الرواية والشبكات الاجتماعية توثق أصوات النساء

أكثر من 100 باحثة وأكاديمية من 15 دولة عربية وأجنبية في مؤتمر بالقاهرة

من ندوات الملتقى
من ندوات الملتقى
TT

الرواية والشبكات الاجتماعية توثق أصوات النساء

من ندوات الملتقى
من ندوات الملتقى

«أين صوت النساء في التاريخ؟» كان التساؤل الرئيسي الذي أطلقه الدكتور محمد أبو الفضل بدران، الأمين العام للمجلس الأعلى للثقافة بالقاهرة، في «ملتقى التاريخ الشفوي في أوقات التغيير: الجندر، التوثيق، وصناعة الأرشيف»، الذي عقد على مدار 3 أيام واختتم نهاية الأسبوع الماضي، والذي نظمته مؤسسة المرأة والذاكرة بالتعاون مع هيئة الأمم المتحدة للمرأة ووزارة الثقافة المصرية. شهد المؤتمر مشاركات من أكثر من 100 باحثة وأكاديمية من 15 دولة من مختلف أنحاء العالم العربي وأوروبا وأميركا. وألقت أبحاثه وندواته الضوء على دور المرأة في صناعة تاريخ بلادها، والتحديات التي تواجهها المرأة في أوقات الحروب والنزاعات والثورات. وأجمع المشاركون على أهمية النظر في سرديات النساء ما يؤدي إلى إعادة النظر في التاريخ، وفي افتراضاتنا حول الماضي والمستقبل، وأن توثيق سير النساء من المحتمل أن يُمكن النساء من تحسين حياتهن وحصولهن على حقوقهن، وأكدوا أن التحولات التكنولوجية التي يشهدها العالم ساعدت في مجال التأريخ الشفوي ومن أهمها: الإعلام الرقمي، وشبكات التواصل الاجتماعي، وبرامج الكومبيوتر المفتوحة.
ونظم على هامش اللقاء معرض لوثائق وصور السيدة وداد متري أحد رموز الحركة الوطنية اليسارية، والعمل النسائي في مصر، ومعرض آخر لمشغولات المرأة السيناوية المصرية تبرز جمال التراث البدوي في سيناء وتفرده. وقدم أيضًا عرض مسرحي للمخرجة دينا أمين بعنوان «متصنفيش»، وفيلم تسجيلي «ظل راجل» للمخرجة حنان عبد الله، يلتقط الحكايات والتفاصيل اليومية الحميمة لأربع نساء مصريات من خلفيات اجتماعية وأعمار مختلفة، ويتناول موضوعات إنسانية تتعلق بهن كالزواج والطلاق والعمل والتحرش الجنسي؛ بهدف رسم صورة اجتماعية كاملة توضح معاناة المرأة في المجتمع المصري. كما عقدت مائدة مستديرة حول إشكالية علاقة الأرشيف بالسلطة التي أدارها د. عماد أبو غازي وزير الثقافة الأسبق وعدد من الباحثين والوثائقيين. كشفت جلسات المؤتمر عن أبحاث جادة وذات منهجية علمية تركز على قضايا الجندر وتوثيق السرد الشفوي المتعلق بالثورات في العالم العربي وصناعة الأرشيف. وتحدثت د. وطفى حمادي، أكاديمية وباحثة لبنانية في المسرح النسوي، عن أهمية تدوين سير النساء من جراء لقاءات شفوية، وتجربتها في تدوين سير نساء مسرحيات من لبنان بُحن شفويًا وفجرن المسكوت عنه، بينما ناقشت الباحثة اللبنانية د. نجلاء حمادة «إضافات الكاتب على الرواية الشفوية: مسموحة، محبذة أم معوقة؟» وناقشت الأكاديمية السعودية د. سناء عبد الظاهر، عميدة كلية العلوم والإنسانيات بجامعة عفت، ورقة بعنوان «الأصوات الصاعدة لكاتبات سعوديات: الانتقال والتمكين والتمثيل». وقدم د.عبد الوهاب يحيى عبد القادر، الأستاذ بمركز بحوث التنمية والنوع الاجتماعي في جامعة صنعاء: «قراءة في تجربة الدكتورة رؤوفة حسن في كتابة وتوثيق تاريخ النساء في اليمن»، لافتا إلى أن الكتابات التاريخية في اليمن عن حياة النساء لا تزال قليلة مما يقصي الجوانب الاقتصادية والاجتماعية لحياة النساء عن متناول أيدي الباحثين ويهمش أدوار النساء في إحداث التغييرات الاجتماعية والتاريخية.
وتطرقت الأكاديمية اللبنانية نهوند القادري، في بحثها «الذاكرة الفلسطينية في ضوء التكنولوجيا الحديثة: فرص وتحديات» إلى كيفية تموضع الفلسطينيين في حقل الفضاء العام الافتراضي، والفرص المتاحة أمام الأجيال الشابة لتروي بنفسها تجاربها ومعاناتها، وتوثيق تجارب ومعاناة الأجداد، وجذب انتباه العالم لقضيتهم.
بينما ناقشت د. مريم لوتاه، الأستاذة بقسم العلوم السياسية جامعة الإمارات، ورقتها البحثية حول «الأرشيف النسوي في الإمارات»، وأوضحت أنه رغم قدم عملية التوثيق والتأريخ فإنها أغفلت الكثير من الشرائح والجوانب المجتمعية، مشيرة إلى أهمية دراسة التراث الشعبي في التوثيق لدور المرأة عبر المراحل التاريخية المختلفة، خاصة في ظل عملية التغيير والحداثة السريعة التي مر بها مجتمع الإمارات والتي كادت تطغى على ملامح الثقافة الأصلية والهوية العربية. وتطرقت د.نور نيفتوجودين لموضوع «الذاكرة سلاح: الذاكرة الجمعية والسرديات القومية وصراع النساء في جنوب أفريقيا»، كما ناقش الباحث الأميركي ستيفن أرجولا مشروع توثيق مصر الثورة للقرن الواحد والعشرين، كما تحدثت الأميركية د. سوندرا هيل، الباحثة والأستاذة المتفرغة بقسم الانثروبولجيا والدراسات النسائية بجامعة كاليفورنيا حول «إحياء ذاكرة النساء كجزء أصيل من المعرفة» مستعرضة تجربتها في دراسة مناطق الصراع في السودان، مشددة على أهمية الحصول على المعرفة من الذاكرة الجماعية أو الذكريات الفردية للسكان الأصليين التي اعتبرتها أكثر قيمة من المعرفة المقدمة من الخارج المغلفة بادعاءات الحيادية.
وعرضت د. رفيف رضا صيداوي، الباحثة بمؤسسة الفكر العربي، ورقتها البحثية «الرواية كمستودع للتاريخ الشفوي» مستعينة بروايات منها: «الطنطوريّة» (2010) لرضوى عاشور، و«طشّاري» (2011) و«الحفيدة الأميركية» (2008) لإنعام كجه جي، و«مريم الحكايا» (2002) لعلوية صبح..، مبينة كيفية استثمار التاريخ الشفوي في توليد خطاب الرواية وإنتاج معرفة جديدة، وأهمية الرواية في توثيق التاريخ الشفهي.
وشاركت د. عزة شابوني بورقة بحثية حول «النساء والذاكرة في السينما التونسية: جليلة حفصية ومسار امرأة رائدة»، وناقشت د. فاطمة المهيري ورقة بحثية حول الأرشفة النسوية المسرحية للثورة المصرية في هوى الحرية ويوم الصدار الأزرق لليلى سليمان. كما تطرقت د. نفيسة لحرش لدور النساء الجزائريات في تحرير بلدهن وتجربتها في التوثيق لذلك.
وقالت د.هدى الصدة، رئيسة مجلس الأمناء بمؤسسة المرأة والذاكرة، لـ«الشرق الأوسط»: نجح التاريخ الشفهي النسوي في خلق أساس معرفي يدعم الحركة النسوية في بلدان كثيرة في العالم من خلال خلق أرشيف لأصوات النساء، لافتة إلى أن تزايد التحولات الجذرية والثورات التي طرأت على المنطقة العربية يفرض تحديات على متخصصي التاريخ الشفوي فيما يتعلق بدور التاريخ الشفهي في أوقات التغيير وحدوده. وأضافت أنه «حتى نهاية القرن العشرين لم يوجد في العالم العربي أرشيف لأصوات النساء، رغم وجود بعض المجهودات للتوثيق، التي كانت جزءًا من مشاريع بحثية فردية، إلا أن القرن الحادي والعشرين شهد تزايدا ملحوظًا في مشروعات التوثيق بشكل عام، ولأصوات النساء العربيات بشكل خاص».
وعن «أرشيف أصوات النساء» وأهدافه قالت: كان هدفنا هو إنتاج معرفة بديلة من وجهة نظر المرأة أو من منظور يأخذ في الاعتبار قضايا النوع أو الجندر، وكانت البداية في أواخر التسعينات حين قامت مجموعة من الباحثات بإجراء مقابلات مع نساء لهن باع في العمل العام في مجالات التعليم، الصحة، الثقافة، العمل النقابي، السياسي، الفن، الأدب.. الخ، وكان الهدف من ذلك بناء أرشيف تاريخ شفوي للنساء يساهم في إنتاج وبناء مصادر تاريخية لكتابة التاريخ الاجتماعي والسياسي ويعضد من شأن مساعي النساء لبناء مجتمعات عادلة ومتوازنة للجميع من دون تميز. أما المرحلة الثانية فكانت في عام 2012، لتوثيق تجارب النساء وخبراتهن في التفاعل مع الأحداث الجسام ومشاركتهن في المجال العام بعد ثورة 25 يناير (كانون الثاني) 2011 للحفاظ على ذاكرة النساء وحمايتها من النسيان أو التهميش في التاريخ الرسمي.
يشار إلى أن مؤسسة «المرأة والذاكرة» تشكلت عام 1995 من مجموعة من الباحثات والباحثين المهتمين بتغيير الصورة النمطية للنساء في الثقافة السائدة، لإنتاج معرفة ثقافية بديلة حول النساء العربيات، وإتاحتها كمادة يمكن توظيفها في زيادة الوعي ودعم النساء، وتدعم المؤسسة نشر وترجمة عدد من الكتب والأبحاث عن دراسات النوع، والكتب التاريخية عن السيدات اللاتي ساهمن في تحرير المرأة، ومن أبرز مشروعات المؤسسة «أرشيف أصوات النساء» الذي يسعى إلى توفير مصادر معلومات تكشف عن صوت المرأة في التاريخ الشفهي، لتمكين النساء من تحسين حياتهن وحصولهن على حقوقهن.
وحول مشروع «أرشيف أصوات النساء»، قالت ميسون حسن، مديرة البرامج بمؤسسة المرأة والذاكرة، إن المؤسسة أسست هذا الموقع الإلكتروني بالتعاون مع هيئة الأمم المتحدة، ويقوم على البحث في أدوار النساء في التاريخ الثقافي والفكري وتوثيق مساهماتهن، بهدف إلقاء الضوء على دور النساء كناشطات وقائدات ومشاركات في الحركات السياسية، وكقاعدة بيانات حول دور النساء على مدار التاريخ.
وأقيم على هامش الملتقى، حفل توقيع كتاب «أدوار المرأة الفلسطينية منذ منتصف الستينات حتى عام 1982». للكاتبة الفلسطينية فيحاء عبد الهادي، عضوة المجلس الوطني الفلسطيني، والمنسقة الفلسطينية للشبكة النسوية «ألف امرأة عبر العالم»؛ التي كانت لها مشاركة ثرية في فعاليات المؤتمر حيث ألقت محاضرة بعنوان «إنتاج المعرفة البديلة: المساهمة السياسية للنساء: أدوار المرأة الفلسطينية منذ الثلاثينات نموذجا» أشارت فيها إلى ضرورة إظهار صوت النساء الخفي، وتصحيح التاريخ المدون الرسمي والإضافة إليه.
وقالت عبد الهادي: «يأتي هذا الكتاب ضمن سلسلة أرشيفية توثق دور المرأة الفلسطينية منذ الثلاثينات حتى ثمانينات القرن الماضي؛ خاصة أدوار النساء وقت التهجير الجماعي القسري والشتات والهجرة، والعمل السري داخل فلسطين وخارجه بالكفاح المسلح وذلك بعد تأسيس منظمة التحرير، ورصد تنوع أشكال العمل السياسي واستمرار المشاركة في اﻻتحادات النسوية وتأسيس اﻻتحاد العام للمرأة والمشاركة في جيش التحرير والنضال السياسي».
ولفتت إلى ضرورة وجود أرشيف فلسطيني يحاول تعويض ما دُمر ونُسف وسُرق في عام 1983، وأثناء اجتياح بيروت حيث سُرقت وثائق ومخطوطات، مشيرة إلى انكبابها على توثيق تاريخ فلسطين الشفوي منذ منتصف الثلاثينات، وحتى عام 1982.



هل البشر أعداء ما يعلمون؟

تمثال لسقراط
تمثال لسقراط
TT

هل البشر أعداء ما يعلمون؟

تمثال لسقراط
تمثال لسقراط

هناك سلوكٌ ثقافي نسقي يشير إلى أن عقول البشر تسكن، وتطمئن حين تجهل، وتتوتر حين تعرف. وأكرر هنا تعبير «ألاّ تعرف فأنت آمن»، وقد استخدمته من قبل في توريقةٍ سابقة مع نظرة مختلفة. وهذه حالٌ تتكشف مع ردود الفعل على ما يستجد من نظريات ومن مخترعات.

وفي سيرة المعرفة يقع أي جديد معرفي في ردود فعلٍ تدخله في مواجهات حية. ومن أهم وأقوى أسباب حياة النظرية هي في المواقف ضدها، بينما تموت أي نظرية إن هي مرت بسلامٍ وقبول، وبقدر ما يكون الرفض تكون النظرية أصلب، وهذا يعني أول ما يعني أنها جديدةٌ ومختلفةٌ. ومن شرط أي نظرية جديدة أن تعطي تفسيراً مختلفاً لظاهرة ما أو لنصوص ما، سواء كانت نظرية علمية أو فلسفية أو نقدية. وأبرز علامات الاختلاف عما استقرّ هو ظهور الخلاف على ما استجد. وكلما زادت درجات الخلاف تقوت درجات الاختلاف أكثر وأكثر. وعادة يتناسل الخلاف في تداعي أصحاب المهنة ضد المستجد وكأنهم يتآمرون عليه، والحقيقة المخفية هي أنهم يشعرون بأن الجديد هو المتآمر عليهم وعلى مقامهم. ذلك لأنهم يخافون من فقدان ما استقرت عليه معارفهم، وكل تغير معرفي هو تحول من الراحة إلى الشك، ولا يقف التغيّر عند تحول النظر والمفاهيم فحسب بل هو أيضاً تغيرٌ في السلوك الذهني وفي نظام الخطاب.

وهنا تتكشف حالات الاستجابة من صاحب النظرية، وكيف يتعامل مع ردود الفعل هذه. وهي لحظة ميلاد المعارك الكبرى في تواريخ الثقافات، وأولها وأقساها تاريخياً رد الفعل على مقولات سقراط الذي انتهى بالحكم عليه بالإعدام حين صدقت الجماهير تهم الخصوم وبلغت بهم حد السخط المطلق وانتهت بعقد محكمة خضعت لضغط الشارع. ثم توالت سير ردود الفعل ولم تسلم منه أي نظرية قوية في تحولها وطرحها، وفي ثقافتنا القريبة من ذاكرتنا حدثت المعارك الأدبية الكبرى، وهي التي اختصت بوصفها بالأدبية لأنها وقعت بين أدباء ولم يسلم أديب في عقود منتصف القرن العشرين من معارك وقعت ما بين هجومٍ ومنافحة، ونتج عن ذلك أدبيات كثيرة بمثل ما نتج عنها من عدوات واستقطابات، وتطورت هذه الظاهرة مع انفتاح وسائل التواصل، حيث أصبح التعارك ملمحاً ثقافياً بارزاً في كل أمر العلاقات الثقافية بكافة صيغها السياسية والشعبوية والشخصية، فتغريدة واحدة قد تفجر براكين الغضب الذي يخرج كل مخازن الذواكر في امتحان جماهيري بين أخلاقيات اللغة وأخلاقيات السلوك اللساني، وإذا سكنت الحروب دخلت في النسيان لتخلي الفضاء لمعارك تنتظر دورها للانبثاق ثم لتحفيز الذواكر للانفجار.

وكل هذا شرط معرفي بمثل ما هو من صفات السلوك الثقافي، وهي مزودة أصلاً برصيد وافر من العتاد اللفظي والصيغ الماكرة ومن الاستعداد البشري للصراع اللغوي كما الصراعات الحربية، ولن يكون الإنسان كائناً حياً ما لم يدخل في تصارع مع غيره كما هي صفة كل كائن حي حيواناً كان أو إنساناً.

على أن المعرفة والرأي والفتوى كلها صيغٌ لغوية، ودوماً ما يكون سبب المعارك نابعاً من حالات الأسلوب ذاته، والطريقة التي قيل فيها الرأي أو بنيت عليه المقولة، وهنا ندرك أن اللغة سلاحٌ ليس ذا وجهين فحسب، بل ذو وجوه لا تقف عند حصر. ولا تتكشف وجوه اللغة بكاملها إلا للمشاهد المحايد الذي يقرأ دون حس بالتوتر أو الشخصانية. وقد يجد المحايد أن الأمر لا يستحق ذلك الضجيج، لكن الحقيقة هي أن كل شأن لغوي هو حالة رد فعل ابتداءً واستمراراً. فالطفل الوليد يصرخ لحظة خروجه من الرحم الذي كان يحميه ويطعمه ويعتني به، وإذا خرج أحس أنه تعرض لعنفٍ خارجي أخرجه من مأمنه إلى عالم يجهله ويجهل شروط العيش فيه. ويظل عمره كله يتعلم كيف يعيش خارج رحمه الأول الذي فقده فيصرخ محتجاً على إخراجه منه لكنه لن يعود ولذا يظل في توجس مستمر لن يلين إلا حين يدخل في رحم ختامي ويغادر الحياة لحياة لن يعرفها إلا إذا دخل فيها. وهنا تحضر كلمة حمزة شحاتة «لا يعطي تفسيراً تاماً للحياة إلا الموت»، وأول أسرار الموت أن الثقافة علمتنا أن نتذكر محاسن موتانا، لأننا في حياتهم نمعن فقط في تذكر سيئاتهم، وهذا سر المعرفة التي تتأبى التحقق دون ولادات قيصرية وصرخات احتجاجية.

أخيراً فإن البشر يجمعون بين رغبتين متناقضتين، فالجهل راحةٌ واطمئنان، وأن تكشف غطاء المحجوب عنك شقاءٌ وصرخة ميلاد، ولكننا لسنا بخيارٍ بينهما. ونحن نتطلب الكشوفات المعرفية ولكن راحتنا في البقاء على ما عهدنا، غير أنها راحةٌ مشاغبة، إذ ما يلبث الفضول أن يتحرك لكشف المخفي ليظل على قلق كأن الريح تحته (حسب كلمة المتنبي).

* كاتب وناقد سعودي


«بوكر العربية» تعلن عن قائمتها القصيرة

أغلفة الروايات المرشحة
أغلفة الروايات المرشحة
TT

«بوكر العربية» تعلن عن قائمتها القصيرة

أغلفة الروايات المرشحة
أغلفة الروايات المرشحة

أعلنت الجائزة العالمية للرواية العربية (البوكر العربية)، عن قائمتها القصيرة للدورة التاسعة عشرة، وتضم 6 روايات. وجاء الإعلان في مؤتمر صحافي عُقد بهيئة البحرين للثقافة والآثار، في المنامة.

وضمّت القائمة القصيرة ست روايات هي: «غيبة مَي» للبنانية نجوى بركات، و«أصل الأنواع» للمصري أحمد عبد اللطيف، و«منام القيلولة» للجزائري أمين الزاوي، و«فوق رأسي سحابة» للمصرية دعاء إبراهيم، و«أغالب مجرى النهر» للجزائري سعيد خطيبي، و«الرائي» للعراقي ضياء جبيلي.

ترأس لجنة تحكيم دورة هذا العام الناقد والباحث التونسي محمد القاضي، وضمّت في عضويتها الكاتب والمترجم العراقي شاكر نوري، والأكاديمية والناقدة البحرينية ضياء الكعبي، والكاتبة والمترجمة الفلسطينية مايا أبو الحيات، إضافة إلى ليلى هي وون بيك، وهي أكاديمية من كوريا الجنوبية.

وجاء في بيان اللجنة: «تتوفر القائمة القصيرة على نصوص روائية متنوّعة تجمع بين الحفر العميق في أعماق النفس البشرية، وسبر الواقع العربي الراهن بمختلف التيارات الفكرية التي تعصف به، والسفر عبر الزمن إلى العصور الماضية التي يُعاد استحضارها وقراءتها، لتكشف للقارئ عن جوانب خفية من هويتنا المتحوّلة».

وأضاف البيان: «تمثل هذه الروايات المستوى الرفيع الذي بلغته الرواية العربية، ومدى نزوعها إلى الانفتاح على قضايا العصر وإلى تنويع الأساليب التي تنأى بها عن المباشرة والتعليم، وتجعلها خطاباً يتوجه إلى ذائقة متحولة لقارئ يطمح إلى أن يكون شريكاً في عملية الإبداع لا مجرد مستهلك للنصوص».

من جانبه، قال ياسر سليمان، رئيس مجلس الأمناء: «تطوّرت الرواية العربية تطوّراً لافتاً خلال العقود القليلة الماضية، متقدّمة بخطى واثقة اعتماداً على ديناميتها الذاتية، من دون أن تغفل ارتباطها بالأدب العالمي من حيث الشكل والقضايا التي تنشغل بها. وتلتقط الروايات المرشّحة في هذه الدورة عالماً من التقاطعات المتعدّدة، فتربط أحياناً بين الحاضر والعالم القديم، أو بين المألوف ثقافياً وعوالم غير مألوفة، بما يكشف في الحالتين عن الاستمرارية أكثر مما يكشف عن القطيعة.

وتستدعي الأصوات الداخلية القارئ بوصفه شريكاً فاعلاً في إنتاج المعنى، من دون أن تُثقله بسرد كابح. كما أنّ تنوّع الموضوعات واتّساعها، واختلاف الرؤى السردية في هذه الروايات، من شأنه أن يلقى صدى لدى طيف واسع من القرّاء، سواء قُرئت الأعمال بلغتها العربية الأصلية أم في ترجماتها إلى لغات أخرى».


«ربيع الصحارى الكبرى»... تاريخ ليبيا من الاستعمار إلى الثورة

«ربيع الصحارى الكبرى»... تاريخ ليبيا من الاستعمار إلى الثورة
TT

«ربيع الصحارى الكبرى»... تاريخ ليبيا من الاستعمار إلى الثورة

«ربيع الصحارى الكبرى»... تاريخ ليبيا من الاستعمار إلى الثورة

في روايته «ربيع الصحارى الكبرى»، دار «بتانة» للنشر (القاهرة)، يمزج الروائي الليبي أحمد الفيتوري، المتخيل بالواقعي، والسرد الروائي بسرد السيرة الذاتية، ففي بنية النص تمتزج حكاية البطلة المروي عنها، وهي صحافية فرنسية تزور ليبيا أثناء الثورة على الزعيم الليبي السابق معمر القذافي، بحكاية الراوي والسارد، وهو المؤلف نفسه، إذ يحضر الفيتوري بتاريخه وسيرته ومحطات حياته منذ كان طفلاً. وفي الرواية أيضاً مراوحة واضحة بين الماضي البعيد في بدايات القرن العشرين، حيث الاحتلال الإيطالي والفرنسي، ومعاناة الليبيين مع الاستعمار والحروب العالمية، والماضي القريب في مطلع القرن الحالي، ومعاناتهم في الثورة من اللجان الثورية، والقتال الذي انتشر في طول البلاد وعرضها بين الثوار وأعوان النظام السابق، وصولاً إلى الضربات التي وجهتها قوى دولية لمعسكرات النظام، مستهدفة أسلحته لتقليم أظافره، ومنعه من العسف بشعبه.

يرسم الكاتب خريطة ليبيا، عبر رحلة الفتاة الفرنسية، التي قيل إنها اختطفت. يرتحل السرد معها، متجولاً في صحارى ليبيا ومدنها، من شرقها لغربها، من مخابئ الثوار إلى سجون النظام، وبين الطبيعة الغناء الفسيحة الغنية، وغرف الفنادق التي تتحول إلى سجن، تقبع فيه الفتاة قسرياً، بأوامر من رجال أمن النظام، بعد أن أطلقوا سراحها من سجن «بوسليم»، ليفرضوا عليها إقامة جبرية في غرفة الفندق، لتغرق في كوابيسها، من فرط رعبها كلما سمعت صوت انفجار القنابل، فتستدعي تحولات مسخ «كافكا»، وتخشى أن تتحول إلى «صرصار» كما حدث مع بطل رواية «المسخ». وطوال الوقت، وفي المقابل، تستدعي الفتاة حكايات جدها، الذي سبق ووقع في غرام ليبيا، وفتنته صحاريها، لتكون هذه الحكايات زاداً لها ودافعاً للبقاء واستكشاف هذه الصحارى، والوصول إلى مكمن السحر المختبئ تحت طبقات الكثبان الرملية.

تبدأ الرواية بخبر صحافي عن اختطاف فتاة فرنسية في ليبيا، وتتعدد الروايات حول ملابسات اختطافها أو اختفائها، واجتهادات الصحف والمواقع الإلكترونية والقنوات التلفزيونية في تفسير الخبر وما آل إليه مصير الفتاة، وتتبع خط سيرها، بما يمنح الرواية فاتحة شبه بوليسية، تجعل هذه الفتاة بؤرة مركزية للحدث. وبعيداً عن اجتهادات الصحافة، يروي السارد مسيرة الفتاة قبل هذا الاختفاء، وخلاله، وبعده، بدءاً من مرافقتها للثوار، ثم وقوعها في يد قوات أمن القذافي ولجانه الثورية، مروراً بسجنها، ورؤيتها لما يعانيه الليبيون من عذاب وعسف على يد رجال القذافي. فهذا المفتتح البوليسي يعطي السرد قدراً من التشويق في تتبع مصير الفتاة الغامض، الذي يظل غامضاً مع نهاية الرواية أيضاً، في حالة من اللا حسم، فسرديتها تنتهي بسرد الكوابيس التي تراها في منامها داخل غرفة الفندق.

في مقابل حكاية الفتاة وسرديتها، تبرز سردية الراوي، أو للدقة سردية المؤلف أحمد الفيتوري نفسه، الذي ينتقل من سرد حكاية الفتاة إلى سرد جوانب من سيرته، منذ أن كان طفلاً، لنرى الواقع والتاريخ والجغرافية الليبية بعيون محلية، عيون ابن المكان والمنتمي له، والمنغمس في تاريخه ووقائعه منذ مطلع السبعينات، حتى لا تكون الحكاية بعيون الفتاة وحدها؛ عيون السائحة المنبهرة أو المصدومة فقط. هكذا يضع الروائي سرديتها في ضفيرة مع سرديته لا لتنقضها أو تفككها، وإنما لتكملها، وتتضافر معها، لتكون السرديتان معاً بنهاية المطاف رؤيةً بانوراميةً تجمع بين العين الغربية والعين الليبية، وبين الخيالي والسيري، بين حكايات جدها الفرنسي وحكايات جدته التي «ولدت وعاشت في العهد الإيطالي، ثم واكبت مرحلة الإدارة الإنجليزية، فالعهد الملكي، فالانقلاب العسكري»، بما يجعل من هذه الجدة تجسيداً حياً للتاريخ الليبي في العصر الحديث.

يعمد الفيتوري في كثير من مواضع الرواية، سواء في الجزء المتخيل أو في الجزء الذي يمتح من السيرة الذاتية، إلى توثيق تواريخ وأحداث شتى، متكئاً على كثير من الاقتباسات، سواء من خطابات رسمية أو من كتب، فيقول مثلاً: «في يناير من سنة 1707م، كتب شارل لامار، القنصل الفرنسي، إلى وزيره، حول هذه المدينة الحجرية...»، ثم يورد جزءاً من نص الخطاب. كما يورد في مقطع آخر جانباً توثيقياً مختلفاً، يقول فيه: «قام القذافي خلال الخطاب الذي ألقاه في 23 سبتمبر (أيلول) 2009، في مقر الأمم المتحدة، بتمزيق ميثاق الأم المتحدة، ورماه وراء ظهره، متعللاً بعدم احترام المجتمع الدولي للميثاق، وعدم صلاحيته، لأن عهده ولى مع نهاية الحرب العالمية الثانية، على حد تعبيره». هذه الاقتباسات تجعل من النص الروائي، فضلاً عن طابعه الجمالي، مدخلاً للولوج إلى التاريخ بشكل موثق، أقرب إلى تيار الواقعية التوثيقية، وهو ما يتكرر كثيراً في ذكر تفاصيل صراع الثوار مع قوات النظام، بما يجعل أحد أهداف النص الروائي التوثيق لأحداث الثورة الليبية، جنباً إلى جنب مع توثيق السيرة الذاتية للفيتوري، لتندغم سيرة الوطن وثورته بسيرة الإنسان الفرد في لحمة واحدة، لا يمكن فيها فصل إحدى السيرتين عن الأخرى.

يقسم الكاتب الجزء السيري إلى مقاطع سردية، يحمل كل منها عنواناً دالاً على الأحداث التي سيحكيها فيها، ليكون العنوان هو مركز التبئر داخل المقطع، مثلما يعنون أحد هذه المقاطع بعنوان «أبي»، وآخر بعنوان «جدتي»، وثالث «مدرسة الصابري»، ورابع «الصحافة»، وخامس «السجن»، وهكذا... ليكون كل مقطع مخصصاً للحكي حول ما جاء في العنوان، دون أن يكون هذا حداً فاصلاً، فحكايات الأب مثلاً تنسرب في غيره من الفصول والمقاطع كثيراً، وكذا حكاية الجدة، أما حكاية الصحافة فتكاد تكون ممتدة على مدار الرواية كلها، وكذا حكايات السجون التي تفرض حضورها في كل صفحات الرواية، إذ تبدو ليبيا في عهد الاستبداد بمثابة سجن كبير للجميع، مواطنين وأجانب.

وفي أحد هذه المقاطع يروي علاقته بمصر، وهروبه إليها منذ كان مراهقاً، حين سافر دون علم والده.

كما يحكي كثيراً من كواليس العمل الصحافي في ليبيا، وكواليس سجنه طوال عشر سنوات، أثناء حقبة السبعينات، والحياة داخل سجن «بوسليم»، السجن نفسه الذي قبعت فيه الفتاة الفرنسية المروي عنها بعد ذلك، لنرى معاناة الراوي والمروي عنها في السجن نفسه، وعلى يد القذافي نفسه، الذي التقى الكاتب واستقبله مع مجموعة من المفكرين عقب الإفراج عنهم وقتها، فتقترب العدسة الروائية من هذا الشبح الذي سجن كل أبطال الرواية وعسف بهم، فتقدمه كشخصية آدمية من لحم ودم، وليس مجرد طيف مخيف، كاشفة عن جوانب من طبيعة شخصيته.

جانب آخر تعتمد عليه الرواية جمالياً، وهو تضمين السرد جوانب من فنون أخرى، خصوصاً الشعر، إذ يورد الكاتب قصائد كاملة لأبي نواس والمتنبي، كما نرى حضوراً لرواية فرانز كافكا «المسخ»، كما يقتبس مقاطع مطولة من «صلاة تشيرنوبل» للكاتبة الحاصلة على نوبل، سفيتلانا أليكساندروفنا أليكسيفيتش، لتكون الرواية خريطة لتاريخ من الجمال الأدبي، تماماً كما هي خريطة للحياة في ليبيا، ولصحاريها، وللتاريخ المضني الذي عاشه الليبيون، وخريطة لتاريخ الجنون والعسف والقتل، سواء على يد زعيم وطني، أو على يد الاستعمار.