شركات «الصخري الأميركي» على خط النار في أكتوبر المقبل

بعضها أوشك على الإفلاس وسط مراجعة البنوك لقروض الشركات النفطية

حذر مكتب مراقبة العملة الأميركي من أن انخفاض أسعار النفط يمكن أن يؤدي إلى انخفاض في الاستثمارات الإقليمية  (رويترز)
حذر مكتب مراقبة العملة الأميركي من أن انخفاض أسعار النفط يمكن أن يؤدي إلى انخفاض في الاستثمارات الإقليمية (رويترز)
TT

شركات «الصخري الأميركي» على خط النار في أكتوبر المقبل

حذر مكتب مراقبة العملة الأميركي من أن انخفاض أسعار النفط يمكن أن يؤدي إلى انخفاض في الاستثمارات الإقليمية  (رويترز)
حذر مكتب مراقبة العملة الأميركي من أن انخفاض أسعار النفط يمكن أن يؤدي إلى انخفاض في الاستثمارات الإقليمية (رويترز)

على مدار أربع سنوات مضت، كان مُعظم ما يُعرف عن صناعة النفط حول العالم هو الارتفاع الكبير في العوائد النفطية، فبعد الأزمة العالمية في عام 2008 وتدني أسعار النفط إلى مستويات عانى منها كثير من منتجي النفط، عاودت الأسعار سريعًا مسارها الصعودي لتصل إلى أوجها خلال عامي 2011 و2012 مع تأجج الصراعات الجيوسياسية في منطقة الشرق الأوسط.
أما الآن، فأصبحت التقارير والدراسات لا تخلو من الحديث عن تقديرات الخسائر والديون المُتراكمة التي لحقت بالدول والشركات المُنتجة للنفط، وبخاصة المنُتجة للنفط الصخري، والتي استدانت كثيرًا خلال السنوات الثلاث الماضية للاستثمار في التكنولوجيات المتقدمة اللازمة لعمليات التكسير الهيدروليكي المطلوب لإنتاج النفط من الصخور.
وبدأ الكثير من منتجي النفط في الولايات المتحدة يواجهون تخفيضات عميقة في شرايين الحياة المالية، التي ساعدتهم للبقاء «على قيد الحياة» خلال فترات الانكماش المتعاقبة. وحذرت صحيفة «فاينانشيال تايمز» من أزمة وشيكة ينتظرها القطاع، وهي عملية «إعادة تقييم أصوله» في الأول من أكتوبر (تشرين الأول) المُقبل من قبل دائنيه.
وتقوم البنوك بعمل تقييم دوري كل ستة أشهر لقيمة مخزونات النفط والغاز لكل شركة كضمان لتأمين القروض التي تمنحها لتلك الشركات، وبطبيعة الحال ستشهد قيمة مخزونات الشركات تراجعًا حادًا في قيمتها خلال التقييم المقبل انعكاسًا لهبوط أسعار النفط.
وبحلول أكتوبر المقبل، ستقوم البنوك بمراجعة القروض التي مدت بها شركات النفط عندما كانت أسعار النفط أعلى وكان منتجو النفط يرفعون من معدل الحماية المالية ضد انهيار سوق النفط.
وحسب بعض التقديرات، يمكن أن يقطع المقرضون خطوط الائتمان لشركات النفط بنسبة تصل إلى 15 مليار دولار، وذلك من خلال تقليم المزيد من عضلات تلك الصناعة التي سرحت بالفعل الآلاف من العمال وأوقفت وهمشت مئات من منصات الحفر في ولاية تكساس وغيرها.
وفي الأشهر الأخيرة، حذرت وكالة التصنيف الائتماني «موديز» لخدمات المستثمرين، من أن الكثير من شركات النفط في أميركا معرضة للخطر مع تخفيضات قاعدة الاقتراض في خريف العام الحالي.
وأظهر مسح، نشرت نتائجه من قبل شركة أبحاث دالاس هاينز وبون الأميركية في سبتمبر (أيلول) الحالي، أن المقرضين وشركات النفط وغيرها في تلك الصناعة يتوقعون أن البنوك ستخفض قواعد الاقتراض لأربع من أصل خمس شركات نفط خلال أشهر الخريف الحالية، مع تخفيضات بمتوسط 39 في المائة.
وقال بريان جيبونز، المحلل في شركة أبحاث (CreditSights) الأميركية، إنه يتوقع خفض خطوط الائتمان لشركات الحفر الأميركية بمعدل 15 في المائة، والذي يمكن أن يمحو نحو 10 إلى 15 مليار دولار من رأس المال المستخدم لتغذية عمليات الحفر وصندوق احتياجات الشركات.
وأضاف جيبونز، قائلا: «هذا أمر مؤلم بالنسبة لأي شخص»، فأزمة السيولة المحتملة قد تكون أحد العوامل التي تدفع إنتاج الولايات المتحدة من النفط الصخري إلى الانخفاض بنحو 400 ألف برميل يوميًا في عام 2016، وفقًا لتقديرات وكالة الطاقة الدولية.
وقال برافين كومار، أستاذ المالية في جامعة هيوستن، إن خفض مبلغ من المال - كان يمكن للمنتجين في الولايات المتحدة إنفاقه على عمليات التنقيب عن النفط - يعني أنهم سيحصلون على إيراد أقل من مبيعات النفط لا يُمكنهم من سداد الديون، وبالتالي يُسبب لهم حالة من الفوضى المالية.
ويُضيف كومار، إنه بعد طفرة النفط الصخري التي تغذت على الائتمان، أصبحت معظم شركات الحفر الصخري في الولايات المتحدة ينفقون معظم أموالهم لسداد الديون التي اقترضتها للقيام بأعمال الحفر خلال الفترات الماضية.
وفي الربع الثاني من العام الحالي، ذهب نحو 83 في المائة من التدفقات النقدية التشغيلية لشركات النفط المحلية إلى سداد أرصدة الديون، وهو ما يقرب من ضعف النسبة المئوية في أوائل عام 2012، حسبما ذكرت إدارة معلومات الطاقة الأميركية في تقريرها الصادر مؤخرًا في سبتمبر الحالي.
وكذلك حذر مكتب مراقبة العملة الأميركي من أن انخفاض أسعار النفط يمكن أن يؤدي إلى انخفاض في الاستثمارات الإقليمية وأسعار العقارات في الولايات المنتجة للنفط، مثل تكساس.
ويشير تقرير جديد من شركة وود ماكينزي الاستشارية، إلى أن حجم المشاريع الجديدة التي من غير المُرجح المُضي فيها قدمًا، في ظل مستوى أسعار النفط الحالي، تُقدر بنحو إلى 1.5 تريليون دولار.
وتقول صحيفة «فاينانشيال تايمز» إن ذلك من شأنه أن يرقى إلى تخفيضات تصل إلى 30 في المائة من إجمالي المشاريع الجديدة، مما يعني أن آثار انخفاض الأسعار قد يشابه الانكماش الوحشي الذي حدث في منتصف 1980.
وتتوقع شركة «Samson» الأميركية، التي اشترتها شركة الأسهم الخاصة «KKR» ومستثمرين آخرين في عام 2012 بنحو 7.2 مليار دولار، عدم القيام بأي حفر جديد خلال المتبقي من عام 2015. أما عن الإنتاج، والذي يأتي في معظمه من الغاز الطبيعي، فتتوقع الشركة أن ينخفض بنسبة 7 في المائة في عام 2015، و30 في المائة في عام 2016.
كذلك أعلنت شركة «Whiting Petroleum» الأميركية في نهاية يوليو (تموز) الماضي أنها ستخفض ميزانية الإنفاق الرأسمالي، مع ترشيد وحدات حفر الآبار إلى 8 فقط خلال العام الحالي بدلاً من 11 كما كان في العام السابق.
وتتخذ شركة «Continental Resources» خطوات مماثلة، وأعلنت في وقت سابق من سبتمبر الحالي أنها ستخفض النفقات الرأسمالية لتتماشى مع التدفقات النقدية. ويحذر محللون من ارتفاع أعداد الشركات المتعثرة في قطاع الطاقة الأميركي، التي وجدت نفسها «على خط النار»؛ حيث انهارت أسعار النفط في الأسواق العالمية بأكثر من 60 في المائة خلال عام. فشركات النفط والغاز في الولايات المتحدة اقترضت المال بأكثر من ضعف مبلغ 81 مليار دولار الذي اقترضته نهاية عام 2010 بهدف زيادة الإنتاج.
وحسب بيانات شركة البيانات والمعلومات «فاكتست»، بلغ العجز في حسابات شركات النفط والغاز الأميركية المستقلة عمومًا في عام 2014 في المتوسط 37.7 مليار دولار. وارتفعت ديون شركات النفط والغاز الأميركية إجمالاً من 81 مليارًا بنهاية 2010 إلى 169 مليارًا بنهاية يونيو (حزيران) 2015.
وباعت شركات النفط والغاز الصخري ما تصل قيمته إلى 10 مليارات دولار من أسهمها لتوفير السيولة، كما تلجأ إلى إصدار سندات دين شركات كل شهر لتمويل عملياتها.
ووفقا لبيانات مؤسسة «ستاندرد أند بورز»، فقد عجزت 16 شركة عن سداد ديونها خلال التسعة أشهر الأولى من عام 2015، فيما تعاني 8 شركات من تراجع كبير في تصنيفها الائتماني؛ أي إنها توشك على الإفلاس خلال أقل من عام.
ولأن الشركات تواجه أزمة تدفقات نقدية، فإنها قد تضطر إلى «إخمال الحفارات»، لمواجهة الإفلاس أو طلب تمويل أكثر تكلفة وبيع الأصول. ففي عام 2014، استخدم منتجي النفط في الولايات المتحدة نحو 83 في المائة من تدفقها النقدي التشغيلي لدفع ثمن خدمة الدين، وذلك ارتفاعًا من 60 في المائة فقط خلال عام 2013، وفقًا لبيانات إدارة معلومات الطاقة الأميركية. وقلصت شركات الطاقة الأميركية حفارات النفط للأسبوع الرابع على التوالي في علامة على أن استمرار هبوط أسعار النفط يدفع شركات الحفر إلى تقليص خطط الإنتاج.
وقالت شركة «بيكر هيوز» للخدمات النفطية، في تقرير صدر الجمعة الماضية، إن شركات الحفر أوقفت عمل أربع منصات في الأسبوع المُنتهي في 25 سبتمبر الحالي، ليتراجع إجمالي منصات الحفر العاملة في الولايات المتحدة إلى 640 حفارة، وهو الأدنى منذ يوليو الماضي.

* الوحدة الاقتصادية بـ«الشرق الأوسط»



رحلة العمل اليومية عبء متزايد يرهق أسراً مصرية

شريحة واسعة من المصريين تعتمد في تنقلها اليومي على «مترو أنفاق القاهرة» (الشرق الأوسط)
شريحة واسعة من المصريين تعتمد في تنقلها اليومي على «مترو أنفاق القاهرة» (الشرق الأوسط)
TT

رحلة العمل اليومية عبء متزايد يرهق أسراً مصرية

شريحة واسعة من المصريين تعتمد في تنقلها اليومي على «مترو أنفاق القاهرة» (الشرق الأوسط)
شريحة واسعة من المصريين تعتمد في تنقلها اليومي على «مترو أنفاق القاهرة» (الشرق الأوسط)

«أصبح ذهابنا للعمل خسارة علينا»... كلمات صدرت من المصري أحمد فاروق، وهو يتأمل تذكرة القطار التي قطعها صبيحة الاثنين، مُعلقاً على قيمتها الجديدة، مع تطبيق الزيادات على أسعار التذاكر.

وبدأت الحكومة المصرية، الجمعة الماضي، تطبيق زيادات على أسعار تذاكر القطارات و«مترو أنفاق القاهرة»، على خلفية ارتفاع أسعار النفط العالمية بسبب تداعيات الحرب الإيرانية، وذلك بعد أقل من أسبوعين على تطبيق زيادات على أسعار المحروقات تتجاوز 30 في المائة.

وأضاف فاروق، وهو موظف بإحدى شركات الإنشاءات بالقاهرة، يقطع يومياً مسافة 60 كيلومتراً من مدينة قويسنا بمحافظة المنوفية (دلتا النيل) وصولاً إلى عمله بالقاهرة، ومثلها في رحلة العودة، لـ«الشرق الأوسط»: «رحلتي تبدأ بالقطار ثم مترو الأنفاق... (الآن) أصبحت مطالباً بدفع 24 جنيهاً إضافية يومياً، بعد زيادة تذاكر الوسيلتين، أي ما يزيد على 700 جنيه شهرياً (الدولار تجاوز 54 جنيهاً)». وتابع متسائلاً: «ما يشغلني في ظل ثبات الراتب... هل أقتطع هذه الزيادة من ميزانية احتياجات المنزل أم الدروس الخصوصية للأبناء؟».

يعكس التساؤل حال آلاف المصريين من قاطني الأقاليم الذين تستقبلهم القاهرة صباح كل يوم، ويعتمدون على شبكة النقل العام من قطارات ومترو الأنفاق للوصول إلى عملهم. وفي ظل زيادة قيمة تذاكر القطارات و«المترو» وكذلك وسائل المواصلات المختلفة، تحولت رحلة العمل اليومية إلى عبء مالي جديد يرهق هذه الأسر.

وزادت أسعار تذاكر القطارات في المسافات القصيرة بنسبة 25 في المائة، و12.5 في المائة للمسافات الطويلة، بينما زادت أسعار تذاكر «المترو» بنسبة 20 في المائة مع تثبيت أسعار المسافات الطويلة.

ووفقاً لهذه الزيادة، يبيّن الأربعيني فاروق أن «قيمة تذكرة القطار الروسي المكيف زادت من 30 جنيهاً إلى 40 جنيهاً»، وزادت قيمة تذكرة «المترو» من 10 جنيهات لـ12 جنيهاً، مما جعل «رحلة العمل» تمثل له حيرة في تدبير نفقاتها.

مصري يطالع القيمة الجديدة لتذاكر «مترو الأنفاق» عقب قرار زيادتها (الشرق الأوسط)

الخبير الاقتصادي والمالي، الدكتور ياسر حسين، أوضح لـ«الشرق الأوسط»، أن زيادة أسعار تذاكر المترو والقطارات تمثل عبئاً إضافياً ثقيلاً على الأسر المصرية، فهذه الزيادات تضع الأسر أمام خيارات صعبة، إذ تضطر لتقليص إنفاقها على بنود أخرى؛ مثل التعليم والصحة، كما تلاشت البنود الترفيهية تقريباً من حسابات كثيرين لأجل تغطية تكاليف المواصلات، لأن الوصول إلى العمل بند إجباري لا يمكن الاستغناء عنه.

وأضاف: «تنفق الأسر ما بين 10 و20 في المائة من دخلها الشهري على التنقل، وهو رقم كبير إذا وضعناه بجانب بنود الإنفاق الأساسية الأخرى مثل الغذاء والسكن والتعليم». وأشار إلى أن «رحلة العمل اليومية لا تقتصر على التنقل بـ(مترو الأنفاق) أو القطار فقط؛ بل تتضمن وسائل مواصلات إضافية فرعية، ما يضاعف التكلفة النهائية للتنقل، ويضغط على ميزانية الأسر».

وداخل القطار، تجاذب فاروق وجيرانه من الركاب الحديث عن إرهاق «ثمن المشوار اليومي»، وطرق مواكبة «سرعة» تكاليف المعيشة، وكيفية التعامل مع «فاتورة الوصول» الجديدة بحساب الخسائر والبدائل.

وقال رمزي نبيل، الذي يقطن بمدينة طنطا في محافظة الغربية (دلتا مصر)، ويعمل في أحد محال المستلزمات الطبية بالقاهرة: «لم نفق بعد من صدمة تحريك أسعار المحروقات التي رفعت أجرة المواصلات العامة، حتى فوجئنا بزيادة تذاكر القطارات والمترو... بالفعل أفكر في ترك العمل بالقاهرة، فقيمة التذاكر الجديدة سوف تستنزف جزءاً لا يُستهان به من الدخل».

تذاكر القطارات في مصر زادت بنسب تتراوح بين 12.5 و25 في المائة (الشرق الأوسط)

وتعدّ القاهرة أكثر المحافظات جذباً للسكان، نظراً لفرص العمل ومراكز التعليم والخدمات، ويتجاوز عدد سكانها 11 مليون نسمة، ويتردد عليها يومياً عدد يقارب ذلك الرقم، وفق تصريحات سابقة لمحافظ القاهرة، إبراهيم صابر.

ويبيّن حسين أن زيادة أسعار تذاكر القطارات تضع سكان الضواحي والأقاليم في موقف بالغ الصعوبة، إذ يعتمد هؤلاء بشكل يومي على القطارات للوصول إلى مقار العمل في القاهرة. ويتابع: «حتى بعد الزيادة، لن يتوقف هؤلاء عن ركوب القطار، والنتيجة أن الأسر ستتحمل عبئاً مالياً إضافياً، وسيسعى العمال إلى التفاوض مع أصحاب الأعمال لزيادة الأجور بدعوى ارتفاع تكاليف المواصلات، وهذه المطالب ستنعكس بدورها على أصحاب الأعمال الذين سيضطرون لرفع أسعار بعض السلع لتعويض زيادة بند الأجور، وبالتالي رفع تذكرة القطار لا يتوقف عند جيوب الركاب فقط؛ بل يؤدي إلى حلقة جديدة من التضخم».

وسجل معدل التضخم على أساس شهري في فبراير (شباط) الماضي، 2.7 في المائة، مقابل 1.2 في المائة في يناير (كانون الثاني) الماضي.

سكان الأقاليم يعتمدون بشكل يومي على القطارات للوصول إلى مقار عملهم بالقاهرة (الشرق الأوسط)

وفي قطارات المترو، التي تنقل الملايين يومياً، انشغل الركاب بحساب قيمة فاتورة الركوب اليومية. وبالنسبة للعشرينية سارة أيمن، التي تُدرّس اللغة الألمانية بأحد مراكز اللغات الخاصة، فإن ميزانيتها المحدودة باتت أمام اختبار صعب مع زيادة قيمة التذكرة. تقول لـ«الشرق الأوسط»: «كنت أعتبر (المترو) الوسيلة الأرخص والأسرع؛ لكن مع الزيادات الأخيرة، بدأت أفكر في المطالبة بتقليل أيام ذهابي لـ(المركز) أو الاتجاه للتدريس (أون لاين)، فكل جنيه إضافي في المواصلات يعني استقطاعاً من الراتب البسيط».

الخبيرة الاجتماعية والأسرية، داليا الحزاوي، تؤكد لـ«الشرق الأوسط»، أنه «في ظل اعتماد شريحة واسعة من المواطنين، لا سيما محدودي ومتوسطي الدخل على وسائل المواصلات المختلفة بشكل يومي، سواء في الانتقال إلى أماكن العمل أو في تنقل الأبناء إلى المدارس والجامعات، أصبحت هذه الأسر تواجه ضغوطاً معيشية متزايدة، خصوصاً في الحالات التي يضطر فيها رب الأسرة لقطع مسافات طويلة للوصول إلى مقر عمله، أو عندما يلتحق الأبناء بمؤسسات تعليمية بعيدة عن محل السكن». وتشير إلى أن «هذه الزيادات الأخيرة قد تدفع إلى لجوء بعض الطلاب للغياب توفيراً للنفقات، أو يضطر رب الأسرة لترك عمله لبعده عن مكان إقامته والبحث عن فرصة عمل جديدة، مما يزيد القلق والتوتر، ويؤثر بالسلب على الاستقرار الأسري».


مصر: قمة قياسية للدولار تنذر بعودة «السوق السوداء»

الجنيه المصري واصل هبوطه أمام الدولار تحت تأثير الحرب في إيران (رويترز)
الجنيه المصري واصل هبوطه أمام الدولار تحت تأثير الحرب في إيران (رويترز)
TT

مصر: قمة قياسية للدولار تنذر بعودة «السوق السوداء»

الجنيه المصري واصل هبوطه أمام الدولار تحت تأثير الحرب في إيران (رويترز)
الجنيه المصري واصل هبوطه أمام الدولار تحت تأثير الحرب في إيران (رويترز)

ارتفع سعر صرف الدولار الأميركي مقابل الجنيه خلال تعاملات، الاثنين، بشكل قياسي في مصر. وأظهرت شاشات التداول تحركاً صعودياً جديداً للعملة الأميركية في عدد من البنوك الكبرى، لتتخطى حاجز 54 جنيهاً للمرة الأولى، وسط تباين بين خبراء الاقتصاد حول عودة «السوق السوداء» مجدداً.

وأعلنت وزارة الداخلية المصرية ضبط متهمين بإخفاء عملات أجنبية. وقالت في بيان، الاثنين، إنه «استمراراً للضربات الأمنية ضد جرائم الاتجار غير المشروع بالنقد الأجنبي والمضاربة بأسعار العملات عن طريق إخفائها عن التداول والاتجار بها خارج نطاق السوق المصرفية، تم ضبط عدد من قضايا الاتجار في العملات الأجنبية بقيمة 9 ملايين جنيه خلال 24 ساعة».

وواصل الدولار ارتفاعه مقابل العملة المصرية خلال الأسبوع الحالي، وكان الجنيه قد اختتم عام 2025 بأداء قوي، فيما يتزايد اهتمام المواطنين بمتابعة سعر الدولار بشكل يومي، نظراً إلى ارتباطه المباشر بأسعار السلع والخدمات خاصة المستوردة منها، وسط مخاوف من «عودة السوق السوداء».

وكانت مصر قد شهدت أزمة سابقة في توافر العملة الصعبة استمرت سنوات، وخلقت تبايناً كبيراً بين السعر الرسمي للدولار و«السوق السوداء» التي جاوز فيها الدولار آنذاك 60 جنيهاً. وأثّرت الأزمة حينها على توافر السلع والخدمات وعمل العديد من القطاعات، مما دفع إلى اتخاذ قرار بـ«تعويم الجنيه»، ليرتفع بعدها سعر الدولار من نحو 30 جنيهاً في البنوك إلى 50 جنيهاً.

ويرى أستاذ الاقتصاد، الدكتور محمد علي إبراهيم، أن «أزمة الحرب الحالية قد تفتح الباب مجدداً لعودة (السوق السوداء)». وعزز رأيه بالقول إن «الطلب سوف يزداد على الدولار بغرض الاكتناز واعتباره (ملاذاً آمناً)، وهذا الطلب المتزايد على العملة الأميركية سوف يدفع إلى وجود (سوق سوداء)، خصوصاً في ظل تراجع إيرادات قناة السويس، والسياحة، وتأثر تحويلات المصريين العاملين في الخارج».

مواطن مصري يستبدل دولارات داخل مكتب صرافة وسط القاهرة (رويترز)

لكن إبراهيم يقول لـ«الشرق الأوسط» إن «الأزمة أكبر من عودة (السوق السوداء) للعملة، وتتمثل في الخطوات المقبلة خصوصاً مع استمرار أمد الحرب الإيرانية وتداعياتها، فالدولار عالمياً يرتفع على حساب كل العملات الآسيوية، والاقتصاد المصري مرهون بالدولار، لذا حدث ارتفاع في سعر الدولار بالبلاد». ويوضح أن «هذا المشهد يعيدنا إلى (المربع صفر)، وسيدفع إلى ضغوط تضخمية كبيرة على الاقتصاد القومي»، وفق قوله. ويضيف أن «جميع الجهود التي تمت خلال الفترة الماضية من أجل الحد من التضخم قد تأثرت الآن، والأخطر هو الذهاب إلى ركود تضخمي».

وتشهد مصر موجات مرتفعة من التضخم وسط توقعات أن يشهد معدله في مارس (آذار) الحالي ارتفاعاً كبيراً مقارنة بالشهور الماضية. وسجل معدل التضخم على أساس شهري في فبراير (شباط) الماضي 2.7 في المائة، مقابل 1.2 في المائة في يناير (كانون الثاني) الماضي.

لكن الخبير الاقتصادي، الدكتور وليد جاب الله، يرى أن «الارتفاع القياسي للدولار ليس مؤشراً على عودة (السوق السوداء)». ودلل على ذلك بقوله إن «البنوك توفر الدولار وتقدم سعر صرف مرناً، وتوفر الاحتياجات المطلوبة من الدولار، لذا لا توجد (سوق سوداء)».

ويوضح أن «عودة (السوق السوداء) تكون مرتبطة بعدم وجود إتاحة للدولار في البنوك، وعدم الإتاحة يحدث عند استنفاد الاحتياطي بإتاحات من الاحتياطي وليست بإتاحات من البنوك نفسها». ويضيف لـ«الشرق الأوسط» أن «الجنيه يشهد انخفاضات يومية، فماذا سيحدث له أقل من ذلك في (السوق السوداء)؟». ويلفت إلى أن «سعر الدولار مقابل الجنيه صعد من 46 إلى 54 جنيهاً للدولار الواحد، وهذا الرقم لو كان في (السوق السوداء) فلن يصل إليه»، على حد قوله.

رئيس الوزراء المصري خلال لقاء سابق مع مديرة صندوق النقد الدولي (مجلس الوزراء المصري)

ووفق الإعلامي المصري، عمرو أديب، فإن «بعض التجار في السوق المحلية يتعاملون بحساسية شديدة مع تطورات سعر الدولار». وأشار خلال برنامجه التلفزيوني، مساء السبت الماضي، إلى أن «بعض التجار يحسبون سعر الدولار عند مستويات تصل إلى 60 و70 جنيهاً، وهو ما ينعكس في النهاية على المواطن المصري».

وتنفّذ الحكومة المصرية برنامجاً اقتصادياً مع صندوق النقد الدولي، منذ مارس 2024، بقيمة 8 مليارات دولار، وتلتزم فيه القاهرة بتحرير سعر صرف الجنيه وفق آليات السوق (العرض والطلب)، بخفض دعم الوقود والكهرباء وسلع أولية أخرى، مما دفع إلى موجة غلاء يشكو منها مصريون.

وحدّد الصندوق موعد المراجعة السابعة لبرنامج التسهيل الممدد لمصر في 15 يونيو (حزيران) المقبل، تمهيداً لصرف 1.65 مليار دولار، فيما ستُعقد المراجعة الثامنة الأخيرة في 15 نوفمبر (تشرين الثاني) المقبل، تمهيداً لصرف شريحة مماثلة قيمتها 1.65 مليار دولار.

ويرى جاب الله أن «استمرار أمد الحرب الإيرانية سوف يدفع إلى ارتفاع في سعر الدولار بالبلاد»، مشيراً إلى أن «مصر من جانبها رشّدت إنفاقها، وقللت دوام العمل في الأسبوع، وجميع هذه الإجراءات تقلل الخطر، لكن الخطر لا يزال قائماً».

وأعلنت الحكومة المصرية أخيراً إجراءات لترشيد الإنفاق العام، تضمنت إرجاء وتجميد مجموعة من بنود النفقات غير الملحة، و«الإغلاق المبكر» للمحال التجارية، وتخفيض استهلاك الكهرباء في الشوارع.

Your Premium trial has endedYour Premium trial has ended


صندوق النقد الدولي: حرب إيران تُحدث صدمة عالمية

شعار صندوق النقد الدولي على مقره في واشنطن (رويترز)
شعار صندوق النقد الدولي على مقره في واشنطن (رويترز)
TT

صندوق النقد الدولي: حرب إيران تُحدث صدمة عالمية

شعار صندوق النقد الدولي على مقره في واشنطن (رويترز)
شعار صندوق النقد الدولي على مقره في واشنطن (رويترز)

حذر صندوق النقد الدولي، يوم الاثنين، من أن الحرب في الشرق الأوسط تسببت في اضطراب خطير لاقتصادات دول المواجهة، وتُلقي بظلالها على آفاق العديد من الاقتصادات التي بدأت للتو في التعافي من أزمات سابقة.

وفي مدونة نشرها كبار خبراء الاقتصاد في الصندوق، قال صندوق النقد الدولي إن الحرب التي شنتها الضربات الأميركية والإسرائيلية على إيران في 28 فبراير (شباط) تسببت في صدمة عالمية، لكنها غير متكافئة، وأدت إلى تشديد الأوضاع المالية.

حسب الصندوق، تسبب إغلاق إيران لمضيق هرمز وتضرر البنية التحتية الإقليمية في أكبر اضطراب تشهده سوق النفط العالمية في التاريخ. وسيتوقف الكثير على مدة الحرب، ومدى اتساع رقعة انتشارها، وحجم الأضرار التي ستلحقها بالبنية التحتية وسلاسل الإمداد.

وأشار صندوق النقد الدولي إلى أن الدول منخفضة الدخل معرضة بشكل خاص لخطر انعدام الأمن الغذائي، نظراً لارتفاع أسعار الغذاء والأسمدة، وقد تحتاج إلى مزيد من الدعم الخارجي في وقت تُقلّص فيه العديد من الاقتصادات المتقدمة مساعداتها الدولية.

وكتب الاقتصاديون: «على الرغم من أن الحرب قد تُؤثر على الاقتصاد العالمي بطرق مختلفة، فإن جميع الطرق تؤدي إلى ارتفاع الأسعار وتباطؤ النمو».

وأعلن صندوق النقد الدولي أنه سيصدر تقييماً أكثر شمولاً في تقريره «آفاق الاقتصاد العالمي»، المقرر نشره في 14 أبريل (نيسان)، خلال اجتماعات الربيع لصندوق النقد الدولي والبنك الدولي في واشنطن.

وأشار الباحثون إلى أن استمرار ارتفاع أسعار الطاقة والغذاء سيؤدي إلى تفاقم التضخم عالمياً، مُلاحظين أن الارتفاعات المُستمرة في أسعار النفط تاريخياً تميل إلى رفع التضخم وخفض النمو. وأضافوا أن الحرب قد تُؤجج أيضاً التوقعات باستمرار ارتفاع التضخم لفترة أطول، ما قد يُترجم إلى ارتفاع الأجور والأسعار، ويُصعّب احتواء الصدمة دون تباطؤ حاد في النمو.