الحصبة تغزو مناطق سيطرة الحوثيين

تحذيرات دولية من اتساع رقعة الجوع وتدهور الصحة والتعليم في اليمن

حملة خيرية لمساعدة مرضى العيون في مركز صحي في صنعاء (إ.ب.أ)
حملة خيرية لمساعدة مرضى العيون في مركز صحي في صنعاء (إ.ب.أ)
TT

الحصبة تغزو مناطق سيطرة الحوثيين

حملة خيرية لمساعدة مرضى العيون في مركز صحي في صنعاء (إ.ب.أ)
حملة خيرية لمساعدة مرضى العيون في مركز صحي في صنعاء (إ.ب.أ)

أظهرت تقارير أممية ارتفاع نسبة الإصابة بالحصبة في اليمن إلى 260 في المائة، حيث سُجّل معظمها في مناطق سيطرة الحوثيين، بالتوازي مع اتساع رقعة الجوع، وتدهور الصحة والتعليم.

ففي حين تواصل الحكومة اليمنية الشرعية، التي تتخذ من عدن عاصمة مؤقتة، حملة تحصين شاملة ضد مرض الحصبة في مناطق سيطرتها، أظهرت بيانات دولية أن غالبية الحالات المسجلة بالمرض تتركز في المحافظات الواقعة تحت سيطرة الحوثيين الذين يواصلون منع حملات التحصين الشاملة، ويقصرون الحصول على اللقاحات على بعض المراكز الصحية الثابتة.

جاء ذلك في وقت يعاني فيه أكثر من ثُلث السكان اليمنيين من الجوع الشديد، وسط تدهور قطاعَي الصحة والتعليم، إضافة إلى حاجة أكثر من 8 ملايين طفل إلى المساعدة الإنسانية، وفق ما أوردته منظمة «أوكسفام» الدولية.

تسجيل أكثر من 40 ألف إصابة بالحصبة في اليمن منذ بداية العام (الأمم المتحدة)

«الوكالة الأميركية للتنمية الدولية» ذكرت في أحدث تقاريرها أن اليمن يشهد ارتفاعاً كبيراً في حالات الإصابة بالحصبة والحصبة الألمانية، وأوضحت أن 60 في المائة من الحالات المشتبه بها سُجّلت في المحافظات الخاضعة للحوثيين.

وأكدت الوكالة أن الحملة المناهضة للقاحات التي يقودها الحوثيون «أسهمت بشكل كبير في انتشار الحصبة وغيره من الأمراض التي كان من الممكن الوقاية منها باللقاحات»، مشيرة إلى أن أخذ اللقاحات يقتصر حالياً على بعض المراكز الصحية الثابتة، حيث يمنع الحوثيون تنفيذ حملة تطعيم شاملة من منزل إلى منزل في مناطق سيطرتهم.

40 ألف إصابة

وفق بيانات منظمة الصحة العالمية، فقد تم الإبلاغ عن نحو 40130 حالة اشتباه بالحصبة والحصبة الألمانية في جميع أنحاء اليمن خلال الفترة من 1 يناير (كانون الثاني) وحتى 26 سبتمبر (أيلول) الماضيَين، مع تسجيل 362 حالة وفاة مرتبطة بالمرض.

وذكرت المنظمة أن حالات الإصابة بمرض الحصبة خلال الأشهر التسعة الأولى من العام الحالي، تشكّل أكثر من ضعف عدد الحالات المسجلة خلال الفترة نفسها من العام الماضي.

وبحسب تلك البيانات، فإن عدد الإصابات ارتفع هذا العام بنسبة 260 في المائة فوق المستويات المسجلة خلال العام الذي سبقه، بينما أظهرت بيانات منظمة الأمم المتحدة للطفولة (يونيسف) أن أكثر من 80 في المائة من الأطفال الذين يعانون من حالات الحصبة المشتبه بهم، لم يتلقوا خلال هذا العام جرعة من اللقاح، وهو ما يظهر الارتفاع الكبير للإصابة بالمرض، خصوصاً بين الأطفال وفقاً لـ«يونيسف».

8.5 مليون طفل في اليمن يحتاجون للمساعدات الإنسانية (الأمم المتحدة)

وأعاد التقرير سبب ارتفاع حالات الأمراض التي يمكن الوقاية منها باللقاحات، إلى «الضعف الشديد في نظام الرعاية الصحية جراء 9 سنوات من الصراع، واستمرار التدهور الاقتصادي، والقيود المفروضة من قبل أطراف النزاع».

وذكر التقرير أن هذه العوامل كلها عملت على الحد من وصول السكان المستضعفين إلى المساعدات الإنسانية، بما في ذلك خدمات الرعاية الصحية، مما دفع الأسر إلى اعتماد آليات مواجهة سلبية، وزيادة التعرض للأمراض التي يمكن الوقاية منها.

اتساع رقعة الجوع

ذكرت منظمة «أوكسفام» العالمية أن الجوع الشديد في اليمن في ازدياد بعد مرور عام على انتهاء الهدنة الإنسانية، حيث يعاني أكثر من ثُلث سكان البلاد من الجوع الشديد، حيث تعد معدلات سوء التغذية بين الأطفال من بين أعلى المعدلات في العالم، ودعت جميع أطراف النزاع إلى السعي لتحقيق سلام مستدام وشامل.

وطالبت المنظمة الجهات المانحة بالوفاء بتعهداتها المتعلقة بالمساعدات الإنسانية. وقالت إنه ومنذ اندلاع الحرب، شكّل اليمن واحدة من أسوأ الأزمات الإنسانية في العالم، حيث يحتاج أكثر من 21 مليون شخص، أي ثلثي السكان، إلى المساعدة الإنسانية، كما أدى الصراع إلى سقوط آلاف الضحايا، ودفع أكثر من 4 ملايين إلى النزوح من منازلهم، وتسبّب في انهيار اقتصادي.

وأشادت «أوكسفام» بالهدنة المؤقتة، وقالت إنها شكّلت بصيص أمل لملايين اليمنيين، حيث انخفض عدد الضحايا بسبب القتال بنسبة 60 في المائة، مما سهل الوصول إلى الخدمات الأساسية. لكنها ذكرت أن عدم اليقين السياسي أعاق تعافي البلاد.

وأكدت أن الاقتصاد اليمني يعاني من تدهور كبير، حيث ازدادت معدلات انخفاض قيمة العملة؛ وذلك بسبب التضخم، وتضاعفت أسعار المواد الغذائية، ولم يعد عديد من اليمنيين قادرين على شراء احتياجاتهم الأساسية من الطعام.

منعَ الحوثيون حملات التحصين من منزل إلى منزل ما تسبب في تفشي الأمراض الوبائية (الأمم المتحدة)

ووفق ما أوردته المنظمة، فإن نحو 8.5 مليون طفل يحتاجون إلى المساعدة الإنسانية ويواجهون تهديداً يومياً؛ بسبب نقص الغذاء، وتفاقم الأمراض، والنزوح، وصعوبة الوصول إلى الخدمات الاجتماعية الأساسية بشكل حاد.

البيانات التي وزعتها «أوكسفام» تشير إلى أن تمويل الاستجابة الصحية حالياً لم يتجاوز نسبة 7 في المائة فقط، بينما تم تمويل القطاع التعليمي بنسبة 2 في المائة فقط.

ورأت أن الوضع الحالي «يصور الأسوأ»، وتوقعت أن يرتفع عدد الأشخاص الذين يواجهون مستويات الجوع في الأزمات أو حالات الطوارئ بنسبة 20 في المائة، مع إشارتها إلى وجود 78 ألف شخص «يعيشون بالفعل في مرحلة الجوع الشديد الطارئة بحسب التصنيف الدولي»، إلى جانب وجود 2.2 مليون طفل دون سن الخامسة يحتاجون إلى العلاج العاجل من سوء التغذية الحاد، وهو أحد أعلى المعدلات في العالم.

حملة توعية في أوساط طلبة المدارس الحكومية بأهمية اللقاحات (إعلام يمني حكومي)

وأظهرت هذه البيانات أن ما يقرب من ثُلث الأسر تعاني من فجوات في وجباتها الغذائية، ونادراً ما تستهلك الأطعمة مثل البقوليات أو الخضار أو الفاكهة أو منتجات الألبان أو اللحوم.

وأوضحت بيانات المنظمة أن الأطفال الصغار فقط هم الذين يتناولون 3 وجبات في اليوم، كما أن الأسر في اليمن تعاني من آثار تغير المناخ، حيث دمرت فترات الجفاف والأمطار الغزيرة المحاصيل والمنازل وسبل العيش. ورجحت حدوث مزيد من الصدمات المناخية مع استمرار موسم الأمطار، في ظل تدهور البنية التحتية غير المجهزة للتعامل مع الفيضانات.

وشددت المنظمة على أن اليمنيين يحتاجون إلى سلام مستدام وشامل أكثر من أي وقت مضى. وقالت إنه يجب على أطراف النزاع كافة، بما في ذلك المجتمع الدولي، تجديد الجهود لتحقيق السلام وإعادة بناء البلاد. ورأت أن دفع الرواتب، وإعادة فتح الطرق الحيوية، ووضع خطة لإعادة بناء الاقتصاد، يجب أن تكون أموراً محورية في أي اتفاق سلام مقبل.


مقالات ذات صلة

اليمن يطالب بإغلاق ملف الوكلاء والتنظيمات المسلحة التابعة لإيران في المنطقة

المشرق العربي الرئيس رشاد العليمي خلال استقبال السفير البريطانية لدى اليمن (سبأ)

اليمن يطالب بإغلاق ملف الوكلاء والتنظيمات المسلحة التابعة لإيران في المنطقة

طالب رئيس مجلس القيادة الرئاسي اليمني الدكتور رشاد العليمي بالعمل بشكل حاسم على إغلاق ملف الوكلاء والتنظيمات المسلحة التابعة لإيران في المنطقة.

عبد الهادي حبتور (الرياض)
العالم العربي نقص التمويل في اليمن حال دون وصول المساعدات إلى كل المتضررين (الأمم المتحدة)

مخاوف أممية من أمطار استثنائية تضرب اليمن

حذَّر تقرير أممي من موجة أمطار غزيرة وغير معتادة في اليمن خلال مايو (أيار)، وسط مخاوف من فيضانات جديدة قد تضرب الزراعة والثروة الحيوانية وتعزل مناطق ريفية واسعة

محمد ناصر (عدن)
العالم العربي مناطق سيطرة الحوثيين هي الأكثر تضرراً من الأزمة الإنسانية (أ.ف.ب)

تحذيرات دولية ومحلية من مجاعة وشيكة في اليمن

تتزايد التحذيرات الأممية والدولية من تداخل الجوع والفقر والمناخ في دفع ملايين اليمنيين نحو كارثة إنسانية أشد قسوة، وتضاعف تأثيراتها على النازحين والمهمشين

وضاح الجليل (عدن)
العالم العربي رئيس الحكومة اليمنية شائع الزنداني (إعلام حكومي)

الزنداني يضع الأمن والخدمات في صدارة أولويات اليمن

شددت الحكومة اليمنية على أولوية الأمن والخدمات والإصلاح، مع رسائل طمأنة للمانحين وتحركات سياسية رئاسية تؤكد ربط الاستقرار الداخلي بمعالجة التهديدات الإيرانية

«الشرق الأوسط» (عدن)
العالم العربي 
تسجيل 226 حالة إصابة مؤكدة بالحصبة في ساحل حضرموت (إعلام حكومي)

الدعم السعودي يسند صحة اليمن في مواجهة الأوبئة

نجح الدعم السعودي والدولي في إعادة تشغيل أكثر من 3200 مرفق صحي باليمن لكن تراجع التمويل الخارجي يهدد برامج التحصين وجهود مواجهة الحصبة وشلل الأطفال والدفتيريا

محمد ناصر (عدن)

مخاوف أممية من أمطار استثنائية تضرب اليمن

التجمعات السكنية في اليمن القريبة من مجاري السيول معرضة للخطر (الأمم المتحدة)
التجمعات السكنية في اليمن القريبة من مجاري السيول معرضة للخطر (الأمم المتحدة)
TT

مخاوف أممية من أمطار استثنائية تضرب اليمن

التجمعات السكنية في اليمن القريبة من مجاري السيول معرضة للخطر (الأمم المتحدة)
التجمعات السكنية في اليمن القريبة من مجاري السيول معرضة للخطر (الأمم المتحدة)

في وقت لم يلتقط فيه اليمنيون أنفاسهم بعد من موجات السيول والفيضانات التي اجتاحت مناطق واسعة خلال الأسابيع الماضية، عادت التحذيرات الدولية من موجة جديدة من الأمطار الغزيرة وغير المعتادة، إذ يُتوقع أن تضرب أجزاء واسعة من البلاد خلال الشهر الحالي.

وأظهرت نشرة الإنذار المبكر والأرصاد الزراعية الصادرة عن منظمة الأمم المتحدة للأغذية والزراعة (فاو) مؤشرات مقلقة بشأن تفاوت كبير في معدلات هطول الأمطار على مستوى اليمن، مع توقعات بهطول أمطار غزيرة في المرتفعات الوسطى، خصوصاً في محافظتي ذمار وإب، قد تصل إلى نحو 150 ملم، وهو مستوى يرفع من احتمالات حدوث فيضانات مفاجئة وسيول جارفة قد تمتد آثارها إلى المناطق السهلية المجاورة.

ولم تقتصر التحذيرات على المرتفعات، إذ نبّهت النشرة إلى ارتفاع خطر الفيضانات في وادي زبيد بمحافظة الحديدة، مع مخاطر متوسطة في أودية مور وسردود وريمة، في حين يُتوقع أن تشهد المناطق الساحلية المطلة على البحر الأحمر وخليج عدن وبحر العرب أمطاراً أخف، لكنها تبقى مؤثرة في المناطق الهشة والمعرضة عادة لتجمع المياه.

نقص التمويل في اليمن حال دون وصول المساعدات إلى كل المتضررين (الأمم المتحدة)

وتمثل الأمطار الموسمية في الظروف الطبيعية عاملاً حاسماً في دعم الزراعة المطرية في اليمن، لإنبات محاصيل رئيسية مثل الذرة الرفيعة والدخن، وهي محاصيل يعتمد عليها اليمنيون بشكل واسع في الأمن الغذائي المحلي، كما تسهم في تعزيز خصوبة التربة وتحسين فرص الإنتاج الزراعي في بعض المناطق.

لكن في المقابل، ترجّح النشرة أن يؤدي الهطول الكثيف إلى غمر الحقول المنخفضة وسيئة التصريف، ما يتسبب في تأخير الزراعة وتعطل عمليات البذر نتيجة تشبع التربة وصعوبة الوصول إلى الأراضي الزراعية، فضلاً عن أن المحاصيل في مراحلها الأولى تكون أكثر هشاشة أمام الرطوبة الزائدة، مما يرفع احتمالات تعرضها للتلف وانتشار الأمراض النباتية والآفات المرتبطة بالبيئات الرطبة.

مخاطر متعددة

وفي حين لن تكون الزراعة وحدها في مرمى التأثيرات المناخية في اليمن، توقعت النشرة الأممية أن تواجه الثروة الحيوانية بدورها تحديات كبيرة، خصوصاً في المناطق الرعوية التي قد تتراجع فيها قدرة المراعي على توفير الغذاء الطبيعي نتيجة الفيضانات وتشبع الأراضي بالمياه، وهو ما يقيّد حركة القطعان ويزيد من صعوبة تنقل المربين في المناطق المتضررة.

كما تُهيئ الظروف الرطبة بيئة مناسبة لانتشار أمراض حيوانية متعددة، بينها تعفن القدم وبعض الأمراض المعدية المرتبطة بارتفاع الرطوبة وتلوث مصادر المياه، وهي عوامل قد تؤدي إلى انخفاض إنتاجية الحيوانات، سواء في اللحوم أو الألبان، وتكبّد الأسر الريفية خسائر إضافية في مصادر رزقها المحدودة.

وتحذر تقديرات زراعية من أن استمرار هذا النمط المناخي دون تدابير وقائية سريعة قد يُدخل المجتمعات الريفية في حلقة جديدة من الهشاشة الاقتصادية، خصوصاً في المحافظات التي تعتمد على الزراعة والرعي كركيزة أساسية للعيش.

تأثر البنية التحتية

ويمتد أثر الأمطار الغزيرة في اليمن إلى ما هو أبعد من الحقول والمراعي، ليطال البنية التحتية الريفية الهشة أصلاً، إذ تتوقع النشرة الأممية تعرض الطرق الترابية والمسارات الفرعية لأضرار واسعة بفعل الانجرافات، بينما قد تؤدي المعابر المغمورة بالمياه إلى عزل تجمعات سكانية بأكملها، وعرقلة وصول الإمدادات الزراعية والخدمات الأساسية والمساعدات الإنسانية.

كما أن شبكات الري والصرف في كثير من المناطق تحتاج إلى أعمال صيانة عاجلة لاستيعاب تدفقات المياه، في حين تبقى التجمعات السكنية المقامة في السهول الفيضية، لا سيما المنازل الطينية والمخيمات المؤقتة، الأكثر عرضة للانهيار والتضرر المباشر.

السيول غمرت المئات من المساكن أغلبها للنازحين في المخيمات (الأمم المتحدة)

وفي مواجهة هذه المخاطر، شدَّدت النشرة على أهمية تفعيل أنظمة الإنذار المبكر المجتمعية، وتسريع نشر تحذيرات الطقس والفيضانات إلى المناطق النائية عبر وسائل متعددة، تشمل الإذاعات المحلية وشبكات الهاتف المحمول ونقاط الاتصال المجتمعية، بما يضمن وصول الرسائل التحذيرية في الوقت المناسب.

كما أوصت باتخاذ تدابير استباقية تشمل حماية البذور والمدخلات الزراعية، وتشجيع الحصاد المبكر حيثما أمكن، ونقل الماشية إلى مناطق مرتفعة، وتأمين مصادر مياه نظيفة، إلى جانب تنظيف قنوات التصريف وصيانة العبارات والمنشآت المائية قبل ذروة الأمطار.


تحذيرات دولية ومحلية من مجاعة وشيكة في اليمن

تراجع تمويل الإغاثة في اليمن تسبب في زيادة مخاطر انعدام الأمن الغذائي (إ.ب.أ)
تراجع تمويل الإغاثة في اليمن تسبب في زيادة مخاطر انعدام الأمن الغذائي (إ.ب.أ)
TT

تحذيرات دولية ومحلية من مجاعة وشيكة في اليمن

تراجع تمويل الإغاثة في اليمن تسبب في زيادة مخاطر انعدام الأمن الغذائي (إ.ب.أ)
تراجع تمويل الإغاثة في اليمن تسبب في زيادة مخاطر انعدام الأمن الغذائي (إ.ب.أ)

أجمع عدد من الجهات الأممية والدولية والمحلية على أن اليمن يقترب مجدداً من حافة كارثة إنسانية واسعة، بزيادة رقعة الجوع، واستمرار النزوح، وتراجع التمويل الإنساني، وتفاقم الضغوط الاقتصادية والمناخية التي تدفع ملايين السكان نحو مستويات أشد من الحرمان، في وضع غير مستقر سياسياً واقتصادياً.

وكشفت أحدث التقارير الصادرة عن الأمم المتحدة والمنظمات الدولية أن الأزمة لم تعد تقتصر على نقص الغذاء، بل باتت تشمل تهديداً متزامناً للطعام والمأوى والدخل، في وقت تتآكل فيه قدرة الأسر على الصمود بعد أكثر من عقد من الحرب والانهيار الاقتصادي.

وتتزامن هذه التحذيرات مع توجُّه حكومي لإنشاء الهيئة العليا للإغاثة، وتنظيم سلسلة ورش وطنية لمعالجة تداخل الصلاحيات، والذي أعلن وزير الإدارة المحلية، بدر باسلمة، عنه ضمن خطة لإعادة تنظيم العلاقة بين الحكومة المركزية والسلطات المحلية في المحافظات المحررة، إذ سيكون من شأن إنشاء الهيئة تنظيم العمل الإنساني وإنهاء الازدواجية في إدارة المساعدات،

وأكَّد برنامج الأغذية العالمي أن نحو 18 مليون شخص في اليمن يعانون من انعدام الأمن الغذائي، محذِّراً من أن الاضطرابات في سلاسل الإمداد وارتفاع تكاليف الوقود والشحن والتأمين نتيجة التوترات الإقليمية قد تدفع أعداداً أكبر إلى مستويات أشد من الجوع، خصوصاً وأن اليمن يستورد قرابة 90 في المائة من احتياجاته الغذائية.

الأمم المتحدة تتحدث عن استمرار النزوح في اليمن (رويترز)

ووفق برنامج الأغذية العالمي، يبلغ عدد النازحين في اليمن نحو 5.2 مليون شخص، يعيش كثير منهم في ظروف بالغة الهشاشة، حيث أظهرت البيانات أن 39 في المائة منهم عانوا من جوع متوسط إلى حاد خلال مارس (آذار) الماضي، أي أكثر من ضعف المعدل المسجَّل بين غير النازحين. وترتفع النسبة إلى 50 في المائة بين المقيمين في مخيمات النزوح، بينما بينت 17 في المائة من الأسر النازحة بأن أحد أفرادها قضى يوماً وليلة دون طعام.

ويشير إلى أن 92 في المائة من النازحين غير قادرين على تحمل تكاليف الإيجار، مما يضعهم أمام خطر الإخلاء والتشرد، ويتجسد هذا بوضوح في محافظة مأرب، أكبر مراكز النزوح في البلاد، حيث حذّرت السلطات المحلية من أن نحو 285 ألف نازح، بينهم عشرات الآلاف من النساء والأطفال، مهددون بفقدان مساكنهم بسبب تراكم الإيجارات وانعدام مصادر الدخل.

نزوح مستمر

ويظهر تقرير للوحدة التنفيذية لإدارة مخيمات النازحين في محافظة مأرب (جهة حكومية)، الأسبوع الماضي، أزمة إنسانية طاحنة تهدد حياة أكثر من ربع مليون نازح في المحافظة، بعد أن أصبحوا على بعد خطوة من فقدان مأواهم بسبب استمرار التدهور الاقتصادي، وارتفاع تكاليف الإيجارات وتراكمها، وضعف مصادر الدخل.

داخل أحد المساجد في صنعاء يجري توزيع أطعمة للإفطار خلال شهر رمضان الماضي (أ.ف.ب)

وتشمل الفئات الأكثر تضرراً 118 ألف امرأة و72 ألف طفل، إضافة إلى 8200 من كبار السن، قد يجدون أنفسهم في العراء خلال الأشهر القادمة.

ودعت الوحدة الجهات الإنسانية إلى توسيع برامج «النقد مقابل الإيجار»، لإنقاذ 48500 أسرة تعتبر الأكثر عرضة للخطر، كحل أخير لحمايتها من التشرد والحد من موجات النزوح المتكررة.

وفي الوقت ذاته، تستمر حركة النزوح، وإن كانت بوتيرة أقل، إذ أفادت المنظمة الدولية للهجرة، الثلاثاء الماضي، بأن 923 أسرة يمنية نزحت مرة واحدة على الأقل منذ مطلع عام 2026، في مؤشر على أن عوامل الطرد المرتبطة بالصراع وتدهور الأوضاع المعيشية ما تزال قائمة.

وتشير تقديرات شبكة الإنذار المبكر بالمجاعة إلى أن ملايين اليمنيين سيظلون بين مرحلتي «الأزمة» و«الطوارئ» الغذائية حتى سبتمبر (أيلول) المقبل، مع بقاء بعض المناطق، خصوصاً في محافظتي الحديدة وحجة وأجزاء من محافظة تعز، عند المستوى الرابع من التصنيف الدولي، وهو المستوى الذي يسبق المجاعة مباشرة.

مناطق سيطرة الحوثيين هي الأكثر تضرراً من الأزمة الإنسانية (أ.ف.ب)

وأرجع التقرير هذا الوضع إلى التدهور الاقتصادي، والقيود المفروضة على الأنشطة التجارية، وارتفاع أسعار الوقود والغذاء، إضافة إلى الأضرار التي خلّفتها السيول في المناطق الزراعية ومخيمات النازحين.

كما حذَّر تقرير مشترك أعدته مجموعة البنك الدولي ومنظمة أكابس بالتعاون مع وكالات أممية، من بينها منظمة الأغذية والزراعة ومنظمة الأمم المتحدة للطفولة ومنظمة الصحة العالمية، من أن الصراع الإقليمي، والتقلبات المناخية، والتراجع الحاد في التمويل الإنساني، تشكل معاً مزيجاً خطيراً يهدد بتفاقم الأزمة خلال الأشهر المقبلة.

أثر أكبر على المهمشين

وجاءت هذه التحذيرات أيضاً من مؤسسة كارنيغي للسلام الدولي التي نبهت إلى أن التغير المناخي يفاقم معاناة فئة المهمشين في اليمن، بتداخل آثاره مع الحرب المستمرة والانهيار الاقتصادي وتدهور البنية التحتية، مما جعل البلاد من أكثر الدول عرضة للفيضانات والجفاف وارتفاع درجات الحرارة وشح المياه.

ممارسات الحوثيين ضد موظفي الإغاثة ساهمت في تراجع نشاط الوكالات الأممية (أ.ف.ب)

ويعدّ المهمشون، بحسب التقرير، من أكثر الفئات هشاشة، بسبب تمركزهم في مناطق عشوائية منخفضة تفتقر إلى الخدمات الأساسية والبنية التحتية، إلى جانب ما يواجهونه أصلاً من تمييز اجتماعي يحد من فرص حصولهم على التعليم والرعاية الصحية والعمل.

وبيَّن أن الكوارث المناخية لا تتسبب فقط في خسائر مباشرة، بل تُعمِّق أيضاً دوائر الفقر والإقصاء الاجتماعي وتضعف قدرة هذه المجتمعات على التكيف والصمود.

وشدَّد التقرير على أن مواجهة هذه التحديات تتطلب تدخلات طويلة الأمد تتجاوز المساعدات الطارئة، وتشمل تعزيز العدالة الاجتماعية وتحسين الوصول إلى الخدمات الأساسية وإدماج الفئات المهمشة في خطط التكيف المناخي والتنمية المستدامة.

ونبه إلى أن بناء قدرة اليمن على مواجهة التغير المناخي لن يكون ممكناً دون معالجة جذور التهميش وعدم المساواة.

وتتفق مختلف الجهات التي أطلقت التحذيرات على أن استمرار الصراع وتراجع الدعم الإنساني قد يحول الأزمة المزمنة إلى مجاعة واسعة النطاق، لا تهدد الحياة فقط، بل ما تبقى من قدرة المجتمع على الاحتمال.


الزنداني يضع الأمن والخدمات في صدارة أولويات اليمن

جانب من أحدث اجتماع للحكومة اليمنية بالعاصمة المؤقتة عدن (إعلام حكومي)
جانب من أحدث اجتماع للحكومة اليمنية بالعاصمة المؤقتة عدن (إعلام حكومي)
TT

الزنداني يضع الأمن والخدمات في صدارة أولويات اليمن

جانب من أحدث اجتماع للحكومة اليمنية بالعاصمة المؤقتة عدن (إعلام حكومي)
جانب من أحدث اجتماع للحكومة اليمنية بالعاصمة المؤقتة عدن (إعلام حكومي)

وضعت الحكومة اليمنية ملفي الأمن والخدمات في صدارة أولوياتها، خلال اجتماع لمجلس الوزراء في العاصمة المؤقتة عدن، في وقتٍ تواجه فيه البلاد تحديات متشابكة تتزامن مع الصدام المتصاعد بين الولايات المتحدة وإيران، وما تسبَّب فيه من تبعات اقتصادية وأمنية وسياسية على مستوى المنطقة.

وشدد رئيس الحكومة اليمنية شائع الزنداني، وفق الإعلام الرسمي، على أن المرحلة الراهنة تتطلب سرعة أعلى في الاستجابة، وكفاءة أكبر في التنفيذ، بما يعزز الأداء ويحقق نتائج ملموسة على الأرض، موجهاً الوزارات والجهات المختصة بالتركيز على مهامّها الأساسية، والعمل المباشر على معالجة الاختلالات، مع تعزيز التنسيق بين المؤسسات الرسمية بما يضمن تكامل الجهود ومواكبة المستجدّات.

وأكد رئيس الوزراء اليمني أن الأمن والخدمات يمثلان الركيزة الأساسية لاستقرار الدولة وتعزيز ثقة المواطنين بمؤسساتها، مشيراً إلى أن الحكومة تنظر إلى استعادة الاستقرار بوصفه مدخلاً ضرورياً لأي تحسن اقتصادي أو خِدمي، في ظل ما تعانيه البلاد من ضغوط متزايدة على مختلف المستويات.

وفي الملف الأمني، وصف الزنداني جريمتي اغتيال القائم بأعمال المدير التنفيذي للصندوق الاجتماعي للتنمية وسام قايد، ومدير مدارس النورس عبد الرحمن الشاعر، بأنهما «جرس إنذار» يكشف وجود أطراف تعمل على زعزعة الأمن وضرب الاستقرار واستهداف فكرة الدولة وبيئة العمل المدني والتنموي.

رئيس الحكومة اليمنية شائع الزنداني (إعلام حكومي)

وثمّن الزنداني جهود الأجهزة الأمنية في ملاحقة المتورطين في الجرائم الأخيرة والقبض عليهم، كما أشاد بجهود السلطات المحلية في تعزيز الأمن والاستقرار، ولا سيما ما يتعلق بتأمين خطوط الإمداد والطرق الرئيسية بين المحافظات، منوهاً بما قامت به السلطة المحلية في محافظة أبين بوصفه نموذجاً في الحزم وفرض سلطة القانون.

وحرص رئيس الحكومة اليمنية على توجيه رسالة طمأنة إلى المنظمات الدولية ومجتمع المانحين، مؤكداً التزام الحكومة بحماية العاملين في المجال التنموي، وأن مثل هذه الحوادث لن تثنيها عن مواصلة برامج التنمية وتطبيع الأوضاع، بل ستدفعها إلى مزيد من الإصرار على ترسيخ الأمن وسيادة القانون.

وأشار الزنداني إلى أن التطورات الأخيرة تؤكد أن المواجهة مع الحوثيين لا تقتصر على الجبهات العسكرية، بل تمتد إلى محاولات استهداف الأمن الداخلي وضرب السكينة العامة وتقويض ثقة المواطنين بمؤسسات الدولة، متعهداً بعدم السماح بتحويل عدن أو أي محافظة محرَّرة إلى ساحة للفوضى أو تصفية الحسابات، أو أي شكل من أشكال التخادم مع الجماعة الحوثية.

أولوية الخدمات والإصلاح

في الجانب الخِدمي، ناقش اجتماع الحكومة اليمنية التحديات المرتبطة بالكهرباء وتوفير الوقود وانتظام صرف الرواتب، في ظل أزمة معيشية متفاقمة، حيث أكد رئيس الوزراء أن الحكومة تمضي في تنفيذ حزمة من الإصلاحات الاقتصادية والإدارية بهدف تحسين الأوضاع المعيشية وتحقيق نتائج ملموسة، خلال الفترة المقبلة.

ووجّه الزنداني الوزارات المعنية بتقديم حلول عاجلة وواقعية، والعمل بروح الفريق الواحد، إلى جانب تفعيل آليات الرقابة والمساءلة؛ لضمان كفاءة الأداء وتحقيق أفضل استفادة ممكنة من الموارد المتاحة، في ظل محدودية الإمكانات واتساع حجم الاحتياجات.

وفي سياق الإصلاحات المؤسسية، وافق مجلس الوزراء اليمني على تمويل إنشاء نظام للأسواق يهدف إلى تمكين وزارة الصناعة والتجارة من مراقبة الأسواق بصورة دقيقة، وتوفير رؤية أشمل لحركة الأسعار ومستويات المخزون وتوفر السلع، بما يساعد في بناء سياسات اقتصادية تستند إلى معلومات موثوقة.

كما أقرّ المجلس الاتفاقية النمطية للصيد الصناعي لأسماك التونة في أعالي البحار خارج المنطقة الاقتصادية الخالصة لليمن، واعتمد مذكرة تفاهم بين وزارة النقل اليمنية والأكاديمية العربية للعلوم والتكنولوجيا والنقل البحري، إضافة إلى استعراض مذكرتيْ تفاهم للتعاون الزراعي والغذائي مع الأردن وسلطنة عمان.

رسائل رئاسية

بالتوازي مع التحرك الحكومي، برزت رسائل سياسية صادرة عن رئيس مجلس القيادة الرئاسي رشاد العليمي، خلال استقباله سفيرة المملكة المتحدة لدى اليمن عبدة شريف، حيث ثمّن الدعم البريطاني وحرص لندن على دعم الاستقرار والإصلاحات الاقتصادية والإنسانية، مؤكداً أهمية تعزيز الشراكة مع المملكة المتحدة بوصفها حاملة القلم في مجلس الأمن بشأن اليمن وشريكاً مؤثراً في دعم الدولة اليمنية وأمن الملاحة والاستقرار الإقليمي.

وفي حديثه عن التطورات الإقليمية، أكد رئيس مجلس القيادة اليمني أهمية معالجة جذور التهديد الإيراني، وليس فقط احتواء تداعياته، داعياً إلى مقاربة تقوم على تحقيق مكاسب مستدامة للأمن والاستقرار، والعمل بشكل حاسم على إنهاء خطر التنظيمات المسلَّحة التابعة لطهران في المنطقة، بوصفها - وفق تعبيره - أداة رئيسية لتقويض الدول الوطنية وتهديد الممرات الدولية.

وجدَّد العليمي دعم مجلس القيادة والحكومة أي جهد حقيقي لخفض التصعيد وتحقيق سلام مستدام، مشدداً على أن هذا السلام لا يمكن أن يتحقق دون معالجة مصادر الخطر في البر والبحر، وإنهاء تهديد الجماعات المسلّحة العابرة للحدود.

Your Premium trial has ended