ستيفن هادلي لـ {الشرق الأوسط}: على الروس أن يدركوا أن الأسد انتهى

مستشار الأمن القومي الأميركي السابق أكد أن زيارة الملك سلمان إلى واشنطن تؤكد رسوخ العلاقة الاستراتيجية

ستيفن هادلي
ستيفن هادلي
TT

ستيفن هادلي لـ {الشرق الأوسط}: على الروس أن يدركوا أن الأسد انتهى

ستيفن هادلي
ستيفن هادلي

قبل أن يتسلم ستيفن هادلي مسؤولية الأمن القومي الأميركي في زمن الرئيس جورج دبليو بوش، كان مساعدًا لوزير الدفاع للشؤون الاستراتيجية العالمية، وحاليًا هو في مؤسسة تجمعه بوزير الدفاع السابق روبرت غيتس ووزيرة الخارجية السابقة كوندوليزا رايس.
في حواره مع «الشرق الأوسط»، وصف هادلي زيارة خادم الحرمين الشريفين الملك سلمان بن عبد العزيز إلى واشنطن بـ«الناجحة جدًا»؛ كونها أكدت أن العلاقات القوية، ومنذ عقود بين السعودية والولايات المتحدة، تستطيع أن تقاوم كل الخلافات وتستمر. وأشار إلى أن هذه الزيارة أكدت استمرار الحوار بين البلدين، حول كيفية التعاطي مع كل الاضطراب الذي يعصف بالشرق الأوسط، انطلاقًا من قوة العلاقة الاستراتيجية بين واشنطن والرياض. ونفى هادلي أن يكون قانون «التفوق العسكري الكمي» مع إسرائيل يمنع واشنطن من توقيع اتفاقية دفاع مشتركة مع دول مجلس التعاون الخليجي، ورأى أنه يجب دعم مصر في مكافحة الإرهاب، مشيرا إلى أن الرئيس عبد الفتاح السيسي يحتاج إلى وضع استراتيجية سياسية أكثر شمولاً. وأكد أنه على روسيا إدراك أن الرئيس السوري بشار الأسد انتهى فعلاً في سوريا، وأن دعمها وإيران لنظامه أطال أمد الحرب الدموية، ورأى أن عليهما المشاركة في تشكيل حكومة وحدة تتضمن عناصر من النظام على استعداد للانشقاق عن الأسد، تسمح له بمغادرة المسرح السياسي. وقال هادلي: «إن التاريخ سيحكم بأن منطقة الشرق الأوسط دفعت ثمنًا باهظًا بسبب عدم تدخل الولايات المتحدة أو فشلها بالتدخل في سوريا». كما أشار إلى أن تجربة الروس في الشيشان لن تتكرر في سوريا والعراق.
وقال إن منتقدي الاتفاق النووي يرون أنه من الضروري جدًا أن يعلن الرئيس الأميركي مدعومًا من الكونغرس أن أميركا ستقوم بعمل عسكري ضد منشآت إيران النووية إذا ما حاولت خلال فترة الاتفاق أو بعده تصنيع أسلحة نووية. ووعد بأنه إذا جاء الجمهوريون إلى السلطة عام 2017 فإن سياسة الولايات المتحدة الخارجية ستكون مختلفة جدًا «وسنرى ارتباطًا أميركيًا أوثق بالمنطقة».
* ما تقييمك لزيارة الملك سلمان بن عبد العزيز إلى واشنطن، وما الرسالة التي أراد الرئيس باراك أوباما توجيهها باستقباله العاهل السعودي على مدخل البيت الأبيض؟
- أعتقد أنها كانت زيارة ناجحة جدًا، وأعتقد أن الملك سلمان والرئيس أوباما أرادا توجيه الرسالة نفسها؛ بأن العلاقات بين السعودية والولايات المتحدة تبقى قوية، وأننا نتقدم في هذه العلاقة على الرغم من بعض الخلافات التي شغلتنا في الماضي.
* هل نعتبر أن هذه الزيارة أعادت تجديد العلاقات الاستراتيجية بين الدولتين؟
- نعم، نجحت الزيارة في تحقيق ذلك. كان لدى السعودية قلق بالنسبة إلى الاتفاق النووي الإيراني، وحسب قراءتي: أولاً - كان الرئيس ناجحًا في التأكيد للملك سلمان أن الاتفاق سيؤدي فعلاً إلى التقليص وبصورة كبيرة من قدرة إيران على الحصول على السلاح النووي، وأن الخلاف بهذا الخصوص صار وراءنا فعلاً. ثانيًا - أن التعاون العسكري والمساعدة العسكرية اللتين توفرهما الولايات المتحدة إلى السعودية، مثل الأسلحة، أكدا أن العلاقة الدفاعية بين البلدين قوية جدًا. ثالثًا - هناك حوار مستمر حول كيفية التعاطي بكل هذا الاضطراب وهذه الفوضى في الشرق الأوسط، وحسب اعتقادي، فإن هناك ربما بعض القضايا التي لا يتفق البلدان تمامًا حولها، وهذا أمر طبيعي حتى بين أقرب الحلفاء، وأظن أن الرسالة التي أراد الملك والرئيس توجيهها، كلّ إلى جمهوره الخاص، هي أنه مهما كانت هذه الخلافات، فإنها لن تقف في وجه الحفاظ على العلاقات الاستراتيجية القوية بين البلدين.
* هل تعتقد أنه بعد هذه الزيارة وبعد الالتزامات المتبادلة بين الطرفين، فإن السعودية لن تخفف من اعتمادها على الأسلحة الأميركية، وأنها لن تلتفت إلى روسيا كمورد بديل؟
- اعتمدت السعودية على الولايات المتحدة بالنسبة إلى المعدات الدفاعية، لكنها، كانت، بين وقت وآخر، تشتري أسلحة أيضًا من دول أخرى مثل المملكة المتحدة وفرنسا. وقد تشمل السعودية في قرارها، كدولة ذات سيادة، روسيا لتشتري منها أسلحة. لكن، إذا نظرت إلى المشتريات التي وقّعت عليها السعودية، فمن الواضح أن العلاقة العسكرية بين الولايات المتحدة والسعودية تبقى قوية جدًا.
* هل ما يُعرف بالـ«QME»، (التفوق العسكري الكمي - القانون الأميركي 2008) المتعلق بإسرائيل، يمنع الولايات المتحدة من توقيع اتفاقيات دفاع مشتركة مع دول الخليج؟
- لا أعتقد ذلك. كما تعرفين، فإن الولايات المتحدة ولعقود كانت الرائدة في تقوية العلاقات الدفاعية بين دول مجلس التعاون الخليجي، خصوصًا لجهة تبادل المعلومات الاستخباراتية، وتعاون الدفاع الصاروخي، والمناورات المشتركة، وأعتقد أن التقدم والتطور سيستمران.
* يعني ذلك أن قانون التفوق العسكري الكمي لإسرائيل لا يمنع التوقيع على اتفاقية دفاع مشتركة؟
- ربما، وآمل أن يكون هناك نوع من المباحثات في هذا الشأن. إنما السؤال هو عما إذا كانت دول مجلس التعاون الخليجي تريد تحقيق ذلك. إن هذا قرار يعود إليها؛ فهي دول ذات سيادة.
وأظن أن نوع التطور الذي نراه، إن كان بالنسبة إلى التعاون الدفاعي الوثيق بين دول الخليج مع بعضها بعضًا، وبين الولايات المتحدة وهذه الدول، فأظن أن إسرائيل تدعمه. أما، هل إسرائيل مهتمة بمستوى وتقدم الأسلحة التي تصل إلى الخليج، فإن هذه المسألة تعمل عليها أميركا مع إسرائيل، وهي بالفعل منذ سنوات تقوم بهذا العمل، وأنا متأكد من أن هذا الأمر سيبقى قضية في نظر إسرائيل، لكن، من حيث المبدأ لا أظن أن إسرائيل يقلقها التعاون العسكري الوثيق القائم بين دول الخليج في ما بينها، أو بين هذه الدول والولايات المتحدة، ولن يقلقها ذلك.
* لماذا حتى الآن تعامل إدارة الرئيس أوباما الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي ببرود، ولا تزال تبكي على الإطاحة بالرئيس محمد مرسي (إخوان مسلمين)؟
- لا أعتقد أن هذا وصف دقيق لموقف الإدارة الأميركية الآن. كان هناك وقت صعب بين مصر والإدارة، حيث رفضت الأخيرة إرسال معدات عسكرية طلبتها مصر، ودفعت ثمن بعضها، لكن هذه السياسة خفت كثيرًا إذا لم تكن تراجعت تمامًا. أعتقد أنه جرت استعادة للعلاقات بين واشنطن والقاهرة. علينا الاعتراف بأن مصر تعاني من مشكلة الإرهاب التي يجب مواجهتها، يجب أيضًا دعم مصر في جهودها لمكافحة الإرهاب، أما هذه الحملة على الإرهاب، فيجب أن ترافقها استراتيجية سياسية بحيث تؤدي تدريجيًا إلى تشكيل حكومة أكثر شمولاً، لأن لا أحد يصدق، وحتى الرئيس السيسي نفسه لا يعتقد أن باستطاعته تحقيق سلام حقيقي واستقرار على المدى الطويل فقط عبر حملات عسكرية.
* هل تشعر بقلق من أن روسيا تحاول تحقيق نجاحات في مصر؟ وهل تتحمل الولايات المتحدة أن تخسر مصر لصالح روسيا والصين؟
- حسب هذا الطرح، لا أعتقد أن الولايات المتحدة قد تخسر مصر. لكن هل سيكون لمصر علاقات قوية مع روسيا والصين، ربما. فهما لاعبان أساسيان في العالم، وفي الشرق الأوسط. لكن إذا راجعت البيان الذي أعلنه الرئيس السيسي وآخرون، خصوصًا عندما كان الرئيس السيسي قبل عام في الجمعية العمومية للأمم المتحدة، يتبين أن مصر تريد علاقات قوية مع الولايات المتحدة. هذا كان عنصرًا مهمًا في السياسة الخارجية المصرية لعدة عقود، وحسب رأيه، يريد أن يستمر ذلك.
* آخر الأخبار تشير إلى أن وفدًا أمنيًا سوريًا زار مصر. ماذا تقرأ في هذا؟
- لا أعرف، لأنني لا أعرف المواضيع التي نوقشت هناك. أتمنى أن تعمد مصر على تشجيع عملية تشكيل حكومة وحدة تتضمن عناصر من النظام على استعداد أن تنشق عن الرئيس بشار الأسد، وتنضم إلى عناصر معتدلة وديمقراطية في حكومة وحدة تستطيع مع مرور الوقت إعادة الاستقرار إلى سوريا وتوحد الشعب السوري لمواجهة خطر تنظيم داعش، الذي هو خطر كبير على شعوب المنطقة كلها.
* يقول بعض المحللين إن هناك دافعًا سياسيًا وراء زيادة الدعم الروسي للنظام السوري. فروسيا تريد التفاوض حول الملف السوري مع منافسيها السياسيين، وتقوية النظام السوري يعطيها التفوق في المفاوضات.
- لستُ متأكدًا مما يقوم به الروس. للأسف الشديد هم داعمون أقوياء للأسد منذ سنوات، يوفرون السلاح والدعم الدبلوماسي، وهذا من سوء الحظ، لأنه أطال فترة العنف، وزاد من عدد الضحايا، وتسبب بتهجير داخلي وإلى الخارج لنصف سوريا، وأعاد الاقتصاد إلى الوراء، وسبّب هذا مأساة للشعب السوري وللاستقرار في المنطقة. آمل أن التقدم الذي تحقق على الأرض، وضعف النظام السوري عسكريًا، سوف يقنعان الروس بأن دعم الأسد ليس الطريق إلى السلام والاستقرار، بل يديم الصراع وينفّر الشعب السوري من روسيا. آمل أن يدرك الروس فعلاً أن الأسد انتهى في سوريا، وحان الوقت كي تضع روسيا ثقلها وراء الحكومة التي وصفتها، والتي تسمح للأسد بمغادرة المسرح، وتسمح لكل القوى التي تعمل من أجل سوريا جديدة أن تبدأ بتخفيف العنف المتبادل ومواجهة «داعش». هذا ما هو لمصلحة روسيا على المدى الطويل وعندها يمكن لروسيا أن تكسب مجددًا الشعب السوري.
* هل ينسحب هذا على إيران أيضًا؟
- نعم. وأرجو أن تدرك إيران الوضع بالطريقة نفسها وتبدي استعدادًا للتوجه نحو حكومة وحدة. لكن، حسب اعتقادي، فإن ما يقلق روسيا وإيران، وهذا شرعي من هذه الناحية، انهيار كامل للسلطة مما يزيد من الفوضى ويفتح الباب واسعًا أمام «داعش». لا أحد يريد ذلك، ولهذا يهم الولايات المتحدة أن تعمل روسيا وإيران والدول الأخرى معًا في اتجاه تشكيل حكومة وحدة - كما قلت - تسمح للأسد بمغادرة المسرح، وللشعب السوري أن يبدأ التفكير بمستقبله.
* لكن للروس خبرة في قتال الجماعات المتطرفة، كما حدث في الشيشان. لماذا اعتبر وزير الخارجية جون كيري هذا الأمر عامل زعزعة؟
- لستُ متأكدًا من أن أحدًا يريد أن يعتمد الأسلوب الذي قاتل فيه الروس المتطرفين في الشيشان مثلا، لسببين: الدمار والضحايا الذين تسبب بهما، ثم لأن ذلك الأسلوب لم يحل القضايا الخفية وترك الشيشان مع حكومة ليست «جذابة»، ولا يرغب أغلب الناس العيش في ظلها.
نعم، حقق الروس بعض الاستقرار هناك، لكن بسعر مرتفع جدًا، ولا أعتقد أن الناس يريدون تكرار ذلك في العراق أو في سوريا.
* لكن سوريا مدمرة تقريبًا بالكامل.
- نعم، للأسف، وهذا بسبب الدعم الذي تستمر روسيا وإيران بتقديمه للأسد، مع العلم أن أغلبية الشعب السوري لا تريد الأسد في السلطة. لقد حافظ على حكمه بأبشع الطرق؛ بقتل شعبه. ثم ما الأمثولة التي نريد توجيهها إلى العالم؛ أنه إذا قتلتَ بما فيه الكفاية من شعبك، يمكنك البقاء في السلطة، والعالم على استعداد لمساعدتك؟! هذه الأمثولة التي تبعثها إيران وروسيا إلى العالم، وهذه أمثولة رهيبة ومعيبة.
* هل كان يمكن لتنظيم داعش أن يبرز أو ينشأ لو أن الولايات المتحدة تدخلت عسكريًا في سوريا عند بداية الأحداث؟
- أعتقد لو أننا تحركنا عام 2012، كما اقترح البعض، كان هذا الاحتمال أقل بكثير، ولما استطاع «داعش» تحقيق التقدم الذي أحرزه. أظن أن التاريخ سيحكم بأن منطقة الشرق الأوسط دفعت ثمنًا باهظًا، بسبب عدم تدخل الولايات المتحدة أو فشلها مع حلفائها والدول الأخرى بالتدخل في سوريا.
* هناك بعض التقارير التي تشير إلى أن الولايات المتحدة تُعِد خطة لإرسال قوات عربية إلى سوريا. هل هذا وارد؟ وهل سنرى القوات الجوية لدول الخليج تنشط في الأجواء السورية؟
- لقد رأينا السلاح الجوي لبعض الدول الخليجية ينشط في اليمن مثلاً، وفي سوريا أيضًا. لا أعتقد أن الحكومة الأميركية تقوم بتشجيع الدول العربية للتدخل برًا في سوريا، باستثناء تدريب السوريين على مقاتلة «داعش» ومجموعات إرهابية أخرى.
* ما ردة فعلك حول أنه، وفي وقت تطلب فيه الولايات المتحدة من اليونان وبلغاريا وأوكرانيا أن تغلق أجواءها في وجه الطائرات الروسية التي تنقل المساعدات إلى سوريا، نسمع أن روسيا اشترت من إسرائيل 10 طائرات تعمل من دون طيار؟
- لست على علم بهذه الأمور، وبالتالي لا أستطيع أن أعلق.
* هل تتفق مع طرح وزير الخارجية الأميركي السابق كولن باول بأن إيران قبل الاتفاقية كانت على «الطريق السريع» للحصول على السلاح النووي، لكنه لم يشر بشيء إلى ما يمكن أن تقوم به إيران بعد 15 سنة (مدة انتهاء الاتفاق)، حيث يقول بعض المراقبين إنه إذا قررت إيران عندها الحصول على قنبلة نووية فإن الوقت التحذيري قد يتقلص إلى أسابيع؟
- هناك قلق فعلي حول ذلك، وحسب اعتقادي فإن داعمي الاتفاق يقولون بضرورة إيجاد وسيلة لإدارة برنامج إيران النووي بعد 15 عامًا للتأكد من أن إيران لن تحاول الحصول على سلاح نووي، ولهذا فإن عددًا من منتقدي الاتفاق قالوا إنه من الضروري جدًا أن يعلن الرئيس الأميركي مدعومًا من الكونغرس، إذا ما حاولت إيران إنتاج اليورانيوم العالي التخصيب المطلوب لإنتاج السلاح النووي، أو أن تبدأ بفصل البلوتونيوم الذي يمكن استعماله لتصنيع السلاح النووي، فإن هذه المحاولات ستؤدي إلى عملية عسكرية أميركية لتدمير برنامج إيران النووي.
منتقدو الاتفاق يصرون على ضرورة أن يتضح هذا الأمر بشكل ظاهر، خلال فترة الاتفاق وما بعدها، لجهة منع إيران من التحرك لإنتاج سلاح نووي.
* هل تعتقد أن هذا النظام سيدوم طوال السنوات الـ15، إذا انفتحت إيران على العالم؟ وهل تعتقد أن الشعب الإيراني سيقبل الاستمرار في العيش في ظل مثل هذا النظام؟
- لا أعرف. هذا القرار يعود إلى الشعب الإيراني، لكن من الواضح أن هناك الكثير من السخط عند الشعب الإيراني، واستياء من النظام، ثم أن المرشد الأعلى (آية الله علي خامنئي) هو الآن في السبعينات من العمر، وهناك سؤال عما سيحدث بعد رحيله.
ما أعتقده أن تطورًا سيتعرض له النظام خلال 15 عامًا من الاتفاق. معارضو الاتفاق يعتقدون أن الانفتاح الذي سيلي رفع العقوبات سيشجع الميل إلى نظام أكثر اعتدالاً. لكن لا أعتقد أننا نعرف، كما يجب ألا نعتمد على ذلك.
* بالنسبة إلى الاتفاق، قالت إيران إنها تريد أن تدقق بهويات وخلفيات مفتشي الوكالة الدولية للطاقة الذرية قبل أن تسمح لهم بدخول منشآتها النووية، وإن موظفي منظمة الطاقة الذرية الإيرانية سيرافقونهم. هل هذا جزء من الاتفاق؟
- هناك الكثير من عدم اليقين عما وافقت عليه الوكالة الدولية للطاقة الذرية. هناك، كما هو معروف، اتفاق ما بين الوكالة الدولية وإيران حول بعد عسكري محتمل في برنامج إيران النووي، الذي لم يتم الإعلان عنه. لهذا هناك عدم يقين يتعلق بكيفية عمل هذا. الامتحان، حسب اعتقادي، هو عما إذا كان لدى المنظمة الدولية القدرة غير المقيدة للتحقق من هذا الاتفاق، مع مراقبين من اختيارها هي، يكونون قادرين على زيارة المنشآت، ومقابلة العلماء، وأخذ عينات، ومراجعة ونسخ الوثائق، وأن يعملوا كل ما يحتاجون عمله، من دون أي قيد، من أجل التأكد من التزام إيران بالاتفاق. هذا حسب اعتقادي ما يجب أن يكون اختبارًا أساسيًا.
* من الذي ضيّع العراق؟
- العراق لم يضع. الشعب العراقي يكافح مشكلة الإرهاب. وهذا أمر مؤسف، لأن الشعب العراقي خلال السنوات من 2008 إلى 2010 هزم خطر «القاعدة»، وتضاءلت نسبة العنف، ولم تعد تهدد النظام. كان للعراقيين حكومة وحدة، وكانوا يتقدمون نحو المستقبل، وكان إنتاج النفط يتصاعد. لكن للأسف، تآمرت عدة أمور لزعزعة عملية واعدة. من هذه الأمور سياسة إدارة نوري المالكي التي ضاعفت من الصراع المذهبي وقوضت الجيش وقوى الأمن، لكن الأكثر تسببًا في ضرر العراق كان الفشل في مواجهة الأزمة في سوريا، وهذا فتح الباب أمام بروز «داعش»، الأمر الذي زعزع استقرار العراق، ولم يكن ممكنًا تجنبه. ومع فشل الولايات المتحدة في التفاعل مع ما يحدث في سوريا، والاستمرار على موقفها رغم تعرض العراق للانعكاسات، نرى الشعب العراقي يصارع لتشكيل حكومة وحدة وطنية حقيقية، ويصارع لتوفير حكم ذاتي أوسع لمختلف المجموعات: الأكراد، السنة، الشيعة، وكل الآخرين بمن فيهم المسيحيون.
إن الوصفة الصحيحة لإعادة الاستقرار إلى العراق أن تتحكم كل مجموعة وتسيطر على مستقبلها الاقتصادي والسياسي، هذا من شأنه أن يبقي العراق دولة موحدة.
* وهل تقبل إيران مع معرفتنا بنفوذها على العراق؟
- أظن أنها تقبل، إذا أوضح الشعب العراقي أن هذا ما يريده. لن يكون هناك خيار آخر عندها أمام الإيرانيين.
* الولايات المتحدة معنية باليمن، لكن كما يبدو فإنها لا تستطيع السيطرة على مياهه الإقليمية، ثم كأن كل الجهود في عمان غير ناجحة.
- هناك جهود قائمة الآن، تشارك بها دول المنطقة مع الولايات المتحدة للتحكم أكثر بالمياه الإقليمية اليمنية. إن الوضع اليمني مقلق، وهو يشكل مشكلة للسعودية والدول المجاورة، ويجب أن تركز الجهود على الإتيان بكل الأطراف إلى طاولة الحوار للخروج بمعادلة تبدأ بتقليص العنف، وتأتي مع الوقت ببعض الاستقرار من دون تحويل البلاد إما إلى «القاعدة» والمجموعات المتحالفة معها أو إلى القبائل الحوثية والمجموعات المتحالفة مع إيران، وذلك من أجل توفير الفرصة أمام الشعب اليمني لتقرير مستقبله.
* خلال زيارة العاهل السعودي إلى واشنطن، لمسنا أن هناك اعترافًا فعليًا، إن كان من البيت الأبيض، أو من وزارتي الخارجية والدفاع، بأن إيران تتدخل في الشؤون الداخلية لدول المنطقة. كيف يمكن إقناع إيران بالتعاون بدل المواجهة؟
- هذا يجب أن يحصل عبر طريقتين؛ أولاً: مواجهة إيران على الأرض، للتوضيح لها أن سياستها الرامية إلى فرض نفوذها لتقويض الدول الأخرى مثل العراق واليمن، وسوريا.. إلخ، لها ثمن، ولن تنجح، لا، بل تثير الشعوب ضدها. ثانيًا: وفي وقت تتم مواجهة إيران على الأرض، يستمر الحوار الذي بدأ حول الاتفاق النووي لإقناع الإيرانيين بأن عليهم اعتماد مسار عمل مختلف، كالذي تحدثنا عنه بالنسبة إلى سوريا.
* هل تستطيع الولايات المتحدة إيقاف روسيا عن بيع إيران أنظمة دفاع جوية؟
- هناك سلسلة من قرارات مجلس الأمن لها أحكام تتعلق بالاتفاق الأخير تم التوصل إليها، وتؤثر على مسألة أنظمة الدفاع الجوية. والواحد يأمل بتصرف مسؤول من قبل روسيا تحترم خلاله كل هذه القرارات وأيضًا أن تقوم بدور مسؤول كمشارك أساسي في التوصل إلى الاتفاق النووي من خلال مشاركتها عبر مجموعة «1+5».
* هل للولايات المتحدة خطط استراتيجية واضحة لقتال «داعش» ولإيجاد حل لسوريا والعراق وحتى ليبيا، أم أننا نطلب الكثير منها؟
- لا أعتقد أنكِ تطلبين الكثير من الولايات المتحدة. وأظن أن هذه المشكلات تستدعي كل دول المنطقة لتشارك وتتقاسم المسؤولية، مع الأخذ بعين الاعتبار قدرة كل واحدة اقتصاديًا وسياسيًا وعسكريا. والذي تستطيعه الولايات المتحدة، عبر الحوار مع دول المنطقة، أن تتقدم بخطوط عريضة لاستراتيجية أو خطة لتوجيه المنطقة باتجاه أكثر إيجابية. هذا ما يجب أن تقوم به أميركا من أجل مصلحتها الخاصة، ومن حق دول المنطقة أن تتوقعه منها.
* هل ستسمح الولايات المتحدة للحكومة التركية بأن تهاجم الأكراد كثمن لتركيا لقاء استعمال قواعدها العسكرية؟
- لقد أوضحت الحكومة الأميركية أن هذا لم يكن الاتفاق الذي توصلت إليه مع تركيا، وكما نشرت كل الصحف، طالبت الحكومة الأميركية، تركيا، بأن توقف عملياتها ضد الشعب الكردي. وفي الوقت نفسه، من المؤسف أن «حزب العمال الكردستاني» كان يستفز الأتراك بهجومه على القوات التركية الأمنية. وكان من الصواب أن تدعو الحكومة الأميركية كل الأطراف لضبط النفس، وأظن أن الكل يرغب في استئناف الحوار بين الحكومة التركية والعناصر الكردية.
* إذا وصل الجمهوريون إلى السلطة عام 2017، فهل ستكون سياستهم تجاه الإرهاب وإيران ودول أخرى في المنطقة ستكون أكثر قوة وحزمًا؟
- إذا سيطر الجمهوريون على الحكومة عام 2017، أعتقد أنك سترين عندها سياسة خارجية مختلفة تمامًا، وآمل أنك سترين ارتباطًا أميركيًا أوثق بالمنطقة للمساعدة على وضع خطط تسمح لدول المنطقة باتخاذ مسارها المستقبلي متحررة من الاثنين: السيطرة الإيرانية أو إرهاب «داعش». هذا ما آمل أن تريه.



«المركزي اليمني» يقود تحركات لتعزيز الاستقرار الاقتصادي والنقدي

العملة اليمنية استعادت بعض قيمتها بعد أن تعرضت لتدهور كبير خلال الأعوام الماضية (أ.ف.ب)
العملة اليمنية استعادت بعض قيمتها بعد أن تعرضت لتدهور كبير خلال الأعوام الماضية (أ.ف.ب)
TT

«المركزي اليمني» يقود تحركات لتعزيز الاستقرار الاقتصادي والنقدي

العملة اليمنية استعادت بعض قيمتها بعد أن تعرضت لتدهور كبير خلال الأعوام الماضية (أ.ف.ب)
العملة اليمنية استعادت بعض قيمتها بعد أن تعرضت لتدهور كبير خلال الأعوام الماضية (أ.ف.ب)

أقرّ مجلس إدارة البنك المركزي اليمني، في اجتماعه المنعقد بالعاصمة المؤقتة عدن برئاسة المحافظ أحمد غالب، حزمة من الإجراءات النقدية والتنظيمية للتعامل مع ظاهرة شح السيولة من العملة الوطنية في الأسواق، في خطوة تعكس سعي السلطات المالية إلى احتواء الضغوط المتزايدة على الاقتصاد في ظل ظروف داخلية وخارجية معقدة.

وجاءت هذه القرارات بعد تقييم شامل للتدخلات السابقة التي نفذها البنك لضخ السيولة، والتي تمت وفق معايير اقتصادية تهدف إلى الحفاظ على الاستقرار النقدي دون التسبب في اختلالات إضافية، خصوصاً في ظل استمرار فجوة السيولة وتأثيرها على الأنشطة التجارية والمعيشية.

وبحسب الإعلام الرسمي، ناقش المجلس جملة من الخيارات المتاحة لمعالجة أزمة السيولة، وأقر حزمة إجراءات موزعة بين تدابير فورية وأخرى قصيرة ومتوسطة الأجل، مع تكليف الإدارة التنفيذية بتنفيذها ومتابعة نتائجها بشكل مستمر. كما شدد على أهمية التقييم الدوري للأوضاع النقدية واتخاذ خطوات تصحيحية بالتنسيق مع الجهات ذات العلاقة.

جانب من اجتماع مجلس إدارة البنك المركزي اليمني في عدن (إعلام حكومي)

وأكد المجلس التزام البنك المركزي بمواصلة تبني سياسات نقدية احترازية متحفظة، تستهدف الحفاظ على استقرار سعر صرف العملة الوطنية وكبح الضغوط التضخمية، مع تجنب الاستجابة لتوقعات غير مبنية على أسس اقتصادية، خصوصاً في ظل بيئة إقليمية ودولية غير مستقرة.

وأشار إلى عزمه استخدام كل الأدوات المتاحة، بما في ذلك السياسات النقدية والإجراءات الإدارية والوسائل القانونية، لضمان تحقيق أهداف الاستقرار المالي والنقدي، وهو ما يعكس توجهاً أكثر تشدداً في إدارة السياسة النقدية خلال المرحلة المقبلة.

تحديات اقتصادية

واستعرض مجلس إدارة البنك المركزي اليمني خلال الاجتماع، مؤشرات الأداء المالي والاقتصادي الأولية للربع الأول من العام الحالي، بما في ذلك وضع الموازنة العامة ومستوى الاحتياطيات الخارجية والالتزامات المالية، إلى جانب تقييم آفاق الاقتصاد الوطني في ضوء التطورات الإقليمية والدولية المتسارعة.

وأورد الإعلام الرسمي أن النقاش سلط الضوء على التداعيات الاقتصادية للتوترات الإقليمية، التي أسهمت في رفع تكاليف النقل والتأمين وأسعار الطاقة، إضافة إلى اضطرابات سلاسل الإمداد العالمية، وهي عوامل تضغط بشكل مباشر على الاقتصادات الهشة، ومنها الاقتصاد اليمني الذي يعاني أساساً من اختلالات هيكلية وعجز مزمن في الموارد.

طفل يمني يحمل ورقة نقدية من فئة 500 ريال في مأرب (أ.ب)

وفي هذا السياق، اطلع المجلس على الجهود الحكومية الرامية إلى التخفيف من آثار هذه التحديات، بدعم من القيادة السياسية، بما في ذلك التنسيق مع الشركاء الدوليين لتعزيز الاستقرار الاقتصادي والحد من تداعيات الأزمات الخارجية.

وضمن مساعي تحديث البنية التحتية المالية، أقر المجلس عدداً من القرارات التنظيمية؛ أبرزها اعتماد معيار وطني موحد لخدمة رمز الاستجابة السريع لجميع المؤسسات المالية، بما يسهم في تسهيل المعاملات وتعزيز الشمول المالي.

كما أقر ربط المحافظ الإلكترونية ضمن منظومة موحدة ترفع كفاءة التشغيل، إلى جانب مساهمة البنك المركزي بوصفه مسهماً رئيسياً في شركة تشغيل نظام المدفوعات الفورية، في خطوة تهدف إلى تسريع التحول نحو الاقتصاد الرقمي وتقليل الاعتماد على النقد.

وفد من البنك الدولي

ورحب مجلس الإدارة بالتطورات الإيجابية في علاقات اليمن مع المؤسسات المالية الدولية، مشيراً إلى زيارة وفد البنك الدولي رفيع المستوى إلى عدن، وإلى عرض تقرير مشاورات المادة الرابعة مع اليمن على مجلس إدارة صندوق النقد الدولي، وهو ما يعكس تنامي الانخراط الدولي في دعم الاقتصاد اليمني.

وفي السياق ذاته، بحثت وزيرة التخطيط والتعاون الدولي، أفراح الزوبة، مع نائب رئيس البنك الدولي لمنطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا، عثمان ديون، سبل توسيع الدعم التنموي وتعزيز أولويات التعافي، مع التركيز على تحسين الخدمات الأساسية والبنية التحتية وبناء القدرات المؤسسية.

اجتماع يمني في عدن مع وفد من البنك الدولي (إعلام حكومي)

وأكدت الزوبة أهمية مواءمة برامج الدعم مع أولويات الحكومة لعام 2026، داعية إلى زيادة التمويلات المخصصة لليمن، خصوصاً في قطاعات الصحة والتعليم والمياه وخلق فرص العمل، إلى جانب تمكين النساء اقتصادياً.

وشدد الجانبان على ضرورة الانتقال التدريجي من التدخلات الإنسانية إلى مشاريع تنموية مستدامة، مع استمرار دعم الفئات الأكثر احتياجاً، والتركيز على القطاعات الحيوية كالكهرباء والبنية التحتية والتعليم، بما يضمن تحقيق أثر طويل الأمد على الاقتصاد والمجتمع.


مخاوف يمنية بعد انخراط الحوثيين في الحرب دعماً لإيران

دخان يتصاعد في صنعاء عقب ضربات أميركية سابقة (رويترز)
دخان يتصاعد في صنعاء عقب ضربات أميركية سابقة (رويترز)
TT

مخاوف يمنية بعد انخراط الحوثيين في الحرب دعماً لإيران

دخان يتصاعد في صنعاء عقب ضربات أميركية سابقة (رويترز)
دخان يتصاعد في صنعاء عقب ضربات أميركية سابقة (رويترز)

مع إعلان الجماعة الحوثية انخراطها في الحرب دفاعاً عن النظام الإيراني، دخلت العاصمة اليمنية المختطفة صنعاء ومدن أخرى خاضعة لسيطرتها مرحلة جديدة من التوتر والقلق، انعكست مباشرةً على الحياة اليومية لملايين السكان، الذين يواجهون اليوم سيناريوهات مفتوحة على احتمالات أمنية واقتصادية معقدة.

ففي صنعاء، تتجلَّى ملامح القلق في تفاصيل الحياة اليومية. الشوارع أقل ازدحاماً في ساعات النهار، وحركة الأسواق تشهد تراجعاً ملحوظاً، فيما يفضِّل كثير من السكان البقاء قرب منازلهم.

وبالرغم من غياب أي موجة نزوح واسعة حتى الآن في صنعاء، فإنَّ شهادات محلية تشير إلى تحركات فردية لعائلات بدأت بمغادرة أحياء ومناطق قريبة من مواقع حساسة. في المقابل، يلجأ كثيرون إلى ما يمكن وصفه بـ«الاستعداد الصامت» يتضمن تخزين بعض الغذاء وتوفير كميات إضافية من المياه، وتجهيز خطط بديلة في حال تدهور من الأوضاع.

مسلحون حوثيون خلال حشد في صنعاء دعا إليه زعيمهم (أ.ف.ب)

ويخشى السكان في صنعاء من أن يؤدي انضمام الحوثيين للدفاع عن إيران إلى مزيد من المعاناة، خصوصاً وأن الملايين من اليمنيين يعيشون منذ سنوات ظروفاً متدهورة جرَّاء الانقلاب والحرب واستمرار سياسات الفساد والنهب والتجويع الحوثية.

وأبدى سكان العاصمة المختطفة رفضهم لهذه التحركات التي قد تستدعي، بحسبهم، ضربات عسكرية جديدة تطال ما تبقى من البُنى الحيوية دون اكتراث للمعاناة.

توقع ردود انتقامية

ويُحذِّر مراقبون من أن انخراط الحوثيين في الحرب قد يضع صنعاء وبقية مدن سيطرتهم ضمن بنك أهداف مُحتمل لقوى مثل الولايات المتحدة أو إسرائيل، خاصة إذا استمرت وتيرة ارتباط عمليات الجماعة بتطورات ميدانية في الصراع الإقليمي.

ويقول مراد، وهو مواطن يعيش في شمال صنعاء لـ«الشرق الأوسط»: «نحن لا نعرف حجم ما سيحدث، لكننا متأكدون أن الأمور لن تبقى كما هي. كل الاحتمالات واردة».

ويضيف: «إن القلق لا يرتبط حالياً بالخوف من ردة فعل أمريكية - إسرائيلية انتقامية ومُحتملة، بل أيضاً بانعدام وضوح المستقبل، في ظل تصاعد الخطاب العسكري للجماعة باستمرار شن مزيد من الهجمات باتجاه إسرائيل، وصولاً إلى معاودة استهداف السفن التجارية في البحر الأحمر وباب المندب».

الحوثيون رفعوا صوراً لخامنئي في شوارع صنعاء (إ.ب.أ)

أما أم محمد، وهي ربه منزل تقطن حي قريب من موقع عسكري غرب صنعاء، فتقول: «فكرت مع عائلتي بترك منزلنا بعد دخول الحوثيين في الحرب، لكن إلى أين نذهب؟ الإيجارات مرتفعة، والوضع صعب. وإن بقينا فالخوف لن يُفارقنا، خصوصاً على الأطفال».

وتشير إلى أن أطفالها أصبحوا أكثر توتراً، خصوصاً مع تداول أخبار التصعيد الحوثي عبر الهواتف ووسائل التواصل.

ولا تقتصر هذه الحالة على صنعاء، بل تمتد إلى مدن عدة خاضعة تحت سيطرة الحوثيين، حيث يُبدي كثير من السكان مخاوف مُشابهة، وإن كانت أقل حدة.

تصعيد تدريجي

ويرى محللون أن المرحلة المقبلة قد تشهد نمطاً من «التصعيد التدريجي»، الذي يسمح للجماعة بالمشاركة دون الانجرار إلى مواجهة شاملة، غير أن هذا التوازن يبقى، حسبهم، هشاً وقابلاً للانهيار.

وبحسب هذه التقديرات فإنَّ الحوثيين وضعوا أنفسهم جرَّاء هذا التحرك أمام معادلة صعبة، حيث أنهم يسعون لتعزيز موقعهم ضمن محور تقوده إيران، لكنهم يدركون في الوقت نفسه أن التصعيد المفرط قد يستجلب ردوداً عسكرية قاسية.

حفرة أحدثها سقوط صاروخ حوثي استهدف إسرائيل (أرشيفية - أ.ف.ب)

ويشير ناشطون يمنيون إلى أن المخاوف الحالية لا تقتصر على الجانب العسكري، مؤكدين أن سكان صنعاء وبقية المدن لا يخافون فقط من الضربات، بل أيضاً من أي إجَّراءات داخلية قد تشمل الاعتقالات أو التضييق، بتهم التخابر مع من تصفهم الجماعة بـ«الأعداء».

ويتخوف المراقبون من أنه في حال استمرار انخراط الحوثيين في الحرب بوتيرة عالية، قد تتجه الأوضاع في اليمن نحو مرحلة أكثر تعقيداً، فالخوف يتصاعد، والضغوط المعيشية والاقتصادية تتزايد، والسيناريوهات تبقى مفتوحة على احتمالات متعددة.

وكانت الجماعة الحوثية أعلنت، السبت، إطلاق دفعتين من الصواريخ باتجاه إسرائيل، في إطار ما تسميه نصرة إيران، بينما أعلنت الأخيرة اعتراض صاروخين أطلقا من اليمن، دون التسبب في أية أضرار.


هل يؤدي انخراط الحوثيين إقليمياً إلى تحرير ميناء الحديدة؟

عناصر حوثية ترفع العلم الإيراني في صنعاء (إ.ب.أ)
عناصر حوثية ترفع العلم الإيراني في صنعاء (إ.ب.أ)
TT

هل يؤدي انخراط الحوثيين إقليمياً إلى تحرير ميناء الحديدة؟

عناصر حوثية ترفع العلم الإيراني في صنعاء (إ.ب.أ)
عناصر حوثية ترفع العلم الإيراني في صنعاء (إ.ب.أ)

مع انقضاء الشهر الأول للحرب بين إيران من جهة، والولايات المتحدة وإسرائيل من جهة أخرى، دخلت جماعة الحوثي على خط المواجهة، بإعلان تدخلها العسكري دعماً لطهران، عبر إطلاق رشقات صاروخية باتجاه إسرائيل.

عناصر حوثية ترفع العلم الإيراني في صنعاء (إ.ب.أ)

هذا التدخل الذي لم يكن مفاجئاً في سياق ارتباط الجماعة بـ«الحرس الثوري» الإيراني، يفتح الباب أمام تحولات ميدانية وسياسية عميقة داخل اليمن؛ إذ يرى محللون أنه قد يسرِّع إعادة تشكيل خريطة المواجهة، ويدفع نحو استئناف عمليات عسكرية محتملة لتحرير محافظة وميناء الحديدة على ساحل البحر الأحمر، وربما أبعد من ذلك.

ويأتي ذلك بالتزامن مع قرار الأمم المتحدة إنهاء مهمة بعثتها لدعم اتفاق الحديدة (أونمها) بنهاية مارس (آذار) الجاري، ما يعزز التقديرات بعودة جبهة الساحل الغربي إلى مربع الصراع المسلح، في ظل تصاعد التوترات الإقليمية وتراجع مسارات التهدئة.

وتتصاعد المخاوف الإقليمية والدولية من احتمال إقدام جماعة الحوثي على إغلاق مضيق باب المندب، في خطوة قد تأتي امتداداً لتحركات طهران في مضيق هرمز، بما يعكس اتساع نطاق الضغط على الممرات البحرية الحيوية.

يقول عدنان الجبرني، المتخصص في الشؤون العسكرية، إن «مغادرة البعثة الأممية بالتزامن مع دخول الحوثيين في حرب جديدة لصالح إيران، وما قد يترتب على هذا الانخراط من تداعيات على مستقبل اليمن والمنطقة، يجعل جميع الاحتمالات مفتوحة».

ويضيف في حديثه لـ«الشرق الأوسط» أن «انخراط الحوثيين يؤكد أن محركات الجماعة وأولوياتها مرتبطة بشكل أساسي بإيران ومحورها، وهو ما يشكل تحدياً خطيراً لليمنيين ومصالحهم ومستقبلهم، وكذلك للمنطقة عموماً، رغم حرص الجماعة على توظيف خطاب إسرائيل والقضية الفلسطينية».

انخراط الحوثيين في الحرب الإقليمية قد يؤدي لعملية محتملة لتحرير محافظة وميناء الحديدة (وكالات)

وحسب الجبرني، فإن «الحوثيين وصلوا داخلياً إلى حالة من الانسداد والانكشاف؛ حيث بلغ السخط الشعبي ضدهم وعزلتهم المجتمعية مستويات غير مسبوقة»، مضيفاً أن «ذلك يدفعهم نحو مزيد من الانخراط في معارك خارجية، وهو ما قد يرتد بتكلفة عالية على الجماعة ومستقبلها».

من جهتها، لم تستبعد المهمة الأوروبية (أسبيدس) استهداف الحوثيين السفن في البحر الأحمر وخليج عدن، داعية السفن العابرة في هذه المنطقة إلى توخي الحذر.

في المقابل، يرى مروان نعمان، الباحث في مركز واشنطن للدراسات اليمنية لدى الأمم المتحدة، أن «الأوان قد حان لتحرير مدينة الحديدة من الميليشيات الحوثية»، مشيراً إلى أن «قرار نقل السلطة في عام 2022، الذي تم بموجبه تشكيل مجلس القيادة الرئاسي، أكد أن حل الأزمة في اليمن سيكون سلماً أو حرباً».

ولفت نعمان -في تعليق لـ«الشرق الأوسط»- إلى أن «الرئيس رشاد العليمي دعا مؤخراً إلى تشكيل تحالف دولي لمواجهة التهديدات الحوثية في البحر الأحمر»، مضيفاً أن «التطورات الجديدة في المنطقة تجعل من تحرير مدينة الحديدة أمراً لازماً».

وأكد أن «انخراط الجماعة، بتوجيه من (الحرس الثوري) الإيراني، في خدمة أجندة إيران التوسعية الهادفة إلى زعزعة الاستقرار في المنطقة، يدق المسمار الأخير في نعشها».

الجماعة الحوثية تعيش أسوأ حالاتها حسب محللين (إ.ب.أ)

من جانبه، يتفق الكاتب السياسي اليمني همدان العليي على أن «انتهاء اتفاق استوكهولم، ومغادرة البعثة الأممية، يمثلان فرصة حقيقية لليمنيين والإقليم والمجتمع الدولي، لاستعادة مؤسسات الدولة في الحديدة، وصولاً إلى صنعاء».

ويرى العليي أن «أي عملية لتحرير الحديدة ومينائها ستسهم في حماية الممرات البحرية في باب المندب من الهجمات الحوثية، التي يُتوقع أن تتصاعد خلال الفترة المقبلة»، مضيفاً: «يبدو أننا أمام مواجهة جديدة (...) وأي خرق جديد من الحوثيين يعني الدخول في مرحلة مختلفة قد تقود إلى تحرير هذه المنطقة الجغرافية المهمة».

بدوره، يؤكد المحلل السياسي اليمني عبد الله إسماعيل، أن «هناك كثيراً من المؤشرات التي تدل على أن معركة تحرير الحديدة واليمن قادمة»، ولكنه يرى أن الإشكالية تكمن في التوقيت. وقال: «في تقديري، فإن معركة تحرير الحديدة والمناطق الأخرى قادمة، ولكن تحديد موعدها يخضع لجملة من المعايير والترتيبات التي تحول دون استفادة الحوثيين من عمليات التحشيد أو استغلالها في تغرير اليمنيين».

وأضاف: «نحن أمام متغيرات واضحة، وربما تكون الانتفاضة من الداخل اليمني هي الحاسمة، بينما يرى كثيرون أن الجماعة تحفر قبرها بيدها».

من الناحية العسكرية، يرى العقيد محمد جابر، مستشار قائد العمليات اليمنية المشتركة، أن «المعطيات المحلية والإقليمية الحالية تشير إلى أننا مقبلون على معركة (كسر عظم) مع مشروع نظام الملالي».

وأشار -في تصريح لـ«الشرق الأوسط»- إلى أنه «بعد سقوط اتفاق استوكهولم سياسياً وعسكرياً، تبرز مؤشرات واضحة على فتح جبهة الحديدة والساحل الغربي، وتحولها إلى ساحة مواجهة مفتوحة خلال الأيام المقبلة».

قوات تابعة للمقاومة الوطنية في الساحل الغربي (الجيش اليمني)

وحذَّر جابر من أن «الحوثيين استبقوا هذا التحول بتحشيد عسكري غير مسبوق منذ بداية عام 2026، بهدف تحويل الساحل إلى قاعدة صاروخية تخدم النظام الإيراني في صراعه الإقليمي، واستخدام باب المندب كورقة للمقايضة السياسية».

ووفقاً لوزير الإعلام اليمني معمر الإرياني، فقد وصلت قيادات وخبراء إضافيون من «الحرس الثوري» إلى صنعاء خلال الأسبوع الماضي، بالتزامن مع التصعيد الأخير.

وأوضح جابر أن «التحركات الأخيرة للحكومة الشرعية واللجنة العسكرية، بإشراف المملكة العربية السعودية، تعكس وجود ترتيبات جادة لتوحيد الجبهات تحت قيادة مشتركة، والاستعداد لسيناريو ردع جماعة الحوثي واستعادة المواني».

وأضاف: «اختار الحوثيون الانخراط في المعركة الإقليمية بإرادتهم، وقدَّموا أنفسهم كأداة تنفيذية ضمن غرفة عمليات مرتبطة بـ«الحرس الثوري» الإيراني، مقدِّمين أولويات الصراع الإقليمي على حساب مصلحة اليمن واليمنيين، هذا القرار سيضعهم أمام مواجهة داخلية مع اليمنيين، ومواجهة مباشرة مع البيئة الإقليمية والدولية، بما قد يعجِّل بنهايتهم».