الظروف الاقتصادية والأوضاع الأمنية تفسد على العراقيين الفرح

«الشرق الأوسط» في بغداد.. لسان حال أهلها يقول «بأي حال عدت يا عيد»

أحد محلات الخضار في العاصمة العراقية بغداد وتبدو آثار الرصاص في أعلى المبنى
أحد محلات الخضار في العاصمة العراقية بغداد وتبدو آثار الرصاص في أعلى المبنى
TT

الظروف الاقتصادية والأوضاع الأمنية تفسد على العراقيين الفرح

أحد محلات الخضار في العاصمة العراقية بغداد وتبدو آثار الرصاص في أعلى المبنى
أحد محلات الخضار في العاصمة العراقية بغداد وتبدو آثار الرصاص في أعلى المبنى

بغداد مدينة لا تقبل أن تدخل حيز النسيان.. لا ترضى بالتهميش رغم كل ما جرى وما يجري لها.. منذ أعظم النكسات التي عاشتها بعد الاحتلال المغولي قبل ما يقرب من تسعة عقود وحتى اليوم تنهض مثل طائر العنقاء من رماد خرابها لتتألق كمدينة متجددة وحيوية.. سر نهوض هذه المدينة يكمن بأهلها.. بعشقهم لمدينتهم.. بإصرارهم على أن تبقى العاصمة العراقية دارا للسلام مثلما أرادها بانيها أبو جعفر المنصور. البغداديون يصرون على مواصلة حياتهم في العمل والإبداع والفرح متحدين كل المصاعب الأمنية والحياتية.. في هذه المشاهدات ترصد «الشرق الأوسط» إيقاع حياة بغداد ونبضها المتدفق عن قرب.. بل من عمق حياتها وحركة أهلها.. بسلبياتها وإيجابياتها. في تقريرها الثاني حول مظاهر العيد في مدينة التاريخ.
انحسرت مظاهر عيد الأضحى ببغداد لسببين رئيسيين، الأوضاع الاقتصادية الصعبة التي يمر بها البلد، والمخاوف الأمنية رغم التشديدات التي فرضتها وزارتا الدفاع والداخلية داخل العاصمة العراقية.
وانتظر أصحاب محلات الملابس النسائية والرجالية وملابس الأطفال منذ أيام كثيرة قبيل العيد إقبال الناس على بضائعهم التي عرضوها بطريقة تجذب المتسوقين، لكن انتظارهم تبدد حتى الليلة الأخيرة التي سبقت العيد ورغم الإعلانات عن تخفيضات بلغ بعضها أكثر من 50 في المائة من سعر بضائعهم، فإن الرياح جرت بما لا تشتهي سفنهم وتوقعاتهم، حتى إن جبار حسن، صاحب محل لبيع الملابس النسائية في مول المنصور، أكبر مراكز التسوق الحديثة بجانب الكرخ من بغداد وصف الأوضاع التجارية بـ«الكساد»، وقال لـ«الشرق الأوسط» لقد «توقعنا ومثلما يحدث قبل كل عيد إقبالا كبيرا من المتسوقين لهذا تبضعنا من خارج العراق وخاصة تركيا والصين ولبنان وعرضنا موديلات حديثة، لكن النتيجة جاءت مخيبة لآمالنا ومثلما ترون يمرون أمام المحل يتأملون البضاعة والأسعار ويمضون دون أن يشتروا أي شيء»، مشيرا إلى «قمنا بالإعلان عن تخفيضات في أسعار الملابس تصل بعضها إلى 70 في المائة لتشجيع المتسوقين ولكن النتائج ليست مشجعة للأسف».
أسواق بغداد لم تكن خالية من الحركة لكنها لم تكن بذلك الازدحام الذي توقعه التجار، و«باستثناء الإقبال على محلات ملابس الأطفال فإن حركة التبضع بدت منحسرة قياسا لما كنا نبيعه في الأعياد السابقة»، حسب ما يوضح حسن.
وتوضح زهراء مجيد التي تبدو في مقتبل الخمسينات من عمرها حيث كانت تتجول في مول المنصور مع ابنتيها، أن «مخاوف العائلة العراقية من إجراءات التقشف التي تفرضها الحكومة جعلتنا نتراجع عن الإنفاق، فما عندنا من أموال، ولو قليلة، ادخرناها للأيام الصعبة التي نتمنى ألا تأتي»، تستطرد قائلة «أنا أعمل في التدريس وزوجي موظف في وزارة العدل والراتب الشهري لكلينا هو مصدر تمويلنا ومعيشتنا وفي حالة تأخرت الدولة عن دفع الرواتب سيكون مصيرنا مجهولا ولا نعرف كيف نتدبر أمرنا خاصة أن هناك أنباء أو شائعات تتحدث عن عجز الدولة عن دفع رواتب الموظفين»، يحدث هذا رغم تأكيدات حكومية وعلى لسان رئيس الوزراء حيدر العبادي بأن رواتب الموظفين لن تتوقف.
ويقول سعد محمد علي «أنا في الستين من عمري وموظف في وزارة الصناعة، وربما بعد أربعة أعوام أطلب إحالتي على التقاعد، لكنني حاليا لا أستطيع أن أضمن قدرة الدولة على دفع رواتب الموظفين والمتقاعدين بسبب ما نسمعه من أخبار عن قيام الحكومة بالاستدانة من المصارف العالمية والأهلية المحلية لدعم الميزانية التشغيلية (الرواتب)، ورغم أن إجراءات التقشف شملت قطع مخصصات الكثير من الموظفين أو إنهاء عقود العاملين وفق صيغة التعاقد أي ليسوا موظفين أصليين»، ويتساءل هذا الموظف عن سبب «عدم اتخاذ إجراءات حاسمة لتخفيض رواتب ومخصصات وحمايات أعضاء مجلس النواب وامتيازاتهم الخيالية، ومحاسبة الفاسدين واسترجاع الأموال المسروقة والتي تم إيداعها في مصارف خارج العراق»، مقترحا «تكليف شركات عالمية أو أكاديميين عراقيين متخصصين في الاقتصاد لدراسة الأوضاع الاقتصادية ووضع الخطط الناجحة لإنقاذ البلد من الإفلاس، الإفلاس الذي يصيب واحدة من أغنى الدول في العالم مثل العراق».
انحسار مشاعر الاحتفال بعيد الأضحى لم تصبه الأوضاع الاقتصادية فحسب، بل ذهبت إلى أعمق من ذلك عندما لامست وبعمق مشاعر الناس هنا ببغداد، إذ لا تستطيع أن تقرأ علامات الفرح والشعور بالعيد في وجوه غالبية من العراقيين، فعندما هنأت سائق سيارة الأجرة بمناسبة حلول عيد الفطر قبيل ليلة واحدة من حلول العيد، اعتذر السائق مبدر العبيدي (53 عام) الذي ينحدر من محافظة الأنبار عن الرد وقال: «أعتذر لأنني لا أحتفل بالعيد منذ أكثر من عام»، استطرد قائلا: «كيف لي أن احتفل وأنا مهجر داخل بلدي؟ أنا في مكان وبقية عائلتي بمكان آخر»، مضيفا: «أنا من مدينة الفلوجة، نزحنا من بيوتنا إثر احتلال (داعش) لمدينتنا وذهبنا إلى الرمادي، حيث لاحقتنا (داعش) وسقطت الرمادي بأيديهم ومررنا بظروف أكثر من صعبة حتى استقرينا في هيكل بناية بمنطقة الدورة (جنوب بغداد) وهذه السيارة لأحد أقاربي أعمل بها كسائق لتدر علينا ما نعيش من خلاله». مشيرا إلى «إنني أملك بيتا كبيرا في الفلوجة ومتعودون على حياة كريمة وطيبة، ونتذكر في الأعياد أننا نفتح بيوتنا لأقاربنا وأصدقائنا لنحتفل بهذا اليوم المبارك لكن أهالي الفلوجة والرمادي يعيشون اليوم أحزانا كبيرة إذ ليس هناك أقسى من أن تترك بيتك وتتعرض للذل وهذا ما نعيشه نحن والآلاف من العوائل العراقية».
وأشار العبيدي وهو يقود سيارة الأجرة إلى الجدار الذي تحول إلى بانوراما لصور «الشهداء»، وقال: «ما ذنب هؤلاء الشباب بعمر الورود ليقتلوا على أيدي الدواعش المجرمين.. أعرف أنهم يدافعون عن وطنهم وأهلهم لكن من المؤسف أن نخسر أبناءنا على أيدي شتات الأرض»، وأردف قائلا: «لك أن تتخيل حالة عوائلهم اليوم وفي العيد.. فأي عيد تريدوننا أن نحتفل به.. ليس لي سوى أن أقول (بأي حال عدت يا عيد)».
من المظاهر المؤسفة التي لم تستطع الحكومات العراقية منذ عهد صدام حسين وحتى اليوم معالجتها انتشار المتسولين ومن مختلف الأعمار ومن كلا الجنسين في الشوارع وعند إشارات المرور. وعبرت الناشطة المدنية سهى جاسم خليل عن أسفها لاتساع هذه الظاهرة، وعندما أخبرتها بأن ظاهرة المتسولين تنتشر في أغلب مدن العالم ومنها لندن، قالت: «أنا متطوعة في منظمة لمساعدة الأرامل وغالبية المتسولات هن من الأرامل أما الأطفال فهم أبناء الأرامل وهؤلاء يجب أن تتكفل بهم شبكة الرعاية الاجتماعية لتصرف لهم الرواتب وتساعدهم على إيجاد ملجأ أو سكن يليق بهم ويحفظهم من الضياع في الشوارع».
التشديدات الأمنية حرمت الكثير من العوائل من ترك بيوتها خلال أيام عيد الأضحى، غالبية شوارع العاصمة العراقية أغلقت بوجه حركة السيارات خشية من حدوث أعمال إرهابية بواسطة السيارات المفخخة، وتركت الممرات مفتوحة أمام المشاة للوصول إلى مراكز الترفيه مثل مدن الألعاب ومتنزه الزوراء، أكبر المتنزهات العامة ببغداد بجانب الكرخ.
مصدر أمني مسؤول في وزارة الداخلية قال لـ«الشرق الأوسط» إن «مثل هذه الإجراءات مهمة وضرورية لحماية المواطنين المحتفلين بالعيد ولا نريد أن تتحول فرحة العيد إلى مآس لا سمح الله بسبب جرائم الإرهابيين». وأضاف المصدر الذي فضل عدم ذكر اسمه «إن خططنا الأمنية التي وضعت من قبل عمليات بغداد قضت بقطع عدة شوارع وطرقات ووضع نقاط تفتيش ومراقبة، ونحن نفضل أن يتحمل المواطن مشاق السير قليلا من أجل سلامته».



حكومة الزنداني تؤدي اليمين وفي انتظارها ملفات مثقلة بالتحديات

وزراء حكومة الزنداني مع رئيس مجلس القيادة الرئاسي رشاد العليمي بعد أدائهم اليمين (سبأ)
وزراء حكومة الزنداني مع رئيس مجلس القيادة الرئاسي رشاد العليمي بعد أدائهم اليمين (سبأ)
TT

حكومة الزنداني تؤدي اليمين وفي انتظارها ملفات مثقلة بالتحديات

وزراء حكومة الزنداني مع رئيس مجلس القيادة الرئاسي رشاد العليمي بعد أدائهم اليمين (سبأ)
وزراء حكومة الزنداني مع رئيس مجلس القيادة الرئاسي رشاد العليمي بعد أدائهم اليمين (سبأ)

في مراسم بروتوكولية رسمية احتضنها مقر السفارة اليمنية في العاصمة السعودية الرياض، أدت الحكومة اليمنية الجديدة، برئاسة الدكتور شائع محسن الزنداني، الاثنين، اليمين الدستورية أمام رئيس مجلس القيادة الرئاسي رشاد العليمي، إيذاناً ببدء مهامها المثقلة بالتحديات المتشابكة أمنياً واقتصادياً وخدمياً.

وجاءت مراسم أداء اليمين تتويجاً لمسار مشاورات سياسية معقدة استغرقت نحو 3 أسابيع، عقب تكليف العليمي الزندانيَّ تشكيل الحكومة، وسط تجاذبات بين القوى السياسية والمكونات المنضوية في إطار مجلس القيادة الرئاسي.

واعتمد التشكيل الحكومي الجديد على معادلة «التوازنات الدقيقة»، التي فرضتها تعقيدات الواقع اليمني، حيث ضمت الحكومة 35 وزيراً، توزعوا وفق حسابات المحاصصة المناطقية والتمثيل السياسي. وسجلت المحافظات الجنوبية حضوراً لافتاً بـ20 حقيبة وزارية، مقابل 15 حقيبة للمحافظات الشمالية، في توزيع يعكس التحولات السياسية والواقع الميداني القائم.

رئيس الحكومة اليمنية شائع الزنداني يؤدي اليمين الدستورية (سبأ)

وبرزت محافظة حضرموت بوصفها ثقلاً اقتصادياً وجغرافياً مؤثراً في التشكيل، بحصولها على 6 حقائب وزارية؛ مما يعكس الرهان على دورها المحوري في دعم الاستقرار الاقتصادي والمالي خلال المرحلة المقبلة.

وعلى الصعيد السياسي، حافظت الحكومة على إشراك مختلف القوى الممثلة في مجلس القيادة الرئاسي، بمن فيهم محسوبون على المجلس الانتقالي الجنوبي المنحل، في مسعى لتعزيز وحدة القرار وتخفيف حدة الاستقطاب داخل معسكر الشرعية.

وفي حين ضم التشكيل 8 وزراء دولة، فإنه سجل حضوراً نسوياً بتكليف 3 نساء حقائب؛ هي: الشؤون القانونية، والتخطيط والتعاون الدولي، وشؤون المرأة، في خطوة لاقت ترحيباً محلياً ودولياً، بوصفها مؤشراً على التزام الحكومة تعزيز الحكم الشامل.

تحديات الداخل

وضمن مشهد التعقيدات والتوازنات التي واجهت التشكيل الحكومي، احتفظ رئيس الوزراء شائع الزنداني بحقيبة الخارجية وشؤون المغتربين، في محاولة لضمان استمرارية التحرك الدبلوماسي اليمني والحفاظ على زخم التواصل مع المجتمع الدولي والشركاء الإقليميين.

وفي حين غاب عن مراسم أداء اليمين وزير التعليم العالي والبحث العلمي، وهو محسوب على «التنظيم الوحدوي الشعبي الناصري»؛ لأسباب غير معلنة، يرى مراقبون أن التحدي الأول أمام الحكومة يتمثل في ضرورة مباشرة مهامها من الداخل، في ظل مطالب شعبية متصاعدة بعودة مؤسسات الدولة إلى عدن وتفعيل حضورها على الأرض.

الحكومة اليمنية الجديدة ضمت 3 حقائب للنساء بعد سنوات من التهميش (سبأ)

وتواجه حكومة الزنداني تركة ثقيلة من الأزمات المتراكمة، يتصدرها الملف الاقتصادي، في ظل تدهور سعر الصرف، وتوقف تصدير النفط، وتراجع الإيرادات العامة، إضافة إلى أزمات الخدمات الأساسية، وعلى رأسها الكهرباء والمياه، التي باتت تمس الحياة اليومية للمواطنين.

ولا يقل الملف الأمني أهمية؛ إذ تتطلع الأوساط السياسية إلى توحيد الأجهزة العسكرية والأمنية تحت مظلتَيْ وزارتَيْ الدفاع والداخلية، بما يعزز الاستقرار ويحد من مظاهر الانفلات والتعددية الأمنية.

وتُوصف حكومة الزنداني بأنها «حكومة الفرصة الأخيرة» لوقف التدهور المعيشي، في ظل آمال معلقة على انتقالها من سياسة إدارة الأزمات إلى معالجتها جذرياً، وهو ما يتطلب انسجاماً سياسياً داخلياً ودعماً إقليمياً ودولياً مستداماً.

ترحيب دولي

وفي هذا السياق، رحب المبعوث الخاص للأمم المتحدة إلى اليمن، هانس غروندبرغ، بتشكيل الحكومة اليمنية الجديدة برئاسة رئيس الوزراء شائع الزنداني، مشيراً إلى أن هذا التطور يأتي في وقت تشتد فيه الحاجة إلى بذل جهود متجددة للنهوض بعملية سياسية شاملة بقيادة اليمنيين، ولمعالجة التحديات السياسية والاقتصادية والأمنية التي تواجه اليمن، والاستجابة لأولويات الشعب اليمني.

كما رحب المبعوث الخاص غروندبرغ أيضاً بعودة النساء إلى مجلس الوزراء اليمني، بوصفها خطوة مهمة نحو تعزيز الحكم الشامل ودعم عملية صنع القرار.

وقال المبعوث الأممي في بيان: «من المهم أن يُسمح للحكومة المشكّلة حديثاً بأداء عملها في بيئة بنّاءة لتحقيق الاستقرار، وتخفيف معاناة الشعب اليمني، والمساعدة في تهيئة الظروف المواتية لسلام دائم».

وأفاد غروندبرغ بأنه سيواصل انخراطه مع الأطراف اليمنية والإقليمية لدعم الجهود الرامية إلى تعزيز الحوار وخفض التصعيد.

من جهتها، هنأت السفارة الأميركية لدى اليمن بتشكيل الحكومة الجديدة، وقالت في بيان إن «هذا التحول يعدّ فرصةً سانحة لتعزيز الاستقرار وتثبيت دعائم الحوكمة الفاعلة».

وأكد البيان تطلع واشنطن للتعاون مع حكومة ذات كفاءة وشاملة للتنوع الجغرافي، تُشرك النساء والشباب بفاعلية، بوصفهم عنصراً أساسياً في بناء الدولة وتلبية احتياجات المجتمع.

وأضاف: «أصبح الفرق بين نهج الدولة الذي تمثله الحكومة وبين جماعة الحوثي الإرهابية واضحاً تماماً اليوم. نجدد تأكيدنا على الوقوف بجانب الشعب اليمني في سعيه نحو غد أكثر أمناً وازدهاراً».

من جانبه، رحب «الاتحاد الأوروبي» بإعلان تشكيل الحكومة اليمنية الجديدة في خطوة نحو العمل على استقرار الوضع وتحسين تقديم الخدمات والمضي في الإصلاحات المطلوبة، وقال في تغريدة على منصة «إكس»: «يُعدّ (إشمال) المرأة وشخصيات شابة عنصراً أساسياً يظهر الالتزام الواضح بالشمول والتنوع».

في السياق نفسه، أكدت السفيرة البريطانية لدى اليمن، عبدَة شريف، التزام لندن الراسخ العمل مع الحكومة اليمنية لتعزيز الأمن والاستقرار والازدهار للشعب اليمني. كما رحبت بـ«شدة» بتقلد كفاءات نسائية مناصب وزارية رفيعة؛ وقالت إن «الحكومة الشاملة هي الركيزة الأساسية لسلام واستقرار مستدام».

Cannot check text—confirm privacy policy first


الحوثيون حوّلوا رمضان المبارك ضيفاً ثقيلاً على اليمنيين

مشاهد الفقر والكساد تطغى على الأسواق في مناطق سيطرة الحوثيين قبيل حلول رمضان المبارك (إعلام محلي)
مشاهد الفقر والكساد تطغى على الأسواق في مناطق سيطرة الحوثيين قبيل حلول رمضان المبارك (إعلام محلي)
TT

الحوثيون حوّلوا رمضان المبارك ضيفاً ثقيلاً على اليمنيين

مشاهد الفقر والكساد تطغى على الأسواق في مناطق سيطرة الحوثيين قبيل حلول رمضان المبارك (إعلام محلي)
مشاهد الفقر والكساد تطغى على الأسواق في مناطق سيطرة الحوثيين قبيل حلول رمضان المبارك (إعلام محلي)

في واقعٍ مثقل بالفقر والعوز، يستقبل ملايين اليمنيين في مناطق سيطرة الجماعة الحوثية شهر رمضان هذا العام وهم عاجزون عن توفير أبسط متطلبات هذه المناسبة الدينية، التي لطالما تميزت بطقوسها الخاصة ومأكولاتها المتنوعة.

وحوّل الحوثيون رمضانَ ضيفاً ثقيلاً على غالبية الأسر، في ظل انعدام الأمن الغذائي، وتوقف المرتبات، وغياب المساعدات الإنسانية التي كانت تمثل شريان حياة لملايين السكان.

وتفاقمت هذه المعاناة مع مغادرة عدد من منظمات الأمم المتحدة المناطق الخاضعة لسيطرة الحوثيين، وتوقف برامجها الإغاثية، عقب مداهمة الجماعة مكاتبها واعتقال العشرات من العاملين فيها. ووفق تقديرات منظمات إغاثية، فإن نحو 13 مليون شخص في تلك المناطق يعيشون اليوم على حافة الجوع، في واحدة من أسوأ الأزمات الإنسانية التي يشهدها اليمن منذ سنوات.

الحوثيون متهمون برعاية الانفلات الأمني في إب لمنع أي انتفاضة شعبية (إعلام محلي)

عبد الرحمن، وهو موظف في شركة محلية بمحافظة إب (193 كيلومتراً جنوب صنعاء)، يصف لـ«الشرق الأوسط» الأوضاع؛ قبل أيام من دخول شهر رمضان المبارك، بأنها «مأساوية بكل المقاييس». ويؤكد أن الغالبية المطلقة من سكان المحافظة باتت عاجزة عن توفير الاحتياجات الغذائية الأساسية، واضطرت إلى تقليص عدد الوجبات اليومية إلى الحد الأدنى.

ويعزو عبد الرحمن هذا الوضع إلى «قطع الحوثيين مرتبات عشرات آلاف الموظفين منذ 8 أعوام، إضافة إلى توقف الأنشطة الاقتصادية وشلل سوق العمل، إلى جانب انقطاع المساعدات الإنسانية التي كانت تقدمها الأمم المتحدة خلال السنوات الماضية». ويقول إن «البؤس يعلو وجوه المتسوقين في أسواق عاصمة المحافظة، في مشهد يناقض تماماً أجواء الفرح التي اعتادها اليمنيون مع قدوم رمضان».

أسواق خالية

ولا تختلف الحال كثيراً في العاصمة اليمنية المختطفة صنعاء، حيث أعلنت الجماعة الحوثية قبل أيام صرف نصف راتب عن نهاية العام الماضي لبعض الموظفين العموميين، وبواقع نحو 50 دولاراً فقط، بمناسبة حلول الشهر الفضيل. إلا إن هذا المبلغ، وفق شكاوى الموظفين، لا يغطي حتى جزءاً يسيراً من متطلبات المعيشة.

وتبدو أسواق صنعاء خالية من الزحام المعتاد الذي كانت تشهده في مثل هذه الأيام من كل عام؛ إذ انعكست حالة الفقر والعوز على القدرة الشرائية للسكان، ودفع ذلك بهم إلى الاكتفاء بشراء الضرورات القصوى، في ظل ارتفاع الأسعار وتراجع الدخل إلى مستويات غير مسبوقة.

منصور، وهو معلم يقيم في صنعاء، يقول إنه تسلم نصف راتب، لكنه لا يكفي حتى لتسديد إيجار المنزل. ويضيف في حديثه لـ«الشرق الأوسط»: «الحديث عن شراء احتياجات رمضان أصبح نوعاً من الترف لا يعرفه إلا القليل من الميسورين. نحن وغالبية الناس نبحث فقط عما يسد جوعنا وجوع أطفالنا».

ملايين اليمنيين في مناطق سيطرة الحوثيين يعانون انعدام الأمن الغذائي (إعلام محلي)

ويشير منصور إلى أن «المساعدات الغذائية التي كانت تقدمها الأمم المتحدة والمنظمات الدولية خلال الأعوام الماضية، كانت توفر الحد الأدنى من الأمن الغذائي لكثير من الأسر، وتمنحها فرصة شراء بعض متطلبات رمضان، بما فيها الحلويات التقليدية».

ازدياد الفقراء

ومع انقطاع هذه المساعدات الأممية بشكل كامل، انضم آلاف الأسر إلى قوائم الفقراء الباحثين عمّا يسد رمقهم، فيما باتت أسر أخرى تعيش على الخبز والشاي، أو اضطرت إلى التسول في الشوارع وأمام المطاعم ومحال البقالة.

وفي سياق متصل، شكا الصحافي حسن الوريث، الذي كان في السابق من مؤيدي الحوثيين، من تعرضه لمضايقات وضغوط متواصلة بسبب مواقفه المنتقدة للفساد. واتهم جهات نافذة بالسعي إلى إسكاته ومنعه من أداء دوره المهني، مشيراً إلى أن تلك الضغوط تنوعت بين التهديد المباشر، والإقصاء، ومحاربته في مصدر رزقه.

وأكد الوريث عزمه على الاستمرار في الكشف عن الفساد، محذراً من انهيار شامل في حال عدم التصدي لما وصفها بـ«منظومة الفساد ومراكز النفوذ»، داعياً إلى «حماية الصحافيين والإعلاميين في مناطق سيطرة الحوثيين الذين يؤدون واجبهم المهني بصدق، رغم المخاطر».

Cannot check text—confirm privacy policy first


إهمال حوثي يهدد حياة السكان في صنعاء

شارع في صنعاء تغمره مياه المجاري جراء انسداد شبكة التصريف (الشرق الأوسط)
شارع في صنعاء تغمره مياه المجاري جراء انسداد شبكة التصريف (الشرق الأوسط)
TT

إهمال حوثي يهدد حياة السكان في صنعاء

شارع في صنعاء تغمره مياه المجاري جراء انسداد شبكة التصريف (الشرق الأوسط)
شارع في صنعاء تغمره مياه المجاري جراء انسداد شبكة التصريف (الشرق الأوسط)

تعيش العاصمة اليمنية المختطَفة صنعاء، ومدن أخرى خاضعة لسيطرة الجماعة الحوثية، على وقع تدهور خِدمي متسارع يُهدد حياة السكان بشكل مباشر، مع تفاقم أخطار أعمدة الكهرباء المُتهالكة، واستمرار طفح مياه الصرف الصحي في الأحياء السكنية، في مشهد يعكس حجم الإهمال المزمن وتقاعس الجهات المعنية عن القيام بأبسط واجباتها تجاه السلامة العامة، خصوصاً مع اقتراب شهر رمضان.

مصادر محلية مُطلعة كشفت، لـ«الشرق الأوسط»، عن وجود مئات من أعمدة الكهرباء الخشبية المتهالكة في صنعاء وضواحيها، يعود تركيب بعضها إلى عقود مضت، وهي، اليوم، مائلة أو متشققة القواعد، وتتدلى منها أسلاك مكشوفة، ما يُشكل تهديداً مباشراً للمارّة، ولا سيما الأطفال وطلبة المدارس، في ظل غياب أي أعمال صيانة أو استبدال حقيقية.

وأوضحت المصادر أن معظم هذه الأعمدة تُستخدم حالياً في شبكات توزيع الكهرباء التجارية، في ظل الانقطاع شبه الكامل للكهرباء الحكومية منذ سنوات، ما أدى إلى زيادة الأحمال الكهربائية بصورة تفوق قدرتها على التحمل، وسط تمديدات عشوائية وأسلاك مُتشابكة تُنذر بكوارث وشيكة.

عمود كهرباء سقط في حي بصنعاء وسارع السكان إلى إعادة إصلاحه (الشرق الأوسط)

ورغم البلاغات المتكررة التي تقدَّم بها مواطنون للسلطات الحوثية، فإن الجماعة، وفق المصادر، تُواصل تجاهلها المتعمد لهذه الشكاوى، مكتفية بطلب تبرعات من السكان لإجراء إصلاحات محدودة، دون أي تحرك رسمي لمعالجة الخطر أو وضع حلول إسعافية تقلل حجم المخاطر.

يقول أحمد الهمداني، وهو صاحب محل تجاري في حي التحرير، إن سقوط أي عمود كهرباء بات «مسألة وقت لا أكثر»، مؤكداً أن الأعمدة لم تخضع، منذ سنوات، لأي صيانة، وأن انهيار أحدها قد يؤدي إلى كارثة إنسانية، خاصة في الأحياء ذات الكثافة السكانية العالية.

المياه الآسنة

بالتوازي مع هذا الخطر، يعيش سكان صنعاء في ظل أوضاع بيئية وصحية متدهورة، مع تصاعد ظاهرة طفح مياه الصرف الصحي في عدد من المديريات، وتجمعات المياه الآسنة، ما حوّل شوارع وأزقّة كاملة إلى بؤر للتلوث، وسط روائح كريهة وانتشار للحشرات، وتهديد مباشر للصحة العامة.

صورة تُظهر تردي شبكة الصرف الصحي في صنعاء (الشرق الأوسط)

سياسة ممنهجة

ويرى مراقبون أن هذا التدهور يعكس سياسة حوثية ممنهجة لإهمال البنية التحتية، مقابل توجيه الموارد والإيرادات العامة نحو المجهود الحربي والمصالح الخاصة، في ظل غياب الرقابة والمحاسبة، وافتقار المؤسسات الخاضعة لسيطرة الحوثيين لأدنى معايير السلامة والمسؤولية.

ويُحذر مختصون في السلامة العامة من أن استمرار تهالك أعمدة الكهرباء قد يؤدي إلى حوادث صعق أو انهيارات مُميتة، بينما يؤكد أطباء ومختصون صحيون أن طفح مياه الصرف الصحي يُشكل بيئة خصبة لانتشار الأوبئة، مثل الكوليرا والإسهالات المائية الحادة وأمراض الجلد والجهاز التنفسي.

عنصر حوثي أثناء تفقُّده عداداً كهربائياً في صنعاء (إعلام حوثي)

وتشير تقديرات محلية إلى أن أكثر من 68 في المائة من أعمدة الكهرباء في صنعاء، خصوصاً في الأحياء القديمة، باتت متهالكة، في حين سجلت صنعاء وضواحيها، خلال الفترة الأخيرة، أكثر من 23 حادثة سقوط أو انكسار أعمدة، تسببت بوقوع وفيات وإصابات.

ويُجمع خبراء بيئيون وإداريون على أن استمرار هذا الإهمال ينذر بمضاعفة الكلفة الإنسانية والصحية مستقبلاً، مؤكدين أن معالجة هذه الأزمات تتطلب تحركاً عاجلاً ومسؤولاً، يضع سلامة المواطنين وحقهم في بيئة صحية وحياة كريمة في صدارة الأولويات.