بعد أكثر من عام على التقارب بين كييف ووارسو نتيجة الحرب الروسية، شبه الرئيس البولندي أوكرانيا بـ«رجل يغرق»، ويمكن أن يجر منقذيه إلى القاع. فيما أشار الرئيس الأوكراني فولوديمير زيلينسكي إلى أن «بعض الدول تتظاهر بالتضامن (مع أوكرانيا) بينما تدعم روسيا بشكل غير مباشر». وأثارت هذه التصريحات غضب وارسو التي استدعت السفير الأوكراني. وتبادلت الدولتان انتقادات لاذعة.

عموماً، تراجعت العلاقات البولندية الأوكرانية إلى أدنى مستوى، وأصبحت ضحية مصالح تزداد تبايناً ولحملة انتخابية محمومة تسبق الاقتراع التشريعي المقرر الأحد في بولندا، مما يثير استياء الحلفاء الغربيين للبلدين. وما زال الترحيب الحار الذي قدمه البولنديون لملايين اللاجئين الأوكرانيين بعد الغزو الروسي في فبراير (شباط) 2022 ماثلاً في الذاكرة، لكن العلاقات تميل اليوم إلى الفتور والمواجهة.
وكشف استطلاع للرأي أجراه معهد «سي بي أو إس» أن نسبة المؤيدين لاستقبال لاجئين أوكرانيين في بولندا تراجعت من 76 في المائة إلى 65 في المائة بين يوليو (تموز) وسبتمبر (أيلول)، وهو أدنى مستوى منذ بداية الحرب.
وتستضيف بولندا إلى جانب ألمانيا، أكبر عدد من اللاجئين الأوكرانيين (حوالي مليون شخص في كل من البلدين). وكشف استطلاع آخر أجراه معهد «إيبريس» أن نحو 40 في المائة من البولنديين يعارضون توسيع نطاق الأحكام التي تسمح للأوكرانيين بالوصول إلى سوق العمل والرعاية الصحية والتعليم والمساعدات الاجتماعية.

ويوضح بيوتر بوراس رئيس مركز أبحاث المجلس الأوروبي للعلاقات الخارجية ومقره في وارسو، لـ«وكالة الصحافة الفرنسية» أن «الحرب وكل هذه الأجواء الإيجابية المحيطة بالمساعدات حجبت إلى حد ما المشاكل القديمة التي لن تزول، أي النزاعات المتعلقة بالماضي أو الخلافات على المصالح الاقتصادية بما في ذلك تلك المرتبطة بانضمام أوكرانيا إلى الاتحاد الأوروبي في المستقبل».
وذكرت متحدثة باسم الجيش البولندي لـ«وكالة الأنباء البولندية» الثلاثاء أن جنرالين بارزين استقالا ولم تذكر المتحدثة أي أسباب لذلك. وأوضحت المتحدثة أن الضابطين هما الجنرال رايموند أندريتشاك، رئيس هيئة الأركان العامة، والجنرال توماش بيوتروفسكي، قائد العمليات في القوات المسلحة. وقبل الرئيس أندريه دودا استقالتَي الجنرالين واتخذ قراراً بشأن من سيحل محلهما، وفق ما قال ياتشيك سيفيرا مستشار الأمن القومي للرئيس.

ويتوجه البولنديون إلى صناديق الاقتراع في 15 أكتوبر (تشرين الأول) الحالي. ويرى مارسين زابوروفسكي من مركز أبحاث غلوبسيك أن «العلاقات البولندية الأوكرانية تتراجع لا سيما بسبب الحملة الانتخابية»، مشيراً إلى أن حزب «القانون والعدالة» الحاكم يريد «جذب الناخبين المناهضين لأوكرانيا الذين يسعى حزب «الكونفدرالية» اليميني المتطرف أيضاً إلى جذبهم». وأضاف أن حزب «القانون والعدالة» يضحي بالسياسة الخارجية من أجل السياسة الداخلية. وأوضح دليل على ذلك رفض دودا الأحد الرد بوضوح عندما سئل متى ينوي التحدث مع الرئيس الأوكراني فولوديمير زيلينسكي.

وأظهرت نتائج استطلاع، أجراه معهد «إيبريس» لصالح صحيفة «سوبر إكسبريس» البولندية، أن أحزاب المعارضة البولندية المؤيدة للاتحاد الأوروبي ستفوز بأغلبية 234 مقعداً في انتخابات الأحد. كذلك، بيّن الاستطلاع الذي أجري يومي 6 و7 أكتوبر (تشرين الأول) الحالي فوز حزب «القانون والعدالة» الحاكم بنسبة 34.34 في المائة، أي 183 مقعداً في مجلس النواب المؤلف من 460 مقعداً، وفق وكالة «بلومبرغ» للأنباء. وارتفعت نسبة تأييد حزب «الكونفدرالية» اليميني المتطرف، الشريك الحكومي المحتمل لحزب «القانون والعدالة»، بواقع 1.86 نقطة مئوية لتصل إلى 10.51 في المائة، أي 42 مقعدا. وتراجعت نسبة تأييد حزب «الائتلاف المدني» بنسبة 0.44 نقطة لتصل إلى 30 في المائة، في حين ارتفعت نسبة تأييد حزب «الطريق الثالث» بنسبة 1.95 نقطة لتصل إلى 11.76 في المائة، وتراجعت نسبة تأييد حزب اليسار الجديد بنسبة 1.49 نقطة لتصل إلى 8.23 في المائة.

وخوفاً من خسارة أصوات المزارعين، قام الشعبويون القوميون الموجودون في السلطة في وارسو بتمديد الحظر على واردات الحبوب الأوكرانية في منتصف سبتمبر (أيلول)، وردت كييف بإحالة القضية إلى منظمة التجارة العالمية. وردت وارسو التي كانت من بين أكبر داعمي أوكرانيا بالأسلحة، بالتأكيد بلسان رئيس وزرائها أن عليها الآن أن تركز على تحديث جيشها، وأنها لن ترسل أسلحة إلى كييف بعد الآن. وأعقب ذلك بتصريحات تتسم بالحدة.
وقال زابوروفسكي إن «جزءا من ناخبي حزب (القانون والعدالة) يعدون أن هذا الحزب يبالغ في تأييده لأوكرانيا، لذلك تريد الحكومة تغيير ذلك، ومن هنا خرج النزاع حول الحبوب والأسلحة». وأضاف أن «البولنديين يشككون بشكل متزايد في مسألة أوكرانيا».
قال بوراس إن «أوكرانيا لم تعد بحاجة إلى وارسو للتحدث مع بروكسل أو برلين أو أي عواصم أوروبية أخرى. وفي بعض الأحيان تؤدي مشاركتها إلى نتائج عكسية، لأن بولندا نفسها موقفها ضعيف في الاتحاد الأوروبي».
ويرى ميشال بارانوفسكي، من مؤسسة صندوق مارشال الألماني الفكرية أن وارسو تنظر باستياء كبير إلى هذا التحول. وقال لـ«وكالة الصحافة الفرنسية» إن «بعض المسؤولين البولنديين يشعرون بذلك بخيبة أمل ويرون فيه نوعاً من الخيانة من جانب كييف». وتابع بارانوفسكي أن تبادل الطرفين الاتهامات علنا يطرح «مشكلة كبيرة للولايات المتحدة التي تعد حماية وحدة الحلفاء أمرا أساسيا» وترى أن «التحالف البولندي الأوكراني حاسم لأمن المنطقة».
وقال زابوروفسكي إن «بولندا فوتت فرصة إقامة شراكة استراتيجية مع كييف من شأنها أن تغير الأمن الأوروبي إلى الأفضل»، وبعد الانتخابات «قد تكون الفرصة فاتت (...) لأن الضرر سيكون قد وقع».



