مانيه وديغا... الصديقان العدوان في متحف «متروبوليتان» نيويورك

مواجهة بين عملاقي الفن الحديث تكشف علاقتهما الغامضة

إدغار ديغا، «صورة عائلية (عائلة بيليلي)» من بداية مسيرة ديغا المهنية (نيويورك تايمز)
إدغار ديغا، «صورة عائلية (عائلة بيليلي)» من بداية مسيرة ديغا المهنية (نيويورك تايمز)
TT

مانيه وديغا... الصديقان العدوان في متحف «متروبوليتان» نيويورك

إدغار ديغا، «صورة عائلية (عائلة بيليلي)» من بداية مسيرة ديغا المهنية (نيويورك تايمز)
إدغار ديغا، «صورة عائلية (عائلة بيليلي)» من بداية مسيرة ديغا المهنية (نيويورك تايمز)

تعدّ القاعات في متحف الـ«متروبوليتان» المخصصة لعرض لوحات فنية أوروبية، وتماثيل وأعمال نحت تعود إلى القرنين التاسع عشر والعشرين، من بين الأماكن الأكثر اكتظاظاً في المتحف. إنها دائماً مزدحمة، لماذا؟ لأننا نحب ما نعلم، وهنا نحن في عالم دُنيوي من الروايات والقصص ذات الصلة بالعمل واللعب والموضة التي تحدث في مدن رمادية بلون الدخان وعلى خلفية من مشاهد طبيعية من الخضرة المورقة، لكنها مدجّنة، مثل تلك الموجودة في حديقة «سنترال بارك». لا يوجد هنا هالات، ولا جحيم، ولا توجد معاناة أو موت، أو هكذا يبدو الوضع للوهلة الأولى.

يظهر ذلك خلال جولة سريعة داخل معرض «مانيه/ديغا» المميّز، الذي يضم 160 لوحة زيتية، ونُسخاً مطبوعة، ولوحات بألوان الباستيل، ورسوماً ملاصقة لقاعات العرض الدائمة، مما يجعلها تضمن جذب ذلك العدد الهائل من زائري المتحف.

ويعدّ المعرض، الذي افتُتح في العاصمة الفرنسية باريس، داخل متحف «أورسي»، في وقت مبكر من العام الحالي، الذي يُقام هنا يوم الأحد، هو الحدث المهم الذي يستهلّ به متحف الـ«متروبوليتان» موسمه. إنه بشكل عام، أفضل صورة ينبغي أن يكون عليها أي معرض.

لوحة «امرأة مع مروحة (جين دوفال)» لمانيه (نيويورك تايمز)

هناك بعض ملامح عدم اتزان فيما يتعلق بالانتباه والطاقة. يتجلّى ذلك في عنوان المعرض. لماذا لا يلتزم بالترتيب الهجائي؟ لماذا لا يكون «ديغا/مانيه»؟ على المستوى العملي يمكن للمرء تفسير ذلك استناداً إلى الترتيب الزمني التاريخي، فمانيه أكبر بعامين من ديغا، ولد في عام 1832، لكن في النهاية على ما يبدو أن الترتيب مثل تصنيف ذي طابع انتقادي، ويترك فناناً منطوياً بطبيعته، نحتاج إلى معرفته بدرجة أكبر، تحت ضوء خافت.

نشأة الفنانين... لقاؤهما وعلاقتهما

إضافة إلى ذلك، فإن نهج المعرض القائم على المقارنة وإظهار التباين في استعراض أعمال عملاقين ينتميان إلى الفترة المبكرة من العصر الحديث، مذهل وصائب. كان كل من إدوارد مانيه (1832-1883)، وإدغار ديغا (1834-1917) من سكان باريس. وُلدا لأسرتين ثريتين تنتميان إلى الطبقة البرجوازية الراقية. وقد خالف الاثنان التوقعات العائلية وأصبحا فنانين، كما نبذا أيضاً التدريب الفني التقليدي، واخترعا الفن الذي نُطلق عليه حديثاً وعصرياً، على مدى أيام وسنين طويلة. وقد التقيا، صدفة في بداية حقبة الستينات من القرن التاسع عشر، في وقت كان كلٌ منهما في رحلة تعليم ذاتي منفصلة إلى متحف اللوفر لدراسة الفن القديم ورسمه. وظلا صديقين حتى نهاية حياتهما، لكن تخللت تلك الصداقة فترات من العداء.

لوحة «المصارع الميت» لمانيه (نيويورك تايمز)

علاقتهما دامت وازدهرت اعتماداً على الاختلاف. فعلى الصعيد السياسي، كان مانيه تقدمياً اجتماعياً، في حين كان ديغا محافظاً بدرجة زائدة. ومع ذلك، فيما يتعلق بالسياسة المهنية، كانت الأدوار معكوسة. فطموح مانيه كان عرض أعماله والاحتفاء بها في الصالون السنوي لـ«إيكول دي بوو آر» (مدرسة الفنون الجميلة)، في حين كان ديغا عملياً في تأسيس معرض سنوي بديل، هو المعرض الانطباعي المناهض للمؤسسة (مع كلود مونيه، وكاميل بيساور، وبيرت موريسو)، الذي رفض مانيه المشاركة فيه.

شخصية انبساطية وأخرى انطوائية

كانت شخصية كل منهما مختلفة بشكل أساسي وبدرجة كبيرة عن الآخر. ووصفهما جورج مور، الناقد الآيرلندي الذي كان يرافقهما في باريس، قائلاً: «كان مانيه صاخباً وصريحاً، ويتوق للحصول على الميداليات والأوسمة، في حين كان ديغا حاد الذهن، وثاقب الفكر، وعميقاً، وساخراً بشكل لاذع».

صورة شخصية لمانيه وأخرى لديغا (نيويورك تايمز)

إن شئنا التعبير بشكل مبسّط، يمكن القول إن القوة المحركة للمعرض هي وضع الانبساطي مقابل الانطوائي. ربما يدرك المرء ذلك من الصورتين الذاتيتين اللتين تفتتحان المعرض. يقف الفنان في لوحة مانيه، التي تعود إلى عام 1878 تقريباً، متيقظاً بعينين تملؤهما الحماسة، مرتدياً سترة أنيقة وقبعة، وكأنه مستعد لإنهاء هذه الصورة الذاتية بشكل سريع والانضمام إليك في الحديث والشراب. على العكس من ذلك، في لوحة ديغا، يجلس وتعلو وجهه ملامح الجدّ، وينظر بشكل جانبي، حاملاً فرشاة، أو ربما قلماً، لكنه مخفي بشكل جزئي، وكأنه لم يكن راغباً في الإعلان عن عمله.

إحدى الثنائيات الرائعة، امرأتان في عزلة، لوحة ديغا «في مقهى» وعلى اليمين، لوحة «بلوم براندي» الحزينة لمانيه (نيويورك تايمز)

كان هناك توتر يسود الأجواء في القسم الأول الذي يحمل اسم «علاقة غامضة». نجد هنا عدداً من الصور الشخصية لمانيه بريشة ديغا، في حين لم تكن هناك أي صورة شخصية رسمها مانيه لديغا. وقد عُدّلت الصورة الشخصية، التي رسمها ديغا لزميله، فقد كانت في الأصل صورة شخصية لمانيه وزوجته سوزان لينهوف، عازفة بيانو موهوبة، لكن مانيه كان يكره طريقة تصوير ديغا لسوزان إلى حد دفعه إلى كشطها باستخدام شفرة الحلاقة. وغادر ديغا غاضباً ومعه اللوحة التي كان يعتزم تقديمها هدية.

لوحة ديغا «السيد والسيدة إدوارد مانيه» كانت هدية وقد أثار تصويره لمدام مانيه غضب زوجها فقطعها (نيويورك تايمز)

خلال السنوات الطويلة ظل مانيه وديغا ثنائياً غريباً خصوصاً في توجّههما السياسي. كان الاثنان وطنيين، وحاربا جنباً إلى جنب دفاعاً عن باريس خلال الحرب الفرنسية البروسية (1870-1871)، لكن ولاءاتهما تباينت في أمور أخرى كما يتضح في قسم يحمل اسم «من حرب إلى أخرى».

ومن الحروب التي جرى تناولها، الحرب الأهلية الأميركية، التي أثارت غضب مانيه، وكان يتبنى آراءً متشددة بشأن الشرّ والعبودية. ونجده يؤكد ولاءه وموقفه في لوحتين بحريتين متفاخرتين تحتفيان بنصر بحري حققه الاتحاد عام 1864. وبالقرب من اللوحتين توجد لوحتان لديغا موضوعهما متشابه، فهما عن أميركا أيضاً وعن سياستها العنصرية، وإن كان ذلك على الأقل بشكل سري، لكنهما لا تقدمان صورة معاكسة كثيراً.

من اليسار «معركة يو إس إس كيرسارج وCSS ألاباما» لمانيه عام 1864، و«كيرسارج» في بولوني 1864 (نيويورك تايمز)

تعود لوحات ديغا إلى عام 1873، وقد رسمها خلال زيارته لمدينة نيو أورلينز، مسقط رأس والدته، حيث تدير عائلته عملاً تجارياً مربحاً في صناعة القطن، التي تعتمد على العبودية. كان ذلك العمل موضوع اللوحات، التي صورت تجّاراً يرتدون قبعات بيضاء ويجتمعون في مكتب يتحدثون ويقرأون الصحيفة، ويفحصون عينات محصول جديدة. استمر العمل على النحو المعتاد وكأن آثار حرب مروعة وإخفاقات إعادة الإعمار، التي نشط أثناءها أفراد من عائلة ديغا من خلال مجموعة بيضاء عنصرية، لم يكن يوماً لها وجود.

ديغا «مكتب القطن في نيو أورليانز» 1873 (نيويورك تايمز)

أياً كانت آراء ديغا في التفكير السياسي لمانيه، فقد ظل اعتقاده في أهمية فنه راسخاً، وربما أصبح أقوى بعد وفاة مانيه بمرض الزهري وهو في الـ51 من العمر. وقد أقدم، خلال سنوات عمره اللاحقة التي قضاها في عزلة، على إنشاء مجموعة شخصية من أعمال مانيه، يُعرض نموذجٌ لها في قسم يحمل اسم «ديغا بعد مانيه» ويُختتم المعرض به.

«إعدام ماكسيميليان» لمانيه 1867 (نيويورك تايمز)

لقد التقى ديغا ومانيه، في بداية حياتهما المهنية، في قاعات عرض داخل متحف حكومي ضخم. وفي النهاية ظلا رفيقين داخل مساحة خاصة صغيرة هي الغرف الظليلة في شقة ديغا بباريس. قد يبدو هذا المتحف المنزلي الزاخر بالأشياء، غير عصري تماماً للبعض، فقد كان ضريحاً، ووعاء للذخائر المقدسة، يشرف عليه فنان له سمة الراهب أو الناسك، الذي من الصعب الإعجاب به شخصياً، كما أنه من الصعب تتبعه جمالياً. فهو شخص يشغل المقام الثاني في المعرض الرائع بمتحف الـ«متروبوليتان»، لكنه مع ذلك يظهر منه في النهاية بطل حامل للشعلة.

*خدمة: «نيويورك تايمز»


مقالات ذات صلة

«على مدد الشوف»... معرض قاهري يعيد اكتشاف جماليات العشوائيات

يوميات الشرق المعرض تضمن العديد من التيمات الفنية (الشرق الأوسط)

«على مدد الشوف»... معرض قاهري يعيد اكتشاف جماليات العشوائيات

مستعيناً بنظرة الطائر، يحلق الفنان المصري وائل حمدان فوق مشاهد بانورامية للقاهرة التاريخية، راصداً الزخم المتمثل في تكدس البيوت والشرفات والبنايات.

محمد الكفراوي (القاهرة )
يوميات الشرق يعيش النحات تجربة يومية حقيقية داخل المكان الذي يعمل فيه (إدارة السمبوزيوم)

«سمبوزيوم النحت»... فضاء فني جديد في العاصمة الإدارية بمصر

في قلب العاصمة الإدارية الجديدة (شرق القاهرة) بمصر، وبين مساحات الميادين الواسعة وحداثة العمران المتنامي، يتشكل مشهد بصري مختلف.

نادية عبد الحليم (القاهرة )
يوميات الشرق المشاركة المصرية جاءت بعنوان «جناح الصمت بين المحسوس واللامحسوس» (وزارة الثقافة)

«جناح الصمت»... 5 منحوتات غرانيتية تُمثّل مصر في «بينالي البندقية»

يطرح أرمن أغوب تجربة تأمّلية تدعو إلى الإنصات للصمت واستكشاف اللامرئي، ولمس ما يتجاوز حدود الإدراك الحسّي.

محمد الكفراوي (القاهرة)
يوميات الشرق هنا يتحوَّل الحفظ إلى جزء من التجربة الفنّية (موقع المتحف)

«ديبوت - انعكاس بوييمانز»... داخل العالم السرّي لأحد أضخم مخازن الفنّ

المادة التي كان يمكن أن تقع في الجفاف، بين معلومات عن الهندسة والتخزين والحفظ، تتحوَّل بين يدَي المخرجة إلى تجربة مشغولة بالتدفُّق والملمس والإيقاع.

فاطمة عبد الله (بيروت)
يوميات الشرق نبيل نحاس ومنسّقة الجناح اللبناني ندى غندور (بإذن من الفنان والجمعية اللبنانية للفنون البصرية)

نبيل نحاس بتجهيز «تعدُّد بلا حدود» يُمثّل لبنان في «بينالي البندقية»

يريد نبيل نحاس لزوّار الجناح أن يعيشوا تجربةً تأمّليةً أمام هذه الجدارية المركّبة، قبل أن ينشغلوا بفهم فحواها.

سوسن الأبطح (بيروت)

«مجمع الأديان» إلى الواجهة السياحية بمصر وسط اهتمام دولي

كنيسة أبي سرجة في مصر القديمة (وزارة السياحة والآثار)
كنيسة أبي سرجة في مصر القديمة (وزارة السياحة والآثار)
TT

«مجمع الأديان» إلى الواجهة السياحية بمصر وسط اهتمام دولي

كنيسة أبي سرجة في مصر القديمة (وزارة السياحة والآثار)
كنيسة أبي سرجة في مصر القديمة (وزارة السياحة والآثار)

يشهد مجمع الأديان في منطقة مصر القديمة (جنوب القاهرة) اهتماماً دولياً يتمثّل في الزيارات المتتالية لمعالمه من كبار الشخصيات التي تزور مصر، وكانت أحدثها زيارة المبعوث الخاص لرئيس الولايات المتحدة الأميركية لشؤون السياحة، نيك آدمز، على هامش مشاركته في الفعالية الدولية للمجلس العالمي للسياحة والسفر (WTTC)، التي استضافتها مصر تحت رعاية رئيس مجلس الوزراء.

وأجرى المبعوث الخاص لرئيس الولايات المتحدة الأميركية لشؤون السياحة، جولة في منطقة مجمع الأديان بمصر القديمة، برفقة مصطفى صبحي مدير عام منطقة آثار مصر القديمة والفسطاط، شملت زيارة الكنيسة المعلّقة، إحدى أقدم وأشهر الكنائس القبطية في مصر، التي شُيّدت فوق حصن بابليون، بالإضافة إلى كنيسة مار جرجس التي تضم المغارة التي احتمت فيها العائلة المقدسة خلال رحلتها إلى مصر.

واستعرض مسؤولو المنطقة الأثرية القيمة التاريخية والدينية والأثرية لمجمع الأديان، وما يعكسه من تنوع حضاري وثقافي فريد تتميز به مصر.

الكنيسة المعلّقة في مجمع الأديان (وزارة السياحة والآثار)

ويضم مجمع الأديان في مصر القديمة الكنيسة المعلّقة وكنيسة أبي سرجة التي تُعدّ من نقاط رحلة العائلة المقدسة إلى مصر، بالإضافة إلى المتحف القبطي، ومسجد عمرو بن العاص، ومعبد بن عزرا، ومجموعة من المقابر التراثية.

ويرى المتخصص في الآثار والتراث القبطي، الدكتور إبراهيم ساويرس، أن «منطقة مصر القديمة وما بها من آثار تراثية تنبع أهميتها مما تضمه من معالم أثرية مهمة»، وقال لـ«الشرق الأوسط»: «هذه المنطقة تُعدّ قلب القاهرة النابض، بجوار حصن بابليون الذي كان مدخل القاهرة من مئات السنين، وهي منطقة (كوزموبوليتانية) كما تُوصف، كانت منفتحة الثقافة وترحّب بجنسيات وأديان مختلفة».

وفي وقت سابق نظّمت وزارة السياحة والآثار جولة لوفد من زوجات سفراء 20 دولة أجنبية معتمدة بالقاهرة إلى منطقة مجمع الأديان بمصر القديمة، في إطار الترويج للمقاصد السياحية المصرية المتنوعة وتعريفهن بالحضارة المصرية العريقة والأماكن السياحية الموجودة بها.

جانب من زيارة المبعوث الأميركي للسياحة لمعالم مصر القديمة (وزارة السياحة والآثار)

وأشار ساويرس إلى مكونات منطقة «مجمع الأديان» التي تضم وفق قوله: «كنيسة تحولت إلى كنيس يهودي، وجامع عمرو بن العاص، ثم الآثار القبطية التي تشغل غالبية مساحة هذه المنطقة، من بينها الكنيسة المعلقة، وكنيسة أبي سرجة التي تضم المغارة التي لجأت إليها العائلة المقدسة لفترة ليست قصيرة، والمغارة موجودة تحت الهيكل».

وأكد أن المنطقة حظيت باهتمام كبير من العصر العثماني إلى أسرة محمد علي وحتى العصر الحديث، لأن مقر البطريرك كان موجوداً في هذا المكان، وبالتالي كان يحظى باهتمام كبير، وعلى بُعد خطوات من المنطقة توجد كنيسة أبو سيفين الأثرية التي كانت مقراً بطريركياً مهماً، وتتميز بالفخامة ولا تزال تضم رسوماً جدارية من القرون المسيحية الأولى.

وتابع المتخصص في الآثار والتراث القبطي: «يشهد هذا المكان زخماً حضارياً كبيراً يؤهله إلى أن يصبح مزاراً سياحياً عالمياً جاذباً للسياح من كل أنحاء العالم لما به من مميزات حضارية وأثرية كبيرة، فيكفي أن الزائر يمكن أن يزور أكثر من مسجد وكنيسة أثرية في وقت واحد تنتمي إلى عصور مختلفة، ويمكنه المشي في شوارع المنطقة الأثرية الضيقة المذهلة، ويمكن أيضاً التعرف على التراث المسيحي والقبطي من خلال المتحف القبطي الذي يضم مقتنيات قديمة نادرة».

Your Premium trial has endedYour Premium trial has ended


عزيز الشافعي لـ«الشرق الأوسط»: «تباعاً تباعاً» تمزج الروح المصرية بالخليجية

الملحن والمؤلف عزيز الشافعي (حسابه على فيسبوك)
الملحن والمؤلف عزيز الشافعي (حسابه على فيسبوك)
TT

عزيز الشافعي لـ«الشرق الأوسط»: «تباعاً تباعاً» تمزج الروح المصرية بالخليجية

الملحن والمؤلف عزيز الشافعي (حسابه على فيسبوك)
الملحن والمؤلف عزيز الشافعي (حسابه على فيسبوك)

أكد الملحن والمؤلف المصري، عزيز الشافعي، أن غياب المطربة شيرين عبد الوهاب عن الغناء خلال الفترة الماضية ترك فراغاً كبيراً؛ لأنها لا تشبه أحداً صوتاً وأداءً وروحاً، ونفى خلال حديثه لـ«الشرق الأوسط» أن يكون هو من أعادها للساحة، مؤكداً أن شيرين هي صاحبة قرار وتوقيت وشكل العودة، وأنها اختارت أغنية «الحضن شوك» للعودة؛ لأنها تلامس ما مرت به، لافتاً إلى أن اختيار شيرين لأغنية «تباعاً تباعاً» يمثل شجاعة كبيرة منها كمطربة؛ كونها تعتمد سرداً مغايراً ولغة تجمع بين الفصحى والعامية، ولحناً يمزج بين الروحين المصرية والخليجية في الموسيقى.

ولاقت عودة المطربة المصرية إلى الساحة الغنائية بعد فترة غياب اهتماماً لافتاً، خصوصاً مع طرحها أغنيتين جديدتين شكلاً ومضموناً، عبرت فيهما عن حالتين مختلفتين بين الألم والشجن والغضب في «الحض شوك» وبين الحب والابتهاج والحيوية في «تباعاً تباعاً» التي صدرت الجمعة لتتصدر منصات الأغاني بمصر، والسعودية، ولبنان، وقطر والكويت، وتحتل المركز الثامن في قوائم الاستماع عالمياً، كما احتلت المركز الأول على «يوتيوب» بعد ساعات قليلة من طرحها.

وعلق متابعون عبر مواقع «السوشيال ميديا» على عودة شيرين للساحة الغنائية التي افتقدتها طويلاً، وأشادوا بأغنيات عزيز الشافعي الذي تصدر اسمه «الترند» عبر منصة «إكس»، السبت، كما أشادوا بوقفته مع شيرين في عز أزمتها وتقديمه لها بشكل جديد يليق بعودتها.

وكانت شيرين قد أصدرت قبل أسبوعين أغنيتها «الحضن شوك»، وقالت في مداخلة مع الإعلامي عمرو أديب عبر برنامج «الحكاية» بقناة «إم بي سي» إنها ستطرح كل أسبوعين أغنية من ألبومها الغنائي الجديد.

وتحدث عزيز الشافعي عن كواليس عودة شيرين، قائلاً: «إنها تركت فراغاً كبيراً بغيابها خلال الفترة الماضية»، واصفاً إياها بأنها «مطربة من نوع خاص لا أحد يشبهها صوتاً وروحاً وأسلوب أداء في الوطن العربي كله، وأنها تضيف للغناء بحضورها، كما أن الغناء وحده الذي يُخرجها من عزلتها»، لافتاً إلى أنها «تهتم بردود الفعل كثيراً ويُفرق معها جداً في حالتها النفسية»، على حد تعبيره.

شيرين عادت للتألق مجدداً مع أغنيات عزيز الشافعي (حسابها على إنستغرام)

وعن عودة شيرين للغناء بعد فترة انقطاع، نفى الشافعي أن يكون هو وراء قراراها بالعودة للساحة، وقال ضاحكاً: «لم أقنع شيرين بالعودة ولا أحد يستطيع أن يقنعها بشيء، هي لديها الإصرار لذلك، ودائماً إيقاعها أسرع وقراراتها فورية، ولا أحد يحدد لها توقيت ولا شكل عودتها، في هذه الجزئية لا تسمع شيرين أحداً، ولو أن هناك من نصحها بشيء تفعل عكسه، فهي شخصية عنيدة للغاية ورأيها -كما يقولون- من دماغها».

ويواصل الشافعي: «شيرين لديها حماس كبير لطرح الأغنيات، وقد تعجلت الموزع الموسيقي توما لسرعة الانتهاء من مهمته، كما استدعت المصور اللبناني محمد سيف الذي جاء خصيصاً ليلتقط لها صوراً جديدة، فهي التي اختارت توقيت وشكل عودتها».

وشهدت أجواء البروفات وتسجيل الأغنيات حماساً لافتاً من شيرين، حسبما يقول الشافعي: «صوَّرت الأغنيتين في يوم واحد، وكانت في قمة تركيزها وحضورها».

وعن أغنية «تباعاً تباعاً» يقول الشافعي: «أكتب عادة أغنياتي في ظل حالة شعورية معينة، ثم أُسمعها للمطربين الذين سيعبّرون عنها بشكل جيد، وقد نالت إعجاب شيرين، ولم يكن هناك من سيغنيها أفضل منها».

وعَدّ عزيز الشافعي اختيار شيرين لأغنية «تباعاً تباعاً» شجاعة منها، قائلاً: «هي بالفعل شجاعة من شيرين أن تختار هذه الأغنية المكتوبة بلهجة بيضاء بين الفصحى والعامية، والمعتمدة شكلاً سردياً مختلفاً، ولحناً مزيجاً من المصري والخليجي، ولا بد أن يكون الملحن شجاعاً والمطرب أيضاً في التعامل مع هذا التغيير».

شيرين وعزيز حقَّقا نجاحاً لافتاً معاً (حساب عزيز الشافعي على فيسبوك)

ويضيف الشافعي: «لا أحب أن أستكين في منطقة مريحة، بل أقدم أفكاراً جديدة في كتابة الأغنيات وأرسم طريقاً جديداً»، لافتاً إلى أن الجديد يُعدّ دائماً سلاحاً ذا حدين؛ لأن البعض قد لا يستوعبه، مستدركاً: «لكن لو لم يُغير الكبار فمن سيملك الشجاعة إذن؟»، مشيراً إلى أن «الأغنية تعبّر عن شخصية شيرين فهي قد تضحك في عز بكائها، وفي ظل ضحكها قد تتذكر ما يُبكيها»، وفق قوله.

وحول أغنية «الحضن شوك» التي استهلت بها شيرين عودتها للغناء، قال الملحن المصري: «لقد أحبت شيرين أن تكون أول أغنية تعود بها ليست بعيدة عما مرت به في الفترة الماضي، فقررت أن تكون هي أول أغنية تطرحها لتعبّر عن حالة مرت بها ووجدت أن الأغنية قريبة جداً لما تريد أن تقوله في عودتها، وقد تكون مستوحاة من واقعة واجهتها شيرين ومن وقائع لناس أخرى شعروا بأن القريبين منهم ليسوا بالحنو والاستيعاب المأمول منهم».

وبدت شيرين في أدائها لأغنية «الحضن شوك» كما لو كانت تحاول أن تُخرِج شحنة انفعالية لتستعيد ذاتها؛ ما يفسره الشافعي قائلاً: «بناء الأغنية غير تقليدي، حينما يتحدث إنسان في حالة ثورة يتكلم بطريقة انفعالية، وهذا ظهر في أداء شيرين فكانت بمثابة صرخة تطلب فيها ممن حولها أن يرحموها، في ظل إحساس بالغضب انتابها».

وعانقت كلمات وألحان عزيز الشافعي صوت شيرين في أعمال عدة، من بينها أغنية «بتمنى أنساك» التي لاقت نجاحاً كبيرا ًوتصدرت قوائم الأغاني عام 2025.

ويكاد يكون الشافعي هو الملحن الوحيد الذي يكتب أيضاً أغنياته، فأغلب الأغنيات التي قدمها لكبار نجوم الغناء هي من كلماته وألحانه.

ويُعدّ الموزع توما الجناح الثالث في أغنيات شيرين وعزيز الشافعي الذي يقول عنه الأخير: «توما وزَّع الأغنيتين بطريقة رائعة جداً وأنا وشيرين نحب العمل معه، وكان قد وزَّع أيضاً أغنية (بتمنى أنساك)».


«على مدد الشوف»... معرض قاهري يعيد اكتشاف جماليات العشوائيات

المعرض تضمن العديد من التيمات الفنية (الشرق الأوسط)
المعرض تضمن العديد من التيمات الفنية (الشرق الأوسط)
TT

«على مدد الشوف»... معرض قاهري يعيد اكتشاف جماليات العشوائيات

المعرض تضمن العديد من التيمات الفنية (الشرق الأوسط)
المعرض تضمن العديد من التيمات الفنية (الشرق الأوسط)

مستعيناً بنظرة الطائر، يحلق الفنان المصري وائل حمدان فوق مشاهد بانورامية للقاهرة التاريخية، راصداً الزخم المتمثل في تكدس البيوت والشرفات والبنايات والمساجد ومعالم المدينة المختلفة، التي اعتاد أن يرسمها في أعماله بطريقة تمزج بين التصوير والتجريد.

وفي معرضه الأحدث «على مدد الشوف» بغاليري «أوديسي» في الزمالك (وسط القاهرة)، يقدم وائل حمدان مجموعة من لوحاته التي يقول عنها إنها نابعة من هوايته الوقوف في الأماكن المرتفعة لمشاهدة مناظر كاملة وعامة للمدن في كل مكان يزوره، وهو ما فعله في القاهرة أيضاً حيث يعيش منذ طفولته.

ويضيف لـ«الشرق الأوسط»، أنه يواصل تقديم تجربته الفنية في هذا الإطار الذي عالجه من قبل في أكثر من معرض منذ سنوات، مشيراً إلى تعامله مع بيوت القاهرة وزخمها السكاني كمناظر طبيعية، ثم بالتدريج كلوحات تجريدية، والسعي لتقديم ثيمات مختلفة مرتبطة بالتاريخ المصري القديم والفنون الشعبية من خلال بعض اللوحات.

القاهرة التاريخية حاضرة بقوة في المعرض (الشرق الأوسط)

ويقدم من خلال هذه التجربة رؤية مغايرة للبنايات المتلاصقة وما فيها من حكايات وقصص مخفية، ويحاول التعبير عن هذا الأمر بالألوان وبالتناغم بين الكتل التي تقدم إيقاعاً وسياقاً مميزاً، وعن هذا الأمر يقول: «أحاول رصد الهدوء والصخب الكامن في هذه البنايات، التي رغم ما يبدو عليها من قبح ظاهري فإن بها لمسات جمالية، حتى في أكثر الأماكن عشوائية يمكننا أن نرى ستائر مبهجة يطيرها الهواء من نوافذ نصف مفتوحة، وثياباً ملونة ترفرف على الحبال والمناشر، ورغم الضيق الذي تتسم به شرفات المنازل فإنها مصبوغة بدهانات فاقعة تشي بالفرح».

ويضم المعرض المستمر حتى 22 مايو (أيار) الحالي، أكثر من 20 لوحة تمتزج فيها الألوان والأشكال والقباب الإسلامية في مشاهد بانورامية تشير إلى الزخم الذي تتميز به القاهرة، خصوصاً منطقة وسط البلد والمناطق الشعبية، وتبدو الألوان بطلاً رئيسياً في تقديم رؤية جمالية مميزة لفكرة تلاصق البيوت وحكاياتها المخفية.

تكدس البنايات وزحام القاهرة بين التصوير والتجريد (الشرق الأوسط)

يضيف حمدان: «عمدت في بعض اللوحات إلى إضافة موتيفات شعبية أو بعض لمسات تنتمي لفن الحروفية، إلى جانب أعمال أخرى ربما يكون بها تأثيرات من الوجوه والفن المصري القديم، لكن تظل التجربة الأساسية والرئيسية مرتبطة بفكرة البيوت والزحام والصخب الذي يشع من منازل القاهرة، والهدوء الذي يخيم عليها من منظور أفقي، ما يضعني أمام نوع من المفارقات قدمتها في اللوحات».

موتيفات شعبية وفن الحروفية في إحدى اللوحات (الشرق الأوسط)

ويتابع: «حاولت الخروج بعض الشيء من سيطرة فكرة البيوت والمنازل على أعمالي رغم الشغف الشديد بها، فقدمت وجوهاً قريبة من الوجوه المصرية القديمة أو الوجوه النوبية، كما سعيت لتطعيم بعض اللوحات بموتيفات شعبية مثل فن الموزاييك أو المشربيات». وفق الفنان الذي يواصل شرح فلسفة معرضه قائلاً: «نشأت وسط القاهرة، في أحياء عابدين وباب اللوق، ولدي حنين دائم للبنايات الشعبية والدكاكين القديمة والقاهرة الفاطمية ومعالمها الإسلامية التي انعكست بشكل كبير في أعمالي».

الفنان وائل حمدان في معرضه (الشرق الأوسط)

والذي يدور وراء الحجار الصلبة والطوب الأحمر والحوائط والجدران السميكة، وماذا تخفي هذه التكوينات الإسمنتية المتجاورة في أنحاء المدينة، هو السر الذي بحث عنه الفنان وائل حمدان في معرضه، وحاول فك شفرته بأعماله المتنوعة، ساعياً لتحليل العلاقة بين زخم البيوت وجغرافية المكان والتناغم مع الطبيعة من حولها.

Your Premium trial has endedYour Premium trial has endedYour Premium trial has ended