رئيس مجموعة «كار» النفطية: العراق بحاجة إلى مرجعية قانونية لاستثمار البترول

دعا في حديث لـ«الشرق الأوسط» بغداد وأربيل لحلّ خلافاتهما من أجل استقطاب المستثمرين

البرزنجي خلال افتتاح أحد مشاريع الشركة النفطية (الشرق الأوسط)
البرزنجي خلال افتتاح أحد مشاريع الشركة النفطية (الشرق الأوسط)
TT

رئيس مجموعة «كار» النفطية: العراق بحاجة إلى مرجعية قانونية لاستثمار البترول

البرزنجي خلال افتتاح أحد مشاريع الشركة النفطية (الشرق الأوسط)
البرزنجي خلال افتتاح أحد مشاريع الشركة النفطية (الشرق الأوسط)

لم يعرف العراق خلال تاريخه منذ اكتشاف النفط قبل نحو قرن أي شراكة بين الدولة والقطاع الخاص المحلي، وبقيت سوق الطاقة طيلة عقود تحت سلطة الدولة التي احتكرت تطوير حقول النفط والغاز. وبالكاد تحرر المجال عام 2003 مع دخول حذر للشركات المحلية التي واجهت تحديات تتعلق بالموارد البشرية الخبيرة، والعمل في مناخ جيوسياسي مضطرب، وفي منطقة نزاع تعتمد فقط على موارد النفط.

مجموعة «كار» النفطية، من بين شركات عراقية قليلة، انخرطت في الاستثمار النفطي خلال العقدين الماضيين، ويقول رئيسها باز البرزنجي في حوار لـ«الشرق الأوسط»: «إن مستقبل الطاقة في منطقة نزاع إقليمي ودولي هو رهن نجاح تجربة الشركات المحلية بوضع استراتيجية نفطية تقدم الاقتصاد على السياسة وتركز على تطوير البنى التحتية لقطاع النفط».

4 حقب تاريخية لنفط العراق

مرت السياسة النفطية في العراق بأربع حقب تاريخية، بدأت بالعهد العثماني مروراً بتأسيس الدولة الحديثة وحكم الانتداب البريطاني، ومن بعدها فترة الجمهورية وسياسة التأميم، انتهاءً بتجربة عراق ما بعد صدام حسين. وفي جميعها، كان النفط أداة بيد السياسة، كما يصف البرزنجي، الذي يرى أن التصويت على الدستور العراقي عام 2005، كان فرصةً لتوحيد العراقيين وفعالياتهم الحزبية على «سياسة نفطية مرنة ومتاحة للتطوير والتنمية».

وبحسب البرزنجي، فإن تجارب العراق مع الاستثمار النفطي تضع صانع القرار أمام حقيقة ثابتة مفادها أن تحرير النفط من سطوة السياسة بات حتمية تاريخية، وقد توصلت إليها مبكراً حتى الدول التي كانت تتبنى اقتصاداً آيديولوجياً. ويمكن للعراق امتلاك قرار ثابت لإدارة الطاقة، متى ما اعتمدت الدولة العراقية مبدأ السياسة التابعة للاقتصاد وليس العكس، لتكون التنمية هي المصلحة الأساسية من النفط والاستثمار فيه.

وأشار إلى أن الاستفادة من النماذج الناجحة في العالم تتطلب من العراقيين الاتفاق والتفاهم على سياسة نفطية وطنية، على أن تكون المحافظة على تطوير الصناعة النفطية أولوية على المدى القريب والبعيد. ويُعطي البرزنجي إقليم كردستان مثالاً واعداً في هذا المجال، معتبراً أن البنية التحتية لقطاع النفط في هذه المنطقة النشطة تمثل رصيداً استثمارياً للعراق، حيث قامت شركات عالمية رصينة بالاستثمار في هذه الصناعة بموافقة الحكومات والمؤسسات القانونية والمصرفية والمالية. وقد ساعد هذا النوع من الشراكات أخيراً على إيجاد سياسة نفطية وطنية تحدد دور ومساحة الجميع في القطاع النفطي، سواء كان الإقليم، أو القطاعين الخاص والعام.

عقدة قانون النفط والغاز

في الأشهر القليلة الماضية، تعكف الفعاليات السياسية على كتابة مسودة جديدة لقانون النفط والغاز، المتعثر منذ عام 2005، وليس من المرجح أن تحظى النسخة النهائية بمرور سلس في البرلمان العراقي، حتى مع التعهدات السياسية للقوى في تحالف «إدارة الدولة» بسد الفراغ القانوني الذي تعمل بموجبه المؤسسات النفطية.

وفي هذا الإطار، يرى رئيس مجموعة «كار» أن القوى العراقية أمام مسودات مختلفة للقانون، واحدة أعدتها الحكومة الاتحادية وأخرى من حكومة إقليم كردستان، وما بينهما ثمة وجهات نظر من المحافظات المنتجة للنفط يجب احترامها. ومع ذلك، لا يرجح البرزنجي التوصل إلى قانون يحظى بالإجماع بسبب الخلاف على تفسير الدستور، إلى جانب القرارات القضائية سواء في بغداد أو باريس التي رسخت حاجزاً بين الأطراف المعنية وجعلت الحوار بينها أكثر صعوبة.

ويقترح البرزنجي مساراً ضرورياً قبل تشريع قانون النفط والغاز يشمل تفسير فقرات الدستور الخاصة بإدارة الثروات الطبيعية، وحسم البنود الخلافية، والتوصل إلى نص مرجعي لا يمكن لأحد تجاوزه أو التلاعب به. كما يتضمن المسار اتفاقاً على آلية توزيع العوائد المالية للنفط بين إقليم كردستان - أو المحافظات - والحكومة الاتحادية، لا سيما أن الاتفاق المطبق حالياً هو مؤقت يتم تجديده أو تغييره كل سنة وفقاً لقانون الموازنة، حيث تحتكر الأكثرية السياسية المتغيرة صياغته في البرلمان.

وانطلاقاً من هنا، يتعين على الأطراف المعنية في بغداد وأربيل حلّ الخلافات بشأن النفط، إذ لا يجوز للمستثمرين والشركات الدخول كطرف أو جزء في هذا النزاع إلا في حدود الحلول التقنية والفنية.

الشراكة مع الخليج

يرى البرزنجي أن عهد الشراكة مع الخليج بدأ الآن، معتبراً أن كل شيء من وجهة نظره يقود إلى النجاح، فالخليجيون لا يشكلون رأس المال وحسب، بل لديهم سنوات من الخبرة المتراكمة، ويمكن للعراق الاستفادة منها. وهو يجري الآن حوارات متقدمة بشأن الربط بين شبكات الكهرباء، إلى جانب الدراسات والمباحثات التي تقوم بها شركات خليجية لتطوير حقول النفط والغاز ضمن جولة التراخيص المقبلة.

التفاؤل بالدور الخليجي في العراق ليس كافياً، يقول البرزنجي، إذ لا تزال الحاجة قائمة وملحة لتوفير غطاء قانوني يحمي عقود الاستثمار ويضمن استمراريتها في بيئة آمنة يحتاجها المستثمر الخليجي، وغيره، دون أن تجري مثل هذه المفاوضات تحت غطاء الحسابات السياسية لإبرام عقود لن تصمد بوجود توقيعها.

الأزمة مع إيران

وفي مقابل الفرصة الخليجية، فإن الأزمة بين إيران والعالم أثرت على قطاع الطاقة في المنطقة، إذ ثمة توتر حول حقل الدرة، وتعقيدات في غاز البصرة، وقصف حول حقول كردستان. فكيف يمكن للعراق الخروج من هذا؟

يعتبر البرزنجي أن الأزمة مع إيران مثال واضح على أهمية وضع الاقتصاد قبل السياسة، لأن مؤشرات الخطر شاخصة أمام الجميع، وتداعيات السياسة ستؤثر بشكل مباشر على استقرار سوق الطاقة والحياة اليومية للناس. ومع ذلك، فإن العالم يراقب تحولاً إيجابياً لدى الأطراف المعنية بملف الطاقة نحو توفير بيئة تجارية آمنة، تنزع فتيل الأزمات النشطة الآن.

العراق في سوق الغاز العالمية

تُرجح مراكز بحثية معنية أن يحتل العراق، خلال السنوات المقبلة، أهمية كبيرة في سوق الغاز العالمية، ومن المفترض حسب المشاريع القائمة حالياً أن ينجح في إنتاج ثلاثة تريليونات قدم مكعبة يومياً عام 2026، لكن المعادلة الإقليمية تجعل الوصول إلى نهاية هذا الطريق صعبا للغاية.

يقول البرزنجي: «إن العراق الآن في طور الاستكشاف، لكننا لا نعرف الطاقة الحقيقية الإنتاجية للحقول. أما الحقول المكتشفة، فإن المؤسسات النفطية مطالبةً بتطويرها في أسرع وقت ممكن، نظراً للعجز الكبير الذي يعاني منه العراق في الغاز».

وعلى المدى المنظور، فإن العراق سيركز على الحاجة المحلية من الغاز. فالمشاريع الحالية في طور استعادة إنتاج الغاز وتطوير البنى التحتية، والعقود الجديدة المبرمجة في العراق، بينها عقود إقليم كردستان، تستهدف توفير احتياجات توليد الكهرباء ومتطلبات الصناعة والمستهلكين المحليين، بما لا يبرر لأي جهة أو طرف سياسي الهجوم على الشركات العاملة في هذا القطاع الحساس. أما كميات التصدير فلا تزال مجرد أرقام تخمينية، بسبب النواقص في أنابيب النقل والبنية التحتية لإنتاج الغاز الطبيعي.

العودة إلى «جيهان» التركي

متى يستأنف العراق تصدير النفط عبر ميناء «جيهان» التركي؟ يتردد هذا السؤال على لسان جميع المعنيين بملف الطاقة في العراق خلال الأشهر الماضية. بحسب البرزنجي، فإن العودة إلى هذا الخط مرهونة بصيانة الأنبوب المتأثر بالزلزال التركي في فبراير (شباط) الماضي، إلى جانب حسم الخلاف المترتب على قرار التحكيم الدولي الذي ألزم أنقرة بدفع تعويضات للعراق.

هذا ويقترح البرزنجي مواصلة الحوار بين الجانبين على المستويين التقني والسياسي، وعلى مستويات متعددة، مشيراً إلى أنه وبعد زيارة وزير النفط العراقي حيان عبد الغني إلى أنقرة، بدأ الحوار يأخذ منحى جدياً أكثر بين الطرفين لوضع حلول تقنية وتعاقدية ومالية للخلاف الحالي، معتبراً أن هناك حاجة ملحة لتكثيف المداولات الثلاثية بين بغداد وأنقرة وإقليم كردستان للوصول إلى حل نهائي ودائم في أسرع وقت ممكن.

وقد اعتمد العراق على خط التصدير الحالي نحو «جيهان» التركي، بسعة مليون برميل يومياً، وهو البديل الفعلي الذي استخدم بعد عزل كركوك من قبل «داعش»، وتدميره الخط الواصل إلى فتحة جنوب الموصل، وبات اليوم خياراً عملياً وفقاً للبرزنجي، الذي رأى أن العراق تمكّن من ربط نفط كركوك عبر الخط الحالي وإيصاله إلى الأسواق العالمية في وقت قياسي، وهو يكفي لكميات إضافية من حقول العراق الأخرى، لأن نفط الإقليم لا يتجاوز الـ450 ألف برميل يومياً.

تجدر الإشارة إلى أن مجموعة «كار» تأسست عام 1999، حيث بدأ نشاطها بتجارة المشتقات النفطية. كما عقدت شراكات مع الأمم المتحدة خلال الحصار الاقتصادي على العراق لتوفير وقود التدفئة في إقليم كردستان، وأبرمت عقوداً في مجال البناء والإنشاءات والكهرباء. وفازت «كار»، كأول شركة عراقية، بعقد تطوير وشراكة في حقل «خورمالة» ولاحقاً في حقلي «الصبة واللحيس» و«حمرين»، في حين وصلت قيمة عقود الشراكة مع وزارة النفط إلى نحو نصف مليار دولار خلال عامي 2004 و2006.


مقالات ذات صلة

تراجع أسعار النفط بعد تصريحات ترمب بشأن إيران

الاقتصاد شعار مجموعة «أو إم في» النمساوية للنفط والغاز والكيماويات أمام مصنع تابع لها في شفيكات بالنمسا (رويترز)

تراجع أسعار النفط بعد تصريحات ترمب بشأن إيران

تراجعت أسعار النفط، يوم الخميس، بعد أن بدا أن الرئيس الأميركي دونالد ترمب قد خفف من حدة تهديداته بالتدخل العسكري الوشيك ضد إيران، بينما شهدت الأسواق الآسيوية…

«الشرق الأوسط» (سنغافورة)
الاقتصاد منشأة «لويندل باسل» لتكرير النفط في هيوستن بولاية تكساس الأميركية (رويترز)

ارتفاع مخزونات النفط الخام والبنزين الأميركية

قالت «إدارة معلومات الطاقة» الأميركية، الأربعاء، إن مخزونات الخام والبنزين بالولايات المتحدة ارتفعت، بينما انخفضت مخزونات نواتج التقطير قليلاً، الأسبوع الماضي.

«الشرق الأوسط» (هيوستن (الولايات المتحدة))
الاقتصاد تعاني بعض شركات النفط العالمية من حوادث التسرب النفطي نتيجة للسرقة والتخريب ومشاكل تشغيلية في أفريقيا (إكس)

«توتال إنيرجيز» تبيع أصولها البرية في نيجيريا

أعلنت شركة «توتال إنيرجيز» الفرنسية، الأربعاء، عن توقيعها اتفاقية لبيع حصتها غير التشغيلية البالغة 10 في المائة في أصول النفط البرية النيجيرية.

«الشرق الأوسط» (باريس)
الاقتصاد خفضت «بي بي» إنفاقها على التحول الطاقي قبل عام على قطاع الطاقة النظيفة من 7 مليارات دولار إلى ملياري دولار حداً أقصى (رويترز)

«بي بي» تتوقع خسائر 5 مليارات دولار في قيمة أصول مشروعات الطاقة النظيفة

تتوقع شركة النفط العملاقة «بي بي» تسجيل خسائر في قيمة أصولها تتراوح بين 4 و5 مليارات دولار خلال الربع الأخير، وترتبط هذه الخسائر بشكل رئيسي بقطاع الطاقة النظيفة

«الشرق الأوسط» (لندن)
الاقتصاد شعار «أوبك» (رويترز)

في أول إطلالة على 2026... «أوبك» تتوقع استمرار نمو الطلب على النفط

توقعت منظمة الدول المصدرة للنفط (أوبك)، في أول تقرير لها خلال العام الجاري، الأربعاء، أن يرتفع الطلب العالمي على النفط في 2027 بمعدل مماثل لهذا العام.

«الشرق الأوسط» (فيينا)

الأسهم الأوروبية ترتفع بدعم البيانات الاقتصادية وأرباح «تي إس إم سي»

رسم بياني لمؤشر الأسهم الألماني «داكس» يظهر في بورصة فرانكفورت (رويترز)
رسم بياني لمؤشر الأسهم الألماني «داكس» يظهر في بورصة فرانكفورت (رويترز)
TT

الأسهم الأوروبية ترتفع بدعم البيانات الاقتصادية وأرباح «تي إس إم سي»

رسم بياني لمؤشر الأسهم الألماني «داكس» يظهر في بورصة فرانكفورت (رويترز)
رسم بياني لمؤشر الأسهم الألماني «داكس» يظهر في بورصة فرانكفورت (رويترز)

واصلت الأسهم الأوروبية مكاسبها يوم الخميس، مدعومةً بسلسلة من البيانات الاقتصادية الإيجابية التي أبرزت مرونة اقتصاد المنطقة، فضلاً عن أرباح قوية لشركة «تي إس إم سي» أسهمت في دفع أسهم شركة «إيه إس إم إل»، أكبر مصنّع لمعدات تصنيع الرقائق، إلى مستوى قياسي.

وبحلول الساعة 08:05 بتوقيت غرينتش، ارتفع مؤشر «ستوكس 600» الأوروبي بنسبة 0.3 في المائة بعد أن سجَّل أعلى مستوى له على الإطلاق في الجلسة السابقة، وفق «رويترز».

ورحَّب مستثمرو قطاع التكنولوجيا بأرباح شركة «تي إس إم سي»، الشركة الرائدة عالمياً في تصنيع رقائق الذكاء الاصطناعي المتقدمة، والتي فاقت نتائجها في الرُّبع الرابع توقعات المحللين. وعليه، ارتفع مؤشر التكنولوجيا الأوروبي بنسبة 2.5 في المائة، مُسجِّلاً أكبر مكاسب ضمن مؤشر «ستوكس 600»، بينما صعد سهم «إيه إس إم إل» بنسبة 6.7 في المائة.

كما قفزت أسهم «بنك سويدبانك» بنسبة 5.6 في المائة بعد انتهاء وزارة العدل الأميركية من تحقيقها المطول مع البنك. وفي الوقت نفسه، ارتفع سهم مجموعة «ريتشمونت» بنسبة 1 في المائة بعد إعلانها زيادة بنسبة 11 في المائة في مبيعاتها بالعملة الثابتة خلال الرُّبع الثالث، متجاوزة التوقعات.

وعلى الرغم من تركيز المستثمرين هذا الأسبوع على نتائج الشركات، فإن البيانات الاقتصادية الكلية أسهمت أيضاً في تعزيز التفاؤل. فقد أظهرت البيانات نمو الاقتصاد البريطاني بقوة أكبر من المتوقع في نوفمبر (تشرين الثاني)، بينما ارتفعت أسعار المستهلكين في السويد بنسبة 2.1 في المائة على أساس سنوي في ديسمبر (كانون الأول)، بما يتماشى مع هدف البنك المركزي.


عمالقة «وول ستريت» يضعون «خطط مواجهة» لإنقاذ أعمالها الائتمانية من مقصلة ترمب

رجل يسير في شارع وول ستريت أمام بورصة نيويورك (رويترز)
رجل يسير في شارع وول ستريت أمام بورصة نيويورك (رويترز)
TT

عمالقة «وول ستريت» يضعون «خطط مواجهة» لإنقاذ أعمالها الائتمانية من مقصلة ترمب

رجل يسير في شارع وول ستريت أمام بورصة نيويورك (رويترز)
رجل يسير في شارع وول ستريت أمام بورصة نيويورك (رويترز)

يواجه القطاع المصرفي في الولايات المتحدة تحدياً هو الأكبر من نوعه منذ سنوات، مع إصرار الرئيس دونالد ترمب على فرض سقف لأسعار فائدة بطاقات الائتمان لا يتجاوز 10 في المائة، وهي الخطوة التي وصفها كبار التنفيذيين في «وول ستريت» بأنها «كارثية» على الاقتصاد والمستهلكين على حد سواء.

دعا ترمب إلى فرض سقف مؤقت لمدة عام واحد على فوائد بطاقات الائتمان، معتبراً أن المعدلات الحالية التي تتجاوز غالباً 20 في المائة و30 في المائة تثقل كاهل المواطن الأميركي. ولم يتوقف عند حدود طرح المقترح كفكرة للنقاش، بل صعَّد من لهجته لتتحول إلى تهديد مباشر وصريح لعمالقة المال في الولايات المتحدة؛ إذ حدد يوم 20 يناير (كانون الثاني) - وهو تاريخ يحمل دلالة سياسية رمزية كونه يوافق موعد تنصيبه أو بداية مرحلة جديدة من إدارته - كموعد نهائي وأخير للبنوك للامتثال لسقف الفائدة المقترح.

وقد استخدم ترمب منصته على «تروث سوشيال» ليرسل رسائل تحذيرية مفادها أن البنوك التي ستتجاهل هذا التوجيه ستعتبر «في حالة انتهاك»، ملوحاً باستخدام صلاحيات الإدارة التنفيذية لفرض عقوبات أو إجراءات قانونية غير مسبوقة.

ويرى المحللون السياسيون أن تهديد ترمب يتجاوز الجانب المالي ليصل إلى «الحرب النفسية» على «وول ستريت»؛ فهو يدرك أن مجرد الحديث عن عقوبات قانونية كفيل بهز ثقة المستثمرين ودفع أسهم البنوك للتراجع، وهو ما حدث بالفعل. وبالنسبة لترمب، فإن هذا الضغط يمثل أداة تفاوضية قوية؛ فإما أن تخضع البنوك طوعاً لما يصفه بـ«العدالة الائتمانية»، أو أنها ستواجه صيفاً ساخناً من التحقيقات والتشريعات التي قد تستهدف هيكليتها الربحية بالكامل.

شعار «جي بي مورغان» على مقره الرئيسي في نيويورك (أ.ف.ب)

مخاوف البنوك الكبرى

ردود فعل عمالقة المصارف الأميركية تجاوزت مجرد القلق العابر لتتحول إلى تحذيرات وجودية من انهيار نموذج الإقراض الاستهلاكي، حيث يرى كبار التنفيذيين في مؤسسات، مثل «جي بي مورغان» و«سيتي غروب»، أن التدخل السياسي في تسعير الفائدة سيخلق تشوهات اقتصادية لا يمكن التنبؤ بنهايتها. وتتمحور هذه المخاوف حول حقيقة أن الفائدة ليست مجرد وسيلة للربح، بل هي أداة «لإدارة المخاطر»؛ فالبنوك تضع تسعيراً مرتفعاً لبطاقات الائتمان لأنها قروض غير مضمونة بضمانات عينية، وفرض سقف بنسبة 10 في المائة يعني أن العائد لن يغطي تكلفة التمويل واحتمالات التعثر، مما سيجعل الإقراض عملية خاسرة من الناحية الحسابية.

وتتجلى هذه المخاوف بشكل أكثر حدة عند الحديث عن «الإقصاء الائتماني» للفئات الأكثر احتياجاً، حيث تشير تقديرات البنوك إلى أن هذا السقف سيجعل نحو 80 في المائة من حاملي البطاقات الحاليين غير مربحين. وفي هذا السياق، لن تجد المصارف أمامها سوى خيارات قاسية لحماية مساهميها، تبدأ بتقليص «شهية المخاطرة» عبر رفض طلبات الائتمان الجديدة لذوي الدخل المحدود، وصولاً إلى إلغاء البطاقات القائمة أو خفض سقفها الائتماني بشكل حاد. وهذا يعني أن «طوق النجاة» الذي يقدمه ترمب قد يتحول إلى عائق يمنع الملايين من الوصول إلى السيولة في حالات الطوارئ، وهو ما وصفه المحللون بأنه «تطهير مالي» غير مقصود للمقترضين الصغار.

علاوة على ذلك، يمتد القلق المصرفي ليشمل الاستقرار المالي للمؤسسات المتخصصة في الائتمان الاستهلاكي، والتي قد تواجه محواً كاملاً لأرباحها الصافية. فشركات مثل «كابيتال وان» و«سينكروني فاينانشال» تعتمد في نموذج عملها كلياً على هامش الربح من البطاقات، وسقف الـ10 في المائة قد يدفعها إلى حافة الانهيار أو يضطرها لفرض رسوم إدارية وسنوية باهظة لتعويض العجز، مما سيلغي فعلياً أي ميزة حصل عليها المستهلك من خفض الفائدة. وفي نهاية المطاف، ترى البنوك أن هذا الصدام سيؤدي إلى «تجميد» في محرك الاستهلاك الأميركي، حيث ستصبح البطاقة الائتمانية امتيازاً مقتصراً على الأثرياء فقط، بينما يُترك البقية دون غطاء مالي في مواجهة متطلبات الحياة اليومية.

في طليعة المواقف التحذيرية، جاء تصريح الرئيس التنفيذي لـ«بنك أوف أميركا»، برايان موينيهان، الذي قدم قراءة نقدية للمقترح خلال حديثه مع المحللين؛ حيث أوضح أن محاولة فرض سقف للفائدة ستؤدي مباشرة إلى «تقييد الائتمان»، مما يعني أن عدداً أقل من المواطنين سيتمكنون من امتلاك بطاقات ائتمانية، كما أن الحدود الائتمانية المتاحة لمن يملكونها ستتقلص بشكل حاد. وشدد موينيهان على ضرورة الموازنة بين طموحات الإدارة في تحسين «القدرة على تحمل التكاليف» وبين واقع السوق، محذراً من أن الشطب الجماعي لخطوط الائتمان قد يكون الثمن الباهظ الذي سيدفعه المستهلك مقابل خفض الفائدة «نظرياً».

وفي السياق ذاته من الصرامة، أكد المدير المالي لبنك «جي بي مورغان»، جيريمي بارنوم، أن أكبر مصرف في الولايات المتحدة يضع «كل الخيارات على الطاولة» لمواجهة هذا التوجه، بما في ذلك المسارات القانونية. ووصف بارنوم المقترح بأنه يعتمد على «توجيهات ضعيفة وغير مبررة» تهدف لتغيير جذري في نماذج الأعمال المستقرة، مؤكداً أن البنوك مدينة لمساهميها وللنظام المالي بالدفاع عن استقلالية قراراتها الائتمانية. ويرى أن النتيجة الحتمية لهذا السقف هي حرمان الفئات الأكثر احتياجاً من الوصول إلى الائتمان بشكل واسع وشامل، مما يحول المبادرة من وسيلة دعم إلى أداة إقصاء مالي.

وانضم المدير المالي لبنك «سيتي غروب»، مارك ميسون، إلى جوقة التحذيرات، مشيراً إلى أن المصرف لا يمكنه دعم سقف للفائدة بهذا المستوى الذي يتجاهل تكاليف التشغيل المرتفعة ومخاطر التعثر الطبيعية في هذا القطاع، متوقعاً أن يؤدي القرار في حال تنفيذه إلى «تباطؤ اقتصادي كبير».

كما عزز الرئيس التنفيذي لـ«ويلز فارغو»، تشارلز شارف، هذا الموقف بالتأكيد على أن المصارف منحازة بالفعل لإيجاد حلول تساعد المستهلكين، ولكن ليس عبر «حلول قسرية» تفتقر للدراسة الاقتصادية العميقة.

إن هذا الإجماع بين قادة «وول ستريت» يعكس قناعة راسخة بأن التدخل في تسعير الفائدة لن يخفض التكاليف بقدر ما سيؤدي إلى «تجفيف» منابع السيولة الائتمانية لملايين الأميركيين، مما يضع الاقتصاد برمته في مواجهة خطر الركود الناتج عن تراجع الإنفاق الاستهلاكي.

شعار بنك «وليز فارغو» في بورتلاند (أ.ب)

المواجهة القضائية

مع تصاعد لغة التهديد من البيت الأبيض، يبرز التساؤل الجوهري حول المدى القانوني والدستوري الذي يمكن للرئيس التحرك من خلاله. ويرى فقهاء القانون الدستوري في الولايات المتحدة أن «صلاحيات الطوارئ» التي قد يلجأ إليها ترمب ستصطدم بجدار قانوني صلب؛ إذ إن تحديد سقف لأسعار الفائدة يقع تاريخياً ضمن اختصاصات الكونغرس أو الهيئات التنظيمية المستقلة بموجب تشريعات اتحادية واضحة. وبناءً عليه، يتوقع المحللون القانونيون أن أي أمر تنفيذي يصدره الرئيس بهذا الشأن سيواجه سيلاً من الطعون القضائية الفورية من قبل «جمعية المصرفيين الأميركيين» وكبرى المؤسسات المالية، بدعوى تجاوز السلطة التنفيذية لصلاحياتها والتدخل غير المشروع في العقود الخاصة وآليات السوق الحر.

وفي حال انتقلت المعركة إلى أروقة المحاكم، ستجادل البنوك بأن فرض سقف للفائدة بنسبة 10 في المائة يمثل «مصادرة غير دستورية» للأرباح، ويخالف التعديل الخامس للدستور الأميركي الذي يحمي الملكية الخاصة. كما ستدفع الدوائر القانونية في «وول ستريت» بأن هذا التدخل سيؤدي إلى زعزعة استقرار النظام المالي القائم على تقييم المخاطر، وهو ما قد يدفع المحاكم الفيدرالية إلى إصدار أوامر تقييدية مؤقتة توقف تنفيذ القرار قبل أن يبدأ. هذا المشهد يضع إدارة ترمب أمام خيارين أحلاهما مرّ: إما خوض معركة قضائية طويلة الأمد قد تنتهي بإلغاء القرار، أو محاولة الضغط على الكونغرس لتمرير تشريع يحظى بغطاء قانوني، وهو أمر ليس بالسهولة المتوقعة في ظل انقسام المشرعين حول التداعيات الاقتصادية لمثل هذه الخطوة.

ومع ذلك، يرى بعض المراقبين أن هدف ترمب الحقيقي من هذا التصعيد قد لا يكون فرض القانون بحذافيره، بل استخدام «قوة المنصة الرئاسية» لترهيب البنوك وإجبارها على الجلوس إلى طاولة المفاوضات. فالمواجهة القانونية المفتوحة قد تضر بالسمعة العامة للمصارف وتجعلها تبدو في مظهر «المستغل» أمام الناخبين، وهو ما قد يدفع القطاع المصرفي في نهاية المطاف إلى تقديم تنازلات طوعية، مثل خفض الفوائد لفئات محددة أو إلغاء بعض الرسوم، مقابل سحب الإدارة لمقترح السقف الإلزامي. وبذلك، يظل المشهد القانوني القادم ليس مجرد صراع على النصوص، بل هو «مناورة سياسية» معقدة تستخدم القانون كأداة للضغط لتحقيق مكاسب شعبوية واقتصادية قبل انتخابات التجديد النصفي.


«نيكي» يكسر سلسلة الارتفاعات القياسية متأثراً بأسهم التكنولوجيا

مشاة يمرون أمام شاشة إلكترونية تعرض حركة الأسهم في وسط العاصمة اليابانية طوكيو (أ.ب)
مشاة يمرون أمام شاشة إلكترونية تعرض حركة الأسهم في وسط العاصمة اليابانية طوكيو (أ.ب)
TT

«نيكي» يكسر سلسلة الارتفاعات القياسية متأثراً بأسهم التكنولوجيا

مشاة يمرون أمام شاشة إلكترونية تعرض حركة الأسهم في وسط العاصمة اليابانية طوكيو (أ.ب)
مشاة يمرون أمام شاشة إلكترونية تعرض حركة الأسهم في وسط العاصمة اليابانية طوكيو (أ.ب)

تراجع مؤشر نيكي الياباني للأسهم من أعلى مستوى قياسي له يوم الخميس؛ حيث أثر انتعاش الين سلباً على أداء المصدرين، وفقد الارتفاع القوي في أسهم التكنولوجيا زخمه.

وانخفض مؤشر نيكي 225 القياسي بنسبة 0.4 في المائة ليغلق عند 54110.50 نقطة، منهياً بذلك سلسلة ارتفاع استمرت ثلاثة أيام أوصلت المؤشر إلى أعلى مستوى له على الإطلاق يوم الأربعاء. وارتفع مؤشر توبكس الأوسع نطاقاً بنسبة 0.7 في المائة ليسجل مستوى إغلاق قياسياً جديداً عند 3668.98 نقطة. وأنهت الأسهم الأميركية تداولاتها في الليلة السابقة على انخفاض، مدفوعة بانخفاض مؤشر ناسداك الذي يضم شركات التكنولوجيا.

وتعافى الين من أدنى مستوى له في عام ونصف العام بعد تحذيرات جديدة من وزيرة المالية ساتسوكي كاتاياما من التحركات «المفرطة»، وبيان من وزارة الخزانة الأميركية يدعو بنك اليابان إلى سياسة «حكيمة» لمواجهة تقلبات العملة. وقال واتارو أكياما، استراتيجي الأسهم في شركة نومورا للأوراق المالية، إن السوق اليابانية عكست اتجاهاً مماثلاً لما شهدته «وول ستريت»؛ حيث أدت أسهم التكنولوجيا إلى تراجع السوق التي كانت مزدهرة في مجملها، بينما زاد تأثير العملة من التحديات التي تواجه الشركات المحلية الكبرى.

وأضاف أكياما: «قدم الاقتصاد الأميركي القوي وتوقعات استمرار خفض أسعار الفائدة من قبل الاحتياطي الفيدرالي (البنك المركزي الأميركي) بعض الدعم لقطاعات أخرى غير قطاع التكنولوجيا. وانخفضت أسهم الشركات المرتبطة بالتصدير بشكل عام نتيجة لارتفاع قيمة الين مؤخراً».

وشهد مؤشر نيكي ارتفاعاً في أسعار 144 سهماً مقابل انخفاض في أسعار 77 سهماً. وكانت شركة «شيفت» لخدمات البرمجيات أكبر الخاسرين في المؤشر؛ حيث انخفض سهمها بنسبة 8.5 في المائة، تلتها شركة «سوفت بنك غروب»، عملاق قطاع الذكاء الاصطناعي، التي تراجع سهمها بنسبة 4.9 في المائة. أما أكبر الرابحين في المؤشر فكانت شركة «ريوهين كيكاكو» لتجارة التجزئة، التي ارتفع سهمها بنسبة 11.8 في المائة، تلتها شركة «باي كارنت» لخدمات الاستشارات، التي قفز سهمها بنسبة 6.4 في المائة. وفي السوق الأوسع، ارتفع سهم «تويوتا إندستريز» بنسبة 6.2 في المائة مسجلاً أعلى مستوى إغلاق له على الإطلاق، بعد موافقة شركة «تويوتا موتور» على رفع عرضها للاستحواذ على الشركة المصنعة للرافعات الشوكية.

وارتفع سهم «تويوتا موتور» بنسبة 2.5 في المائة. كما قفز سهم «سايزيريا» بنسبة 5.2 في المائة مسجلاً أعلى مستوى إغلاق له، بعد أن أعلنت سلسلة المطاعم الإيطالية عن أرباح قياسية خلال الربع الثالث من العام.

الين يترقب التدخل

من جانبه، استقر الين قرب أدنى مستوياته في 18 شهراً يوم الخميس؛ حيث ظلت الأسواق حذرة بشأن مخاطر التدخل بعد تحذيرات شفهية قوية من مسؤولين يابانيين قبيل الانتخابات الوطنية. واستقر الين عند 158.63 ين للدولار بعد ارتفاعه بنسبة 0.4 في المائة يوم الأربعاء. ومع ذلك، لم تكن العملة بعيدة عن أدنى مستوى لها في 18 شهراً، والذي بلغ 159.45، والذي سجلته يوم الأربعاء، وانخفضت بنسبة تقارب 5 في المائة منذ تولي رئيسة الوزراء اليابانية ساناي تاكايتشي منصبها في أكتوبر (تشرين الأول)، وسط مخاوف المستثمرين بشأن خططها الإنفاقية.

وتعتزم تاكايتشي حل مجلس النواب الأسبوع المقبل والدعوة إلى انتخابات برلمانية مبكرة، وهي خطوة أدت إلى عمليات بيع مكثفة للين وسندات الحكومة اليابانية. وقد أثار احتمال إجراء انتخابات مبكرة مخاوف مالية وسط قلق بشأن حجم ديون البلاد الهائل، مما أدى إلى انخفاض الين إلى منطقة التدخل، وعقد مسار سعر الفائدة لبنك اليابان. وقال براشانت نيوناها، كبير استراتيجيي أسعار الفائدة لمنطقة آسيا والمحيط الهادئ في شركة «تي دي سيكيوريتيز»، إنه إذا استمر الين في التراجع نحو أو ضمن نطاقات عتبة التدخل، فلا يمكن استبعاد خطر التدخل يوم الاثنين المقبل، وهو عطلة رسمية في الولايات المتحدة.

وأضاف نيوناها: «إذا حدث تدخل، فمن المرجح أن يكون قبل مستوى 162، لكن نطاق التدخل قد يتراوح بين 161 و163 يناً للدولار». وكان آخر تدخل لليابان في سوق العملات في يوليو (تموز) 2024؛ حيث أنفقت 36.8 مليار دولار لرفع قيمة الين بعد انخفاضه إلى أدنى مستوى له في 38 عاماً، عند نحو 161.96 مقابل الدولار.

وقال موه سيونغ سيم، استراتيجي العملات الأجنبية في بنك «أو سي بي سي»، إن «الأسواق ستراقب ما إذا كانت التصريحات ستُترجم إلى أفعال»، مشيراً إلى أنه «من المشكوك فيه أن يشهد الين قوة كبيرة ومستدامة... إلا إذا اتخذ بنك اليابان موقفاً أكثر تشدداً أو تم تخفيف المخاوف المالية». ومن المقرر أن يجتمع بنك اليابان الأسبوع المقبل، وتتوقع الأسواق عموماً أن يُبقي البنك المركزي على سياسته النقدية دون تغيير بعد أن رفع أسعار الفائدة الشهر الماضي إلى أعلى مستوى لها في 30 عاماً عند 0.75 في المائة.