ستيفن هادلي لـ {الشرق الأوسط}: على الروس أن يدركوا أن الأسد انتهى

مستشار الأمن القومي الأميركي السابق أكد أن زيارة الملك سلمان إلى واشنطن تؤكد رسوخ العلاقة الاستراتيجية

ستيفن هادلي
ستيفن هادلي
TT

ستيفن هادلي لـ {الشرق الأوسط}: على الروس أن يدركوا أن الأسد انتهى

ستيفن هادلي
ستيفن هادلي

قبل أن يتسلم ستيفن هادلي مسؤولية الأمن القومي الأميركي في زمن الرئيس جورج دبليو بوش، كان مساعدًا لوزير الدفاع للشؤون الاستراتيجية العالمية، وحاليًا هو في مؤسسة تجمعه بوزير الدفاع السابق روبرت غيتس ووزيرة الخارجية السابقة كوندوليزا رايس.
في حواره مع «الشرق الأوسط»، وصف هادلي زيارة خادم الحرمين الشريفين الملك سلمان بن عبد العزيز إلى واشنطن بـ«الناجحة جدًا»؛ كونها أكدت أن العلاقات القوية، ومنذ عقود بين السعودية والولايات المتحدة، تستطيع أن تقاوم كل الخلافات وتستمر. وأشار إلى أن هذه الزيارة أكدت استمرار الحوار بين البلدين، حول كيفية التعاطي مع كل الاضطراب الذي يعصف بالشرق الأوسط، انطلاقًا من قوة العلاقة الاستراتيجية بين واشنطن والرياض. ونفى هادلي أن يكون قانون «التفوق العسكري الكمي» مع إسرائيل يمنع واشنطن من توقيع اتفاقية دفاع مشتركة مع دول مجلس التعاون الخليجي، ورأى أنه يجب دعم مصر في مكافحة الإرهاب، مشيرا إلى أن الرئيس عبد الفتاح السيسي يحتاج إلى وضع استراتيجية سياسية أكثر شمولاً. وأكد أنه على روسيا إدراك أن الرئيس السوري بشار الأسد انتهى فعلاً في سوريا، وأن دعمها وإيران لنظامه أطال أمد الحرب الدموية، ورأى أن عليهما المشاركة في تشكيل حكومة وحدة تتضمن عناصر من النظام على استعداد للانشقاق عن الأسد، تسمح له بمغادرة المسرح السياسي. وقال هادلي: «إن التاريخ سيحكم بأن منطقة الشرق الأوسط دفعت ثمنًا باهظًا بسبب عدم تدخل الولايات المتحدة أو فشلها بالتدخل في سوريا». كما أشار إلى أن تجربة الروس في الشيشان لن تتكرر في سوريا والعراق.
وقال إن منتقدي الاتفاق النووي يرون أنه من الضروري جدًا أن يعلن الرئيس الأميركي مدعومًا من الكونغرس أن أميركا ستقوم بعمل عسكري ضد منشآت إيران النووية إذا ما حاولت خلال فترة الاتفاق أو بعده تصنيع أسلحة نووية. ووعد بأنه إذا جاء الجمهوريون إلى السلطة عام 2017 فإن سياسة الولايات المتحدة الخارجية ستكون مختلفة جدًا «وسنرى ارتباطًا أميركيًا أوثق بالمنطقة».
* ما تقييمك لزيارة الملك سلمان بن عبد العزيز إلى واشنطن، وما الرسالة التي أراد الرئيس باراك أوباما توجيهها باستقباله العاهل السعودي على مدخل البيت الأبيض؟
- أعتقد أنها كانت زيارة ناجحة جدًا، وأعتقد أن الملك سلمان والرئيس أوباما أرادا توجيه الرسالة نفسها؛ بأن العلاقات بين السعودية والولايات المتحدة تبقى قوية، وأننا نتقدم في هذه العلاقة على الرغم من بعض الخلافات التي شغلتنا في الماضي.
* هل نعتبر أن هذه الزيارة أعادت تجديد العلاقات الاستراتيجية بين الدولتين؟
- نعم، نجحت الزيارة في تحقيق ذلك. كان لدى السعودية قلق بالنسبة إلى الاتفاق النووي الإيراني، وحسب قراءتي: أولاً - كان الرئيس ناجحًا في التأكيد للملك سلمان أن الاتفاق سيؤدي فعلاً إلى التقليص وبصورة كبيرة من قدرة إيران على الحصول على السلاح النووي، وأن الخلاف بهذا الخصوص صار وراءنا فعلاً. ثانيًا - أن التعاون العسكري والمساعدة العسكرية اللتين توفرهما الولايات المتحدة إلى السعودية، مثل الأسلحة، أكدا أن العلاقة الدفاعية بين البلدين قوية جدًا. ثالثًا - هناك حوار مستمر حول كيفية التعاطي بكل هذا الاضطراب وهذه الفوضى في الشرق الأوسط، وحسب اعتقادي، فإن هناك ربما بعض القضايا التي لا يتفق البلدان تمامًا حولها، وهذا أمر طبيعي حتى بين أقرب الحلفاء، وأظن أن الرسالة التي أراد الملك والرئيس توجيهها، كلّ إلى جمهوره الخاص، هي أنه مهما كانت هذه الخلافات، فإنها لن تقف في وجه الحفاظ على العلاقات الاستراتيجية القوية بين البلدين.
* هل تعتقد أنه بعد هذه الزيارة وبعد الالتزامات المتبادلة بين الطرفين، فإن السعودية لن تخفف من اعتمادها على الأسلحة الأميركية، وأنها لن تلتفت إلى روسيا كمورد بديل؟
- اعتمدت السعودية على الولايات المتحدة بالنسبة إلى المعدات الدفاعية، لكنها، كانت، بين وقت وآخر، تشتري أسلحة أيضًا من دول أخرى مثل المملكة المتحدة وفرنسا. وقد تشمل السعودية في قرارها، كدولة ذات سيادة، روسيا لتشتري منها أسلحة. لكن، إذا نظرت إلى المشتريات التي وقّعت عليها السعودية، فمن الواضح أن العلاقة العسكرية بين الولايات المتحدة والسعودية تبقى قوية جدًا.
* هل ما يُعرف بالـ«QME»، (التفوق العسكري الكمي - القانون الأميركي 2008) المتعلق بإسرائيل، يمنع الولايات المتحدة من توقيع اتفاقيات دفاع مشتركة مع دول الخليج؟
- لا أعتقد ذلك. كما تعرفين، فإن الولايات المتحدة ولعقود كانت الرائدة في تقوية العلاقات الدفاعية بين دول مجلس التعاون الخليجي، خصوصًا لجهة تبادل المعلومات الاستخباراتية، وتعاون الدفاع الصاروخي، والمناورات المشتركة، وأعتقد أن التقدم والتطور سيستمران.
* يعني ذلك أن قانون التفوق العسكري الكمي لإسرائيل لا يمنع التوقيع على اتفاقية دفاع مشتركة؟
- ربما، وآمل أن يكون هناك نوع من المباحثات في هذا الشأن. إنما السؤال هو عما إذا كانت دول مجلس التعاون الخليجي تريد تحقيق ذلك. إن هذا قرار يعود إليها؛ فهي دول ذات سيادة.
وأظن أن نوع التطور الذي نراه، إن كان بالنسبة إلى التعاون الدفاعي الوثيق بين دول الخليج مع بعضها بعضًا، وبين الولايات المتحدة وهذه الدول، فأظن أن إسرائيل تدعمه. أما، هل إسرائيل مهتمة بمستوى وتقدم الأسلحة التي تصل إلى الخليج، فإن هذه المسألة تعمل عليها أميركا مع إسرائيل، وهي بالفعل منذ سنوات تقوم بهذا العمل، وأنا متأكد من أن هذا الأمر سيبقى قضية في نظر إسرائيل، لكن، من حيث المبدأ لا أظن أن إسرائيل يقلقها التعاون العسكري الوثيق القائم بين دول الخليج في ما بينها، أو بين هذه الدول والولايات المتحدة، ولن يقلقها ذلك.
* لماذا حتى الآن تعامل إدارة الرئيس أوباما الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي ببرود، ولا تزال تبكي على الإطاحة بالرئيس محمد مرسي (إخوان مسلمين)؟
- لا أعتقد أن هذا وصف دقيق لموقف الإدارة الأميركية الآن. كان هناك وقت صعب بين مصر والإدارة، حيث رفضت الأخيرة إرسال معدات عسكرية طلبتها مصر، ودفعت ثمن بعضها، لكن هذه السياسة خفت كثيرًا إذا لم تكن تراجعت تمامًا. أعتقد أنه جرت استعادة للعلاقات بين واشنطن والقاهرة. علينا الاعتراف بأن مصر تعاني من مشكلة الإرهاب التي يجب مواجهتها، يجب أيضًا دعم مصر في جهودها لمكافحة الإرهاب، أما هذه الحملة على الإرهاب، فيجب أن ترافقها استراتيجية سياسية بحيث تؤدي تدريجيًا إلى تشكيل حكومة أكثر شمولاً، لأن لا أحد يصدق، وحتى الرئيس السيسي نفسه لا يعتقد أن باستطاعته تحقيق سلام حقيقي واستقرار على المدى الطويل فقط عبر حملات عسكرية.
* هل تشعر بقلق من أن روسيا تحاول تحقيق نجاحات في مصر؟ وهل تتحمل الولايات المتحدة أن تخسر مصر لصالح روسيا والصين؟
- حسب هذا الطرح، لا أعتقد أن الولايات المتحدة قد تخسر مصر. لكن هل سيكون لمصر علاقات قوية مع روسيا والصين، ربما. فهما لاعبان أساسيان في العالم، وفي الشرق الأوسط. لكن إذا راجعت البيان الذي أعلنه الرئيس السيسي وآخرون، خصوصًا عندما كان الرئيس السيسي قبل عام في الجمعية العمومية للأمم المتحدة، يتبين أن مصر تريد علاقات قوية مع الولايات المتحدة. هذا كان عنصرًا مهمًا في السياسة الخارجية المصرية لعدة عقود، وحسب رأيه، يريد أن يستمر ذلك.
* آخر الأخبار تشير إلى أن وفدًا أمنيًا سوريًا زار مصر. ماذا تقرأ في هذا؟
- لا أعرف، لأنني لا أعرف المواضيع التي نوقشت هناك. أتمنى أن تعمد مصر على تشجيع عملية تشكيل حكومة وحدة تتضمن عناصر من النظام على استعداد أن تنشق عن الرئيس بشار الأسد، وتنضم إلى عناصر معتدلة وديمقراطية في حكومة وحدة تستطيع مع مرور الوقت إعادة الاستقرار إلى سوريا وتوحد الشعب السوري لمواجهة خطر تنظيم داعش، الذي هو خطر كبير على شعوب المنطقة كلها.
* يقول بعض المحللين إن هناك دافعًا سياسيًا وراء زيادة الدعم الروسي للنظام السوري. فروسيا تريد التفاوض حول الملف السوري مع منافسيها السياسيين، وتقوية النظام السوري يعطيها التفوق في المفاوضات.
- لستُ متأكدًا مما يقوم به الروس. للأسف الشديد هم داعمون أقوياء للأسد منذ سنوات، يوفرون السلاح والدعم الدبلوماسي، وهذا من سوء الحظ، لأنه أطال فترة العنف، وزاد من عدد الضحايا، وتسبب بتهجير داخلي وإلى الخارج لنصف سوريا، وأعاد الاقتصاد إلى الوراء، وسبّب هذا مأساة للشعب السوري وللاستقرار في المنطقة. آمل أن التقدم الذي تحقق على الأرض، وضعف النظام السوري عسكريًا، سوف يقنعان الروس بأن دعم الأسد ليس الطريق إلى السلام والاستقرار، بل يديم الصراع وينفّر الشعب السوري من روسيا. آمل أن يدرك الروس فعلاً أن الأسد انتهى في سوريا، وحان الوقت كي تضع روسيا ثقلها وراء الحكومة التي وصفتها، والتي تسمح للأسد بمغادرة المسرح، وتسمح لكل القوى التي تعمل من أجل سوريا جديدة أن تبدأ بتخفيف العنف المتبادل ومواجهة «داعش». هذا ما هو لمصلحة روسيا على المدى الطويل وعندها يمكن لروسيا أن تكسب مجددًا الشعب السوري.
* هل ينسحب هذا على إيران أيضًا؟
- نعم. وأرجو أن تدرك إيران الوضع بالطريقة نفسها وتبدي استعدادًا للتوجه نحو حكومة وحدة. لكن، حسب اعتقادي، فإن ما يقلق روسيا وإيران، وهذا شرعي من هذه الناحية، انهيار كامل للسلطة مما يزيد من الفوضى ويفتح الباب واسعًا أمام «داعش». لا أحد يريد ذلك، ولهذا يهم الولايات المتحدة أن تعمل روسيا وإيران والدول الأخرى معًا في اتجاه تشكيل حكومة وحدة - كما قلت - تسمح للأسد بمغادرة المسرح، وللشعب السوري أن يبدأ التفكير بمستقبله.
* لكن للروس خبرة في قتال الجماعات المتطرفة، كما حدث في الشيشان. لماذا اعتبر وزير الخارجية جون كيري هذا الأمر عامل زعزعة؟
- لستُ متأكدًا من أن أحدًا يريد أن يعتمد الأسلوب الذي قاتل فيه الروس المتطرفين في الشيشان مثلا، لسببين: الدمار والضحايا الذين تسبب بهما، ثم لأن ذلك الأسلوب لم يحل القضايا الخفية وترك الشيشان مع حكومة ليست «جذابة»، ولا يرغب أغلب الناس العيش في ظلها.
نعم، حقق الروس بعض الاستقرار هناك، لكن بسعر مرتفع جدًا، ولا أعتقد أن الناس يريدون تكرار ذلك في العراق أو في سوريا.
* لكن سوريا مدمرة تقريبًا بالكامل.
- نعم، للأسف، وهذا بسبب الدعم الذي تستمر روسيا وإيران بتقديمه للأسد، مع العلم أن أغلبية الشعب السوري لا تريد الأسد في السلطة. لقد حافظ على حكمه بأبشع الطرق؛ بقتل شعبه. ثم ما الأمثولة التي نريد توجيهها إلى العالم؛ أنه إذا قتلتَ بما فيه الكفاية من شعبك، يمكنك البقاء في السلطة، والعالم على استعداد لمساعدتك؟! هذه الأمثولة التي تبعثها إيران وروسيا إلى العالم، وهذه أمثولة رهيبة ومعيبة.
* هل كان يمكن لتنظيم داعش أن يبرز أو ينشأ لو أن الولايات المتحدة تدخلت عسكريًا في سوريا عند بداية الأحداث؟
- أعتقد لو أننا تحركنا عام 2012، كما اقترح البعض، كان هذا الاحتمال أقل بكثير، ولما استطاع «داعش» تحقيق التقدم الذي أحرزه. أظن أن التاريخ سيحكم بأن منطقة الشرق الأوسط دفعت ثمنًا باهظًا، بسبب عدم تدخل الولايات المتحدة أو فشلها مع حلفائها والدول الأخرى بالتدخل في سوريا.
* هناك بعض التقارير التي تشير إلى أن الولايات المتحدة تُعِد خطة لإرسال قوات عربية إلى سوريا. هل هذا وارد؟ وهل سنرى القوات الجوية لدول الخليج تنشط في الأجواء السورية؟
- لقد رأينا السلاح الجوي لبعض الدول الخليجية ينشط في اليمن مثلاً، وفي سوريا أيضًا. لا أعتقد أن الحكومة الأميركية تقوم بتشجيع الدول العربية للتدخل برًا في سوريا، باستثناء تدريب السوريين على مقاتلة «داعش» ومجموعات إرهابية أخرى.
* ما ردة فعلك حول أنه، وفي وقت تطلب فيه الولايات المتحدة من اليونان وبلغاريا وأوكرانيا أن تغلق أجواءها في وجه الطائرات الروسية التي تنقل المساعدات إلى سوريا، نسمع أن روسيا اشترت من إسرائيل 10 طائرات تعمل من دون طيار؟
- لست على علم بهذه الأمور، وبالتالي لا أستطيع أن أعلق.
* هل تتفق مع طرح وزير الخارجية الأميركي السابق كولن باول بأن إيران قبل الاتفاقية كانت على «الطريق السريع» للحصول على السلاح النووي، لكنه لم يشر بشيء إلى ما يمكن أن تقوم به إيران بعد 15 سنة (مدة انتهاء الاتفاق)، حيث يقول بعض المراقبين إنه إذا قررت إيران عندها الحصول على قنبلة نووية فإن الوقت التحذيري قد يتقلص إلى أسابيع؟
- هناك قلق فعلي حول ذلك، وحسب اعتقادي فإن داعمي الاتفاق يقولون بضرورة إيجاد وسيلة لإدارة برنامج إيران النووي بعد 15 عامًا للتأكد من أن إيران لن تحاول الحصول على سلاح نووي، ولهذا فإن عددًا من منتقدي الاتفاق قالوا إنه من الضروري جدًا أن يعلن الرئيس الأميركي مدعومًا من الكونغرس، إذا ما حاولت إيران إنتاج اليورانيوم العالي التخصيب المطلوب لإنتاج السلاح النووي، أو أن تبدأ بفصل البلوتونيوم الذي يمكن استعماله لتصنيع السلاح النووي، فإن هذه المحاولات ستؤدي إلى عملية عسكرية أميركية لتدمير برنامج إيران النووي.
منتقدو الاتفاق يصرون على ضرورة أن يتضح هذا الأمر بشكل ظاهر، خلال فترة الاتفاق وما بعدها، لجهة منع إيران من التحرك لإنتاج سلاح نووي.
* هل تعتقد أن هذا النظام سيدوم طوال السنوات الـ15، إذا انفتحت إيران على العالم؟ وهل تعتقد أن الشعب الإيراني سيقبل الاستمرار في العيش في ظل مثل هذا النظام؟
- لا أعرف. هذا القرار يعود إلى الشعب الإيراني، لكن من الواضح أن هناك الكثير من السخط عند الشعب الإيراني، واستياء من النظام، ثم أن المرشد الأعلى (آية الله علي خامنئي) هو الآن في السبعينات من العمر، وهناك سؤال عما سيحدث بعد رحيله.
ما أعتقده أن تطورًا سيتعرض له النظام خلال 15 عامًا من الاتفاق. معارضو الاتفاق يعتقدون أن الانفتاح الذي سيلي رفع العقوبات سيشجع الميل إلى نظام أكثر اعتدالاً. لكن لا أعتقد أننا نعرف، كما يجب ألا نعتمد على ذلك.
* بالنسبة إلى الاتفاق، قالت إيران إنها تريد أن تدقق بهويات وخلفيات مفتشي الوكالة الدولية للطاقة الذرية قبل أن تسمح لهم بدخول منشآتها النووية، وإن موظفي منظمة الطاقة الذرية الإيرانية سيرافقونهم. هل هذا جزء من الاتفاق؟
- هناك الكثير من عدم اليقين عما وافقت عليه الوكالة الدولية للطاقة الذرية. هناك، كما هو معروف، اتفاق ما بين الوكالة الدولية وإيران حول بعد عسكري محتمل في برنامج إيران النووي، الذي لم يتم الإعلان عنه. لهذا هناك عدم يقين يتعلق بكيفية عمل هذا. الامتحان، حسب اعتقادي، هو عما إذا كان لدى المنظمة الدولية القدرة غير المقيدة للتحقق من هذا الاتفاق، مع مراقبين من اختيارها هي، يكونون قادرين على زيارة المنشآت، ومقابلة العلماء، وأخذ عينات، ومراجعة ونسخ الوثائق، وأن يعملوا كل ما يحتاجون عمله، من دون أي قيد، من أجل التأكد من التزام إيران بالاتفاق. هذا حسب اعتقادي ما يجب أن يكون اختبارًا أساسيًا.
* من الذي ضيّع العراق؟
- العراق لم يضع. الشعب العراقي يكافح مشكلة الإرهاب. وهذا أمر مؤسف، لأن الشعب العراقي خلال السنوات من 2008 إلى 2010 هزم خطر «القاعدة»، وتضاءلت نسبة العنف، ولم تعد تهدد النظام. كان للعراقيين حكومة وحدة، وكانوا يتقدمون نحو المستقبل، وكان إنتاج النفط يتصاعد. لكن للأسف، تآمرت عدة أمور لزعزعة عملية واعدة. من هذه الأمور سياسة إدارة نوري المالكي التي ضاعفت من الصراع المذهبي وقوضت الجيش وقوى الأمن، لكن الأكثر تسببًا في ضرر العراق كان الفشل في مواجهة الأزمة في سوريا، وهذا فتح الباب أمام بروز «داعش»، الأمر الذي زعزع استقرار العراق، ولم يكن ممكنًا تجنبه. ومع فشل الولايات المتحدة في التفاعل مع ما يحدث في سوريا، والاستمرار على موقفها رغم تعرض العراق للانعكاسات، نرى الشعب العراقي يصارع لتشكيل حكومة وحدة وطنية حقيقية، ويصارع لتوفير حكم ذاتي أوسع لمختلف المجموعات: الأكراد، السنة، الشيعة، وكل الآخرين بمن فيهم المسيحيون.
إن الوصفة الصحيحة لإعادة الاستقرار إلى العراق أن تتحكم كل مجموعة وتسيطر على مستقبلها الاقتصادي والسياسي، هذا من شأنه أن يبقي العراق دولة موحدة.
* وهل تقبل إيران مع معرفتنا بنفوذها على العراق؟
- أظن أنها تقبل، إذا أوضح الشعب العراقي أن هذا ما يريده. لن يكون هناك خيار آخر عندها أمام الإيرانيين.
* الولايات المتحدة معنية باليمن، لكن كما يبدو فإنها لا تستطيع السيطرة على مياهه الإقليمية، ثم كأن كل الجهود في عمان غير ناجحة.
- هناك جهود قائمة الآن، تشارك بها دول المنطقة مع الولايات المتحدة للتحكم أكثر بالمياه الإقليمية اليمنية. إن الوضع اليمني مقلق، وهو يشكل مشكلة للسعودية والدول المجاورة، ويجب أن تركز الجهود على الإتيان بكل الأطراف إلى طاولة الحوار للخروج بمعادلة تبدأ بتقليص العنف، وتأتي مع الوقت ببعض الاستقرار من دون تحويل البلاد إما إلى «القاعدة» والمجموعات المتحالفة معها أو إلى القبائل الحوثية والمجموعات المتحالفة مع إيران، وذلك من أجل توفير الفرصة أمام الشعب اليمني لتقرير مستقبله.
* خلال زيارة العاهل السعودي إلى واشنطن، لمسنا أن هناك اعترافًا فعليًا، إن كان من البيت الأبيض، أو من وزارتي الخارجية والدفاع، بأن إيران تتدخل في الشؤون الداخلية لدول المنطقة. كيف يمكن إقناع إيران بالتعاون بدل المواجهة؟
- هذا يجب أن يحصل عبر طريقتين؛ أولاً: مواجهة إيران على الأرض، للتوضيح لها أن سياستها الرامية إلى فرض نفوذها لتقويض الدول الأخرى مثل العراق واليمن، وسوريا.. إلخ، لها ثمن، ولن تنجح، لا، بل تثير الشعوب ضدها. ثانيًا: وفي وقت تتم مواجهة إيران على الأرض، يستمر الحوار الذي بدأ حول الاتفاق النووي لإقناع الإيرانيين بأن عليهم اعتماد مسار عمل مختلف، كالذي تحدثنا عنه بالنسبة إلى سوريا.
* هل تستطيع الولايات المتحدة إيقاف روسيا عن بيع إيران أنظمة دفاع جوية؟
- هناك سلسلة من قرارات مجلس الأمن لها أحكام تتعلق بالاتفاق الأخير تم التوصل إليها، وتؤثر على مسألة أنظمة الدفاع الجوية. والواحد يأمل بتصرف مسؤول من قبل روسيا تحترم خلاله كل هذه القرارات وأيضًا أن تقوم بدور مسؤول كمشارك أساسي في التوصل إلى الاتفاق النووي من خلال مشاركتها عبر مجموعة «1+5».
* هل للولايات المتحدة خطط استراتيجية واضحة لقتال «داعش» ولإيجاد حل لسوريا والعراق وحتى ليبيا، أم أننا نطلب الكثير منها؟
- لا أعتقد أنكِ تطلبين الكثير من الولايات المتحدة. وأظن أن هذه المشكلات تستدعي كل دول المنطقة لتشارك وتتقاسم المسؤولية، مع الأخذ بعين الاعتبار قدرة كل واحدة اقتصاديًا وسياسيًا وعسكريا. والذي تستطيعه الولايات المتحدة، عبر الحوار مع دول المنطقة، أن تتقدم بخطوط عريضة لاستراتيجية أو خطة لتوجيه المنطقة باتجاه أكثر إيجابية. هذا ما يجب أن تقوم به أميركا من أجل مصلحتها الخاصة، ومن حق دول المنطقة أن تتوقعه منها.
* هل ستسمح الولايات المتحدة للحكومة التركية بأن تهاجم الأكراد كثمن لتركيا لقاء استعمال قواعدها العسكرية؟
- لقد أوضحت الحكومة الأميركية أن هذا لم يكن الاتفاق الذي توصلت إليه مع تركيا، وكما نشرت كل الصحف، طالبت الحكومة الأميركية، تركيا، بأن توقف عملياتها ضد الشعب الكردي. وفي الوقت نفسه، من المؤسف أن «حزب العمال الكردستاني» كان يستفز الأتراك بهجومه على القوات التركية الأمنية. وكان من الصواب أن تدعو الحكومة الأميركية كل الأطراف لضبط النفس، وأظن أن الكل يرغب في استئناف الحوار بين الحكومة التركية والعناصر الكردية.
* إذا وصل الجمهوريون إلى السلطة عام 2017، فهل ستكون سياستهم تجاه الإرهاب وإيران ودول أخرى في المنطقة ستكون أكثر قوة وحزمًا؟
- إذا سيطر الجمهوريون على الحكومة عام 2017، أعتقد أنك سترين عندها سياسة خارجية مختلفة تمامًا، وآمل أنك سترين ارتباطًا أميركيًا أوثق بالمنطقة للمساعدة على وضع خطط تسمح لدول المنطقة باتخاذ مسارها المستقبلي متحررة من الاثنين: السيطرة الإيرانية أو إرهاب «داعش». هذا ما آمل أن تريه.



«اليونيسيف»: أطفال السودان في قلب أكبر كارثة إنسانية في العالم

«اليونيسيف» تقول إن أطفال السودان في قلب أكبر كارثة إنسانية في العالم (رويترز)
«اليونيسيف» تقول إن أطفال السودان في قلب أكبر كارثة إنسانية في العالم (رويترز)
TT

«اليونيسيف»: أطفال السودان في قلب أكبر كارثة إنسانية في العالم

«اليونيسيف» تقول إن أطفال السودان في قلب أكبر كارثة إنسانية في العالم (رويترز)
«اليونيسيف» تقول إن أطفال السودان في قلب أكبر كارثة إنسانية في العالم (رويترز)

قال ريكاردو بيريس، المتحدث باسم منظمة الأمم المتحدة للطفولة (اليونيسيف)، الثلاثاء، إن أطفال السودان «في قلب أكبر كارثة إنسانية في العالم» حالياً، محذراً من أن الوضع يزداد سوءاً يوماً بعد يوم.

وخلال المؤتمر الصحافي نصف الأسبوعي لوكالات الأمم المتحدة في جنيف، قال المسؤول الأممي إن 33.7 مليون شخص في جميع أنحاء السودان حالياً يحتاجون إلى مساعدات إنسانية، نصفهم من الأطفال، مضيفاً أنه من المتوقع أن يعاني 825 ألف طفل من الهزال الشديد خلال هذا العام، بينما أصبحت أكثر من 70في المائة من المرافق الصحية معطلة.

وتابع بيريس قائلاً: «يجب على العالم أن يكف عن غض الطرف عن أطفال السودان».

وأشار إلى بيانات التصنيف المتكامل لمراحل الأمن الغذائي التي صدرت، يوم الجمعة الماضي، من 3 مناطق في ولاية شمال دارفور، والتي أظهرت «معدلات كارثية لسوء التغذية»، محذراً من أن الجوع الشديد وسوء التغذية يصيبان الأطفال أولاً. وأوضح أن هؤلاء أطفال تتراوح أعمارهم بين 6 أشهر و5 سنوات.

وقال إن أكثر من نصف الأطفال في مناطق شمال دارفور يعانون من سوء التغذية الحاد، مضيفاً: «لم يكن هذا مجرد توقعات أو نماذج، بل حقيقة مؤكدة».

وحذّر بيريس من أن الحرارة والإسهال وإصابات الجهاز التنفّسي والتغطية المحدودة لعمليات التطعيم ومياه الشرب غير الآمنة والأنظمة الصحيّة المنهارة، تحوّل أمراضاً قابلة للعلاج إلى «أحكام بالإعدام لأطفال يعانون بالأساس من سوء التغذية».

وتابع أن «القدرة على الوصول تتضاءل والتمويل شحيح إلى حد يصيب باليأس والقتال يشتد... يجب السماح بالوصول الإنساني، وعلى العالم أن يتوقف عن غضّ الطرف عن أطفال السودان».

في السياق نفسه، حذّرت الأمم المتحدة من أن الوقت ينفد أمام الأطفال الذين يعانون سوء التغذية في السودان داعية العالم إلى «التوقف عن غض الطرف» عن المأساة.

وتنتشر المجاعة في إقليم دارفور بغرب السودان، وفق ما حذّر خبراء مدعومون من الأمم المتحدة، الأسبوع الماضي، في وقت خلّفت الحرب المتواصلة بين الجيش و«قوات الدعم السريع» ملايين الجياع والنازحين المحرومين من المساعدات.

ويفيد خبراء الأمن الغذائي العالمي بأنه تم تجاوز عتبة المجاعة التي تشير إلى سوء التغذية الحاد في منطقتين إضافيتين في شمال دارفور هما أم برو وكرنوي

ومن جانبه، قال ممثّل منظمة الصحة العالمية في السودان شبل صهباني إن البلاد «تواجه تفشي عدة أوبئة بينها الكوليرا والملاريا وحمى الضنك والحصبة، إضافة إلى سوء التغذية».

وأضاف متحدثاً إلى الصحافيين أن العاملين في قطاع الصحة والبنية التحتية الصحية باتوا في مرمى النيران بشكل متزايد.

ومنذ اندلاع الحرب، تحققت منظمة الصحة العالمية من وقوع 205 هجمات على قطاع الرعاية الصحية، ما تسبب بمقتل 1924 شخصاً.

وتزداد الهجمات دموية كل عام. في 2025، تسبب 65 هجوماً بسقوط 1620 قتيلاً. وفي أول 40 يوماً من هذا العام، تسببت 4 هجمات بمقتل 66 شخصاً.

وتزداد حدة القتال في منطقة كردفان (جنوب).

وقال صهباني: «علينا أن نتحرّك بشكل استباقي، وأن نُخزّن الإمدادات مسبقاً، وأن ننشر فرقنا على الأرض لنكون مستعدين لأي طارئ».

وأضاف: «لكن كل هذا التخطيط للطوارئ... ليس سوى قطرة في بحر».


بعد 15 عاماً على تنحيه... أي إرث بقي من حكم مبارك في مصر؟

الرئيس المصري السابق الراحل حسني مبارك (رويترز)
الرئيس المصري السابق الراحل حسني مبارك (رويترز)
TT

بعد 15 عاماً على تنحيه... أي إرث بقي من حكم مبارك في مصر؟

الرئيس المصري السابق الراحل حسني مبارك (رويترز)
الرئيس المصري السابق الراحل حسني مبارك (رويترز)

«له ما له وعليه ما عليه»... كلمات باتت تلازم ذكر اسم الرئيس المصري السابق الراحل حسني مبارك، حتى بعد مرور 15 عاماً على تنحيه من منصبه رئيساً للجمهورية إثر «أحداث 25 يناير» (كانون الثاني) عام 2011.

وعلى الرغم من مرور سنوات طوال، فلا يزال إرثه السياسي والاجتماعي والاقتصادي قائماً، سواء من خلال «دولة المؤسسات»، أم عبر عودة رموز من نظامه إلى المشهد العام.

كان يوم 11 فبراير (شباط) عام 2011 يوماً تاريخياً في مصر حين خرج نائب رئيس الجمهورية آنذاك اللواء عمر سليمان ليعلن في بيان متلفز مقتضب قرار مبارك «تنحيه عن منصب رئيس الجمهورية، وتكليف المجلس الأعلى للقوات المسلحة بإدارة شؤون البلاد»، عقب ما وصفه بـ«الظروف العصيبة» التي تمر بها البلاد.

جنازة رسمية للرئيس السابق حسني مبارك في فبراير 2020 (الشرق الأوسط)

وجاء قرار مبارك في أعقاب احتجاجات شعبية اندلعت في 25 يناير 2011، وأشاع تنحيه «فرحة» بين الجموع المحتشدة في الشوارع، والذين عدُّوه يلبي مطالبهم آنذاك بـ«إسقاط النظام».

لكن السنوات التي تلت ذلك وما صاحبها من أحداث سياسية واقتصادية محلية وإقليمية دفعت نحو إعادة قراءة فترة حكم مبارك التي استمرت 30 عاماً، وسط تداول مقاطع فيديو على وسائل التواصل تعكس مواقف الرئيس المصري السابق الذي توفي عام 2020.

«دولة المؤسسات»

حملت تجربة مبارك في الحكم «إيجابيات وسلبيات»، بحسب مستشار «مركز الأهرام للدراسات السياسية والاستراتيجية» عمرو الشوبكي، الذي يرى أن تنحيه عن الحكم «كان يمكن أن يدفع لتغيرات إيجابية لو تم التعامل معه بوعي من جانب المحتجين».

وأضاف الشوبكي لـ«الشرق الأوسط»: «نظام مبارك كان يحمل فرصاً للإصلاح من داخله عبر مؤسسات راسخة ومسار دستوري قانوني واضح»، مشيراً إلى أنه «يختلف عن النظم في دول مجاورة شهدت احتجاجات».

وقال: «المحتجون، لا سيما تنظيم (الإخوان) أهدروا فرصة إصلاح النظام من الداخل؛ ما أحدث خللاً أربك المشهد السياسي في مصر مدة من الوقت».

وشهدت المرحلة التالية لتنحي مبارك استفتاءً على الدستور وانتخابات رئاسية أوصلت تنظيم «الإخوان» إلى الحكم، قبل أن يُطاح به عقب احتجاجات عام 2013، وتدخل مصر حرباً ضد «الإرهاب» وضد التنظيم الذي تصنّفه السلطات «إرهابياً».

وتُعد «دولة المؤسسات» أبرز إرث باقٍ من عهد مبارك، بحسب مساعد وزير الخارجية المصري الأسبق السفير حسين هريدي الذي قال لـ«الشرق الأوسط» إن مبارك «بنى دولة مؤسسات، ولم يختزل الحكم في شخصه، وهو ما حمى مصر من مصير دول مجاورة شهدت سقوط نظام الحكم».

ويرى هريدي، الذي عاصر مدة حكم مبارك عن قرب بحكم عمله في وزارة الخارجية، أن إرثه باقٍ في مجالات عدة «بدءاً من مؤسسات دولة راسخة وعميقة، مروراً بمشروعات بنية تحتية لا تزال فاعلة وموجودة، وخطوات إصلاح اقتصادي جنت مصر عوائدها، وأسس واضحة لعلاقات مصر الدولية والعربية ما زالت قائمة».

مبارك على نقالة طبية عقب حصوله عام 2017 على حكم البراءة في اتهامه بقتل المتظاهرين (رويترز)

وكانت «دولة المؤسسات» تلك وصناعة «رجل دولة» من أهم أسباب عودة كثير من رموز نظام مبارك إلى المشهد السياسي رغم حالة الاحتقان ضدهم التي ميزت المرحلة التي تلت تنحي مبارك عن السلطة، وامتدت طوال مدة محاكمته ونجليه جمال وعلاء، ليتحول الرفض والنقد إلى احتفاء واضح بظهور نجلي الرئيس الأسبق في أماكن ومناسبات عامة.

وأثار افتتاح «المتحف المصري الكبير» في نوفمبر (تشرين الثاني) الماضي جدلاً عقب تصدر رموز نظام مبارك للمشهد بوصفهم «رعاة للحفل»، وعلى رأسهم رجل الأعمال هشام طلعت مصطفى، ورجل الأعمال أحمد عز الذي كان عضواً بلجنة سياسات «الحزب الوطني» إبان حكم مبارك.

وفي أغسطس (آب) 2024، عاد يوسف بطرس غالي وزير المالية الأسبق إلى المشهد السياسي بعد إدراج اسمه في تشكيل «المجلس التخصصي للتنمية الاقتصادية». ولا يزال كثيرون آخرون من رموز نظام مبارك يشكلون جزءاً رئيسياً في المشهدين السياسي والاقتصادي، سواء رجال أعمال أم أعضاء برلمان أو حكومة.

محطات فارقة

وُلد محمد حسني مبارك في الرابع من مايو (أيار) عام 1928 في كفر مصيلحة بمحافظة المنوفية في دلتا مصر، وتولى رئاسة البلاد عقب اغتيال الرئيس محمد أنور السادات عام 1981؛ لكن إرثه السياسي يسبق مدة رئاسته.

ويبرز هريدي محطات فارقة في حياة الرئيس الراحل، من بينها «دوره العسكري في إعداد جيل من الطيارين المهرة بصفته مديراً للأكاديمية الجوية بعد حرب عام 1967، إضافة إلى دوره في حرب أكتوبر (تشرين الأول) عام 1973 قائداً للقوات الجوية».

ويشير هريدي إلى «دوره السياسي نائباً للرئيس، ثم رئيساً تولى شؤون البلاد في فترة عصيبة، واستطاع ضبط الأحوال عربياً وإقليمياً وداخلياً». وقال: «هذه الأدوار باقية كإرث عسكري وسياسي لرئيس حاول كثيرون التقليل من إنجازاته، لكن التاريخ أنصفه».

ويقول عمرو الشوبكي: «بعد 15 عاماً يتذكر مصريون مبارك بالخير، لا سيما مواقفه الوطنية في دعم القضية الفلسطينية، وحرصه على المواطن البسيط».

وتبرز هذه الرؤية بين الحين والآخر عبر تعليقات ومنشورات يجري تداولها عبر منصات التواصل الاجتماعي «تعيد قدراً من الاعتبار لنظام مبارك الذي كان يحمل داخله عناصر الإصلاح»، وفق الشوبكي.


مصر تطالب بتسوية سلمية وتوافقية بين أميركا وإيران

وزير الخارجية المصري بدر عبد العاطي يستقبل نظيره الإيراني عباس عراقجي في القاهرة العام الماضي (الخارجية المصرية)
وزير الخارجية المصري بدر عبد العاطي يستقبل نظيره الإيراني عباس عراقجي في القاهرة العام الماضي (الخارجية المصرية)
TT

مصر تطالب بتسوية سلمية وتوافقية بين أميركا وإيران

وزير الخارجية المصري بدر عبد العاطي يستقبل نظيره الإيراني عباس عراقجي في القاهرة العام الماضي (الخارجية المصرية)
وزير الخارجية المصري بدر عبد العاطي يستقبل نظيره الإيراني عباس عراقجي في القاهرة العام الماضي (الخارجية المصرية)

في وقت تعوِّل فيه أطراف إقليمية على إمكان إحراز تقدم ملموس في المفاوضات الأميركية - الإيرانية عقب جولة استكشافية عُقدت، الجمعة الماضي، شددت مصر على أهمية التوصل إلى تسوية سلمية توافقية بين واشنطن وطهران، بما يمنع اندلاع حرب جديدة في المنطقة.

وجاء ذلك خلال اتصال هاتفي تلقّاه وزير الخارجية المصري بدر عبد العاطي من نظيره الإيراني عباس عراقجي، مساء الاثنين، في إطار اتصالات مكثفة تجريها القاهرة بصورة شبه يومية مع الأطراف المعنية بالمسار التفاوضي بين الولايات المتحدة وإيران.

وأكد عبد العاطي أهمية «مواصلة مسار المفاوضات بين الجانبين الأميركي والإيراني، وصولاً إلى تسوية سلمية وتوافقية تعالج شواغل جميع الأطراف، على أساس الاحترام المتبادل والمنفعة المشتركة»، مشدداً على «ضرورة تجاوز أي خلافات خلال هذه المرحلة الدقيقة»، وعلى أن «الحوار يظل الخيار الأساسي لتفادي أي تصعيد في المنطقة»، وفق بيان لوزارة الخارجية المصرية.

وكان دبلوماسيون أميركيون وإيرانيون قد عقدوا محادثات غير مباشرة بوساطة عُمانية في مسقط، الأسبوع الماضي، في محاولة لإحياء المسار الدبلوماسي، بعد أن أرسل الرئيس الأميركي دونالد ترمب تعزيزات بحرية إلى المنطقة؛ ما أثار مخاوف من عمل عسكري جديد. وأطلع عراقجي نظيره المصري، خلال الاتصال، على تطورات جولة المفاوضات الأخيرة.

ويرى الخبير في الشؤون الإيرانية بمركز الأهرام للدراسات السياسية والاستراتيجية، محمد عباس ناجي، أن تعدد الاتصالات بين مسؤولين مصريين وإيرانيين خلال الأيام الماضية يهدف إلى «تقديم أفكار يمكن أن تسهم في الوصول إلى نقاط تلاقٍ مشتركة بين طهران وواشنطن»، مضيفاً أن «القاهرة تسعى لمنع اندلاع حرب جديدة في المنطقة ستكون إسرائيل المستفيد الأول منها، ومن ثم ستتضرر منها بقية الأطراف الفاعلة في المنطقة، وستقود كذلك إلى أزمات اقتصادية وتهديدات للملاحة في البحر الأحمر والمناطق التي لدى إيران نفوذ فيها».

وأضاف ناجي في تصريح لـ«الشرق الأوسط»: «تستفيد مصر من وجود علاقات جيدة مع الأطراف الرئيسية في الأزمة خصوصاً مع تحسُّن العلاقات مع إيران، إلى جانب المشاورات المستمرة بين الوزير عبد العاطي ومبعوث الرئيس الأميركي ستيف ويتكوف، إلى جانب العلاقة القوية مع الوكالة الدولية للطاقة الذرية، والتنسيق مع الأطراف الإقليمية والعربية الفاعلة بشأن منع الارتدادات السلبية للتصعيد الراهن».

اتصالات مصرية تستهدف إنجاح الجهود الدبلوماسية بين إيران والولايات المتحدة (الخارجية المصرية)

وفي السياق نفسه، أجرى الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي اتصالاً هاتفياً مع نظيره الإيراني مسعود بزشكيان، الأسبوع الماضي، بالتزامن مع انطلاق المفاوضات، مؤكداً دعم مصر الكامل لها، ومشدداً على أنه «لا توجد حلول عسكرية لهذا الملف، وأن السبيل الوحيد يتمثل في الحوار والتفاوض بما يراعي مصالح جميع الأطراف».

كما حرص وزير الخارجية العُماني بدر البوسعيدي على إطلاع عبد العاطي على مجريات المفاوضات، بالتوازي مع اتصالات أجرتها القاهرة مع المدير العام للوكالة الدولية للطاقة الذرية رافائيل غروسي.

وكان التصعيد الأميركي - الإيراني حاضراً أيضاً في مؤتمر صحافي عقده عبد العاطي مع نظيره السنغالي شيخ نيانغ، حيث كشف عن «توجيهات يومية ومستمرة من الرئيس السيسي بشأن الملف الإيراني»، في إطار العمل على منع أي تصعيد جديد.

وأكد عبد العاطي أن هذه التحركات تتم «بتنسيق كامل مع السعودية وقطر والإمارات وتركيا وسلطنة عمان»، في سياق حرص مصر على دعم الأمن والاستقرار الإقليمي.

وأوضح ناجي أن القاهرة تستهدف البناء على أجواء أكثر إيجابية بعد استئناف المفاوضات، مع التعويل على إمكان عقد جولات جديدة قريباً، لا سيما مع زيارة أمين المجلس الأعلى للأمن القومي الإيراني علي لاريجاني إلى مسقط، مرجحاً أن تحمل الزيارة رداً إيرانياً على أفكار أميركية طُرحت في الجولة الأولى، لكنه في الوقت نفسه وصف المشهد الحالي بأنه «تخفيض حذر للتصعيد»، في ظل استمرار الحشد العسكري الأميركي، ومساعي إسرائيل للتأثير في المسار التفاوضي، مع بقاء فجوات واسعة بين واشنطن وطهران.

وأشار ناجي إلى أن العودة إلى «اتفاق القاهرة» الموقَّع، العام الماضي، بين إيران والوكالة الدولية للطاقة الذرية قد تبقى خياراً مطروحاً إذا جرى التوصل إلى صفقة حول البرنامج النووي الإيراني، بما يتيح تطوير آليات التفتيش بما يتلاءم مع التطورات الحالية.