تقارير: تطورات كاراباخ تُظهر أن روسيا المنغمسة بالحرب في أوكرانيا لم تعد شرطي القوقاز

روسيا المنغمسة بالحرب في أوكرانيا لم تعد شرطي القوقاز

الرئيس الروسي فلاديمير بوتين (وسط) ورئيس وزراء أرمينيا نيكول باشينيان (يمين الصورة) والرئيس الأذربيجاني إلهام علييف يحضرون مؤتمراً صحافياً عقب اجتماعهم الثلاثي في سوتشي بروسيا في 26 نوفمبر 2021 (رويترز)
الرئيس الروسي فلاديمير بوتين (وسط) ورئيس وزراء أرمينيا نيكول باشينيان (يمين الصورة) والرئيس الأذربيجاني إلهام علييف يحضرون مؤتمراً صحافياً عقب اجتماعهم الثلاثي في سوتشي بروسيا في 26 نوفمبر 2021 (رويترز)
TT

تقارير: تطورات كاراباخ تُظهر أن روسيا المنغمسة بالحرب في أوكرانيا لم تعد شرطي القوقاز

الرئيس الروسي فلاديمير بوتين (وسط) ورئيس وزراء أرمينيا نيكول باشينيان (يمين الصورة) والرئيس الأذربيجاني إلهام علييف يحضرون مؤتمراً صحافياً عقب اجتماعهم الثلاثي في سوتشي بروسيا في 26 نوفمبر 2021 (رويترز)
الرئيس الروسي فلاديمير بوتين (وسط) ورئيس وزراء أرمينيا نيكول باشينيان (يمين الصورة) والرئيس الأذربيجاني إلهام علييف يحضرون مؤتمراً صحافياً عقب اجتماعهم الثلاثي في سوتشي بروسيا في 26 نوفمبر 2021 (رويترز)

في حين أنّ مباحثات السلام بين أذربيجان وانفصاليّي إقليم ناغورنو كاراباخ الأرمن، انطلقت الخميس، غداة انتصار باكو في عملية عسكرية خاطفة، تطرح تطورات كاراباخ الأخيرة تساؤلات حول مدى احتفاظ روسيا المنشغلة بالحرب في أوكرانيا، بنفوذها في خاصرتها الجنوبية بالقوقاز، حيث اعتبرت تقارير صحافية كثيرة أن موسكو تخسر نفوذها في هذه المنطقة ولم تعد شرطي حدود هناك.

 

أذربيجان تشن هجوماً خاطفاً

شنت أذربيجان، الثلاثاء 19 سبتمبر (أيلول)، هجوماً خاطفاً على انفصاليّي ناغورنو كاراباخ (الأرمن المدعومين من أرمينيا). بعد مرور أقل من 24 ساعة على اندلاع الأعمال القتالية، توصّل طرفا النزاع في الإقليم إلى اتفاق لوقف إطلاق النار، عكس ملامحه الأولى فرض أذربيجان سيطرتها على الإقليم وإذعان السلطات الانفصالية لشروط باكو، خصوصاً لجهة الاستعداد لتسليم السلاح وإفساح المجال لتعزيز السيطرة العسكرية المباشرة للقوات الأذرية على المؤسسات الحيوية في الإقليم. وقد انطلقت مباحثات السلام بين أذربيجان وانفصاليي الإقليم الأرمينيين الخميس.

صورة ملتقطة في 19 سبتمبر 2023 تظهر دخاناً يتصاعد من ضربات المدفعية على قمة تل خارج ستيباناكيرت عاصمة المنطقة الانفصالية (ناغورنو كاراباخ) التي يسكنها الأرمن داخل الحدود الأذربيجانية (أ.ف.ب)

أعاد تقرير لصحيفة «لوفيغارو» الفرنسية، صدر الأربعاء، انتصار أذربيجان الأخير إلى نتاج تغييرات في ميزان القوى، حيث أطلقت حرب روسيا في أوكرانيا قوى جديدة في مناطق الصراعات المجمدة في الفضاء السوفياتي السابق. وقد استفادت باكو من دعم تركيا وعائداتها النفطية، و«انشغال موسكو، شرطي المنطقة السابق، في الصراع ضد جارتها الكبيرة في الجنوب (أوكرانيا)».

وفق التقرير، أدى غزو روسيا لأوكرانيا إلى تجديد إمكانية استخدام القوة لتغيير الحدود، ما زاد الحيز المتاح لأذربيجان للمناورة. وقد ترك شلل النظام الدولي منذ الحرب في أوكرانيا مجالاً واسعاً للتدخل العسكري الأذربيجاني، في حين لم تعد روسيا شرطي القوقاز.

الرئيس الأذربيجاني إلهام علييف يلقي خطابه للشعب الأذربيجاني بعد العملية العسكرية الأذربيجانية في ناغورنو كاراباخ في باكو بأذربيجان، 20 سبتمبر 2023 (إ.ب.أ)

حرب ناغورنو كاراباخ الأولى

تعود جذور الصراع بين أرمينيا وأذربيجان حول إقليم ناغورنو كاراباخ إلى أواخر الحقبة السوفياتية حيث كانت الدولتان جزءاً من الاتحاد السوفياتي.

وناغورنو كاراباخ، المعروف باسم آرتساخ لدى الأرمن، هو منطقة جبلية تقع في الطرف الجنوبي من سلسلة جبال كاراباخ، داخل أذربيجان. وهو إقليم معترف به دولياً كجزء من أذربيجان، لكن سكانه البالغ عددهم 120 ألف نسمة هم في الغالب من العرق الأرمني. لديهم حكومتهم الخاصة القريبة من أرمينيا، ولكن غير معترف بها رسمياً من قبل أرمينيا أو أي دولة أخرى، وفق وكالة «رويترز» للأنباء.

وبحسب «رويترز»، مع بدء انهيار الاتحاد السوفياتي، اندلعت حرب كاراباخ الأولى (1988 - 1994) بين الأرمن وجيرانهم الأذريين. وقُتل حوالي 30 ألف شخص، وانتهى الأمر بالجانب الأرميني بالسيطرة على ناغورنو كاراباخ نفسها ومساحات من 7 مناطق أذرية محيطة.

جندي من أصل أرميني يقصف بالمدفعية أثناء قتال مع القوات الأذربيجانية في منطقة ناغورنو كاراباخ الانفصالية، في هذه الصورة المنشورة في 29 سبتمبر 2020 (رويترز)

حرب 2020

تمكنت أذربيجان في نوفمبر (تشرين الثاني) 2020، من خلال صراع قصير، من استعادة بعض الأراضي التي خسرتها سابقاً في ناغورنو كاراباخ وما حولها. ومنذ ذلك الحين، لم يتمكن البلدان من التوصل إلى اتفاق بشأن تنفيذ الاتفاق الذي تم التوصل إليه بوساطة روسية، والذي أعقب النزاع.

وكان الهدف الأساسي لأذربيجان، بحسب تقرير صدر الثلاثاء عن مجلة «فورين بوليسي» الأميركية، هو استخدام انتصارها العسكري في عام 2020 لتسهيل التنمية الاقتصادية الإقليمية والتواصل، وتحديداً من خلال تأمين الوصول إلى الطرق والسكك الحديدية إلى منطقة ناختشيفان (غرب كاراباخ) وما وراءها إلى تركيا. وهذا يتطلب عبور الأراضي الأرمينية، ولم تسفر المفاوضات بين الجانبين الأرميني والأذري عن نتائج ملموسة.

لكن رئيس وزراء أرمينيا، نيكول باشينيان، اعترف في مايو (أيار) 2023 بسيادة أذربيجان على ناغورنو كاراباخ، بحسب «لوفيغارو».

جنود أذربيجانيون في مركز تدريب وتجنيد عسكري وسط صراع ناغورنو كاراباخ، بالقرب من مدينة غانجا بأذربيجان، 23 أكتوبر 2020 (رويترز)

تراجع النفوذ الروسي بأرمينيا

منذ تفكك الاتحاد السوفياتي، كانت أرمينيا شريكاً أمنياً مهماً لروسيا، وتستضيف واحدة من القواعد العسكرية الروسية القليلة على أراضٍ أجنبية، علماً أن أرمينيا ظلت أيضاً عضواً في منظمة معاهدة الأمن الجماعي، وهي تحالف أمني لدول الاتحاد السوفياتي السابق، طورته موسكو كردّ على منظمة حلف شمال الأطلسي «الناتو».

ولكن أرمينيا عملت على نحو كبير على التخلص من نفوذ موسكو، وخصوصاً عقب الغزو الروسي لأوكرانيا، وعدم تدخل روسيا عسكرياً لحماية أرمينيا بعد هجوم أذربيجان على إقليم ناغورنو كاراباخ الانفصالي الأرميني في عام 2020.

الرئيس الروسي فلاديمير بوتين (يمين) يلتقي رئيس الوزراء الأرميني نيكول باشينيان في سوتشي بروسيا، 9 يونيو 2023 (رويترز)

ففي وقت سابق من هذا العام، نفى رئيس الوزراء الأرميني نيكول باشينيان بشكل مباشر إعلان الكرملين أن منظمة معاهدة الأمن الجماعي ستستضيف تدريبات هذا العام في أرمينيا. كما رفض إرسال قوات للمشاركة في تلك التدريبات التي أجريت في نهاية المطاف في بيلاروسيا في وقت سابق هذا الشهر. حتى إن رئيس الوزراء الأرميني قال مؤخراً إن أرمينيا ارتكبت «خطأ استراتيجياً» باختيارها الاعتماد على روسيا وحدها لضمان أمنها.

وسبق لباشينيان أن قال في يناير (كانون الثاني)، مع تزايد التوترات بين يريفان وموسكو: «نحن لا ننتقد قوات حفظ السلام الروسية (في كاراباخ)، لكننا نعرب عن قلقنا بشأن أنشطتها، وهذا القلق له جذور طويلة الأمد».

ومنذ ذلك الحين، وصلت العلاقة بين الحليفين التقليديين إلى أدنى مستوى تاريخي، حيث قام باشينيان بعدة تحركات توضيحية، منتقداً ومبعداً بلاده عن روسيا أثناء محاولته مغازلة النفوذ في الغرب، وفق تقرير أصدرته الأربعاء صحيفة «غارديان» البريطانية.

رئيسة مجلس النواب الأميركي نانسي بيلوسي تتلقى زهوراً من رئيس الوزراء الأرميني نيكول باشينيان خلال اجتماع في يريفان بأرمينيا في 18 سبتمبر 2022 (رويترز)

موسكو تتراجع عن دعم يريفان

عندما شنّت أذربيجان هجومها الثلاثاء على المنطقة الانفصالية الجبلية، أوضحت موسكو أن قواتها ليس لديها أي نية لمنع باكو من قصفها، بحسب تقرير صحيفة «غارديان».

ووفق صحيفة «غارديان»، فإن تقاعس روسيا في ناغورنو كاراباخ ليس جديداً. وبسبب انشغالها بحربها في أوكرانيا، لم تتحرك موسكو في الغالب عندما أنشأت أذربيجان نقطة تفتيش أمنية جديدة على طول ممر لاتشين في الربيع الماضي (الذي يصل إقليم ناغورني كاراباخ بأرمينيا)، ما أدى إلى قطع تدفق الأشخاص والبضائع بين أرمينيا والإقليم الانفصالي.

ولم تتمكن الوحدة الروسية المنتشرة في ناغورنو كاراباخ بعد وقف إطلاق النار عام 2020 من منع الأعمال العسكرية الأذربيجانية، بحسب تقرير «لوفيغارو»، ولا منع باكو من فرض حصارها على ممر لاتشين.

منظر يظهر نقطة تفتيش أذربيجانية عند مدخل ممر لاتشين، وهو الرابط البري الوحيد لمنطقة ناغورنو كاراباخ الانفصالية التي يسكنها الأرمن مع أرمينيا، 30 أغسطس 2023 (أ.ف.ب)

«بالنسبة للأرمن، تظل روسيا حليفاً فشل مرتين على التوالي (في حماية أرمينيا)»، يقول ثورنيك غوردادزي، الأستاذ في معهد العلوم السياسية في باريس والمتخصص في شؤون القوقاز.

هذه هي المرة الثانية خلال 3 سنوات، التي تتخلى فيها روسيا عن أرمينيا الضعيفة، التي اعتمدت على دعمها العسكري. منذ فبراير (شباط) 2022، لم تعد موسكو تبدو قادرة على حماية أحد في المنطقة، حتى فرض نفسها كصانعة للسلام، وفق «لوفيغارو».

ومن خلال التخلي عن أرمينيا للمرة الثانية، تريد موسكو أيضاً «منع أذربيجان من الاقتراب أكثر من اللازم من تركيا»، توضح ماري دومولين، مديرة برنامج أوروبا، التابع للمجلس الأوروبي للعلاقات الخارجية.

متظاهرون يتجمعون لدعم كاراباخ للمطالبة بإعادة فتح ممر لاتشين الذي يربط منطقة ناغورنو كاراباخ بأرمينيا والتنديد بأوضاع الأزمة في المنطقة، في يريفان، في 2 سبتمبر 2023 (أ.ف.ب)

أرمينيا تتجه نحو الغرب

في هذا الإطار، اعتبر تقرير لمجلة «فورين بوليسي» الأميركية، صدر الثلاثاء، أن اهتمام روسيا في صراع ناغورنو كاراباخ هو للحفاظ على دور موسكو كقوة إقليمية مهيمنة، وليس بالضرورة لضمان السلام. وهذا ما يفسر استمرار انتهاكات وقف إطلاق النار بين أرمينيا وأذربيجان، على الرغم من نشر 2000 جندي حفظ سلام روسي في ناغورنو كاراباخ في أعقاب حرب 2020. وتشعر أرمينيا، الحليف القديم والعضو في منظمة معاهدة الأمن الجماعي التي تقودها روسيا، بالإحباط بشكل متزايد من موقف موسكو، حيث تراجعت يريفان مؤخراً عن استضافة تدريبات منظمة معاهدة الأمن الجماعي، واختارت بدلاً من ذلك إجراء تدريبات عسكرية مشتركة مع الولايات المتحدة من 11 إلى 20 سبتمبر 2023.

في هذه الصورة المنشورة التي التقطتها وزارة الدفاع الأرمينية، ونشرتها في 11 سبتمبر 2023، يحضر جنود أميركيون حفل افتتاح التدريبات المشتركة بين أرمينيا والولايات المتحدة «إيغل بارتنر 2023» (شريك النسر 2023) في مركز «زار» للتدريب خارج أشتاراك بأرمينيا (أ.ف.ب)

وعلّق نائب وزير الخارجية الروسي، سيرغي ريابكوف، على وقت التدريبات المشتركة بين أرمينيا والولايات المتحدة، قائلاً إن التدريبات، التي تشارك فيها أرمينيا، وهي عضو في منظمة معاهدة الأمن الجماعي (العسكري الموالي لموسكو)، تتعارض مع «روح» الشراكة العسكرية للحلف، بحسب تقرير صدر الأربعاء عن صحيفة «بوليتيكو» الأميركية.

ولا تشير تحركات أرمينيا بالضرورة إلى تحول أوسع نطاقاً بعيداً عن روسيا، لأن الروابط الاقتصادية والأمنية والسياسية بين البلدين متأصلة للغاية. ومع ذلك، فإن هذه التحركات تُظهر أن موقف موسكو في المنطقة أصبح أكثر هشاشة. ولم تؤدِ حرب روسيا في أوكرانيا إلى تركيز الغالبية العظمى من القوات العسكرية الروسية في أوكرانيا فحسب، بل شكلت أيضاً تحدياً للموقف الدبلوماسي لموسكو، الذي يتطلع إلى الحفاظ على الوضع الراهن في كاراباخ بشروطه الخاصة، وفق تقرير «فورين بوليسي».

ممثلون للمجتمع الأرميني في ناغورنو كاراباخ ولحكومة أذربيجان وممثل عن فرقة حفظ السلام الروسية يحضرون محادثات السلام في مدينة يفلاخ الأذربيجانية، الخميس 21 سبتمبر 2023 (أ.ب)

توتر العلاقات الروسية الأرمينية

أدى الابتعاد عن موسكو من جانب رئيس الوزراء الأرميني نيكول باشينيان، الذي حاول منذ تخلي روسيا عن أرمينيا عام 2020، أن ينوع تحالفاته من خلال الاقتراب من الغرب، إلى إثارة سخط الكرملين. فإضافة إلى مشاركة أرمينيا في مناورات عسكرية مع الولايات المتحدة، قدمت أيضاً مساعدات إنسانية إلى كييف، حيث زارتها السيدة الأرمينية الأولى، ما زاد من إرسال الإشارات المزعجة تجاه موسكو، وفق «لوفيغارو».

يقول تيغران غريغوريان، الخبير السياسي المقيم في يريفان، لصحيفة «موسكو تايمز» (صحيفة روسية تصدر من أمستردام)، في تقرير نُشر الثلاثاء، إن اندلاع القتال بين أذربيجان وإقليم ناغورني كاراباخ (المدعوم من أرمينيا) جاء في الوقت الذي أصبحت فيه العلاقات بين أرمينيا وروسيا، التي من المفترض أن تعمل كضامن أمني، أكثر توتراً في الأسابيع الأخيرة.

أحد أفراد قوات حفظ السلام الروسية يقف بجوار دبابة بالقرب من الحدود مع أرمينيا، بعد توقيع اتفاق لإنهاء الصراع العسكري بين أذربيجان والقوات المنتمية للعرقية الأرمينية، في منطقة ناغورنو كاراباخ، 10 نوفمبر 2020 (رويترز)

واعتبر غريغوريان أنه «بعد اندلاع الحرب في أوكرانيا، لم تتمكن موسكو من الوفاء بالتزاماتها، والآن تبنت بعض مواقف الجانب الأذربيجاني من الصراع».

وأضاف: «يبدو أن روسيا وأذربيجان لديهما علاقات أوثق الآن من أرمينيا وروسيا... العلاقات بين يريفان وموسكو تتدهور منذ فترة».

وسبق لرئيس وزراء أرمينيا، نيكول باشينيان، أن قال في يناير، مع تزايد التوترات بين يريفان وموسكو: «نحن لا ننتقد قوات حفظ السلام الروسية (في كاراباخ)، لكننا نعرب عن قلقنا بشأن أنشطتها، وهذا القلق له جذور طويلة الأمد».

ومنذ ذلك الحين، وصلت العلاقة بين الحليفين التقليديين الروسي والأرميني إلى أدنى مستوى تاريخي، حيث قام باشينيان بعدة تحركات توضيحية منتقداً ومبعداً بلاده عن روسيا أثناء محاولته مغازلة النفوذ في الغرب.

صورة مأخوذة من مقطع فيديو مقدم من الخدمة الصحافية لوزارة الدفاع الروسية تظهر مدنيين يصلون إلى معسكر قوات حفظ السلام الروسية بالقرب من ستيباناكيرت في ناغورنو كاراباخ، 21 سبتمبر 2023 (إ.ب.أ)

مواقف الكرملين من أحداث كاراباخ

نقلت صحيفة «غارديان» عن رئيس لجنة الدفاع بالبرلمان الروسي، أندريه كارتابولوف، قوله يوم الثلاثاء، بعد بدء هجوم أذربيجان على ناغورنو كاراباخ، في بيان ردده مسؤولون روس آخرون خلال النهار: «طالما أن قوات حفظ السلام (الروسية في ناغورنو كاراباخ) نفسها ليست مهددة بأي شيء، فليس لها الحق في استخدام الأسلحة (لصد قوات أذربيجان)».

حتى إن المتحدث باسم الكرملين، ديمتري بيسكوف، بدا وكأنه يوافق ضمنياً على تصرفات باكو، قائلاً إن أذربيجان تتصرف «على أراضيها».

متظاهرون أرمن يتجمعون خلال احتجاج على تعامل حكومة بلادهم مع الوضع في منطقة ناغورنو كاراباخ... خارج المبنى الحكومي في وسط يريفان بأرمينيا، 20 سبتمبر 2023 (إ.ب.أ)

وعزا خبراء سلبية موسكو تجاه أرمينيا إلى الكراهية الشخصية التي يكنها الرئيس الروسي فلاديمير بوتين لرئيس الوزراء الأرميني نيكول باشينيان كزعيم وصل إلى السلطة في أرمينيا على موجة الثورة. وقال فلاديمير باستوخوف من جامعة كوليدج لندن: «تأمل موسكو في حدوث ثورة مضادة سريعة في يريفان، وتفترض أن الهزيمة (للانفصاليين الأرمن) في كاراباخ ستعجّل بها»، حسبما أفادت صحيفة «بوليتيكو».

وتقول ماري دومولين، المتخصصة في المجلس الأوروبي لصحيفة «لوفيغارو» في هذا السياق: «لم يشعر الرئيس الروسي فلاديمير بوتين بالودّ تجاه رئيس الوزراء الأرميني باشينيان، الذي وصل إلى السلطة بعد ثورة. بعد حرب 2020 (بين أذربيجان وأرمينيا) كان بوتين بحاجة إلى باشينيان لتنفيذ اتفاق وقف إطلاق النار (الموقّع بين باكو ويريفان وموسكو). اليوم يفضل بوتين حكومة جديدة أكثر تأييداً لروسيا في يريفان».

وتفضل موسكو، بحسب تقرير «لوفيغارو»، حلاً لأرمينيا على النمط الجورجي، من خلال اكتساب الكرملين سلطة في يريفان موالية لروسيا.

الرئيس الروسي فلاديمير بوتين يشارك في مؤتمر عبر الفيديو مع مجموعة من المعلمين الحائزين على جوائز في مقر ولاية نوفو - أوغاريوفو خارج موسكو بروسيا، في 5 أكتوبر 2022 (رويترز)

الإعلام الروسي وتطورات الثلاثاء

سارع النقاد والشخصيات الإعلامية الموالية للكرملين إلى تضخيم أحداث يوم الثلاثاء في كاراباخ لصالح موسكو، وألقوا اللوم على رئيس الوزراء الأرميني نيكول باشينيان بسبب «تملقه للغرب». ووصفت مارغريتا سيمونيان، رئيسة تحرير محطة «آر تي» الروسية الحكومية، التصعيد بأنه «مأساوي ويائس ومتوقع»، وقارنت باشينيان بيهوذا.

وكتبت سيمونيان على «تلغرام»: «باشينيان يطالب قوات حفظ السلام الروسية بالدفاع عن كاراباخ. ماذا عن الناتو؟».

وكتب المحلل السياسي الموالي للكرملين سيرغي ماركوف على «تلغرام»: «لقد خانت القيادة الأرمينية روسيا منذ فترة طويلة. أصدقاء أرمينيا الرئيسيون الآن هم أعداء روسيا؛ فرنسا والاتحاد الأوروبي والولايات المتحدة».

امرأة تحمل علم كاراباخ بينما يشارك جمع في مسيرة في يريفان بأرمينيا في 21 سبتمبر 2023 في أعقاب العمليات العسكرية الأذربيجانية ضد القوات الانفصالية الأرمينية في ناغورنو كاراباخ (أ.ف.ب)

تهديد لروسيا ومخاطر تطهير عرقي

اعتبر ثورنيك غوردادزي، أستاذ العلوم السياسية بباريس والمتخصص في القوقاز، أن الأذربيجانيين، الذين هم في موقع قوة الآن، قد يحاولون «طرد الروس من كاراباخ» (كقوة حفظ سلام). وإذا نجحوا في هذا الأمر، سيكون ذلك بمثابة نموذج للمناطق الانفصالية الأخرى في المنطقة حيث توجد قوات روسية، مثل أوسيتيا الجنوبية، وأبخازيا، حتى ترانسنيستريا، وذلك من خلال إعطاء الأولوية للسيادة الكاملة على الأراضي، لدولة تضم أقلية انفصالية، وهذا إذا حصل فلن يكون في صالح موسكو.

ويخلق هجوم باكو الخاطف معادلة جيوسياسية معقدة، على الأقل كما كانت من قبل. كما أن خطر التطهير العرقي للأرمن في ناغورنو كاراباخ لم يختفِ مع استسلام الانفصاليين. وإذا قررت باكو مواصلة هجومها، فقد تتواجه أذربيجان وأرمينيا وجهاً لوجه. ومن خلال تحدي الحدود المعترف بها دولياً في أوكرانيا، فتح النظام الروسي الباب أمام كل أنواع الخلافات. منذ فبراير 2022، اهتزت جميع جدران البيت الروسي (السوفياتي) القديم، وفق تقرير صحيفة «لوفيغارو».


مقالات ذات صلة

كوريا الشمالية تتعهّد بدعم روسيا في حربها «المقدسة» على أوكرانيا

العالم وزير الدفاع ورئيس البرلمان الروسيان يصفقان فيما يتحدث كيم جونغ أون خلال افتتاح المجمع التذكاري لتكريم الجنود الكوريين الشماليين الذين قتلوا في الحرب ضد أوكرانيا (وكالة الأنباء المركزية - رويترز)

كوريا الشمالية تتعهّد بدعم روسيا في حربها «المقدسة» على أوكرانيا

أكَّد الزعيم الكوري الشمالي كيم جونغ أون مجدداً دعم بلاده للغزو الروسي لأوكرانيا، متعهداً بمساعدة موسكو على تحقيق النصر في حربها «المقدسة».

«الشرق الأوسط» (بيونغ يانغ)
أوروبا الرئيس الأوكراني فولوديمير زيلينسكي (أ.ف.ب)

زيلينسكي يتهم روسيا بممارسة «الإرهاب النووي» في ذكرى «تشيرنوبل»

اتهم الرئيس الأوكراني فولوديمير زيلينسكي روسيا بممارسة «الإرهاب النووي»، وذلك مع إحياء بلاده، الأحد، الذكرى السنوية الأربعين لكارثة تشيرنوبل النووية.

«الشرق الأوسط» (كييف)
الاقتصاد ناقلة نفط ترسو بالقرب من محطة «كوزمينو» في خليج ناخودكا الروسي (رويترز)

الهند تسد فجوة نقص النفط مع انخفاض الإمدادات من الشرق الأوسط

أفاد محللون بأن الهند كثّفت مشترياتها من النفط الروسي وأعادت تنشيط مصادر وطرق بديلة من أفريقيا وإيران وفنزويلا؛ لتخفيف حدة النقص في نفط الشرق الأوسط.

«الشرق الأوسط» (مومباي)
أوروبا جندي أوكراني وهو يمر بجوار مبنى متضرر في ضواحي دروجكيفكا بمنطقة دونيتسك (أ.ف.ب)

3 قتلى بضربات روسية على أوكرانيا

أسفرت ضربات روسية في أنحاء أوكرانيا عن مقتل 3 أشخاص وإصابة 4 على الأقل بجروح.

«الشرق الأوسط» (كييف)
آسيا رئيس البرلمان الروسي فياتشيسلاف فولودين (رويترز)

مسؤول روسي يزور كوريا الشمالية في ذكرى إرسالها قوات لحرب أوكرانيا

ذكرت وكالة «تاس» الروسية للأنباء، أن رئيس البرلمان الروسي فياتشيسلاف فولودين، الحليف المقرب للرئيس فلاديمير بوتين، وصل إلى كوريا الشمالية اليوم (السبت).

«الشرق الأوسط» (سيول)

فرنسا تنقذ 119 مهاجراً خلال محاولتهم عبور قناة المانش إلى بريطانيا

مهاجرون يعبرون بحر المانش (القنال الإنجليزي) على متن قارب (أرشيفية - أ.ف.ب)
مهاجرون يعبرون بحر المانش (القنال الإنجليزي) على متن قارب (أرشيفية - أ.ف.ب)
TT

فرنسا تنقذ 119 مهاجراً خلال محاولتهم عبور قناة المانش إلى بريطانيا

مهاجرون يعبرون بحر المانش (القنال الإنجليزي) على متن قارب (أرشيفية - أ.ف.ب)
مهاجرون يعبرون بحر المانش (القنال الإنجليزي) على متن قارب (أرشيفية - أ.ف.ب)

أعلنت السلطات الفرنسية أنها أنقذت أكثر من مائة مهاجر أثناء عبورهم قناة المانش للوصول إلى بريطانيا خلال عطلة نهاية الأسبوع، في حين تم نقل أحدهم إلى المستشفى، وفق ما أفاد مسؤولون الأحد.

وفي إطار عمليات عدة جرى تنفيذها السبت، تمكنت فرق الإغاثة على الساحل الشمالي لفرنسا من إنقاذ 119 شخصا حاولوا عبور القناة، وفق ما ذكرت سلطات السواحل الفرنسية «بريمار» المسؤولة عن المنطقة.

ونُقل مهاجر وهو فاقد الوعي بواسطة مروحية لتلقي العلاج في مستشفى بمدينة بولون على الساحل الشمالي.

والخميس، وقعت بريطانيا وفرنسا اتفاقية جديدة مدتها ثلاث سنوات لوقف قوارب المهاجرين غير الشرعيين عبر القناة، حيث زادت لندن من مساهمتها لتمويل العمليات الفرنسية.

وبحسب وكالة الصحافة الفرنسية، لقي 29 مهاجرا مصرعهم عام 2025 خلال محاولتهم العبور من الساحل الشمالي لفرنسا إلى الساحل الجنوبي لبريطانيا.

وحتى الآن هذا العام، سُجل مصرع ستة أشخاص خلال قيامهم بهذه الرحلة البحرية المحفوفة بالمخاطر.


قصر بكنغهام: زيارة الملك تشارلز إلى أميركا ستجري كما هو مقرر

الملك البريطاني تشارلز (يمين) والرئيس الأميركي دونالد ترمب يتحدثان في مأدبة رسمية بقلعة وندسور (أ.ب)
الملك البريطاني تشارلز (يمين) والرئيس الأميركي دونالد ترمب يتحدثان في مأدبة رسمية بقلعة وندسور (أ.ب)
TT

قصر بكنغهام: زيارة الملك تشارلز إلى أميركا ستجري كما هو مقرر

الملك البريطاني تشارلز (يمين) والرئيس الأميركي دونالد ترمب يتحدثان في مأدبة رسمية بقلعة وندسور (أ.ب)
الملك البريطاني تشارلز (يمين) والرئيس الأميركي دونالد ترمب يتحدثان في مأدبة رسمية بقلعة وندسور (أ.ب)

أعلن قصر بكنغهام، اليوم الأحد، أن الزيارة التي سيقوم بها الملك تشارلز ملك بريطانيا وقرينته كاميلا إلى الولايات ‌المتحدة لمدة أربعة ‌أيام ستجري ‌كما هو مقرر لها، وذلك عقب واقعة إطلاق نار حدثت خلال حفل عشاء حضره الرئيس الأميركي دونالد ترمب.

وقال ‌متحدث ‌باسم القصر، وفقاً لوكالة «رويترز»: «بعد ‌مناقشات جرت على ‌جانبي المحيط الأطلسي طوال اليوم، وبناء على نصيحة الحكومة، ‌يمكننا تأكيد أن الزيارة الرسمية لجلالتيهما ستجري كما هو مخطط لها».

وأضاف: «الملك وقرينته ممتنان للغاية لجميع الذين عملوا بسرعة لضمان استمرار ذلك، ويتطلعان إلى بدء الزيارة غداً».

ويبدأ الملك تشارلز الثالث زيارة إلى الولايات المتحدة الاثنين تشمل مهمة دبلوماسية حساسة وهي تخفيف التوترات بين الرئيس دونالد ترمب ورئيس الوزراء كير ستارمر، مع تجنّب «قضية إبستين» التي تعد شوكة في خاصرة العائلة المالكة.

رسمياً يُقدّم قصر باكنغهام هذه الزيارة التي تستغرق أربعة أيام، وتم تنظيمها بناء على طلب الحكومة البريطانية، بوصفها فرصة «للاحتفال بالروابط التاريخية» بين البلدين لمناسبة الذكرى الـ250 لاستقلال الولايات المتحدة. لكن نادراً ما أثارت زيارة ملكية كل هذا الجدل. فمع أن دونالد ترمب نجل سيدة اسكوتلندية ومعجب كبير بالعائلة المالكة، ووصف الملك بأنه «رجل رائع» الخميس على شبكة «بي بي سي»، إلا أنه كثّف هجماته على حلفائه البريطانيين منذ نهاية فبراير (شباط)، عندما أبدت لندن لأول مرة تحفظاتها بشأن الضربات الإسرائيلية الأميركية على إيران.

وهاجم الرئيس الأميركي رئيس الوزراء العمالي كير ستارمر مطلع مارس (آذار)، قائلاً: «نحن لا نتعامل مع ونستون تشرشل». كما سخر من الجيش البريطاني وقلّل من شأن مساهمته في التحالف الدولي الذي خاض الحرب ضد «طالبان» في أفغانستان.

ودفعت تلك الهجمات بعض أعضاء البرلمان، مثل زعيم الديمقراطيين الليبراليين إد ديفي، إلى المطالبة بتأجيل الزيارة. وقد أيّد هذا الرأي 48 في المائة من البريطانيين، وفقاً لاستطلاع رأي أجرته مؤسسة «يوغوف» في بداية أبريل (نيسان).


«الشرق الأوسط» تروي لحظات الرعب في «حفل واشنطن»

عناصر مكتب التحقيقات الفيدرالي أمام ردهة فندق «واشنطن هيلتون» بعد حادثة إطلاق النار مساء السبت (أ.ف.ب)
عناصر مكتب التحقيقات الفيدرالي أمام ردهة فندق «واشنطن هيلتون» بعد حادثة إطلاق النار مساء السبت (أ.ف.ب)
TT

«الشرق الأوسط» تروي لحظات الرعب في «حفل واشنطن»

عناصر مكتب التحقيقات الفيدرالي أمام ردهة فندق «واشنطن هيلتون» بعد حادثة إطلاق النار مساء السبت (أ.ف.ب)
عناصر مكتب التحقيقات الفيدرالي أمام ردهة فندق «واشنطن هيلتون» بعد حادثة إطلاق النار مساء السبت (أ.ف.ب)

كان جميع المدعوين إلى مأدبة عشاء مراسلي البيت الأبيض، مساء السبت، ينتظرون كلمة الرئيس دونالد ترمب الذي شارك في هذا الحفل بعد سنوات من المقاطعة. كان الصحافيون المدعوون، وبينهم «الشرق الأوسط»، يترقبون ما سيقوله الرئيس ترمب، خصوصاً مع تاريخه الطويل في انتقاد الصحافيين ودورهم، حسبما يعتقد، في نشر «الأخبار المزيفة». دخل الرئيس ترمب والسيدة الأولى ميلانيا ترمب إلى القاعة الكبرى في فندق «واشنطن هيلتون» وسط تصفيق حذر وأنظار متلهفة. كان الجو يمزج بين الرسمية والتوتر الخفي؛ صحافيون، سياسيون، نجوم هوليوود، وشخصيات بارزة من الكونغرس وأعضاء إدارة ترمب يجلسون على موائد مزينة بأناقة. لم تمضِ دقائق قليلة على دخول ترمب حتى انفجر الوضع. سُمع صوت إطلاق نار خارج القاعة مباشرة. في لحظات، تحوّلت القاعة إلى مشهد يشبه أفلام الأكشن الهوليوودية التي نراها على الشاشات الكبيرة. اندفع عملاء الشرطة السرية بأسلحتهم المسحوبة، صرخوا... تحركوا... انخفضوا تحت الطاولات، وأحاطوا الرئيس الأميركي والسيدة الأولى والوزراء وأعضاء الكونغرس. تم إجلاء ترمب وميلانيا بسرعة مذهلة من فوق المنصة، وسط فوضى منظمة. وفي القاعة، كانت ردود الأفعال الإنسانية تلقائية ومتنوعة، تعكس الطبيعة البشرية في مواجهة الخطر المفاجئ. لاحظت «الشرق الأوسط» بعض الحاضرين يختبئون تحت الموائد بحثاً عن غطاء، بينما وقف آخرون على الكراسي والطاولات محاولين استطلاع ما يحدث أو تصوير اللحظة بهواتفهم.

موظفوون في فندق «واشنطن هيلتون» لجأوا إلى مدخل خلفي بعدإطلاق النار مساء السبت (أ.ف.ب)

كان المشهد مرعباً وغير واقعي في الوقت نفسه؛ كأن الجميع أصبح جزءاً من فيلم إثارة، لكن الرصاص حقيقي والخوف حقيقي. شوهد رئيس مجلس النواب، مايك جونسون، يركض مسرعاً نحو باب الخروج، وستيفن ميلر يحاول الخروج وهو يختبئ خلف زوجته الحامل، محاولاً حمايتها بجسده. في لحظة مؤثرة، شاهدت «الشرق الأوسط» أيضاً إريكا، أرملة الناشط اليميني تشارلي كيرك، منهارة تماماً تبكي بحرقة. اقترب منها كاش باتيل، مدير مكتب التحقيقات الفيدرالي «إف بي آي»، وأخذها إلى أحد الممرات الجانبية في الفندق، يحاول تهدئتها بلطف وهو يمسك بيدها.

الشرطة تحاول إبعاد الجمهور عن فندق «واشنطن هيلتون» بعد إطلاق نار خارج قاعة الاحتفالات مساء السبت (إ.ب.أ)

تم إجلاء الجميع من القاعة والفندق بسرعة. خرجوا إلى الشارع، وجلسوا ساعات طويلة خارج الفندق وسط طوق أمني محكم. حاصرت سيارات الشرطة والإسعاف كل الشوارع المحيطة، وكانت طائرات الهليكوبتر تحلق فوق الرؤوس في دوائر مستمرة، تخترق صمت الليل بصوت محركاتها. كان الجو بارداً ومشحوناً بالتوتر؛ صحافيون يتحدثون بهمس، بعضهم يحاول الاتصال بزملائه أو عائلاته، وآخرون يدونون ملاحظاتهم، أو يبثون مباشرة عبر الهواتف، ولم يتمكن أحد من العودة إلى الفندق تلك الليلة. استمر تحليق طائرات الهليكوبتر والتوتر، ثم أُعلن لاحقاً أن شخصاً مسلحاً حاول اقتحام نقطة تفتيش، وتمت السيطرة عليه. لم يُصب الرئيس ترمب ولا السيدة الأولى ولا أي من كبار المسؤولين بأذى. كانت تلك الليلة تذكيراً قاسياً بأن الواقع السياسي في واشنطن يمكن أن يتحول في ثوانٍ إلى دراما إنسانية مكثفة. بين الترقب لخطاب رئاسي محتمل ينتقد «الإعلام المزيف»، وبين صوت الرصاص والإجلاء السريع، تجلت هشاشة الأمان حتى في أكثر المناسبات رسمية.