«المُراجعات» لشرف الدِّين العاملي... حوار مُتخيل

ظل الأزهر متغافلاً لعقود طويلة كان الكتاب خلالها يُطبع بغزارة

 غلاف الطبعة الأولى من المراجعات (1936)
غلاف الطبعة الأولى من المراجعات (1936)
TT

«المُراجعات» لشرف الدِّين العاملي... حوار مُتخيل

 غلاف الطبعة الأولى من المراجعات (1936)
غلاف الطبعة الأولى من المراجعات (1936)

في البدء، أود الإشارة إلى أنَّ مَن يتناول مثل هذه المواضيع عليه تلقي الغضب؛ والاستحسان أيضاً، والفريقان الغاضب والمستحسن يتبادلان المواقع، بين موضوع وآخر، وفق قناعات كلٍّ منهما، فيكونان يوماً معك وآخر عليك. عندما كتبتُ عن عدم صحة تلمذة الإمام أبي حنيفة النُّعمان (ت: 150 هـ) على يد الإمام جعفر الصّادق (ت: 148 هـ)، واختلاق مقولة: «لولا السنتان لهلك النّعمان» (الدَّهلويّ، التُّحفة الاثني عشريّة)، غضب عليّ مَن غضب واستحسن مَن استحسن؛ وفق اختلاف العقائد، وعندما أكدتُ براءة الوزير ابن العلقمي (ت: 656 هـ) من خيانة الخلافة العباسيّة لصالح المغول، تبادل الغاضبون والمستحسنون المواقع، وفق العقائد أيضاً، ولما بينتُ عظمة هارون الرّشيد (ت: 193 هـ) ونجله الخليفة المثقف عبد الله المأمون (ت: 218 هـ) وفضلهما على ازدهار بغداد، تبدلت المواقع، ضدي ومعي، وفق العقائد أيضاً. وعندما نفيت أن يكون للشيعة قرآن غير ما بأيدي المسلمين كافة، غضب فريق واستحسن فريق آخر. هذا الموضوع سيجلب الغضب عليّ، ومَن يستحسن أيضاً، مع أنّه لا شأن للعقائد بما كتبتُ، إنما هذا تاريخ، ومَن يتغافل عمّا يراه حقيقةً، خشيةً مِن غضب أو طمعاً باستحسان، فعليه كسر القلم وغلق الفم.

عودة إلى العنوان، اشتهر كتاب «المُراجعات» لرجل الدّين اللُّبنانيّ العامليّ عبد الحسين شرف الدّين الموسويّ (1873-1957)، قلما يشتهر كتابٌ مثله، خصوصاً بين أتباع المذهب الشّيعي الإماميّ، حتَّى يمكن وصفه بـ«المانفيستو»، لأنّه كان حواراً مع ممثل المذهب السّنيّ والعقيدة الأشعريّة الأكبر، وهو إمام الأزهر الشّيخ سليم البِشِريّ (1832-1916).

صدر الكتاب بطبعته الأولى (1936)، نشرته مطبعة العرفان بصيدا، ثم ظل يُطبع، وبلغ عدد الطَّبعات حتَّى 1983 خمساً وعشرين طبعةً، وأمامي طبعة الكتاب الأولى والخامسة والعشرون، وما زال يُطبع، فالكتاب صار مِن الشّهرة والموثوقيّة ما إن يجري نقاشٌ في العقائد إلا ويُنصح بمراجعته بين المذهبين.

لكن، هل كان الكتاب فعلاً هو زبدة حوار بين إمام الأزهر؛ وكان عمره آنذاك 79 عاماً (عام الحوارات ذو القعدة 1329 إلى جمادى الأولى 1330 هـ/ نوفمبر، تشرين الثاني، 1911 إلى أبريل، نيسان، 1912)، بينما كان عُمر شرف الدّين 38 عاماً، وحينها لم يكن مرجعاً بلبنان ولا خارجه، فالمرجع المعروف بالنَّجف كان السّيد محمَّد كاظم اليزديّ (ت: 1919)، فهل يمكن أن يجري حوارٌ عقائديٌّ، ويتنازل فيه الإمام المالكيّ الأشعري، وهو إمام الأزهر، عن عقيدته الأشعريّة ومذهبه السُّنيّ المالكيّ، ويُهزم عقائدياً أمام شابٍ، ينتظره مشوارٌ طويلٌ كي يكون مجتهداً ومرجعاً، مثلما صار إليه شرف الدّين فيما بعد؟!

جاء في تنازل إمام الأزهر، المنشور في «المراجعات» في ختام الكتاب، الآتي: «أشهد أنكم في الفروع والأصول على ما كان عليه الأئمة من آل الرَّسول، وقد أوضحتَ هذا الأمر فجعلتَه جلياً، وأظهرتَ مِن مكنونه ما كان خفياً، فالشّك فيه خبالٌ، والتَّشكيكُ تضليلٌ، وقد استشففته فراقني إلى الغاية، وتمخرت ريحه الطَّيبة، فأنعشني قدسيٌ مهبها بشذاه الفياح، وكنت ـ قبل أن أتصل بسببك ـ على لبسٍ فيكم؛ لما كنت أسمعه من إرجاف المرجفين، وإجحاف المجحفين، فلما يسر الله اجتماعنا آويت منك إلى علمِ هدى، ومصباح دجى، وانصرفتُ عنك مفلحاً منجحاً، فما أعظم نعمة الله بك عليَّ، وما أحسنُ عائدتك لدي، والحمد لله رب العالمين» (المراجعات/ المراجعة قبل الأخيرة: 111).

يتألف الكتاب مِن 112 مراجعة، كانت مناصفةً بينهما، والأولى كانت للبشري، وفيها اقترح قائلاً: «سيكون توقيعي في أسفل مراجعاتي كاخا (س)، فليكن توقيعك (ش)». وكانت الأخيرة لشرف الدّين، التي يعلن فيها تصريح البشري بالحق: «حتّى برح الخفاء وصرح الحقّ عن محضهِ». اللافت للنّظر أنّ الكتاب اشتهر على أنه مناظرات بينهما، ولم نجد أثراً لاسم البشريّ ولا موقعه كإمام الأزهر، إنما المراجعات كافة ذُيلت بحرفي «س» و«ش»، وهنا لنا تفسيرها بالسُّني والشِّيعي، مع أنّ الشّائع لـ«سليم» و«شرف الدّين». فإذا كان الحرفان رمزين للشخصيتين، فمثلما كان «س» الحرف الأول لسليم البِشريّ، يكون حرف «ع» لعبد الحُسين شرف الدّين، وإذا كانا يرمزان للقبين فيكون حرف «الباء» للبشري، مثلما الشّين لصاحب الكتاب، فالقصد من الحرفين كان بين سني وشيعي، أي حوار بين السّنة والشّيعة.

تأتي البينة الأخرى مِن أنّ الحوار كان متخيلاً، وليس مثلما شاع أنه مناظرات حصلت بين إمام الأزهر والسَّيد شرف الدِّين، أنَّ الأسلوبَ واحدٌ تماماً بين المراجعات (س وش)، وأنّ كاتبها واحد، فكان التَّعبير متطابقاً تماماً، والواضح أنَّ السَّيد شرف الدّين كان يحاور نفسه، بما في داخله مِن رغبةِ التَّأثير في الخلاف المذهبيّ، وبالأخير أراد أنّ يكون مذهبه هو السّائد، فقدم محاوره المتخيل متنازلاً عن مذهبه. لكنَّ السّؤال: هل يُعقل أنَّ إمام الأزهر، صاحب المؤلفات والباع في المذهب المالكيّ والعقيدة الأشعريّة، يوافق على كلّ ما يطرحه الشّاب شرف الدّين، وبهذه السّهولة، حتّى تنتهي المحاورات بهزيمته عقائدياً، وباعترافه؟!

هذا، وختم شرف الدّين «المراجعات» بسطرين، يلفت بهما نظر القارئ إلى أنّ الكتاب كتابه، عندما يقول: «تم الكتاب بمعونة الله عز وجلّ، وحسن توفيقه تعالى بقلم مؤلفه عبد الحُسين شرف الدِّين الموسويّ العامليّ، عامله الله بفضله، وعفا عنه بكرمه، إنه أرحم الرّاحمين» (المراجعات).

لم يكن الأزهر مؤسسة ثانويّة وحديثة التّأسيس، إنما تاريخه يعود إلى أكثر مِن ألف عام، ولا إمامه البشريّ كان شخصاً مجهولاً، كي يتم التّنازل عن عقيدةٍ مؤسسةٍ، ومذهب تتدين به الملايين، بالشّرق والغرب، مثل المذهب المالكيّ، ولو حدث لما خفي الأمر في تاريخ الأزهر نفسه، ولسُجلت تلك الحوارات، ولعُزل إمامه عن المشيخة، مثلما حدث مع كثيرين نزعت عنهم جبة الأزهر وعمامته. إضافة إلى ما تقدم من أنّ شرف الدّين في ذلك الوقت كان شاباً، يصعب أنه حاور إمام الأزهر، وانتصر عليه بالضَّربة القاضية، مثلما ورد في «المراجعات»... اعترف بها في آخر مراجعة سجلها مع شرف الدِّين.

ظل الأزهر صامتاً أو متغافلاً عن كتاب «المراجعات»، فهو مثلما تقدم لم يُذكر فيه اسم شيخ الأزهر سليم البّشريّ، إنما أشير إليه بالإيماء. قال شرف الدّين: «هبطتُّ مصراً أواخر 1329 مؤملاً في نيله، نيل الأمنية التي أنشدها، وكنتُ ألهمتُ أني موفق لبعض ما أريد، ومتصل بالذي أداور معه الرّأي (إلى قوله) كذلك كان عَلم مصر وإمامها، وهكذا كانت مجالسنا، التي شكرناها، شكراً لا انقضاء له، لا حد» (مقدمة مؤلف المراجعات). فلو ذكر شرف الدّين إمام الأزهر باسمه، أو لقبه، أو منصبه لربّما تنبهت مشيخة الأزهر، وقالت كلمتها في الكتاب. مع العِلم بأنَّ الكتابَ طُبع بعد عشرين عاماً من وفاة المحاور، المتخيل، إمام الأزهر سليم البّشري عام 1916، والكتاب طُبع 1936.

قلتُ ظل الأزهر متغافلاً، لعقود طويلة، خلالها كان الكتاب يُطبع بغزارة، حتّى جاءت إمامة الشَّيخ جاد الحقّ علي جاد الحقَ للأزهر (1982)، فبدأ الانتباه للكتاب المذكور، وزج اسم سليم البشريّ فيه، وتخليه عن عقيدته الأزهريّة، وهذا أمر خطير، فكلف جاد الحقّ من يرد على الكتاب، ولم يرض عن الرُّدود، حتى ردّ على الكتاب، بتكليف مِنه، الشّيخ عليّ أحمد السَّالوس (ت: 2023)، وظهرت نقائض كثيرة للكتاب فيما بعد، وطرق القضية «مركز المسبار للدراسات والبحوث» في اثنين مِن كتبه الشّهريَّة «التّشيع في مصر»، الكتاب 77، و«الأزهر مرجعيّة التّقليد السُّنيّ في أزمنة التّغير»، الكتاب 88.

اتصل السَّالوس بالشَّيخ محمَّد بن سليم البشريّ، واستفسره عن هذا الحوار مع والده، فأجابه: «قرأت الحديث على أبي ثلاثين سنةً، فما ذَكر لي شيئاً عن الشّيعة، وما كان يخفي عني شيئاً» (السّالوس، نقض المراجعات: المقدمة)، ثم أصدرت أسرة البِّشري بياناً أشارت فيه إلى عدم صحة ما نُسب للبشريّ الأب.

كان يمكن للشيخ السّالوس أنْ يرد بغير هذا الأسلوب، فكان الحقّ العلميّ معه، لكنه انشغل عن ذلك بتخوين طائفة كاملة، والسَّب والقذف، ولم يبق بحدود مؤلف الكتاب وكتابه، فصحيح أنَّ الكتاب اشتهر على أنه حوار بين البشريّ وشرف الدِّين، لكنَّ الحجَّة التي على السّالوس التَّمسك بها أنَّ شرف الدين لم يدون اسم البشريّ صريحاً، ولم ينظر بما رمز له الحرفان، في ذيول المراجعات، فأنت عندما ترد لا تحتاج إلى إقناع أهل طائفتك، فهم لا تعوزهم القناعة، بأنّ إمام الأزهر لا يمكن أن يعلن تنازله عن عقيدته، وهو إمامها في عصره، إنما تحتاج إقناع الطائفة التي شاع الكتاب بين أتباعها كـ«مانفيستو»، مثلما تقدم، وبيانها الأول، فإذا ملأت ردك بالسّبّ والتَّكفير عزف عن قراءة كتابك مَن تريد توضيح الأمر لهم، هنا يجب العمل في التّاريخ لا في نزاع العقائد، وهو: هل كان الكتاب واقعاً أم مزوراً أم متخيلاً؟

أرى أنَّ هذا النّوع، أو الضَّرب مِن التَّصانيف أو المؤلفات، كان معروفاً، عندما تريد تقديم فكرة أو نقض أخرى تتخيل محاوراً، وأنت تسأل وتُجيب، وبالأخير تنتصر لعقيدتك، فعلها الطَّبيب مصطفى محمود في كتابه «حوار مع صديقي الملحد»، وهو ادعى أنه كان شيوعياً وانقلب وصار يعظ ضد عقيدته الأولى، وهذا الكتاب المتخيل أسهم في تكريس الصَّحوة الدِّينية ثقافياً، وقبله كان كتاب العلامة محمد جواد البلاغي (ت: 1936)، أدار حواراً مع نفسه متخيلاً، مع شخص سماه «عمانوئيل»، فكان كتابه «الرّحلة المدرسيّة بحوث في التّوراة والإنجيل» (صدر 1928)، وظهر انتصاره كمسلم على الآخرين، ومنه فصل كبير في الحوار عن نظرية داروين، لنقضها، والأمثلة كثيرة، على هذا النّوع مِن التَّأليف، بين الأقدمين والمتأخرين.

ما أعتقده أنَّ تأليف السّيد شرف الدِّين لهذا الكتاب كان متخيلاً، دفعه ما بين السّنة والشّيعة من جدل وخلاف، وهذا ما وضحه في مقدمة «المراجعات»، وأراد «إسلام بلا مذهبية»، ولكن كيف يكون شكل هذا الإسلام، بالنِّسبة لرجل دين شيعيّ، لا بد أنْ يكون شيعياً في تصوره؛ واختار محاورة شخصية كبرى، مثل إمام الأزهر البشريّ، وأن ينتصر عليه في مخيلته، وكان مِن نقاط الحوار سؤال البشري لشرف الدّين: لماذا لا تعتقدون بمذهب الأشعري؟ فكان الحوار، فالكتاب (المراجعات) المتخيل، على أنّ إمام الأزهر راجع نفسه، فسميت الحوارات بالمراجعات. أقول، وأحسب نفسي متخيلاً، فيما أدعيه، وهو أنّ الجماعات الإسلاميَّة التي ناقشت فكرها، وأعادت النّظر في ممارستها العقائديّة، نظرت العنوان، فسمت كتبها بالمراجعات.



«التوحش الرقمي» أو «كتب بلا قراءة» في العدد الجديد من «القافلة»

«التوحش الرقمي» أو «كتب بلا قراءة» في العدد الجديد من «القافلة»
TT

«التوحش الرقمي» أو «كتب بلا قراءة» في العدد الجديد من «القافلة»

«التوحش الرقمي» أو «كتب بلا قراءة» في العدد الجديد من «القافلة»

في العدد 718 (سبتمبر/أيلول - أكتوبر/تشرين الأول 2026) من مجلة «القافلة» السعودية التي تصدرها شركة «أرامكو»، يتأمل الدكتور عبد الله المطيري معنى السياحة بوصفها حالةً وجودية تتجاوز التنقل، والترفيه، مستكشفاً جذورها اللغوية، والفلسفية.

كما يتتبّع الكاتب محمود مبشر، نشأة صناعة الورق في سمرقند، مستعرضاً الجدل حول أصولها، وتطورها، وكيف أسهمت تحسينات الصُنّاع السمرقنديين في إنتاج الورق الذي أصبح ركيزةً لازدهار التأليف، والنسخ، وانتشار المعرفة في الحضارة الإسلامية.

الإرهاق الوظيفي

وتطرح قضية العدد مسألة «الإرهاق الوظيفي»؛ عن جذوره، وتداعياته، وطرق تشخيصه، وسبل الوقاية منه، والتعافي. كما يتتبّع فريق «القافلة» جذور المفهوم منذ ظهور «الوهن العصبي»، وصولاً إلى تبلور مصطلح (Burnout)، والاعتراف به من منظمة الصحة العالمية، مستعرضاً أسبابه النفسية، والاقتصادية، والمهنية. حيث يميّز هادي الدخيل بين ضغوط العمل الطبيعية والاستنزاف المزمن، ويتحدث عن العلامات الخفية للإرهاق، وتطوّرها التدريجي. ويناقش الدكتور أحمد الخلف آثار الإرهاق الوظيفي في الصحة النفسية، والجسدية، والحياة الشخصية، وسبل الوقاية، والتعافي. أما نايف الفهد، فإنه ينظر إلى المشكلة من زاوية المنظمات، مؤكداً ارتباطها بثقافة العمل، وأساليب الإدارة، وتوزيع الأعباء.

عالم التوحش الرقمي

في أدب وفنون، تناقش بثينة العيسى حال النشر في عالم التوحش الرقمي، وكيف أسهمت الفيديوهات القصيرة واقتصاد الانتباه في تراجع القراءة.

وتشير العيسى إلى دراسةٍ أميركية امتدت من 2003 حتى 2023، وجد فيها الباحثون أنَّ «القراءة من أجل المتعة» بين الشَّباب قد انخفضت بنسبة 40 في المائة خلال عشرين عاماً. وربطت هذه الدِّراسة بوضوحٍ بين تطوُّر البيئة الرقمية وتراجع القراءة.

وقالت: ليس من المبالغة القول إنَّ شركات التكنولوجيا قد نجحت في توجيه الضربة الأقسى للكتاب عبر التاريخ، ووحده المستقبل سيكشف إن كانت ضربةً قاصمة أم لا، وإن كان الكتاب قادراً على النَّجاة هذه المرة أم لا، وبأي شكلٍ؟ وما الثمن؟ لكن الضربة أسوأ من (...) إلقاء مخطوطات «بيت الحكمة» في نهرِ دجلة على يد المغول؛ إذ لم ينجح أيٌّ من هؤلاء في التسبّب في نكوصٍ قرائي بنسبة 40 في المائة، مهما أرادوا ذلك.

وتقول الكاتبة: الكتاب كائنٌ مشاغب، رعوي، ولا يمكن ضبطه، ينجو باستمرارٍ من المنع، والحرق، والغرق، ويتحالف مع الورّاقين من حفظة الذاكرة، ومع القراصنة، والمهرِّبين، والصعاليك إن اقتضى الأمر. تمتَّع الكتاب، عبر التاريخ، بمرونة قتالية مدهشة، وقد انتصر غالباً أمام الفاشية، لكنه اليوم يحاربُ خصماً مختلفاً تماماً، وفي معركةٍ مختلفة تماماً، وبأدواتٍ مختلفة تماماً، فهل سينجو؟ ومرَّة أخرى: بأي شكل؟ وما الثَّمن؟

وتضيف: هذا شيءٌ لم نتخيل أن نقوله في يومٍ من الأيام، لكننا لو خُيّرنا بين الرقابة الكلاسيكية والعيش في مناخ رقمي مملوء بالكتب التي لا يقرأها أحد، لاخترنا الرقابة في شكلها الأوَّل، الواضح، والصريح؛ لأن محاربتها أسهَل، ولأنها لا تخفي آثارها بهذه البراعة، ولا تجعل الواحد منّا يشعرُ بفشله الشخصي بسبب اعتلالٍ بُنيوي في المنظومة. ففي حين تستهدف الرقابة الكلاسيكية منع الكتب نفسها، تعمل المنصات الرقمية على تقويض قدرتنا على القراءة، من دون أن تضطر إلى منع كتابٍ واحد، أو شيطنته. وقد وجدت نبوءة راي برادبيري في روايته «451 فهرنهايت» فرصةً للتحقق أخيراً: «لست مضطراً إلى حرق الكتب لتدمير الثقافة، كل ما عليك فعله أن تُوقف الناس عن قراءتها».

وتقول العيسى: لقد نجح رأس المال الحر، في الشمال العالمي «المتحضّر»، في تحقيق ما لم تنجح الرقابة في تحقيقه قط. وتضيف: من الواضح أننا لا نعيش في عالم أورويل القائم على القمع الصريح، بل في عالم هكسلي الذي يرتكز على التخدير، والترفيه المتواصل، فما الذي حدث فعلاً؟ وأين نحن من نبوءة أورويل في رواية «1984»، بأن وسيلة التحكّم في الأفراد هي الألم، ونبوءة هكسلي في رواية «عالم جديد شجاع» التي تصوّر المتعة وسيلةً للتحكّم في الأفراد؟ وبعبارة موجزة: خشي أورويل أن يدمِّرنا ما نكرهه، وخشي هكسلي أن يدمِّرنا ما نحبُّه.

آداب وفنون

وفي هذا العدد من «القافلة» يتتبّع بدر الدين عرودكي المسيرة الإبداعية للكاتبة الفرنسية نيللي آلار، من التمثيل، وكتابة السيناريو، إلى الرواية. وفي زاوية شعر نقرأ نصًّا للشاعرة جيهان عمر. ويناقش ياسر مدخلي إدارة المشاريع الإبداعية، والتحوّل الذي يشهده القطاع الثقافي السعودي من نشاط إبداعي إلى صناعة اقتصادية. ويستعرض خليل صويلح سيرة أبي خليل القباني، رائد المسرح العربي الحديث، ورحلته من دمشق إلى القاهرة، وشيكاغو. ويتتبّع يوسف الحربي تحوّل العمل الفني من منجز جمالي إلى أصلٍ استثماري، ودور المزادات والإعلام ورأس المال في صناعة قيمته السوقية. ويناقش حمادي كيروم محاولات اقتباس رواية «مدام بوفاري» سينمائياً، واختلاف رؤى جان رونوار وكلود شابرول وفنسنت مينيلي في نقل عالم فلوبير إلى الشاشة. ويتحدث الدكتور فراس طرابلسي عن تطوّر الموسيقى التصويرية من إضافة جمالية إلى شريكٍ أساسي في بناء السرد السينمائي، وصناعة المعنى. فيما يعرّفنا طاهر الزهراني على تجربة الفنانة السعودية زهرة الغامدي، التي تستلهم أعمالها التركيبية من الأرض، وذاكرة المكان، والطبيعة الجنوبية.

علوم وآفاق

وفي علوم، تناقش الدكتورة ندى الأحمدي تطوّر فهم الأحلام في أبحاث علم الأعصاب الحديثة، وإمكانات «هندسة الأحلام»، وحدودها الأخلاقية. ويتحدث علاء حليفي عن «المدن الإسفنجية»، بوصفها نموذجاً عمرانياً يتعايش مع دورة الماء، ويسهم في الحد من الفيضانات. ويتأمل محمد سناجلة تطورات الحوسبة العاطفية، وإمكان إنشاء «متحف للعواطف» يحفظ آثار المشاعر الإنسانية. فيما يتناول الدكتور فهد المرشدي الفيتامينات، ومصادرها، ومخاطر نقصها، أو الإفراط فيها، مؤكداً أنها ليست بديلاً عن نمط الحياة الصحي. ويتناول محمد الصيعري رهان الحوسبة الكمّية، والتجربة السعودية في هذا المجال، مسلطاً الضوء على إطلاق أول حاسوب كمّي في المملكة، وأول منصة تجارية للحوسبة الكمّية في الشرق الأوسط.

وفي آفاق، يكتب عبد الله الضامن عن «فخ الغضب»، وكيف تستثمر المنصات الرقمية الانفعال والسخط لزيادة التفاعل، فيما يناقش الدكتور خالد حنفي أثر الخوارزميات في صعود الشعبويات الرقمية، وتشكيل الوعي، والسلوك، والهوية. وتتحدث مهى قمر الدين عن تحوّل الهدوء من حاجة إنسانية فطرية إلى سلعة وامتياز في عالم يزداد ضجيجاً. ويأخذنا هشام الحميد إلى كوبا، مستعرضاً ملامحها التاريخية، وعمارتها، وسياراتها الكلاسيكية، وثقافتها النابضة بالموسيقى، والفنون.

وفي «فكرة العدد»، تستعرض مهى قمر الدين تجربة اللوحات البنية على الطرق السريعة في فرنسا، وكيف تحوّلت من أدوات إرشادية إلى وسائط بصرية وثقافية تجمع بين التصميم، والفن، والسياحة، والسلامة المرورية.

ويتحدث ملف العدد عن «النسيان»، بوصفه وظيفةً بيولوجية ضرورية، لا مجرد خلل في الذاكرة. حيث يتناول الدكتور عبد الله العقيبي دور النسيان في التكيّف، واتخاذ القرار، والفرق بين النسيان الطبيعي والمرضي، كما يستعرض حضوره في الأدب، والفنون، والذاكرة الجمعية، ومحاولات الإنسان مقاومته بالكتابة، والتقنية، وصولاً إلى دوره في تشكيل التجربة الإنسانية، والهوية الفردية.


الملك تشارلز وماكرون يتفقدان نسيج بايو التاريخي في المتحف البريطاني

تُظهر هذه الصورة التي التُقطت في 18 سبتمبر 2019 نسيج بايو الذي يعود إلى القرن الحادي عشر والذي يؤرخ للغزو النورماندي لإنجلترا في بايو في نورماندي بفرنسا (أ.ب)
تُظهر هذه الصورة التي التُقطت في 18 سبتمبر 2019 نسيج بايو الذي يعود إلى القرن الحادي عشر والذي يؤرخ للغزو النورماندي لإنجلترا في بايو في نورماندي بفرنسا (أ.ب)
TT

الملك تشارلز وماكرون يتفقدان نسيج بايو التاريخي في المتحف البريطاني

تُظهر هذه الصورة التي التُقطت في 18 سبتمبر 2019 نسيج بايو الذي يعود إلى القرن الحادي عشر والذي يؤرخ للغزو النورماندي لإنجلترا في بايو في نورماندي بفرنسا (أ.ب)
تُظهر هذه الصورة التي التُقطت في 18 سبتمبر 2019 نسيج بايو الذي يعود إلى القرن الحادي عشر والذي يؤرخ للغزو النورماندي لإنجلترا في بايو في نورماندي بفرنسا (أ.ب)

سيزور الملك تشارلز ملك بريطانيا والرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون، اليوم الأربعاء، المعرض الذي يضم نسيج بايو التاريخي، وهو عمل مطرز يعود إلى ما يقرب من 1000 عام ويصوّر غزو وليام الأول، وهو من أجداد الملك، لإنجلترا في عام 1066.

وبموجب اتفاق مع الحكومة الفرنسية، تمت إعارة النسيج، الذي يبلغ طوله 70 متراً، إلى المتحف البريطاني من مقره في شمال فرنسا ليُعرض على الأراضي الإنجليزية لأول مرة منذ صنعه.

ويروي هذا النسيج المطرز الأحداث التي قادت إلى معركة هيستنغز الشهيرة وهزيمة الملك الأنغلوسكسوني هارولد الثاني على يد النورمان. ويعتقد المؤرخون أن الأسقف أودو شقيق وليام أمر بصنع النسيج وأن خياطات إنجليزيات في منطقة كنت تولين تطريزه.

وينحدر جميع ملوك إنجلترا منذ ذلك الحين، بمن فيهم الملك تشارلز، من نسل وليام. ويمثل غزوه لإنجلترا آخر غزو ناجح للبلاد، ويعتبر عام 1066 من أشهر الأعوام في تاريخها.

وكان الإقبال كبيراً على مشاهدة هذه التحفة الفنية التي تعود إلى العصور الوسطى لدرجة أن الدفعة الأولى من التذاكر، التي قد يصل سعرها إلى 33 جنيهاً إسترلينياً، نفدت بالكامل، مما حقق إيرادات تقارب 2.5 مليون جنيه إسترليني (3.4 مليون دولار) ليصبح هذا أكثر معارض المتحف بيعاً للتذاكر.

وقال قصر بكنغهام إن الملك تشارلز وزوجته الملكة كاميلا سينضم إليهما ماكرون وزوجته، إلى جانب رئيس الوزراء البريطاني آندي بورنهام، لتفقد النسيج الطويل ودراسة أبرز مشاهده، مثل تتويج هارولد غودوينسون وواقعة قتله الشهيرة بسهم خلال المعركة.

وجرى تأكيد إعارة النسيج في يوليو (تموز) خلال زيارة رسمية أجراها ماكرون إلى بريطانيا، وتعد الخطوة رمزاً لتعزيز العلاقات بين البلدين بعد الخلاف الذي أعقب تصويت بريطانيا في 2016 لصالح الخروج من الاتحاد الأوروبي. وتربط الملك والرئيس علاقة ودية.

وقال بورنهام، الذي من المقرر أن يجتمع مع ماكرون في داوننغ ستريت غداً، الخميس، في بيان «تمثل عودة نسيج بايو إلى إنجلترا لحظة تاريخية لبلدينا، وأريد أن يتمكن الناس في كل أنحاء البلاد من الاستمتاع به».

وأضاف: «بينما نحتفل بتراثنا المشترك، سنواصل أنا والرئيس ماكرون تعزيز العلاقة بين بلدينا».

ووصل النسيج إلى بريطانيا في يوليو في رحلة نظمتها فرنسا بعناية، إذ نقل داخل صندوق مكيف ومقاوم للاهتزاز تحت حراسة الشرطة.

ومن المقرر أن يفتح المعرض أبوابه أمام الجمهور في المتحف البريطاني في العاشر من سبتمبر (أيلول) حتى يوليو من العام المقبل.


حين تتحول الغنائية في الشعر إلى تهمة

بدر شاكر السياب
بدر شاكر السياب
TT

حين تتحول الغنائية في الشعر إلى تهمة

بدر شاكر السياب
بدر شاكر السياب

يردد بعض النقاد المنحازين للحداثة وما بعدها، وصف الشعراء الذين تطفح قصائدهم بالعاطفة بالشعراء الغنائيين، ويبدو أن هذه الصفة ليست مدحاً، بل هي جزء من مؤاخذتهم على القصيدة الغنائية. وكأن الغنائية، في هذه الرؤية، قد أصبحت تهمة نقدية ينبغي للشاعر الحديث أن يتخلص منها، أو على الأقل أن يخفف من حضورها في قصيدته، حتى لا يُحسب على الشعر الذي ينتمي إلى مرحلة شعرية تجاوزتها الحداثة في نظرهم.

وليس الاعتراض هنا على مصطلح «الغنائية» في ذاته، فهو مصطلح نقدي أصيل، وله حضوره في تاريخ الشعر العربي والعالمي، وإنما على الحمولة التي أُضيفت إليه في بعض التصورات النقدية الحديثة؛ إذ لم يعد يدل على طبيعة التجربة الشعرية وارتباطها بالذات والانفعال والموسيقى، بل صار يُستعمل أحياناً بوصفه علامة على تقليدية القصيدة وذاتيتها، ولم يبلغ ـ في تصور بعض النقاد ـ درجة كافية من التعقيد أو الانفتاح أو التشظي.

والغريب أن العاطفة، التي كانت في تاريخ الشعر واحدة من أهم عناصر الشعرية، أخذت تُعامل في بعض القراءات الحديثة بحذر شديد، وكأن حضورها الكثيف يهبط بالنص من مرتبة الشعر إلى مرتبة البوح. وهنا يقع خلط واضح بين العاطفة بوصفها مادة إنسانية، والتعبير الساذج عنها بوصفه ضعفاً فنياً. فليست المشكلة أن يكون الشاعر عاطفياً، وإنما المشكلة في كيفية تحويل العاطفة إلى بناء شعري قادر على تجاوز الانفعال الشخصي إلى تجربة إنسانية قابلة للتلقي والتأويل.

فامرؤ القيس والمتنبي وأبو تمام وأبو فراس والمعري، وغيرهم من كبار الشعراء، لم يكونوا غرباء عن ذواتهم ومشاعرهم، بل إن جانباً كبيراً من خلود شعرهم جاء من قدرتهم على تحويل التجربة الخاصة إلى لغة تتجاوز صاحبها. وحتى في الشعر الحديث، لا يمكن فهم كثير من التجارب الشعرية الكبرى من دون الاعتراف بمركزية الذات والانفعال والحنين والحزن والحب والاغتراب. إن قصيدة السياب، مثلاً، لا تفقد حداثتها لأنها مشبعة بالعاطفة، كما أن شعر محمود درويش لا يصبح أقل حداثة لأن الذات والحب والوطن والذاكرة حاضرة فيه بقوة.

محمود درويش

المشكلة إذن ليست في الغنائية، وإنما في اختزال الشعر إليها. فإذا كانت القصيدة مجرد انفعال مباشر، فقد تكون معرضة للفقر الفني مهما كان موضوعها. أما إذا استطاع الشاعر أن يصوغ انفعاله في صورة ورمز وإيقاع وتركيب لغوي ودلالي، فإن الغنائية تصبح عنصراً من عناصر الشعرية، لا نقيضاً لها.

واللافت أن بعض النقاد الحداثيين بالغوا في الاحتفاء بالتجريب واللغة المنفلتة من المرجع، وجدوا أنفسهم أحياناً أسرى ثنائية مصطنعة: قصيدة غنائية قديمة في مقابل قصيدة حداثية، وذات شاعرة في مقابل نص مستقل، وموسيقى في مقابل تفكيك، ووضوح في مقابل غموض. وكأن الحداثة لا تتحقق إلا بإقصاء ما سبقها، لا بإعادة قراءته واستثماره وتجاوزه بصورة إبداعية.

والحقيقة أن الشعر لا يتقدم بإلغاء خصائصه الأولى، وإنما بإعادة تشكيلها. فالقصيدة الحديثة تستطيع أن تكون غنائية وتجريبية في الوقت نفسه، وأن تحتفظ بالعاطفة من دون أن تقع في المباشرة، وأن تستثمر الإيقاع من دون أن تكون أسيرة النموذج الموروث، وأن تجعل من الذات منطلقاً لرؤية تتجاوز الذات.

ومن هنا تبدو تسمية الشاعر بـ«الغنائي» بحاجة إلى قدر من التروي النقدي. فإن أريد بها وصف طبيعة شعره، فهي تسمية مشروعة لا تحمل ذماً ولا مدحاً في ذاتها. أما إذا أريد بها إدانة الشاعر لأنه يمنح العاطفة والذات مساحة واسعة في تجربته، فإن الأمر يتحول من توصيف نقدي إلى حكم مسبق تحكمه ذائقة آيديولوجية أو حداثية معينة.

ولعل أخطر ما في هذه النظرة أنها تنقل مركز الحكم من النص إلى التصنيف؛ فيُقرأ الشاعر أولاً بوصفه غنائياً أو حداثياً أو ما بعد حداثي، ثم يُقرأ شعره على ضوء التصنيف، بدل أن يكون النص نفسه هو الذي يفرض أدوات قراءته. وهنا يفقد النقد شيئاً من وظيفته الأساسية؛ لأن الناقد لا يعود مكتشفاً لجماليات النص وطرائق اشتغاله، بل يصبح موظفاً في منظومة تصنيفية جاهزة.

إن الشعر في جوهره لا يُقاس بكمية العاطفة فيه، ولا بكمية العقل، ولا بدرجة اقترابه من الحداثة أو ابتعاده عنها، وإنما بقدرته على تحويل التجربة الإنسانية إلى لغة ذات قيمة جمالية ودلالية. ولذلك لا ينبغي أن تكون الغنائية تهمة، كما لا ينبغي أن تكون الحداثة شهادة جودة تلقائية.

فقد تكون القصيدة غنائية، لكنها عميقة ومركبة ومفتوحة على أسئلة الإنسان والوجود، وقد تكون حداثية في شكلها ومصطلحاتها، لكنها فقيرة في التجربة والانفعال. وفي الحالتين لا تنقذ التسمية النص من الحكم النقدي، ولا تدينه. وحده النص هو الذي ينبغي أن يكون في قفص الاتهام، لا الشاعر بسبب انتمائه إلى طريقة شعرية أو حساسية جمالية معينة.

إن النقد الحقيقي لا يسأل الشاعر: لماذا كنت غنائياً؟ بل يسأل: ماذا صنعت بغنائيتك؟ وكيف حولت عاطفتك إلى شعر؟ هنا فقط يصبح الحكم جمالياً وفنياً، بعيداً عن المحاكمات المسبقة التي تجعل من بعض خصائص الشعر العربي تهماً ينبغي التخلص منها لمجرد أنها لا تنسجم مع ذائقة نقدية عابرة.