90 كفافيس... شاعر الفضاء الشرقي من الحضارة اليونانية

90 عاماً على رحيل صاحب «في انتظار البرابرة»

كفافيس
كفافيس
TT

90 كفافيس... شاعر الفضاء الشرقي من الحضارة اليونانية

كفافيس
كفافيس

عن قسطنطين كفافيس (1863 - 1933)، كتبت مارغريت يورسنار تقول: «كفافيس هو الشاعر الأكثر شهرة في اليونان المعاصرة، وهو أيضاً الأكبر والأمهر على أية حال، وربما الأكثر ابتكاراً وحداثة. مع ذلك هو أكثر من تغذّى من زبدة الماضي التي لا تنضب أبداً». ويشاركها الرأي نفسه الفرنسي الآخر جورج كاتوي الذي كتب يقول: «التاريخ بالنسبة لكفافيس هو ذلك التفاعل بين الماضي والحاضر، والذي هو نفسه يعمل من أجل المستقبل (...) وهو يعيش التاريخ كما لو أنه امتداده الشخصي ضمن زمن أكثر اتساعاً. وهذا الماضي (الحي) هو أيضاً مُؤسس على دوام به يمكن أن يتواصل بطريقة قابلة للانعكاس مع الماضي والمستقبل». هاتان الفقرتان البليغتان تعكسان عالم كفافيس الذي اختار في فترة شبابه السفر إلى القسطنطينية، وإلى الكثير من المدن الشرقية والمتوسطية قبل أن يستقر في الإسكندرية التي فيها ولد، وسوف تكون هذه المدن حاضرة بقوة في مجمل أشعاره.

لم يهتم كفافيس كثيراً بأثينا قلب الحضارة اليونانية، ولا بفلاسفتها ولا بشعرائها بمن في ذلك هوميروس، بل اهتم بالفضاء الشرقي لتلك الحضارة والذي يمتدّ إلى البحر الأسود، وإلى آسيا الصغرى، وإلى الضفاف الجنوبية الشرقية للبحر الأبيض المتوسط.

في هذا الفضاء الشرقي، وتحديداً في الإسكندرية وأنطاكية نشأت حضارة أخرى خارج أسوار أثينا خلال القرون الثلاثة التي أعقبت موت الإسكندر المقدوني. ولم تكن تلك الحضارة ناتجة عن غزوات وعن حروب، بل عن اختلاط الثقافات والأجناس ليكون أولئك البعيدون يونانيين أيضاً. وهذا ما يؤكده رجل السياسة الأثيني إيسوكراتوس الذي قال: «اليونانيون بالنسبة لنا ليسوا فقط أولئك الذين من جنسنا بالسلالة، بل أيضاً أولئك الذين يتوافقون مع أعرافنا ومع عاداتنا». لهذا السبب كان كفافيس يرفض النظر إلى بيزنطة من زاوية واحدة، زاوية انهيار الإمبراطورية الرومانية الشرقية، ممجداً الدور الحضاري للقسطنطينية، ومستحضراً من لمعوا في تاريخها سواء كانوا من النخبة العالمة والمثقفة، أم من الشخصيات السياسية. وفي قصيدة له، يفتخر أهالي الإسكندرية وأنطاكية ومصر وسوريا بانتسابهم للفضاء الهيلليني الذي اتسع شرقاً ليصل إلى بلاد فارس.

وخلال مسيرته الشعرية، لم يهتمّ كفافيس بالأحداث العالمية الكبيرة. ونحن لا نجد في أشعاره أية إشارة إلى حروب البلقان التي اندلعت سنة 1912، ولا الحرب الكونية الأولى، ولا إلى الفواجع التي عرفتها آسيا الصغرى والتي دفعت أعداداً كبيرة من اليونانيين إلى مغادرة تركيا بعد انهيار الإمبراطورية العثمانية، وقيام الجمهورية التركية. لكأنه عاش كل تلك الأحداث وهو خارج الفضاء والزمن معاً؛ إذ إن ما كان يشغله حقاً هو العالم الهيلليني، والبيزنطي القديم. أما الحاضر فلا ينظر إليه إلاّ من خلال أحاسيسه ورغباته وأحلامه ومشاغله اليومية، أو من خلال ما يلتقطه من تلك المشاهد الصغيرة التي لا يعبأ الناس بها. وهذا ما تعكسه قصيدته «رجل عجوز» التي فيها يقول: «رجل عجوز يجلس في القاعة الخلفية للمقهى الصاخب مُنْحنياً على الطاولة وأمامه جريدة، رفيقته الوحيدة/ من أعماق شيخوخته الحزينة، والمنفّرة يفكر أنه تمتع قليلاً بالسنوات التي كان فيها شاباً قويّاً/ وكان جميلاً وبليغاً في الكلام/ وهو يعلمُ أنه شاخ كثيراً/ وهو يُحسّ بذلك ويراه، إلاّ أنه يتوهم أنه لا يزال مثلما كان بالأمس شاباً قوياً/ لكم هو قصير ذلك الفاصل الزمني/ وهو يقول إنه كان ساذجاً للغاية (يا له من جنون)/ وهو استمع أكثر مما ينبغي إلى الحكمة الكاذبة التي كانت تهمس له (غداً سيكون عندك ما يكفي من الوقت)/ وهو يتذكر اندفاعات مكبوحة ومباهج كثيرة ضحّى بها/ والآن كل فرصة ضائعة تزدري بحذره الأحمق/ غير أن أفكاراً وذكريات كثيرة تُدوّخُ الرجل العجوز/ عندئذ ينام مُسْنداً رأسه إلى طاولة المقهى».

ويحضر الفضاء الشرقي للحضارة اليونانية في الكثير من القصائد. وقصيدة «ملوك إسكندرانيون» واحدة من هذه القصائد: «تجمّع أهالي الإسكندرية لكي يشهدوا أبناء كليوباترا/ سيسيريون وأخويه الصغيرين ألكسندر وبطليموس الذين أوتي بهم للمرة الأولى إلى المعهد الرياضي لتتويجهم ملوكاً بحضور صفّ رائع من الجنود/ تُوّجَ ألكسندر ملكاً على أرمينيا، وعلى ميديا وبارثيا/ وبطليموس ملكاً على كيليكيا، وعلى سوريا وفينيقيا/ سيسيريون يقف مُتقدماً قليلاً إلى الأمام، مُرتدياً حريراً وردياً/ على صدره باقة من أزهار الياقوتية/ حزامه صفّ مُزدوج من الياقوت والجمشت/ حذاؤه مُزيّن بشرائط بيضاء مُطرزة باللآلئ الوردية/ وكان لباسه أكثر أبّهة وشرفاً من لباس أخويه الصغيرين لأنه تُوّج ملك الملوك/ ومن المؤكد أن أهالي الإسكندرية كانوا يشعرون بأن كلّ هذا ليس سوى كلمات، وأشياء صالحة لديكور مسرحي/ إلاّ أن اليوم كان حارّاً وجميلاً. والسماء بزرقة صافية/ والمعهد الرياضي بالإسكندرية يجسّدُ انتصاراً هائلاً للفن/ ومُبالغاً فيه كان بَذخ المُجاملين والمُداهنين، وسيسيريون كلّه أناقة وجمال. (ابن كليوباترا، من سُلالة الفراعنة)/ وإذن كان أهالي الإسكندرية يهرعون إلى الحفل مُتحمّسين/ مُطلقين هتافات باليونانية، وباللغة المصرية، وأحياناً بالعبرية/ مُبتهجين بهذا المشهد البديع رغم أنهم يعلمون جيداً قيمته الحقيقية/ ويعلمون أيضاً الألقاب الجوفاء لتلك الملكيّات».

ويأخذنا كفافيس إلى قبر النحوي الشهير ليسياس في بيروت، ويكتب: «قريباً من هنا، على يمين المدخل، في مكتبة بيروت، دفنّا العالم النحوي ليسياس. المكان مُختار جيّداً: وضعناه بالقرب من حواشيه وتعليقاته ونصوصه ودفاتره المليئة بالتفاسير وبالأشكال اللغوية العامية التي قد لا يزال يتذكرها حيث هو. وهكذا سَيُنظر إلى قبره ويُكرّمُ عند المرور إلى رفوف الكتب».

وكانت والدة قسطنطين كفافيس من أصول بيزنطية. وبما أن والده توفي وهو صغير، فإن حضور هذه الأم الأرملة سيكون طاغياً؛ فهي تيثيس التي ترى ابنها أخيل يذبح وهو في زهرة الشباب، وهي ألكسندرا الملتاعة والمفجوعة بعد أن قتل ابنها أريستوبولوس غدراً. وهي تلك الأم الحزينة التي فقدت ابنها البحار في عاصفة هوجاء: «الأمواجُ أغرقت بحّاراً في الأعماق، والأم التي تحلمُ بذلك تُشعلُ شمعة أمام صورة مريم العذراء، مُبْتَهلة لله أن يعود ابنها سالماً، وأن يكون الطقس جميلاً. مُتَوَجّسَة تمدّ سمعها للريح، إلاّ أن الأيقونة الحزينة الوقورة تنصتُ إلى صلاتها عالمة أن الابنَ الذي تنتظره لن يعود». وقد تكون الأم أيضاً حاضرة في تلك القصيدة التي يتحدث فيها كفافيس عن كراتيسيليا والدة كليمونيس ملك سبارتا التي قبلت تسليم نفسها بوصفها رهينة إلى بطليموس قائلة لابنها وهي تشهق بدموعها: «اذهبْ يا ملك لاسيديمونيا ... حين تخرج من هنا لن يرانا أحد نبكي، ولا أن تسلك سلوكاً لا يُشرف سبارتا»...

ويتجلى حضور بيزنطة في قصيدة «إيثاكا»: «تمنّ أن تكون الطريق طويلة/ وأن تكون الصباحات الصيفية كثيرة (كم سيكون مُبهجاً ذلك)/ ستدخل موانئ لم تكن قد رأيتها من قبل/ توقفْ عند مراكز التجارة الفينيقية، واقتن سلعة جيدة، أصدافاً ومَرْجاناً وعنبراً وأبنوساً وعطوراً شذيّة شتّى قدْرَ ما تستطيع/ زُرِ العديد من المدن المصرية، وتعلّم بشغف من حكمائها». وقد يكون البرابرة في قصيدة «في انتظار البرابرة» هم أولئك الأقوام الهمجيين الذين كانوا يغزون القسطنطينية بين وقت وآخر، أو أي مدينة متحضرة أخرى، لكي يعيثوا فيها قتلاً وتخريباً؛ لذا كان الجميع يخشونهم بمن في ذلك الإمبراطور وحاشيته ووزراؤه وأعضاء مجلس الشيوخ. وغالباً ما يكون قدوم أولئك البرابرة مفاجئاً وغير متوقّع. وفي ذلك اليوم الرهيب، خيّم على المدينة الخوف والوحشة، وأضحت وجوه الناس حزينة، وبسرعة أقفرت الشوارع والساحات، وعجّل الناس بالعودة إلى منازلهم؛ لأن الأخبار أكدت لهم أن البرابرة قادمون... ثم يهبط الليل لكن البرابرة لا يأتون...

توفر العودة إلى التاريخ بالنسبة لكفافيس متعة فضح أكاذيب التاريخ، ورسم صورة دقيقة ومُكثفة لانهيار الإمبراطوريات، وتسرّب العفن والفساد والشيخوخة إلى الشعوب والمجتمعات في مرحلة ما

وتوفر العودة إلى التاريخ بالنسبة لكفافيس متعة فضح أكاذيب التاريخ، ورسم صورة دقيقة ومُكثفة لانهيار الإمبراطوريات، وتسرّب العفن والفساد والشيخوخة إلى الشعوب والمجتمعات في مرحلة ما من تاريخها، خصوصاً حين تقترب من الذوبان والفناء فاقدة تحضّرها وترفها وأخلاقها الرفيعة لتغرق في الهمجية والفوضى. ومن كل هذا ابتكر كفافيس أساليب جمالية فريدة من نوعها، حيث لا نكاد نعثر على ما يمكن أن يُماثلها لدى شعراء عصره. وكان الفن بالنسبة له «نظاماً ثقافياً وأخلاقياً، وسعياً لا ينقطع بهدف النفاذ إلى خفايا الذاكرة الفردية والجماعية سواء عبر المشاعر والأحاسيس، أو عبر الأخلاق، أو عبر الدين، أو عبر الفلسفة». وفي النهاية، يصبح كفافيس «الساحر الذي يستعيد من الموتى أفعالهم وتضحياتهم ليمنحهم مكاناً في الذاكرة الكونية للتاريخ». وربما يكون قد عبّر عن ذلك في قصيدة «أصوات» التي فيها يقول: «أصوات خيالية/ أصوات حبيبة لأولئك الذين رحلوا عن الدنيا /أو لأولئك الذين ضاعوا فأضحوا كالأموات بالنسبة لي/ أحياناً تتحدث إلينا تلك الأصوات في أحلامنا/ أحياناً أخرى تفعل ذلك من أعماق قلوبنا، فيسمعها فكرنا/ وفي لحظة ما تأتي إلينا بصدى الشعر وتتلاشى مثل موسيقى بعيدة».

* كاتب تونسي


مقالات ذات صلة

منيرة العيدان: الهجرات شكلت نظرة الخليجيين للحياة

ثقافة وفنون  منيرة العيدان

منيرة العيدان: الهجرات شكلت نظرة الخليجيين للحياة

في الطريق الصحراوي الذي يربط نجد في وسط الجزيرة العربية بالكويت في خاصرة الخليج، تستعيد الروائية الكويتية منيرة العيدان ذاكرة الرمل، ومعاناة الرحيل...

ميرزا الخويلدي (الكويت)
ثقافة وفنون يوميات مخرج صربي في مصر

يوميات مخرج صربي في مصر

اختار المخرج والسيناريست الصربي البارز بوريس ميليكوفيتش عنواناً لافتاً ليومياته في مصر، تحديداً حي الزمالك بالقاهرة، وهو «شاي في الزمالك»

«الشرق الأوسط» (القاهرة)
ثقافة وفنون «زمن حمودة الأخير»... الإنسان والتيه

«زمن حمودة الأخير»... الإنسان والتيه

تعد الرواية التونسية من أبرز التجارب السردية العربية التي انشغلت بتصوير الواقع الإنساني، والاجتماعي، إذ استطاع الروائي التونسي أن يجعل من الإنسان محوراً أساسياً

إلهام بلحاج
كتب «البرنسيسة والأفندي»... دراما الحب والرصاص

«البرنسيسة والأفندي»... دراما الحب والرصاص

في مايو (أيار) من عام 1950، وفي مدينة سان فرانسيسكو، كبرى مدن الغرب الأميركي، أعلنت الأميرة أو «البرنسيسة» فتحية ابنة الملك فؤاد وصغرى شقيقات الملك فاروق

رشا أحمد ( القاهرة)
كتب «فلسفتي» لخالد الغنامي

«فلسفتي» لخالد الغنامي

صدر عن «مؤسسة الانتشار العربي» كتابُ «فلسفتي» للكاتب السعودي الزميل خالد الغنامي. جاء الكتاب في 360 صفحة، وهو عبارة عن مقالات كثيرة متوسطة الحجم،

«الشرق الأوسط» (الرياض)

مهرجان «كان» يعلن جوائزه في ليلة ختام الدورة 79

كرستيان مونجيو (إ.ب.أ)
كرستيان مونجيو (إ.ب.أ)
TT

مهرجان «كان» يعلن جوائزه في ليلة ختام الدورة 79

كرستيان مونجيو (إ.ب.أ)
كرستيان مونجيو (إ.ب.أ)

في حفلة عامرة بالنجوم والوفود وصانعي السينما من كل حقل وميدان، أنهى مهرجان «كان» السينمائي دورته التاسعة والسبعين، موزّعاً جوائزه على نحو فاجأ معظم المتابعين.

وفاز بـ«السعفة الذهبية»، التي هي أعلى جائزة يمنحها المهرجان الفرنسي، فيلم «Fjord» للمخرج الروماني كرستيان مونجيو، وبذلك يدخل المخرج قائمة المخرجين الذين أُتيح لهم الفوز بـ«السعفة» أكثر من مرّة.

وتم منح «الجائزة الكبرى» لفيلم «مينوتور» للروسي أندري زفياغنتسف، وهو الفيلم الأول له منذ ثماني سنوات، وتم إنتاجه خارج روسيا.

جائزة أفضل مخرج تم منحها لمخرجين هما بافل بالفليكوفسكي عن «وطن»، وجايفييه كالفو عن «لا بولا نيغرا». كذلك خرجت الممثلة الفرنسية فرجيني إلفيرا بجائزة أفضل ممثلة عن «على حين غرّة» (All of a Sudden)، وتقاسمتها مع زميلتها في البطولة اليابانية تاو أوكاموتو.

كذلك، وعلى نحو مشابه، توزّعت جائزة أفضل ممثل على اثنين قادا بطولة فيلم واحد هما إيمانويل ماكيا وفلانتين كامبيون عن فيلم «زحام».


منيرة العيدان: الهجرات شكلت نظرة الخليجيين للحياة

 منيرة العيدان
منيرة العيدان
TT

منيرة العيدان: الهجرات شكلت نظرة الخليجيين للحياة

 منيرة العيدان
منيرة العيدان

في الطريق الصحراوي الذي يربط نجد في وسط الجزيرة العربية بالكويت في خاصرة الخليج، تستعيد الروائية الكويتية منيرة العيدان ذاكرة الرمل، ومعاناة الرحيل، كما توثق الهجرات من نجد إلى الكويت خصوصاً، في روايتها الجديدة «جلوات سدير»، التي صدرت أخيراً عن «الفكر العربي للنشر والتوزيع»، بغلاف لافت بريشة الفنان البحريني حسن سالم، يعكس سينوغرافيا بصرية لشبان يعتلون الإبل بالزي التراثي عابرين متاهات القفار.

ومنيرة عبد الرحمن العيدان؛ كاتبة وروائية كويتية من مواليد عام 1982، وخريجة الجامعة الأميركية في الكويت (تخصص آداب اللغة الإنجليزية).

بدأت مسيرتها الأدبية بالاهتمام بالتراث الكويتي وأدب الطفل، وصدر لها في هذا الحقل عدة مؤلفات بارزة، منها: «نورة وأحذيتها السحرية» (2014)، «سلمت للمجد» (2015)، «قطار الأحلام» (2016)، «أرض الذهب» (2018).

وفي حقل الرواية: «بين المجمعة والمرقاب» (2017)، «لعوب شرق» (2021)، «درب الفنطاس» (2025)، لتتوج هذا العطاء الممتد بروايتها الأخيرة «جلوات سدير» (2026).

هنا حوار معها عن روايتها الجديد، ومجمل أعمالها...

> كيف عالجت أعمالك تأثير التاريخ والحكاية الشعبية والتراث المحلي في صياغة الهوية المشتركة في الخليج...؟

- ما يجمع هذه الأعمال هو اهتمامي بالإنسان الخليجي وسط التحولات الكبيرة التي مرت بها المنطقة، أكثر من اهتمامي بالتاريخ كتوثيق مباشر. الهجرات القديمة، والتنقل بين نجد والكويت، والحكايات الشعبية، وشكل البيوت، والعلاقات العائلية، حتى طريقة الكلام... كلها بالنسبة لي ليست مجرد تراث، بل أشياء صنعت الناس أنفسهم، وصنعت نظرتهم للحياة والخوف والانتماء. وفي جانب آخر، أنا مهتمة أيضاً بسيكولوجية المرأة داخل هذه التحولات، وكيف انعكست التغيرات الاجتماعية عليها وعلى علاقتها بالمكان والعائلة والذاكرة. لكن في الحقيقة، متى ما وجدت قصة أشعر أنها تستحق التوثيق، أسبق نفسي إلى كتابتها. وكل هذه الموضوعات، الهجرة، الذاكرة، المرأة، التحولات الاجتماعية، تطرق باب اهتمامي في النهاية.

> كيف تبلورت فكرة لرواية «جلوات سدير»؟

- جاءت هذه الرواية بعد حديث مطول لوالدي عن طفولته بأدق التفاصيل، وهجرة أهله من نجد إلى الكويت، وفقدانه لوالدته في طفولته. كما شرح لي كثيراً من الأمور العائلية الخاصة، التي بيّنت لي أبعاد وسيكولوجية صبيٍّ في سن أبطال الرواية. حتى وأنا أكتب الرواية، كنت أرى وجه أبي في أرواح الأبطال. ثم بدأ اهتمامي بالهجرات، ما دفع كثيراً من المهتمين للتواصل معي ومشاركة قصص أهلهم بكرم بالغ، ورأيت في تلك القصص ثروة تستحق أن تُوثَّق.

> ما أثر «الجلوة» تحديداً؟ هل هي تحمل دلالة «الارتحال» وترك الديار طلباً للرزق؟

- هي مشتقة من الجلاء، أي ترك البلاد قسراً أو الارتحال عنها، وكانت تُسمى قديماً «الجلوات»، أي الرحلات التي يترك فيها الناس ديارهم طلباً للرزق أو النجاة. كما وردت الكلمة في بعض القصائد والأشعار القديمة، فيُقال: «جلا فلان»، أي غادر البلاد وارتحل عنها. وقد وددت إحياء هذه الكلمة القديمة جداً، لما تحمله من انعكاسات قريبة من أحلام أبطال الرواية ورحلتهم النفسية والجغرافية.

> الرواية استندت إلى رواة شفهيين ومؤرخين من السعودية والكويت. كيف استطعتِ «فك» التناقضات بين الروايات الشفهية والمدونات التاريخية الرسمية؟

- العمل على ربط ذلك كان ممتعاً للغاية، خصوصاً مع وجود مصادر عديدة ومختلفة هذه المرة عمّا كتبته سابقاً، بسبب تواصلي مع مؤرخين من المملكة العربية السعودية ورواة شفهيين من السعودية والكويت. في بعض الأحيان، كنت أواجه عائقاً اجتماعياً أو طقساً معيناً لا أجد له مستنداً واضحاً في المراجع التاريخية، فأبحث عنه لدى الرواة الشفهيين، أو أعيد صياغة الحدث بما يتوافق مع ما هو موثق وثابت تاريخياً.

> ذكرت في «التمهيد» أن الأحداث صيغت تخيلياً لخدمة البناء الروائي رغم السياق التاريخي الحقيقي. أين تنتهي الحقيقة التاريخية في «جلوات سدير»؟ وأين يبدأ الخيال الروائي لمنيرة العيدان؟

- هي مبنية في أغلبها على قصص حقيقية، ولكني غيّرت الظروف والأحوال كي لا آخذ أو أحرّف أو أزلّ في نقل حياة أحد. وكما ذكرت، فأنا أستمع من الرواة للقصص بشغف، وتأتي بعض القصص تباعاً للأحداث، حتى تصبح النتيجة أحياناً متوقعة من كثرة تشابه التجارب الإنسانية في تلك المرحلة. الجميل أن العديد من القرّاء، خاصة في الرياض، ربطوا القصة بقصص أهلهم، بل إن بعضهم جزم بأنها القصة نفسها بحذافيرها. وفي الرواية مثل نجدي قديم أخذته من أحد الرواة الشفهيين، وهو مثل يُقال للأطفال، وقد اتصل بي أحد الأشخاص فرحاً قائلاً: «لقد ذكّرتِني بهذا المثل الذي كانت تردده والدتي المتوفاة، وقد ظللت أبحث عنه أو عن مصدره لسنوات، ووجدته الآن!».

> تمثل «الروضة» في الرواية فضاءً طارداً ومأزوماً طبقياً واجتماعياً للأبطال، بينما تلوح «الكويت» كأرض الخلاص. كيف وظفتِ ثنائية «الضيق/ الاتساع» و«السجن/ الحرية» جغرافياً ونفسياً؟

- لم تكن الروضة مكاناً سيئاً بقدر ما كانت مكاناً ضيقاً على أحلام بعض الأبطال، خصوصاً مع الفقر والطبقية وقسوة الظروف الاجتماعية آنذاك. لذلك بدت لهم الكويت، رغم مشقتها، كنافذة أوسع للحياة والرزق وتغيير المصير. كنت مهتمة بأن يكون الانتقال جغرافياً ونفسياً في الوقت ذاته؛ فكلما اتسعت الطرق أمامهم، اتسعت معها أحلامهم، وكلما ضاقت البيئات والعلاقات من حولهم، شعروا بالاختناق أو العجز. لكنني أيضاً لم أرد للكويت أن تبدو كمدينة مثالية أو جنة كاملة، بل مكاناً يحمل الأمل والخوف معاً، لأن الرحلة نفسها كانت قاسية ومليئة بالمجهول.

أنا مهتمة بسيكولوجية المرأة داخل تلك التحولات العاصفة التي مرت بالمنطقة

منيرة العيدان

الصحراء والعبودية

> عَبَر الأبطال فضاء الصحراء وعاشوا مخاطر العطش والسراب وطعنات الغدر. هل كانت الصحراء في روايتكِ مجرد طريق جغرافي، أم اختباراً سيكولوجياً لتطهير الشخوص من انكساراتهم؟

- للصحراء رمزية كبيرة في القصة؛ فهي تمثل المجهول والخوف والأمل، وفي نهايتها تقع أرض أحلام الأبطال. كما أنها تمثل المصير، وتحتل جزءاً واسعاً من شبه الجزيرة العربية. وكما كان يقول السُّفّارة: الطريق فيها مثل الزئبق، الإمساك بطرفه صعب، وقد تخونك أحياناً بانعدام معالمها، تماماً مثل البحر، فتغدر بك وتضلّ الطريق، والضلالة هنا تعني الموت. بعد تلك الرواية، بدأت أنظر إلى الصحراء بشكل مختلف، وأراها أجمل وأوسع وأحنّ مما عهدتها سابقاً.

> طرحتِ قضايا حساسة جداً ترتبط بتلك الحقبة، مثل اختطاف الأطفال، وتجارة البشر، والظلم الاجتماعي... ما الرسالة الفكرية والاجتماعية التي أردتِ إيصالها من خلال هذا السرد؟

- منذ وُجد الإنسان، وُجد الظلم والقهر، كما وُجدت الرحمة والرأفة، وكل تلك القصص حدثت منذ بدايات الخليقة. نحن نحب الماضي لأنه امتداد لما نحن عليه اليوم، لكن علينا نقله بمسؤولية كبيرة، وأن نحكي الواقع المرّ والمؤلم والظالم أحياناً كما كان، لا كما نتمنى أن يكون. لكن الجميل أن تلك التجارب القاسية خلقت من أبطال الرواية بشراً أفضل، فتجنبوا أن يعرّضوا غيرهم لما تعرضوا له من ظلم واضطهاد، وسأكمل قصص الفتية في الجزء الثاني. بمعنى آخر، تلك المحطات المؤلمة صنعت في نهايتها إنساناً أكثر اكتمالاً من ناحية الإنسانية، ومن رحم كل ما نكرهه أحياناً، يكون في الطرف الآخر من الحكاية شخص محظوظ بتلك الأقدار التي بدت في وقتها قاسية وغريبة.

> على صعيد اللغة، أدخلتِ في النص لغة فصحى جزلة تتناغم مع أهازيج وحكايات بلغة شعبية، كيف وازنتِ بين المحافظة على فصاحة السرد وإضفاء الموروث الشعبي والهوية البيئية النجدية على الحوارات؟

- كما أوضحت، لقد أدمنت ربط الخيوط معاً. تجنبت أن يكون الحوار باللهجة النجدية أو لهجة أهل سدير كي لا يصعب فهمه على بقية القراء، رغم رغبتي الكبيرة في الاحتفاظ بها كما هي. لكنني في المقابل لم أتنازل عن تطعيم الرواية ببعض الأهازيج، كي تكون لها هوية طاغية، والأمثال والحكايات الشعبية التي تمنح النص طعماً أكثر هوية وخصوصية، خاصة عند أبناء جلدتها.

> ينتهي الجزء الأول من الرواية عند أسوار الكويت وبمجموعة من «الهواجس والأسئلة المفتوحة» حول مصير الأبطال (مقبل، محمد، علي، ناصر، حمد). هل هذه الأسئلة هي تمهيد حتمي لجزء ثانٍ من الرواية؟ وما الذي ينتظر القارئ في «أرض اللؤلؤ»؟

- نعم، وقد أنهيت مهمتي في الجزء الأول تماماً، لأن الرحلة نفسها كانت مضنية جداً بالنسبة لي على المستوى النفسي والكتابي. وقد نصحني بعض النقاد بكتابة الجزأين في رواية واحدة، إلا أن ذلك لا يناسب رسالتي تماماً، فأنا أردت فصل الرحلة الصحراوية عن رحلة الرزق، ولا أريد للثانية، بتفاصيلها ومحطاتها، أن تطفئ بريق الأولى. نعم، هناك جزء ثانٍ، وسيرى القارئ كيف أن كل تلك الأقدار قد صُممت من قبل العزيز الحكيم لصالح هؤلاء الفتية، بمن فيهم «علي» المخطوف، وكيف كانت كل تلك المحطات تمهيداً لما سيمرون به لاحقاً، وكيف أن المستقبل كفيل بجمع شملهم مرة أخرى.


يوميات مخرج صربي في مصر

يوميات مخرج صربي في مصر
TT

يوميات مخرج صربي في مصر

يوميات مخرج صربي في مصر

اختار المخرج والسيناريست الصربي البارز بوريس ميليكوفيتش عنواناً لافتاً ليومياته في مصر، تحديداً حي الزمالك بالقاهرة، وهو «شاي في الزمالك»، حيث عاش فترة معتبرة مديراً بشركة «ساتشي وساتشي» للإعلانات الشهيرة، وجاء العنوان ليعكس طبيعة العمل الذي يتسم بالبساطة والحميمية كشذرات تلمع في الذاكرة وكأنه يتحدث بعفوية إلى صديق أثناء احتساء كوب من الشاي.

المدهش أن اليوميات لا تخلو من النقد الذاتي الحاد، ويعترف المؤلف بسقوطه أحياناً ضحية لفخ العنصرية الغربية تجاه الشرق ووهم تفوق العرق الأبيض وما يصاحبه من استعلاء وغرور، لكنها تقدم في المقابل صورةً صادقةً للمجتمعات من منظور أجنبي وحيد يعيش بحي راق في العاصمة المصرية، حيث ينام تحت مروحة السقف البطيئة غارقاً في عرقه، خائفاً من أن يفتح نافذة غرفته، ويرغب بشدة في أكل المانجو.

ولا تخلو اليوميات من لحظات إنسانية متنوعة، أبرزها الوحدة في حياة شخص تقدم به العمر والوقوع أسيراً لأزمة إدمان الكحول، مع الأزمات الصحية المتفرقة، أيضاً مع مواقف مبهجة في المقابل تتعلق بمحاولات اكتشاف الثقافة المصرية من خلال الطعام والمزاح والتعاون مع جهات رسمية في إنجاز مواد بصرية تتعلق بالترويج للسياحة في البلاد بطرق غير تقليدية.

وُلد بوريس ميليكوفيتسش في 3 أبريل (نيسان) 1956، وهو أيضاً كاتب روائي وأكاديمي درّس فنون الإخراج السينمائي بكلية الفنون المسرحية في بلغراد في التسعينات، كما عمل مديراً إبداعياً لكبريات شركات الدعاية والإعلان، كما ظل مديراً إبداعياً في راديو وتلفزيون صربيا لسنوات عديدة.

ومن أجواء الكتاب نقرأ:

«كان اسم خادمتي (محفوظة) وهو الاسم الأنثوي من (محفوظ ) مثل نجيب محفوظ، اعتاد ابني الصغير على مناداتها (كوكا)، بعدها ظل كل العرب الذين يقيمون بالحي ينادونها بالاسم الجديد في طقس مبهج ضاحك.

كانت (كوكا) من حي إمبابة الشعبي ولا أعرف كيف سمعت عني ولا أظن أن أحداً قد رشحها لي أو أي شيء من هذا القبيل، لكن ما أعرفه هو أنني رأيتها لأول مرة في صباح أحد أيام شهر أبريل وأنا أعاني من صداع وعطش شديد وعاصفة من عواصف الخماسين تضرب البلد.

كانت ترتدي فستاناً صيفياً، نحيفة يغطيها العرق وخصلات قصيرة من شعرها الرمادي ملتصقة بجبهتها. أمسكت بيدها طبقاً به رمان نصفه مفصص والنصف الثاني كما هو، وبابتسامة وضعت الطبق إلى جانب كوب مغطى من عصير البرتقال الطازج.

فكرتُ يومها في أن (كوكا) قد رأت كثرين في حياتها ممن عانوا من صداع ما بعد الثمالة ويشعرون بالحرج، حيث قدمت لي المشروب البارد وهى تقول وكأنها تحاول تجنب فتح الموضوع:

- الحر... الرطوبة يا أستاذ!

أجبتها:

- نعم، شكرا لك... أحسن رمان... شكراً على الرمان!

بعد عدة سنوات كنا على وشك مغادرة القاهرة، جاءت ابنة (كوكا) مع أطفالها بمفردها بدون الأم ونظفت البيت كما كانت والدتها بنفس الترتيب، تزيح السجاد وتمسح الأرض بخرقة مبللة ثم تنفض السجاد في الشرفة. ذات مرة عندما حان موعد القهوة ربما في الحادية عشرة صباحاً قالت لي:

- ماتت كوكا... لن تعود مرة أخرى!

ثم توقفت عن الكلام والتفتت تجاه المكيف القديم ذي الصوت العالي وأضافت قائلة:

- الحر... الرطوبة يا أستاذ!

ثم ناولتني العصير وطبق الرمان».