تقرير أمني: «داعش» يبني شبكة تنظيمية باستقطاب الطلاب الوافدين للأزهر

السلطات المصرية أوقفت طالبين من طاجيكستان على صلة بالتنظيم > كوادر «الإخوان» يسهّلون سفرهم إلى تركيا.. وتحذيرات من نشاط 20 ألف وافد يقطنون شرق القاهرة

الرئيس عبد الفتاح السيسي يتفقد أسلحة مضبوطة خلال زيارة سابقة لسيناء (ا.ف.ب)
الرئيس عبد الفتاح السيسي يتفقد أسلحة مضبوطة خلال زيارة سابقة لسيناء (ا.ف.ب)
TT

تقرير أمني: «داعش» يبني شبكة تنظيمية باستقطاب الطلاب الوافدين للأزهر

الرئيس عبد الفتاح السيسي يتفقد أسلحة مضبوطة خلال زيارة سابقة لسيناء (ا.ف.ب)
الرئيس عبد الفتاح السيسي يتفقد أسلحة مضبوطة خلال زيارة سابقة لسيناء (ا.ف.ب)

كشف تقرير أمني في القاهرة أعدّ عقب إلقاء السلطات المصرية القبض على طالبين من طاجيكستان يدرسان في الأزهر على صلة بتنظيم داعش الإرهابي، عن مساعي التنظيم لبناء شبكة له عبر العالم الإسلامي من خلال تجنيد الطلاب الأجانب الوافدين للدراسة في الأزهر. وقالت مصادر مطلعة لـ«الشرق الأوسط»، إن السلطات فصلت بالفعل نحو 300 وافد يدرسون في المعاهد الأزهرية بمصر بسبب شكوك حول علاقتهم بتنظيمات متشددة.
ورصد التقرير تحركات لكوادر من طلاب ينتمون لجماعة الإخوان، لتسهيل مهمة سفر الوافدين إلى تركيا ما يثير شكوكًا بشأن التحاقهم بعناصر «داعش» في سوريا.
ووضعت السلطات الأمنية تقريرها على مكتب مسؤولين في الأزهر، وأوصى التقرير باتخاذ خطوات من شأنها ضبط حركة الوافدين.
وقال مصدر مسؤول في الأزهر، إن «المشيخة لا تعرف شيئًا عن الوافدين المقيمين خارج مدينة البعوث الإسلامية ويقدر عدهم بنحو 20 ألف وافد، وذلك منذ دخولهم للبلاد وحتى مغادرتهم، ولا تمتلك المشيخة أي قاعدة بيانات محددة عن أماكن وعناوين وهواتف هؤلاء الطلاب المبعوثين في مصر وهو ما يجعلهم فريسة للعناصر المتطرفة».
وتقع مدينة البعوث الإسلامية في حي الدراسة بالقرب من مشيخة الأزهر، أسسها الرئيس الأسبق جمال عبد الناصر عام 1959 لتكون قبلة لطلبة العلوم الإسلامية من دول العالم.. ومنذ سقوط حكم جماعة الإخوان، قبل عامين، باتت المدينة مخزونًا استراتيجيًا يسهل على التنظيمات المتطرفة اختراقها وتجنيد عناصر لها.
وتشير الإحصاءات الرسمية إلى أن عدد الطلاب الوافدين الدارسين بالأزهر يتعدى 30 ألف طالب وطالبة من 110 دول، بعضهم وافد بمنح من الأزهر وبعضهم وافد على منح جهات مانحة أخرى، وبعضهم وافد على حسابه الخاص، ويقيمون في مدينة البعوث الإسلامية بالقاهرة والمدنية الأخرى في الإسكندرية.. والغالبية العظمى تقيم في مساكن خاصة.
ويقول الأزهر، إن «الطلاب المبعوثين هم طلاب العلم الوافدين من شتى بقاع الأرض الذين يشدون الرحال إلى الأزهر لينهلوا من علومه، ويتزودوا بالفكر الإسلامي الصحيح، والقيم الإسلامية الصافية النقية من شوائب الغلو والتطرف، ويعودون إلى بلادهم وأوطانهم علماء يبلغون رسالة الإسلام صافية نقية كما زودهم بها الأزهر»، لكنّ مراقبين أكدوا أن «بعض الطلاب الوافدين يعودون لبلادهم لنشر الأفكار المتطرفة لفكر (داعش) والإخوان».
وذكر التقرير الأمني، أن الجماعات الإرهابية والمتطرفة، تهدف بشكل جدي لتجنيد أعداد من الطلاب المبعوثين، لاستخدامهم في أعمال العنف، ونجحت بالفعل في خداع بعض هؤلاء الطلاب، وبعضهم انضم لـ«داعش» وشارك في مظاهرات الإخوان خاصة عقب عزل الرئيس الأسبق محمد مرسي في ميدان رابعة العدوية (سابقًا)».
وكشف التقرير الذي اطلعت عليه «الشرق الأوسط»، عن أن «جماعة الإخوان تقوم باستقطاب الوافدين عن طريق توفير كل احتياجاتهم المادية والمعيشية للانضمام للجماعة.. وكثير من الوافدين يتم إقناعهم بضرورة تأسيس فكر الإخوان في بلادهم عند عودتهم». وأكد التقرير، الذي أعدته جهات أمنية، أنه «بالفعل تم رصد طلاب من الوافدين من ماليزيا وإندونيسيا سعوا لنشر فكر الإخوان في بلادهم، عند عودتهم.
ورصد التقرير، «قيام طلاب جماعة الإخوان في جامعة الأزهر بتوجيه الوافدين للسفر إلى تركيا والدراسة في إسطنبول بدلاً من جامعة الأزهر، ووعدهم بالكثير من الامتيازات هناك تتضمن الإقامة المجانية والإنفاق عليهم طوال فترة الدراسة».
وقال التقرير إنه «تم تحذير مشيخة الأزهر من وجود عناصر متطرفة في الجامع الأزهر هدفها استقطاب الوافدين».
من جانبه، قال المسؤول في المشيخة، إن «الوافدين لهم عشق خاص بالجامع الأزهر ويقضون فيه معظم وقتهم.. وهذا ما دعا المشيخة للسيطرة على الجامع وضمه لها بعيدًا عن وزارة الأوقاف (وهي المسؤولة عن المساجد في مصر)، فضلاً عن فرض أساتذة جامعة الأزهر في الجامع العريق بتخصيص ندوات طوال ساعات اليوم في أروقة الجامع، حتى لا تترك الفرصة للعناصر المتطرفة للتسلل للجامع، ويتم إغلاق الباب أمام المتصيدين للوافدين.
وكشف تقرير الجهات الأمنية المصرية، عن أن «معظم الوافدين يتمركزون في أحياء «العاشر والسابع والسادس» في مدينة نصر (شرق القاهرة) على نفقتهم الخاصة، وينتشرون في المساجد الرسمية التابعة للدولة المصرية، والتابعة للجمعيات الشرعية، ويلتقون بشكل متواصل مع قيادات متشددة من الجماعات التكفيرية. ولفت التقرير إلى أنه «تم رصد هذه اللقاءات والتنبيه على الأوقاف بضرورة بسط سيطرتها على المساجد التي تتبعها».
في ذات السياق، قالت مصادر أمنية في جامعة الأزهر، إنه «تم ضبط عدد من الطلاب الوافدين انضموا لتنظيم داعش الإرهابي، حيث ألقى القبض على طالبين (ع.ع) و(و.ش) مؤخرًا من طاجيكستان، جندهما كادر إخواني تمهيدًا لضمهما لـ(داعش)». وأضافت المصادر أنه «ثبت لجهات التحقيق أنهما مقيمان بالحي الثامن بمدينة نصر، وأن تنظيم داعش أسند إليهما مهمة محددة بحكم وجودهما في مصر، وهى محاولة تجنيد أكبر عدد من الوافدين من الدول الأجنبية للدراسة بالأزهر ليكونوا نواة لشبكة للتنظيم عبر العالم الإسلامي».
من جانبه، قال المسؤول في المشيخة، إن «الأزهر عقب دخول الوافد للبلاد لا يعرف عنه شيئًا.. وطوال فترة إقامة الوافد في مصر لا أحد يعرف عنه أي معلومات»، لافتًا إلى أن الأزهر لا يمتلك قاعدة بيانات محددة عن أماكن وعناوين وهواتف هؤلاء الطلاب، فجميعهم منتشرون في أنحاء البلاد، ما يعني أن الكثير منهم غير معلوم أين يسكنون وإلى أي مرحلة دراسية وصلوا، ولا مع من يتواصلون، مع الوضع في الاعتبار المشكلات والأزمات وعدم كفاية الدعم المالي الذي تخصصه الدول لهؤلاء الطلاب لمساعدتهم في الدراسة، وهو ما يجعل بعضهم يقعون فريسة لابتزاز الجماعات الجهادية مقابل الأموال أو توفير الدعم اللوجستي، موضحًا: «للأسف الشديد هناك بعض الجهات استغلت هؤلاء الطلاب بطريقة غير إيجابية».
وميزانية مدن البعوث الإسلامية كانت مستقلة، والآن أصبحت تبع مشيخة الأزهر مما زاد من قيمة الميزانية، وكل طالب وافد يقيم في مدينة البعوث الإسلامية يحصل على منحة شهرية تقدر بنحو 400 جنيه.. أما غير المقيم فلا يحصل على أي دعم.
وقالت المصادر الأمنية نفسها في جامعة الأزهر، إن «الطالب الوافد عندما يأتي للدراسة في الأزهر لا يسحب منه جواز سفره ويظل معه طوال فترة الدراسة، ما يعطيه حرية التنقل وعدم التقيد، وبالتالي فقد يرتكب الوافد جريمة ويهرب خارج البلاد دون أن يمنعه أحد»، مؤكدة أن هذا خطأ تغافلت عنه إدارة الوافدين، وكان من المفترض أن تسحب جوازات السفر من الطلاب وتمنحهم تصريح هوية، ولا يتم تسليمهم الجواز؛ إلا أثناء المغادرة.
وقال المسؤول في المشيخة، إن «الأزهر انتبه لملف الوافدين، وبدأ يتعامل مع هذا الملف منذ 3 سنوات بجدية من خلال اشتراطه بضرورة موافقة سفارات الطلاب على الدراسة بمصر والتقارير الأمنية التي تؤكد أنه ليس «خطرًا على الأمن العام»؛ لكنّ مراقبين أكدوا أن «الكارثة في محاولات السيطرة عليهم فكريًا من قبل (داعش) والإخوان داخل الدولة المصرية».
ولفت المسؤول في المشيخة إلى أن «السيطرة على الطلاب الوافدين عن طريق الجمعيات الخيرية التي تقدم الدعم للوافدين القاطنين خارج مدينة البعوث، حيث يسكن في المدنية التابعة للأزهر نحو 10 آلاف؛ إلا أن أكثر من 20 ألفًا خارج المدنية، خاصة طلاب ماليزيا وإندونيسيا وسنغافورة وروسيا».
وأضاف المسؤول، أن الأزهر أدرك هذه الخطورة وبدأ في ضبط حركة الطلاب في مدينة البعوث واعتماد حضور وانصراف وكذا في المعاهد الأزهرية وتم فصل أكثر من 300 وافد خلال العاميين الماضيين، لعدم التزامهم والشك في سلوكهم المتطرف، حيث كانوا يتخذون من الأزهر وسيلة للدخول للعاصمة القاهرة، من أجل الدراسة في معاهد الجمعيات الشرعية (وهي معاهد تابعة للدعوة السلفية وحزب النور)، وتتبنى الفكر المتشدد.
«الشرق الأوسط» زارت مدنية البعوث، والتقت مع طلابها، وقال أحد المبعوثين من السنغال، إن «هناك محاولات مستميتة من بعض كوادر طلاب الإخوان بجامعة الأزهر لتجنيد الطلاب المبعوثين». وأكد (س.أ)، أن «الإخوان توعدوا الطلاب بتوفير نفقات لهم حتى يتم تجنيدهم»، لافتًا إلى أن «ظروف المبعوثين المعيشية خاصة المقيمين خارج مدينة البعوث، تجبرهم على الانضمام لتنظيمات إرهابية من أجل الحصول على المال».
وتحدث (س.أ) عن تجربة حدثت لأحد أصدقائه، وكان يقيم في مدينة نصر، قال: «تعرف على قيادي في الإخوان خلال اعتصام رابعة العدوية أغسطس (آب) عام 2013، وشارك في اعتصام رابعة وعقب فض الاعتصام لم نسمع عنه أي خبر.. وتردد بعدها أنه انضم لـ(داعش) وسافر للتنظيم عبر الحدود مع لبيبا عن طريق وسيط من الإخوان».
من جانبها، علقت إحدى الوافدات وتدعى (م.ع) من الصومال، قائلة: «البنات الوافدات أكثر عرضة للانخراط في التنظيمات الإرهابية الآن.. وهناك محاولات كثيرة وإغراءات لننضم لصفوف (داعش) والزواج منهم»، لافتة إلى أن الكثير من الوافدات المقيمات خارج مدينة البعوث، يتواصلن مع عناصر من «داعش» عبر «فيسبوك» و«تويتر».. وهناك محاولات وإغراءات كبيرة من التنظيم للانضمام إليه. وعن كيفية تواصل الوافدات مع «داعش»، أكدت (م.ع) التي فضلت ذكر الأحرف الأولى من اسمها واسم والدها: «الكثير من الطالبات الوافدات لديهن إضافات للطلاب الوافدين في مصر على «فيسبوك» و«تويتر».. وبعض هؤلاء الطلاب سافروا وانضموا لـ(داعش) وهم موجودون على صفحات الطالبات الوافدات وسهل جدًا التواصل معهن، حتى من قام من هؤلاء الطلاب بتغيير اسمه عقب الانضمام لـ(داعش) وسمى نفسه اسمًا حركيًا».



الحوثيون يستنفرون بنوك الدم مع تصاعد خسائرهم البشرية

استنفار حوثي لتوفير الدم للمستشفيات التي تكتظ بجرحاهم (إكس)
استنفار حوثي لتوفير الدم للمستشفيات التي تكتظ بجرحاهم (إكس)
TT

الحوثيون يستنفرون بنوك الدم مع تصاعد خسائرهم البشرية

استنفار حوثي لتوفير الدم للمستشفيات التي تكتظ بجرحاهم (إكس)
استنفار حوثي لتوفير الدم للمستشفيات التي تكتظ بجرحاهم (إكس)

دفعت الجماعة الحوثية خلال اليومين الماضيين بعربات وشاحنات تابعة لما يسمى «المركز الوطني لنقل الدم وأبحاثه» إلى شوارع وأحياء وميادين في العاصمة اليمنية المختطفة صنعاء ومحافظات ذمار وإبّ والمحويت والحديدة، في حملة مكثفة لحشد السكان للتبرع بالدم بصورة عاجلة، بالتزامن مع مؤشرات على تزايد أعداد الجرحى في صفوف الجماعة جراء التطورات العسكرية الأخيرة.

وجابت المركبات الحوثية مناطق مكتظة بالسكان، مستخدمة مكبرات الصوت لحث المواطنين على التبرع، في حين أفادت مصادر محلية لـ«الشرق الأوسط» بأن الجماعة وجهت العاملين في القطاع الطبي ومسؤولي الأحياء وعقالها في المحافظات المستهدفة إلى حشد السكان ودفعهم إلى مراكز التبرع، بالتزامن مع اتساع المواجهات على عدد من الجبهات.

وأوضحت المصادر أن هذه التحركات تأتي وسط حالة استنفار في المرافق الصحية الخاضعة للجماعة، مع تزايد الحاجة إلى فصائل دم مختلفة، في وقت تشهد فيه المستشفيات، وفقاً لشهادات محلية، وصول أعداد متزايدة من الجرحى الحوثيين.

مركز نقل الدم وأبحاثه الخاضع للحوثيين في صنعاء (فيسبوك)

وقال سكان في صنعاء ومناطق أخرى إن الانتشار المكثف لعربات التبرع خلال اليومين الماضيين بدا لافتاً، خصوصاً مع تكرار النداءات عبر مكبرات الصوت وحث المواطنين على التوجه إلى نقاط التبرع. ويربط السكان بين هذه الحملات والتطورات الميدانية الأخيرة، وسط تساؤلات عن حجم الإصابات التي دفعت الجماعة إلى توسيع نطاقها جغرافياً.

استنفار وخسائر

يشير قاسم، وهو أحد سكان صنعاء، إلى أن «الدعوات الحوثية هذه المرة أكثر إلحاحاً من الحملات السابقة»، مضيفاً: «لا أحد يرفض التبرع لإنقاذ حياة إنسان، لكن السؤال: لماذا يستمرون في إرسال الناس إلى الجبهات، ثم يطلبون من المواطنين توفير الدم لعلاج نتائج تلك المعارك؟».

وفي إبّ (193 كيلومتراً جنوب صنعاء)، قال مجدي، وهو أحد سكان المحافظة، إن تكثيف الدعوات للتبرع بالدم «لا يأتي من فراغ»، مضيفاً أن الجماعة تستخدم وسائل مختلفة لحشد المواطنين، من دون توضيح حجم الخسائر التي رفعت الحاجة إلى الدم بهذا الشكل.

وقال: «الناس تعاني الفقر وارتفاع الأسعار وتدهور الخدمات، والآن يُطلب منها أن تتحمل أيضاً نتائج الحرب وتوفير الدم للمصابين».

وفي ذمار (100 كيلومتر جنوب صنعاء) أفادت مصادر وسكان بانتشار عربات تابعة لفرع مركز نقل الدم في عدد من أحياء مدينة ذمار، بالتزامن مع دعوات عاجلة للتبرع، وسط ما وصفوه باستمرار وصول أعداد متزايدة من الجرحى الحوثيين إلى المستشفيات، ولا سيما مستشفى ذمار العام، الأمر الذي يزيد الضغط على المرافق الصحية.

عربات حوثية استخدمت مكبرات الصوت لحث السكان على التبرع بالدم (فيسبوك)

وفي المحويت والحديدة غرباً، قالت مصادر محلية إن الإقبال على حملات التبرع الحوثية كان محدوداً جداً في بدايتها، ما دفع الجماعة إلى توسيع نطاقها داخل المؤسسات الحكومية والخاصة، وحث الموظفين والعاملين فيها على التبرع.

وأوضحت المصادر أن هذه الحملات تأتي في إطار حالة استنفار أوسع، مشيرة إلى أن تزامنها مع التطورات العسكرية عزز اعتقاد السكان بأن أعداداً كبيرة من الجرحى تحتاج إلى الدم بصورة عاجلة.

وفي المقابل، يواجه السكان في مناطق سيطرة الجماعة تدهوراً في الخدمات الصحية ونقصاً في الأدوية والمستلزمات الطبية، وسط مطالب بتوفير خدمات علاجية قادرة على تلبية احتياجات المدنيين، بدلاً من زيادة الأعباء على مرافق تعاني أصلاً من محدودية الإمكانات.


التصعيد الحوثي يستنزف الخدمات الصحية ويفاقم النزوح

آلاف الأسر اليمنية باتت بلا مأوى بعد الفرار من الهجمات الحوثية (أ.ب)
آلاف الأسر اليمنية باتت بلا مأوى بعد الفرار من الهجمات الحوثية (أ.ب)
TT

التصعيد الحوثي يستنزف الخدمات الصحية ويفاقم النزوح

آلاف الأسر اليمنية باتت بلا مأوى بعد الفرار من الهجمات الحوثية (أ.ب)
آلاف الأسر اليمنية باتت بلا مأوى بعد الفرار من الهجمات الحوثية (أ.ب)

تتفاقم الأزمة الإنسانية في اليمن مع اتساع رقعة التصعيد الحوثي، وارتفاع أعداد القتلى والجرحى إلى أكثر من خمسة آلاف منذ أغسطس (آب) الماضي، بالتزامن مع نزوح نحو 200 ألف شخص وتزايد الإصابات المشتبه بها بالكوليرا والحصبة.

وفي حين تحذر الأمم المتحدة من فجوات الرعاية ومخاطر الأوبئة، تواجه الخدمات الصحية صعوبات متنامية في الوصول إلى المصابين وتوفير الرعاية الطارئة، خصوصاً في مناطق المواجهات ومخيمات النازحين.

وتشير بيانات كتلة الصحة التابعة للأمم المتحدة إلى تسجيل 5166 ضحية منذ 6 أغسطس (آب) الماضي، بينهم 959 قتيلاً، فيما سجلت البيانات 685 ضحية جديدة خلال ستة أيام، بمتوسط 114 حالة يومياً، مقارنة بنحو 101 حالة يومياً خلال الفترة السابقة، في مؤشر على استمرار تصاعد الخسائر المرتبطة بالنزاع.

وتبرز محافظة تعز (جنوب غرب) باعتبارها إحدى أكثر الجبهات دموية خلال الفترة الأخيرة، إذ ارتفع متوسط الضحايا اليومي فيها من ثماني حالات إلى 109 خلال أسبوع، بالتزامن مع انتقال القتال إلى مدينة تعز. كما وردت تقارير أولية عن سقوط ضحايا في حضرموت والجوف، بينما لا تزال محافظتا لحج ومأرب تواجهان مستويات مرتفعة من العنف والخسائر.

أطفال في مخيم للنازحين بالقرب من عدن شردهم الحوثيون مع عائلاتهم (رويترز)

وفي موازاة الخسائر البشرية، تتسع حركة النزوح وتزداد الضغوط على المجتمعات المضيفة، فيما تواجه الفرق الطبية صعوبات في الوصول إلى الجرحى، وسط نقص في نقاط تثبيت الإصابات والإمدادات العلاجية، وتراجع القدرة على الاستجابة للاحتياجات الصحية المتزايدة.

وتواجه الفرق الطبية العاملة قرب خطوط المواجهة تحدياً حاسماً يتمثل في صعوبة الوصول السريع إلى المصابين. ويؤدي نقص نقاط تثبيت الإصابات بالقرب من جبهات القتال إلى إهدار ما يُعرف بـ«الساعة الذهبية»، وهي الفترة الحرجة التي يمكن خلالها تقديم التدخلات الطبية العاجلة وزيادة فرص إنقاذ حياة المصاب.

وتعد نقاط تثبيت الإصابات من المستوى الأول إحدى أبرز الثغرات في الاستجابة الصحية الحالية. فمن أصل 20 نقطة مخططاً لها، لا تزال ست نقاط من دون دعم من الشركاء، ما يحد من قدرة النظام الصحي على تثبيت حالات الإصابة ونقل المرضى إلى غرف العمليات خلال الساعة الأولى من الإصابة.

صعوبات في تقديم الخدمات الطبية على خطوط المواجهة مع الحوثيين (إعلام محلي)

وتزداد صعوبة رصد الأوضاع الإنسانية بفعل انقطاع الاتصالات والمخاطر الأمنية، وفق البيانات المتاحة، التي يرجح العاملون في المجال الإنساني أنها لا تعكس الحجم الكامل للخسائر الفعلية. كما يواجه التحقق من التقارير المتعلقة بالهجمات على مرافق الرعاية الصحية صعوبات كبيرة في ظل استمرار القتال.

نزوح وأوبئة

لا تقتصر تداعيات التصعيد الحوثي على القتلى والجرحى، إذ تشير البيانات إلى نزوح نحو 200 ألف شخص، بينهم 29.519 أسرة في عشر محافظات، بزيادة قدرها 8 في المائة خلال خمسة أيام فقط.

وسُجل نحو ثلثي الزيادة الأخيرة في أعداد النازحين بمحافظة لحج، بما يعكس حجم الضغوط التي يفرضها استمرار القتال على السكان المحليين والمجتمعات المضيفة، التي تواجه احتياجات متزايدة في مجالات الإيواء والخدمات الأساسية والرعاية الصحية.

مخيمات نزوح في اليمن تفتقر إلى أدنى مقومات الحياة (إعلام محلي)

وامتدت حركة النزوح بصورة أكبر إلى المحافظات الشرقية، بما فيها حضرموت والمهرة وشبوة. ويحصي التقرير الموحد 454 أسرة نازحة في هذه المحافظات، مقارنة بـ201 أسرة في 23 سبتمبر (أيلول).

وفي حضرموت، أفاد مركز المكلا بوجود 429 أسرة إضافية في منطقة العبر بوادي حضرموت، لم تُدرج بعد ضمن التقرير الموحد، ما يرجح أن تكون الأعداد الفعلية للنازحين أعلى من الأرقام المعلنة.

وعلى صعيد النزوح عبر الحدود، أفادت البيانات بأن أكثر من 3600 شخص عبروا إلى جيبوتي، في تطور يعكس امتداد التداعيات الإنسانية للنزاع إلى خارج اليمن.

في ظل اتساع النزوح وتدهور الظروف المعيشية والصحية، تزداد المخاوف من انتشار الأوبئة، مع ارتفاع حالات الكوليرا والحصبة واتساع فجوات التحصين، إلى جانب تسجيل معدلات مقلقة من سوء التغذية الحاد بين الأطفال النازحين.

المدنيون يدفعون ثمن التصعيد الحوثي في عدد من المحافظات (إعلام محلي)

وأظهرت بيانات الترصد ارتفاع الحالات المشتبه بإصابتها بالكوليرا إلى 647 حالة خلال الأسبوع التاسع والثلاثين، مقارنة بـ217 حالة في الأسبوع السادس والثلاثين، أي بزيادة تقارب ثلاثة أضعاف خلال ثلاثة أسابيع.

وتتزامن زيادة الإصابات بالكوليرا مع انتشار الحصبة، في ظل اتساع فجوة المناعة بفعل النزوح والاكتظاظ في مناطق تجمع الأسر المتضررة، وهو ما يزيد المخاطر الصحية على الأطفال، خصوصاً الذين يعانون من سوء التغذية.

سوء التغذية

في مؤشر آخر على تدهور الظروف الصحية والمعيشية، كشفت عمليات الفحص التي أجرتها الفرق الطبية المتنقلة التابعة للهيئة الطبية الدولية عن معدلات مرتفعة من سوء التغذية الحاد بين الأطفال النازحين.

فارون من التصعيد الحوثي في محافظة تعز (إعلام محلي)

ومن بين 54 طفلاً نازحاً دون سن الخامسة خضعوا للفحص، تبين أن تسعة أطفال يعانون من سوء تغذية حاد شديد، و29 طفلاً من سوء تغذية حاد متوسط، بما يعكس حجم الاحتياجات الغذائية والعلاجية لدى الفئات الأكثر ضعفاً.

وتزداد المخاوف مع نفاد مخزون الأغذية العلاجية الجاهزة للاستخدام في خمس منشآت صحية على الأقل، ونفاد مخزون الأغذية التكميلية في ثلاث منشآت، ما يهدد قدرة المرافق على تقديم العلاج للأطفال الأكثر عرضة للمضاعفات.


تأمين «كهبوب» وتقدم «الوازعية» يعززان مكاسب «فجر اليمن»

قوات الحكومة اليمنية تتقدم في جبهات الوازعية وتثبّت مكاسبها نحو الساحل (رويترز)
قوات الحكومة اليمنية تتقدم في جبهات الوازعية وتثبّت مكاسبها نحو الساحل (رويترز)
TT

تأمين «كهبوب» وتقدم «الوازعية» يعززان مكاسب «فجر اليمن»

قوات الحكومة اليمنية تتقدم في جبهات الوازعية وتثبّت مكاسبها نحو الساحل (رويترز)
قوات الحكومة اليمنية تتقدم في جبهات الوازعية وتثبّت مكاسبها نحو الساحل (رويترز)

دخلت عملية «فجر اليمن» يومها الرابع مع اتجاه القوات الحكومية إلى تثبيت مكاسبها في الساحل الغربي وتعزيز مواقعها في المناطق المطلة على مضيق باب المندب، بالتوازي مع استمرار التقدم في مديرية الوازعية غربي محافظة تعز، فيما تتواصل المواجهات مع الجماعة الحوثية في ريف تعز الجنوبي والجبهات المحيطة بمدينة تعز.

وفي حين أكدت القوات المسلحة اليمنية تحييد أكثر من 1800 عنصر حوثي خلال الساعات الماضية تشير إحصائيات الجيش إلى أن خسائر الحوثيين البشرية تناهز 10 آلاف قتيل وجريح خلال أسبوعين جراء الضربات الجوية والبرية في مختلف الجبهات.

وأحكمت قوات «درع الوطن» وألوية العمالقة والقوات المشتركة في الساعات الماضية، وفق الإعلام العسكري اليمني، سيطرتها على جبهة كهبوب، في تطور يعزز موقع القوات الحكومية في المرتفعات المشرفة على باب المندب، ويمنحها قدرة أكبر على تأمين هذا المحور الاستراتيجي، ضمن العمليات المتواصلة في الساحل الغربي.

وتزامن ذلك مع استمرار القوات الحكومية في التوغل داخل مديرية الوازعية إلى الشمال، حيث أسفرت المعارك عن السيطرة على مرتفعات حيوية وقطع خطوط إمداد للحوثيين باتجاه جبهات الساحل الغربي، في وقت وثقت فيه القوات الحكومية تقدماً ميدانياً في أكثر من محور بالمديرية.

عناصر من القوات الحكومية اليمنية خلال تقدمها في الساحل الغربي القريب من باب المندب (إ.ب.أ)

وفي مديرية ذوباب، واصلت قوات العمالقة الجنوبية تثبيت مواقعها والسيطرة على مناطق واسعة، بينما تصدت لهجوم حوثي على مواقعها في قطاع المطار، واستولت على آليات عسكرية استخدمتها الجماعة في الهجوم، وفق ما أفادت به مصادر عسكرية.

وتسعى القوات الحكومية، من خلال هذه التحركات، إلى تأمين المناطق المحررة في الساحل الغربي وعزل ما تبقى من عناصر الجماعة الحوثية في محيط باب المندب، قبل التقدم نحو المخا، بالتزامن مع الضغط على خطوط إمداد الجماعة ومنعها من إعادة تنظيم صفوفها في المناطق القريبة من المضيق.

ضغوط في ريف تعز

في المقابل، دفعت الجماعة الحوثية بتحركات هجومية في ريف تعز الغربي والجنوبي، خصوصاً في محاور جبل حبشي والأقروض وجبل هان، في محاولة للضغط على مواقع القوات الحكومية بالتزامن مع التطورات المتسارعة في الساحل الغربي.

وخاضت القوات الحكومية والمقاومة الشعبية معارك عنيفة في جبل حبشي والأقروض، كما تصدت لهجمات حوثية في محيط جبل هان غربي مدينة تعز، فيما نفذت وحدات القوة الصاروخية ضربات مركزة استهدفت مواقع وتحصينات حوثية في منطقة الكدحة.

صور وزَّعها الحوثيون على عناصرهم في جبهات تعز (أ.ف.ب)

تأتي هذه المواجهات في وقت تحاول فيه القوات الحكومية الحفاظ على المبادرة الميدانية التي فرضتها عملية «فجر اليمن»، ومنع الجماعة الحوثية من نقل ثقل عملياتها إلى المناطق الجنوبية والجنوبية الغربية من تعز، أو إعادة فتح خطوط إمداد باتجاه الساحل.

وبالتوازي مع المعارك البرية، أعلنت القوات المسلحة اليمنية تنفيذ 2103 عمليات استهداف دقيقة ضد أهداف عسكرية حوثية في مختلف المحاور والجبهات، ضمن عملية «فجر اليمن».

وقال المتحدث الرسمي باسم القوات المسلحة، العميد الركن ماجد النزيلي، إن العمليات أسفرت عن تحييد 1860 من عناصر الجماعة وتدمير مئات المعدات والعتاد والمواقع العسكرية، مشيراً إلى أن الاستهداف شمل تحركات الحوثيين وتحصيناتهم وخطوط إمدادهم ومواقعهم العسكرية.

تعبئة سياسية وعسكرية

وفي عدن حيث العاصمة المؤقتة اليمنية، عكست التحركات الرسمية اتجاهاً نحو رفع الجاهزية العسكرية والسياسية بالتوازي مع استمرار العملية. وشدد نائب رئيس هيئة الأركان العامة، اللواء الركن أحمد البصر، سرعة استكمال إجراءات التعبئة العامة وتجهيز الألوية والوحدات العسكرية وفق الخطط المعتمدة، ورفع مستوى الجاهزية والانضباط والتنسيق بين مختلف التشكيلات.

عنصران من القوات الحكومية اليمنية بعد السيطرة على مواقع للحوثيين في جبهة الساحل الغربي (إ.ب.أ)

وأكد البصر، خلال اجتماع للجنة المكلفة بتنفيذ توجيهات رئيس مجلس القيادة الرئاسي رشاد العليمي بشأن خطة التعبئة العامة، ضرورة استكمال الاحتياجات البشرية والتدريبية واللوجستية للوحدات، بما يمكّنها من أداء مهامها، مع التشديد على المتابعة المستمرة وتسريع إجراءات التجهيز.

وعلى المستوى السياسي، وضع رئيس مجلس القيادة الرئاسي اليمني قيادة التكتل الوطني للأحزاب والمكونات السياسية أمام مستجدات الأوضاع الميدانية والسياسية، مؤكداً أن إطلاق عملية «فجر اليمن» يمثل مرحلة جديدة في مسار استعادة مؤسسات الدولة واستكمال تحرير الأراضي اليمنية وصولاً إلى العاصمة صنعاء.

وشدد رئيس مجلس القيادة، خلال اللقاء، على أن المعركة لا تقتصر على القوات المسلحة، داعياً إلى جبهة سياسية وشعبية وإعلامية متماسكة تساند مؤسسات الدولة، وترفع معنويات المواطنين والمقاتلين، وتواجه المعلومات المضللة.

تقديرات الجيش اليمني تشير إلى خسارة الحوثيين نحو 10 آلاف قتيل وجريح خلال أسبوعين (رويترز)

وأكد العليمي أن العمليات العسكرية قد تشهد تقدماً في جبهة وتعقيدات مؤقتة في أخرى، لكن اتجاه الدولة وأهدافها لن تتغير، وقال إن عملية «فجر اليمن» ماضية نحو أهدافها، وأن القوات المسلحة والأمن والمقاومة الشعبية ستواصل أداء واجبها حتى استعادة مؤسسات الدولة واستكمال تحرير البلاد.

وفي رسالة سياسية موازية، جدد العليمي إشادته بالدعم السعودي لمجلس القيادة والحكومة والشعب اليمني، وبإسناد المملكة للقوات الحكومية في معركة استعادة مؤسسات الدولة والأمن والاستقرار.