلتا (شمال)، لكن الامتداد القبلي ووحدة اللهجة البدوية والخبرة في الدروب الصحراوية على جانبي الحدود المصرية الليبية، جعل الحظوة في أوساط دواعش ليبيا، لأبناء محافظة مطروح حتى لو لم يكونوا من أبناء القبائل.
وتسبب قتل الجيش الليبي للقيادي الداعشي المصري أبو خالد المطروحي، في أواخر شهر أغسطس (آب) الماضي، في تهور زعماء من الدواعش المصريين، وقيامهم بأكبر عملية لإعادة الانتشار والتمركز، بالانسحاب إلى الجنوب. وأدت هذه العملية لاستحداث ظاهرة جديدة يطلق عليها أحد مساعدي الفريق أول خليفة حفتر، قائد الجيش الليبي، اسم «التجمعات الوطنية للمتطرفين».
ويضيف أن هذا يعد تحولا غريبا يوضح الأزمة التي يمر بها التنظيم بعد تضييق الخناق عليه في ليبيا، لأن «فكرة التجمعات الوطنية للدواعش تتعارض مع الفكر الداعشي العابر للحدود»، مشيرا إلى أن الضربات التي وجهها الجيش الليبي لمعاقل التنظيم المتطرف في درنة وسرت وبنغازي، إضافة إلى الضربات المصرية لمن حاولوا التسلل إلى داخل البلاد من حدود ليبيا، جعل المجموعات المصرية تتلاقى في تجمع واحد تمكن من تأسيس موقع للتمركز والتدريب، تبلغ مساحته نحو 12 كيلومترا مربعا، ومجهز عسكريا، ويقع في الصحراء في جنوب بلدة إجدابيا، وتبعهم على هذا النهج عشرات من الموريتانيين الدواعش الذين اتخذوا لهم موقعا آخر في شكل بوابات ومخيمات غرب إجدابيا بنحو مائة كيلومتر، كما أخذت الظاهرة تنتشر بين دواعش ليبيا ذوي الأصول التونسية والجزائرية.
وتقول المصادر الأمنية المصرية إن إحدى بدايات العلاقة بين المتطرفين في ليبيا ومصر كانت من خلال رجل متشدد من محافظة مطروح، وهو مسجون في سجن أبو زعبل في شمال القاهرة في الوقت الحالي، اسمه محمد عبد السميع، وأن ضابطا مفصولا من الجيش المصري ومسجونا معه أيضا، يدعى الرائد طارق أبو العزم، تواصلا من داخل السجن، بعد القبض عليهما في قضيتين مختلفتين، مع تنظيم أنصار الشريعة في ليبيا، عبر وسطاء مصريين من أقارب عبد السميع، في 2013، وهو التنظيم الذي يتمركز في درنة وبنغازي وتحول قادته في 2014 إلى موالاة تنظيم داعش.
وتقترن أسماء الكثير من المتطرفين، سواء في ليبيا حيث «داعش» أو في سيناء حيث تنظيم أنصار بيت المقدس الموالي له، باسم «عزبة السلام» الفقيرة والواقعة جنوب محطة السكة الحديد في مدينة مرسى مطروح. وينتمي محمد عبد السميع وشقيقه شريف (23 عاما)، الذي فر إلى «داعش» ليبيا، لهذه العزبة التي تقع على مرتفع صخري من المدينة السياحية، وتفتقر للتخطيط والتنظيم، وكان الاثنان عل علاقة قوية مع رجل ثالث من عزبة السلام أيضا ظهر فيما بعد في شريط مصور لأنصار بيت المقدس وهو يعلن أنه سيقوم بعملية انتحارية ضد قوات الجيش والشرطة في سيناء.
ويكشف أحد المصادر التي لها علاقة بحلقة المتشددين، أن منفذ عملية سيناء المشار إليها «لم يكن من أبناء قبائل مطروح ولكنه من الوافدين إليها من إحدى المحافظات المصرية الأخرى، وكان متزوجا في عزبة السلام وله أطفال، واليوم بيته خرب». لكن هذه الواقعة وهذا التشابك بين من انتقلوا من مرسى مطروح إلى سيناء أو ليبيا، يوضح إلى أي حد يوجد تواصل بين المتطرفين عبر المناطق الملتهبة في البلدين.
وفي الشهور الأخيرة رصدت أجهزة الأمن المصرية محاولات لما أصبح يعرف بـ«ولاية سيناء» المكونة أساسا من تنظيمات متطرفة، من بينها «أنصار بيت المقدس» لتنفيذ عمليات في الصحراء الغربية. واشتبكت القوات المصرية الأسبوع الماضي مع عناصر «إرهابية» مسلحة في تلك المنطقة. وتضيف المصادر أن غالبية المتطرفين الذين فروا من محافظة مطروح قاموا بذلك في أعقاب فض السلطات المصرية لاعتصام أنصار الرئيس المصري الأسبق محمد مرسي، في القاهرة، والمعروف باسم اعتصام «رابعة العدوية».
ولجأ الكثير من المتشددين المطاردِين من السلطات، من أبناء محافظات الصعيد والدلتا لمطروح أيضا، ومنها توجهوا إلى ليبيا عن طريق متطرفين آخرين من أبناء المحافظة، من بينهم رجل يدعى عبد الله يبلغ من العمر نحو 24 عاما من عزبة السلام أيضا. ويشرف منزل أسرة عبد الله على شارع المحطة عند «مزلقان المغاربة» وهي منطقة يكثر فيها الموظفون الصغار والعمال المهاجرون من المحافظات الأخرى.
ويقول أحد أصدقائه إن عبد الله سافر إلى ليبيا منذ نحو سنة، بعد أن قام بتكفير والده. وأصبح «داعشيا»، ويعتقد أنه شارك في ذبح المصريين المسيحيين الـ21 في سرت مطلع هذا العام. ووفقا لمصادر متعددة ممن لهم علاقة بمتابعة التنظيم المتطرف، فإن عبد الله ما زال على قيد الحياة، وتوجه مع مجموعات المصريين الدواعش للتمركز في المعسكر الجديد جنوب إجدابيا، في إطار توجهات التنظيم لدخول مصر من الغرب.
وتضيف المصادر أن عبد الله «نحيل الجسد وطويل القامة، ويميل لونه إلى الاصفرار، وهو ملتح، لكنه كان حليقا وكان يدخن السجائر قبل سفره لليبيا. وهو مطلوب في مصر، مع داعشي آخر من مطروح أيضا يدعى محمود، في قضية بشأن تعليق ملصقات للتنظيم المتطرف على أسوار الساحة الشعبية وعلى مدخل مدينة مرسى مطروح في بداية عام 2014. ومنذ ذلك الوقت فر هو وزميله إلى ليبيا».
وتعود أصول والد عبد الله إلى مدينة أبو حمص الواقعة إلى الشرق قليلا من محافظة الإسكندرية، وهاجر إلى مرسى مطروح في مطلع ثمانينات القرن الماضي، للعمل معلما في المدارس لمادة الرياضيات. والوالد كان داعية أيضا ويخطب على منابر المساجد، وحكم عليه أخيرا بالسجن على يد القضاء لإدانته في الاشتراك في حرق مبان حكومية في 2013.
وتقول مصادر أخرى مقربة من أسرته إن عبد الله، المحترف في برامج الحواسب الآلية، وخريج جامعة الأزهر (متخصص في أصول الدين) كان على خلاف مع نهج والده الديني ثم قاطعه تماما وجاهر بتكفيره وانضم بعدها إلى «داعش» في ليبيا، ويعد من أبرز القيادات الوسطى في التنظيم المتطرف ممن يحاولون الدخول إلى مصر وتنفيذ عمليات داخلها.
وفي رده على أسئلة: «الشرق الأوسط» أكد أحد أقاربه أن «عبد الله متزوج وزوجته في مرسى مطروح، ووالده لا يعلم عنه شيئا، لأن العلاقة بينهما مقطوعة، وهو يقوم في بعض الأحيان بالاتصال من ليبيا بشقيقيه اللذين ينصحانه بالكف عن الطريق الذي يسير فيه. إنه يسيء لنا ولا نريده».
محمود، زميل عبد الله في قضية تعليق الملصقات في مرسى مطروح، والذي فر معه إلى «داعش» ليبيا، ينتمي إلى أسرة من أصول قبلية في المدينة نفسها، وبالتحديد في منطقة «السواني» في ضاحية «علم الروم» في شرق المدينة، ويبلغ من العمر 26 سنة تقريبا، وهو خريج المعهد الفني (تعليم متوسط)، وتمكن «داعش» ليبيا من الدفع به إلى دخول مصر عدة مرات متسللا عبر الحدود «في مهام استكشافية»، كما يقول مصدر أمني في مرسى مطروح، مشيرا إلى أن محمود من الشخصيات الداعشية التي لديها القدرة على التخفي والتسلل عبر الدروب الصعبة، حيث اقتفت السلطات آثاره أكثر من مرة للقبض عليه حين دخل المدينة خلسة في الصيف.
ويقول أحد أصدقائه السابقين إن محمود «قصير القامة، وأشقر، ونحيف، وقام قبل سفره لليبيا بتكفير أسرته، وهي أسرة معروف أن لها علاقات تعاون جيدة، منذ زمن طويل، مع السلطات الأمنية على الحدود المصرية الليبية». وبحسب معلومات من مصادر كانت على علاقة بتتبع تحركات المصريين الدواعش بين جانبي الحدود، فإن تنظيم داعش ليبيا خطط، عن طريق عبد الله ومحمود، لاستهداف موقعين في مرسى مطروح في أواخر نوفمبر (تشرين الثاني) عام 2014.. الموقع الأول هو مركز النيل للإعلام، والثاني هو مسجد التنعيم القريبان من شاطئ البحر.
وكانت قيادات دينية من محافظات مصرية تنظم ندوة لرفض فكر «داعش» في مركز النيل الذي يقع خلف مبنى ديوان محافظة مطروح المحصن والمحاط بالمدرعات والأسلاك الشائكة. وكان خط سير نفس القيادات الدينية يتضمن أداء الصلاة في مسجد التنعيم المجاور. كان من بين هذه القيادات مشايخ الدعوة السلفية، الدكتور ياسر برهامي، والشيخ شريف الهواري والشيخ شريف طه. وتسببت الإجراءات الأمنية الصارمة في عدم تمكن «داعش» من تنفيذ العملية.
ويقول مصدر كان على علاقة بعناصر «داعشية» تعود أصولها للمدينة نفسها إن خطة الاستهداف الفاشلة جرت أثناء وجود محمود في مرسى مطروح، وكان الهدف منها «الإعلان عن وجود داعش داخل الصحراء الغربية».
كما سعى «داعش»، وبحسب معلومات أمنية حصلت عليها «الشرق الأوسط»، لتأسيس مركز لها قرب واحة سيوة التي تقع في عمق الصحراء جنوب مدينة مرسى مطروح بنحو 300 كيلومتر، وإلى الشرق من واحة جغبوب الليبية بنحو 60 كيلومترا. وتعد هذه المنطقة الحدودية من المناطق الهشة أمنيا، وشن فيها الطيران المصري في الأيام القليلة الماضية هجمات على قوافل للمتطرفين.
كما نفذت العناصر المتشددة في هذه المنطقة، منذ صيف العام الماضي، عمليات خاطفة على طريق الواحات جنوب سيوة، وعلى الطريق الساحلي الإسكندرية - مطروح، منها قتل 16 من قوات الجيش، وتصفية ثلاثة من رجال الشرطة، وقتل اثنين من الأجانب العاملين في البترول، أحدهما أميركي والثاني كرواتي، وذبح مصري من أبناء الصحراء لاتهامه بالتعاون مع السلطات الأمنية. ويسود اعتقاد وسط المحققين المصريين أن النشاط المتطرف الذي يظهر بين حين وآخر في الصحراء الغربية، ما زال مصدره الأساسي دواعش فارين من عمليات الجيش في سيناء.
ويقول المتحدث العسكري المصري، العميد محمد سمير، على صفحة الجيش على «فيسبوك»، بشأن العملية التي قامت بها القوات المسلحة والشرطة المدنية ضد المتطرفين في الصحراء الغربية قبل عيد الأضحى بثلاثة أيام، إنه جرى استهداف بؤرة إرهابية ومنعها من تنفيذ مخططاتها للتسلل وارتكاب عمليات إرهابية وإجرامية ضد الأهداف الحيوية والمصالح الأجنبية داخل نطاق محافظات الجمهورية خلال العيد، وأن الحملة أسفرت عن قتل عشرة من العناصر الإرهابية، وتدمير ثلاث سيارات دفع رباعي مسلحة ومخزن يحتوي على كمية كبيرة من الأسلحة والذخائر والمتفجرات، وبرميلين من المواد الناسفة.
المعلومات الخاصة بطمع «داعش» ليبيا في سيوة والمناطق الغربية، أكدها أيضا أحد شيوخ محافظة مطروح ممن كان يحتفظ بعلاقات مع عناصر من «داعش» في سجن أبو زعبل أثناء فترة اعتقاله، مشيرا إلى أن دواعش ليبيا حاولوا الاستعانة بعناصر تنتمي للتنظيم ومن أبناء الصحراء الغربية، للبحث عن سماسرة مصريين للاتفاق معهم بغرض تسويق النفط الليبي وبيعه في السوق السوداء.
ويضيف هذا الشيخ الذي التقى أيضا خلال اعتقاله في أبو زعبل مع محمد عبد السميع، والرائد أبو العزم، أن محمود، ابن منطقة علم الروم، كان من بين من أرسلهم «داعش» لاستطلاع الأوضاع في سيوة وفي مرسى مطروح ومحاولة فتح أبواب جديدة للتواصل مع متطرفي سيناء، إضافة للبحث عن سماسرة لبيع النفط الليبي الخام وسط رجال أعمال من محافظات مطروح والقاهرة والفيوم. وتزامنت تحركات «داعش» ليبيا في الصحراء الغربية والتي جرى وأدها سريعا، مع بيان أصدره دواعش سيناء بأنهم بصدد مد تواجدهم إلى مناطق غرب البلاد.
إلا أن الشيخ نفسه يضيف قائلا إن هناك ملاحظة مهمة اكتشفها من خلال فترة تواصله مع عناصر «داعش» المصريين، وهي أنه لا يوجد لديهم إدراك لطبيعة الأوضاع الجديدة التي أصبحت عليها مصر، وما زال لديهم اعتقاد بأن البلاد في حالة فوضى أمنية كما كان الحال حين فروا من البلاد إلى ليبيا عقب عزل مرسي.
ويزيد قائلا إن الصحراء الغربية لا توجد فيها حاضنة شعبية للدواعش، ولهذا فإن من يقتل من أبناء القبائل أثناء حرب «داعش» مع الجيش الليبي، لا تقيم له قبيلته مراسم العزاء بل ترفض تسلم جثمانه من الجانب الليبي، كما أنها لا تخطر السلطات المصرية عن الواقعة، ولا تقوم حتى باستخراج شهادة وفاة له، مشيرا إلى أن الكثير من القبائل التي يلتحق أحد أبنائها بداعش، تشعر بـ«العار»، خاصة أن بعض القبائل لديها امتداد في ليبيا، وبعض أبنائها يحملون الجنسية الليبية ويحاربون الدواعش مع الجيش الوطني الليبي. وفي كثير من الأحيان يرفع أبناء القبيلة الواحدة السلاح في وجه بعضهم بعضا، كما يحدث في درنة.
وحين وصلت «الشرق الأوسط» إلى منزل الداعشي أبو خالد، لم يكن والده موجودا، وخرج مجموعة من أشقائه الأطفال لاستطلاع الأمر، بينما أجابت إحدى سيدات الدار من خلف الباب قائلة إنه لا يوجد لديها أبناء في ليبيا وإن علينا أن ننصرف من هنا. وقبل التحاقه بداعش ليبيا، كان أبو خالد، الذي يبلغ من العمر نحو 25 عاما، يعمل في محافظة مطروح مع شركات مقاولات على معدات حفر (سائق لوادر وأوناش)، وهو غير متزوج، ويبدو، وفقا لأقاربه، أن الأمور المالية لم تكن تسير معه على ما يرام، على الأقل فيما يتعلق بتحقيق الأحلام البسيطة مثل الزواج وتأسيس أسرة جديدة.
وتقول شهادات حصلت عليها «الشرق الأوسط» من أقارب لأبو خالد، إنه حاول قبل مقتله تجنيد أبناء عمومته، عن طريق التحدث معهم عبر صفحات التواصل الاجتماعي على الإنترنت، لكن محاولاته باءت بالفشل. ويبدو أن أبو خالد كان يعتقد أنه سيتمكن من حشد مئات الشباب، وأنه سيأتي يوم لكي يفتتح المدينة لـ«داعش». ويقول ابن عم له إنه كان مصابا بالإحباط ونفاد الصبر في آخر مرة تحدث فيها معه. ويضيف: سألته.. لماذا نتقاتل؟ لا يوجد مبرر للقتل. كل شيء إلا القتل.
نفاد الصبر من أي فرصة لتحقيق نجاحات ذات شأن داخل ليبيا، والفشل في العبور إلى مصر، أصاب الكثير من القيادات الوسطى والزعامات الكبيرة لـ«داعش» بالارتباك. ويقول مصدر عسكري ليبي: يتحركون بجرأة. هذا جنون. يمكن قصفهم بالطيران بكل سهولة في وديان درنة وإجدابيا والهلال النفطي، لكن ليست لدينا قدرة معتبرة على ذلك بسبب ضعف إمكانات الجيش.
جويدة شريف الداعشي ابن مدينة براني، المقيم في درنة، له شقيق قيادي في مجلس شورى الثوار، في نفس المدينة، اسمه فتح الله، ومن المعروف أن «داعش» ومجلس الشورى يتقاتلان بضراوة منذ أشهر على بسط النفوذ في المدينة. وتقول أحدث المعلومات الواردة من درنة إن أحد الشقيقين، فتح الله، جرى اغتياله من مجموعة الشقيق الآخر، حيث تتكتم أسرته في براني، مثل أسرة أبو خالد، وغالبية أسر المتطرفين المصريين الذين يقاتلون في ليبيا، على الموضوع برمته.
ويقول أحد أقارب فتح الله في مدينة براني إنه «اغتيل منذ أسبوع في درنة على يد الدواعش الذين ينتمي إليهم شقيقه جويدة. كل منهما كان ضد الآخر. ولهم شقيق ثالث اسمه عوض وهو تاجر ترك درنة بسبب الاقتتال الدائر فيها، ولا علاقة له بالتنظيمات المتطرفة». ويضيف أن الدواعش المصريين في درنة كانوا يشعرون بهزيمة التنظيم في المدينة، ولهذا كانوا يردون بنيران كثيفة ويدمرون كل شيء، ثم بدأوا يفرون إلى باقي الدواعش المصريين في الجنوب.
ولم تنصب أسرة فتح الله في براني سرادق العزاء. وهكذا فعلت أسرة أبو خالد التي رفضت أصلا تسلم جثمان ابنها بعد مقتله على يد الجيش الليبي في منطقة هراوة قرب سرت. ويوجد منزل أسرة أبو خالد في قرية صحراوية صغيرة اسمها «كشوك عميرة» وهي تتكون من عشرات المنازل المبعثرة، وتقع إلى الشرق من مدينة مرسى مطروح بنحو 55 كيلومترا، وفيها مسجد يحمل نفس اسم القرية، كان يتردد عليه أبو خالد قبل اعتناقه للفكر المتطرف وسفره في يونيو (حزيران) الماضي للالتحاق بالدواعش في ليبيا.
وفي مقابلة مع ابن عم للقيادي أبو خالد، أكد مقتله في المعركة الكبيرة التي وقعت بين الجيش والدواعش في سرت الشهر الماضي.. «في البداية كان هجوم الجيش على سرت، وبعدها تقدم داعش إلى هرواة، وكان أبو خالد في المقدمة. الهدف كان مباغتة الجيش، وتخفيف الضغط على المقاتلين الآخرين الذين كانوا متحصنين داخل مطار القرضابية في سرت».
لكن أبو خالد قتل، وتسلم الجيش الليبي جثمانه، وطلب من والده، ويدعى عبد المالك، ثم من عمه، واسمه عبد الله، القدوم من مصر إلى ليبيا لتسلم جثته، لكن ابن عمه يقول إن الأسرة شعرت بالعار وحاولت إخفاء الأمر عن القبائل الأخرى، وخافت من المساءلة من جانب السلطات في ليبيا أو في مصر، ورفضت تسلم الجثة التي جرى دفنها بمعرفة الجيش الليبي هناك.



دعم أوروبي متجدد للحكومة اليمنية من عدن

رئيس الحكومة اليمنية شائع الزنداني يلقي كلمته في حفل «يوم أوروبا» (سبأ)
رئيس الحكومة اليمنية شائع الزنداني يلقي كلمته في حفل «يوم أوروبا» (سبأ)
TT

دعم أوروبي متجدد للحكومة اليمنية من عدن

رئيس الحكومة اليمنية شائع الزنداني يلقي كلمته في حفل «يوم أوروبا» (سبأ)
رئيس الحكومة اليمنية شائع الزنداني يلقي كلمته في حفل «يوم أوروبا» (سبأ)

حمل احتفال بعثة الاتحاد الأوروبي لدى اليمن بـ«يوم أوروبا» في العاصمة المؤقتة عدن رسائل سياسية وإنسانية تتجاوز الطابع البروتوكولي، في أول فعالية من نوعها تُقام داخل اليمن منذ أكثر من 12 عاماً، وسط تأكيد أوروبي متجدد على دعم الحكومة اليمنية المعترف بها دولياً، وتعزيز مسارات الاستقرار والإصلاح، بالتزامن مع تحركات أممية ودولية لدعم قطاعات الحقوق والمياه وحماية الإرث التاريخي.

وشارك رئيس الوزراء وزير الخارجية اليمني، شائع الزنداني، في الاحتفال الذي نظمته بعثة الاتحاد الأوروبي بحضور رسمي ودبلوماسي واسع، مؤكداً أن اختيار عدن لاستضافة المناسبة في هذا التوقيت يحمل «دلالات سياسية مهمة»، خصوصاً بعد حوادث الاغتيال التي شهدتها المدينة أخيراً، وفي مقدمها اغتيال القائم بأعمال المدير التنفيذي للصندوق الاجتماعي للتنمية، وسام قائد.

وقال الزنداني إن الحكومة تنظر بتقدير إلى الدعم السياسي والإنساني والتنموي الذي قدمه الاتحاد الأوروبي لليمن خلال سنوات الحرب، والذي تجاوز مليار يورو منذ اندلاع الصراع، مؤكداً أن الإرهاب والفوضى «لن ينجحا في تقويض حضور الدولة ومؤسساتها».

في المقابل، شدد رئيس بعثة الاتحاد الأوروبي لدى اليمن، السفير باتريك سيمونيه، على أن إقامة الاحتفال في عدن تمثل «رسالة دعم قوية» للحكومة اليمنية ورئيسها، في ظل ما وصفه بـ«الظروف البالغة الصعوبة» التي تواجهها البلاد.

رئيس الحكومة اليمنية وعدد من السفراء الأوروبيين خلال حفل «يوم أوروبا» في عدن (سبأ)

وأدان السفير الأوروبي جريمة اغتيال وسام قائد، معتبراً أنها «عمل جبان ودنيء»، مؤكداً أن الحادثة لن تؤثر على استمرار دعم الاتحاد الأوروبي للحكومة اليمنية ومؤسساتها، بل ستزيد من الإصرار على مواصلة الشراكة مع اليمن.

ويأتي هذا الحضور الأوروبي المكثف في وقت تسعى فيه الحكومة اليمنية إلى حشد دعم دولي أوسع للانتقال من مرحلة الاستجابة الإنسانية إلى مرحلة التعافي الاقتصادي وإعادة بناء المؤسسات، مع التركيز على تشجيع الاستثمار وتمكين القطاع الخاص وخلق فرص العمل.

ويرى مراقبون أن إقامة فعالية أوروبية بهذا الحجم في عدن تعكس رغبة غربية في إظهار دعم واضح للسلطة الشرعية، وإبراز المدينة بعدّها مركزاً سياسياً وإدارياً قادراً على استضافة الفعاليات الدولية رغم التحديات الأمنية.

تحركات حقوقية

في سياق متصل، بحث وزير حقوق الإنسان اليمني، مشعل عمر، مع بعثة الاتحاد الأوروبي سبل تعزيز التعاون في مجال حقوق الإنسان ودعم الإصلاح المؤسسي وحماية الحقوق والحريات.

وأكد الوزير التزام الحكومة بالوفاء بالتزاماتها الوطنية والدولية رغم الظروف الراهنة، مشيراً إلى استمرار العمل على تعزيز سيادة القانون وتطوير أداء المؤسسات وتحسين أوضاع الحقوق والحريات.

واستعرض المسؤول اليمني أولويات الوزارة خلال المرحلة المقبلة، وفي مقدمها تطوير آليات الرصد والتوثيق، ورفع كفاءة المؤسسات المعنية بإنفاذ القانون، إضافة إلى معالجة ملف المختطفين والمخفيين قسرياً، الذي وصفه بأنه من أبرز الملفات الإنسانية التي تحظى بأولوية لدى الحكومة.

اجتماع يمني مع وفد الاتحاد الأوروبي بخصوص حقوق الإنسان (سبأ)

كما أشار إلى استمرار الجهود بالتنسيق مع مكتب النائب العام لإغلاق مراكز الاحتجاز غير الرسمية ومعالجة أوضاع المحتجزين.

من جانبه، رحب السفير الأوروبي بما وصفه بـ«الخطوات المبكرة والإيجابية»، خصوصاً الزيارات الميدانية لمراكز الاحتجاز والسجون، معتبراً أنها تعكس اهتماماً حكومياً بملف حقوق الإنسان، ومؤكداً رغبة الاتحاد الأوروبي في تعزيز التعاون مع الحكومة اليمنية في مجالات بناء القدرات ومواءمة القوانين الوطنية مع المعايير الدولية.

المياه والتراث

في سياق هذا الحراك، شهدت عدن لقاءات بين مسؤولين يمنيين ومنظمات دولية لبحث مشاريع المياه والبيئة وحماية المعالم التاريخية، في ظل تفاقم التحديات البيئية وشح الموارد المائية.

وبحث وزير المياه والبيئة توفيق الشرجبي مع ممثلة هيئة الإغاثة الدولية، دينا رفعت، مجالات التعاون المتعلقة بقطاعي المياه والصرف الصحي، بما يشمل إعداد الدراسات والتقييمات الخاصة بالاحتياجات العاجلة والمتوسطة والطويلة الأجل، إلى جانب مشاريع إدارة الأحواض المائية وحماية المناطق الساحلية.

وأكد الوزير اليمني حرص الحكومة على توسيع الشراكة مع المنظمات الدولية لتحسين خدمات المياه وتعزيز التنمية المستدامة، بينما شددت المنظمة الدولية على أهمية وجود شريك حكومي فاعل لدعم المشاريع البيئية ومواجهة التغيرات المناخية.

وزير المياه والبيئة في الحكومة اليمنية خلال اجتماع مع مسؤولين دوليين في عدن (سبأ)

وفي السياق ذاته، ناقش الشرجبي مع المدير الإقليمي لمنظمة «اليونسكو» لدول الخليج واليمن، صلاح خالد، أوضاع مشروع صهاريج عدن التاريخية، وما تعرضت له من تأثيرات نتيجة التوسع العمراني والبناء العشوائي، إضافة إلى مشروع تحلية المياه الممول من اليابان، والحاجة إلى تمويل إضافي لاستكماله.

كما استقبل رئيس الوزراء شائع الزنداني وفداً من «اليونسكو» اطّلع منه على المشاريع الجارية في مجالات التعليم والثقافة وترميم المدن التاريخية وبناء القدرات، وسط تأكيد حكومي على أهمية توسيع التعاون مع المنظمة الدولية لحماية الإرث الثقافي ودعم التعليم الفني والمهني، وفق ما أفاد به الإعلام الرسمي.


«الرئاسي اليمني» يشدد على الإصلاحات وملاحقة منفذي الاغتيالات

جانب من أحدث اجتماع لمجلس القيادة الرئاسي اليمني (سبأ)
جانب من أحدث اجتماع لمجلس القيادة الرئاسي اليمني (سبأ)
TT

«الرئاسي اليمني» يشدد على الإصلاحات وملاحقة منفذي الاغتيالات

جانب من أحدث اجتماع لمجلس القيادة الرئاسي اليمني (سبأ)
جانب من أحدث اجتماع لمجلس القيادة الرئاسي اليمني (سبأ)

شدد مجلس القيادة الرئاسي اليمني على مواصلة الإصلاحات الاقتصادية والخدمية، وملاحقة المتورطين في أعمال الاغتيال التي شهدتها العاصمة المؤقتة عدن، بالتوازي مع إدانته للاعتداءات الإيرانية المتجددة وتأكيده على أولوية إنهاء الانقلاب الحوثي واستعادة مؤسسات الدولة.

جاء ذلك خلال اجتماع ترأسه رئيس المجلس رشاد العليمي، وبحضور جميع أعضائه، حيث أكد أن الحكومة ماضية في تعزيز حضور مؤسسات الدولة وتحسين الأوضاع المعيشية والخدمات الأساسية، بالتوازي مع دعم الأجهزة الأمنية والعسكرية لمواجهة التحديات الأمنية المتصاعدة في المناطق المحررة.

واستعرض العليمي -حسب الإعلام الرسمي- أمام أعضاء المجلس نتائج زيارته الأخيرة إلى جيبوتي، ولقاءاته مع الرئيس الجيبوتي إسماعيل عمر جيله، والرئيس الصومالي حسن شيخ محمود، حيث ناقشت المباحثات تنسيق الجهود الأمنية في ظل تصاعد أنشطة التهريب والجريمة المنظمة وتحركات الجماعات المسلحة العابرة للحدود.

3 من أعضاء «الرئاسي اليمني» حضروا اجتماع المجلس عن بُعد (سبأ)

وحسب المناقشات، فإن التحركات اليمنية هدفت إلى إعادة تثبيت الحضور اليمني في معادلة أمن البحر الأحمر ومنطقة القرن الأفريقي، مع تصاعد المخاوف الدولية المرتبطة بأمن الملاحة الدولية في البحر الأحمر وخليج عدن.

وأشاد المجلس بنتائج الزيارة، معتبراً أنها عزّزت التنسيق الإقليمي لمواجهة التهديدات المشتركة، وفي مقدمتها حماية خطوط الملاحة الدولية، ومكافحة الإرهاب والتهريب والجريمة المنظمة.

كما ناقش الاجتماع نتائج اللقاء الحكومي المصغر مع محافظي المحافظات المحررة، ومستوى التقدم في مسارات الإصلاح المالي والإداري، وتعزيز الحوكمة والشفافية، وتنفيذ القرارات المتعلقة بتحسين الأداء المؤسسي والخدمي.

وأكد المجلس أهمية الشراكة الاستراتيجية مع السعودية، ودورها في دعم جهود الحكومة اليمنية على المستويات الاقتصادية والأمنية، إلى جانب التنسيق مع المانحين لتخفيف الضغوط الاقتصادية والإنسانية.

الأمن المحلي والإقليمي

في الملف الأمني، ناقش المجلس التطورات الأخيرة في عدن، خصوصاً سلسلة الاغتيالات التي شهدتها المدينة، التي قال إنها استهدفت إرباك المشهد الداخلي وضرب الثقة بالمؤسسات الوطنية والدولية.

وأثنى المجلس على أداء الأجهزة الأمنية في ملاحقة العناصر المتورطة وإحباط مخططات إرهابية، مشيراً إلى تحسن التنسيق بين مختلف الأجهزة عقب خطوات توحيد القرار العسكري والأمني بدعم سعودي.

وجدد المجلس التزام الدولة بمواصلة مكافحة الإرهاب وتأمين المرافق الحيوية وحماية العاملين في المجال الإغاثي والقطاع الخاص، مع تأكيد عدم إفلات المتورطين في أعمال العنف من العقاب.

وفي السياق ذاته، ربط المجلس بين التهديدات الأمنية الداخلية واستمرار ما وصفه بالدعم الإيراني للحوثيين، مؤكداً أن استعادة مؤسسات الدولة وإنهاء الانقلاب يمثّلان أولوية رئيسية للسلطات الشرعية.

وتناول الاجتماع أيضاً التطورات الإقليمية، بما في ذلك ما وصفه المجلس باستئناف إيران هجماتها العدائية على دول المنطقة، لافتاً إلى أن تلك التحركات تعكس استمرار سياسة طهران القائمة على زعزعة الاستقرار الإقليمي.

وجدد المجلس إدانته للهجمات والتهديدات الإيرانية التي استهدفت منشآت مدنية واقتصادية في كل من الكويت والإمارات العربية المتحدة والبحرين، لافتاً إلى أنها تمثّل انتهاكاً صارخاً للقانون الدولي وتهديداً مباشراً لأمن المنطقة والملاحة الدولية.

Your Premium trial has ended


تقرير دولي يرصد تصاعد تسليح الحوثيين النوعي

الحوثيون يحصلون على أنظمة صاروخية حديثة وليست من مخزونات قديمة (إعلام حكومي)
الحوثيون يحصلون على أنظمة صاروخية حديثة وليست من مخزونات قديمة (إعلام حكومي)
TT

تقرير دولي يرصد تصاعد تسليح الحوثيين النوعي

الحوثيون يحصلون على أنظمة صاروخية حديثة وليست من مخزونات قديمة (إعلام حكومي)
الحوثيون يحصلون على أنظمة صاروخية حديثة وليست من مخزونات قديمة (إعلام حكومي)

أكد مركز دولي متخصص في تتبُّع الأسلحة أثناء النزاعات أن الدعم الخارجي لا يزال عاملاً أساسياً في تطوير القدرات العسكرية للحوثيين، خصوصاً في مجال الصواريخ المتطورة والطائرات المسيّرة، مشيراً إلى أن الترسانة التي استولت عليها الجماعة، عقب اجتياح صنعاء في عام 2014، كانت في معظمها أنظمة قديمة تعود إلى الحقبة السوفياتية، ولا تفسر التطور الكبير الذي طرأ على قدراتها العسكرية، خلال السنوات الأخيرة.

وفي تقرير حديث له، ذكر مركز دراسة الأسلحة أثناء النزاعات أن التهديد الحوثي تطوَّر بسرعة، خلال السنوات العشر الماضية، إذ باتت ترسانة الجماعة تضم مجموعة من الصواريخ المتطورة والطائرات المُسيّرة القادرة على تهديد السفن والبنية التحتية الحيوية والمناطق المأهولة بالسكان في المنطقة.

وذكر المركز الدولي أن مُحققيه وثّقوا أكثر من 800 مكوّن لصواريخ وطائرات مُسيّرة ضُبطت في عمليات بحرية حديثة في البحر الأحمر، مشيراً إلى أن هذه المكونات توفر معلومات مهمة حول طبيعة أنظمة الأسلحة التقليدية المتطورة التي يمتلكونها.

الدعم الخارجي عامل أساسي في تطوير قدرات الحوثيين العسكرية (إعلام حكومي)

وأكد أن هذه المكونات في معظمها إلكترونيات مثل الهوائيات والمحركات وأنظمة الملاحة والمعالجات الدقيقة، وهي مواد تُعرَف بأنها «ثنائية الاستخدام»، إذ يمكن استخدامها في المنتجات المدنية والعسكرية على حد سواء، كما أن عدداً منها متاح تجارياً في الأسواق المفتوحة.

وفي تقريره قال المركز إن الأدلة التي توصَّل إليها تؤكد استمرار تزويد الحوثيين بمُعدات إيرانية المنشأ، موضحاً أن تحليل المكونات الموثَّقة أظهر اعتماد هذه الأنظمة على مكونات متعددة الأغراض. وأضاف أن القوات الحكومية المُرابطة في جنوب البحر الأحمر اعترضت، خلال العامين الماضيين، عدة شحنات أسلحة غير مشروعة كانت في طريقها إلى الحوثيين.

منظومات إيرانية

أوضح المركز الدولي أن فريق التحقيق التابع له عثر على كميات كبيرة من مكونات الصواريخ والأنظمة غير المأهولة، إضافة إلى مواد مرتبطة بالتدريب العسكري والأنشطة الاستخباراتية.

وأكد أنه عندما استولى الحوثيون على ترسانة الجيش اليمني في عام 2014 كانت معظم الصواريخ المضادة للسفن التي حصلوا عليها قديمة ومن الحقبة السوفياتية. إلا أن الفحوصات التي أجراها خبراء المركز على المكونات المضبوطة كشفت ارتباطها بما لا يقل عن 12 نظاماً للأسلحة الإيرانية، بينها عشرة أنواع من الصواريخ تشمل صواريخ مضادة للسفن، وأخرى أرض-جو، وصواريخ باليستية.

كما وثَّق المحققون مكونات مرتبطة بصواريخ إيرانية الصنع لم يسبق رصدها بحوزة الحوثيين، وجرى التعرف على هذه الأنظمة من خلال المُلصقات الموجودة على المكونات، والتي تحمل تسميات تستخدمها إيران، رغم أن الحوثيين لا يعلنون عنها رسمياً.

صاروخ إيراني حديث لم يعلَن عنه من قبل ضُبط وهو في طريقه إلى الحوثيين (إعلام حكومي)

وأشار التقرير إلى أن محللي الاستخبارات الأميركية سبق أن أكدوا تطابق خصائص صاروخ «بركان-3» الحوثي مع صاروخ «رضوان» الإيراني، بما في ذلك الحمولة والزعانف والخصائص الفنية الأخرى. ولفت إلى أن الحوثيين استخدموا هذا الصاروخ، لأول مرة عام 2019، في هجوم على السعودية، ثم في هجمات لاحقة استهدفت إسرائيل.

ومن بين المكونات التي وثّقها المركز أيضاً قِطع تحمل علامات تشير إلى استخدامها في أنظمة بحرية هجومية غير مأهولة أو طوربيدات، بينها مراوح بحرية ثنائية وثلاثية الشفرات.

وأكد أن الملصقات الموجودة على هذه المكونات تكشف مستوى عالياً من التنظيم في عمليات الإمداد، موضحاً أن هذه العلامات لم تُشاهَد في أي سياق آخر، ويُعتقد أنها تُستخدم لتسهيل عمليات التجميع داخل مناطق سيطرة الحوثيين.

ورأى المركز أن هذه المؤشرات تعكس اتساع وتنوع أنظمة الأسلحة المتاحة للجماعة، بما في ذلك أنظمة لم تعلن إيران عنها رسمياً حتى عام 2025، مثل صاروخ «قائم» أرض-جو، مشيراً إلى احتمال وجود أنظمة أخرى لم تُكشف بعد.

اعتماد على الإمداد الخارجي

خلص الباحثون التابعون للمركز إلى أن هذه المعطيات تدل على أن الحوثيين ما زالوا يعتمدون بصورة كبيرة على الدعم الخارجي، وأن قدرتهم على إنتاج هذه الأنظمة، بشكل مستقل، لا تزال محدودة، خصوصاً أن كثيراً من المكونات يبدو أنه يُرسَل على شكل «مجموعات جاهزة» للتجميع.

وأوضح التقرير أن المكونات التي جرى توثيقها تحمل علاماتٍ لشركات تقع في 16 دولة وإقليماً، بينها الصين والولايات المتحدة وروسيا وألمانيا وفرنسا واليابان وإيران، لافتاً إلى أن بعض هذه المكونات مُزيفة، في حين تعمل فِرق التحقيق على تتبُّع سلاسل التوريد الخاصة بها.

وأشار المركز إلى أن 5 في المائة فقط من المكونات الموثَّقة يمكن ربطها مباشرة بالإنتاج الإيراني، مؤكداً أن الصناعات العسكرية الإيرانية تعتمد، بدرجة كبيرة، على التكنولوجيا الأجنبية، وهو اتجاه سبق توثيقه في تحقيقات سابقة أجراها المركز.

12 نظاماً للأسلحة الإيرانية وصل للحوثيين بينها صواريخ مضادة للسفن وأخرى باليستية (إعلام حكومي)

وبيّن التقرير أن معظم المكونات التي أمكن تحديد تاريخ إنتاجها صُنعت بعد عام 2020، في حين أُنتج جزء كبير منها خلال عاميْ 2023 و2024، ما يشير إلى أن الحوثيين يحصلون على أنظمة حديثة وليست من مخزونات قديمة.

ووفق هذه البيانات، فإن غالبية المكونات المستخدمة في الصواريخ والطائرات المسيّرة الحوثية تندرج ضمن قائمة «المكونات ذات الأولوية القصوى»، وهي قائمة أعدّتها دول مجموعة السبع والاتحاد الأوروبي لمراقبة المواد الحساسة المستخدمة في تطوير الأسلحة المتقدمة.

وأوضح المركز الدولي أن تحليله لخمس منظومات صاروخية رئيسية أظهر احتواءها على نسب مرتفعة من المكونات الإلكترونية الدقيقة المصنَّعة في الخارج، ومنها صاروخ «غدير» الذي يطلق عليه الحوثيون اسم «المندب 2»، ما يعكس استمرار اعتماد الجماعة على شبكات إمداد خارجية معقدة ونشطة.