فيصل الأول.. أفضل زعيم في تاريخ العراق الحديث؟

نصبه البريطانيون ملكا لكن قلبه ظل معلقا بسوريا

حياة «سيمون بوليفار العرب» الملك فيصل «ملك العراق» - تأليف علي علاوي
حياة «سيمون بوليفار العرب» الملك فيصل «ملك العراق» - تأليف علي علاوي
TT

فيصل الأول.. أفضل زعيم في تاريخ العراق الحديث؟

حياة «سيمون بوليفار العرب» الملك فيصل «ملك العراق» - تأليف علي علاوي
حياة «سيمون بوليفار العرب» الملك فيصل «ملك العراق» - تأليف علي علاوي

منذ فترة، كان لي حديث مع بعض الأصدقاء في بغداد، وقد تطرق ذلك الحديث لمناقشة السؤال عمن يمكن وصفه بأنه أفضل زعيم في تاريخ العراق منذ ظهور العراق كدولة حديثة في عشرينات القرن الماضي. وكان واضحا أن الجميع وجدوا صعوبة في طرح حتى اسم واحد، إذ وجدنا أن صفة «أفضل» لا يمكن أن تناسب أيا من الرجال الثمانية الذين تولوا السلطة في العراق حتى عام 2003. غير أنه وبعد تفكير وتدقيق اقترح أحد أصدقائي اسم فيصل الأول، أول ملك في تاريخ العراق المعاصر، وهو ما أثرى النقاش الدائر، على الرغم من أنه لم يستطع أحد منا سوق المبررات وراء اختيار فيصل الأول.
ويأتي كتاب «فيصل العراق» الذي يحكي سيرة الملك فيصل – أول ملوك العراق – ليجيب عن السؤال الذي طرح خلال النقاش عمن يعتبر «أفضل» زعيم في تاريخ العراق الحديث. وقد يذهب الكتاب بعيدا عن طريق الإيحاء بأن فيصل الأول يستحق لقب «الأعظم». وفي كتابه، يصف علاوي الملك فيصل بأنه «سيمون بوليفار العرب».
يقول علاوي: «من الصعب على المرء أن يجد في تاريخ العرب الحديث شخصية تجمع صفات القيادة وحنكة رجل الدولة مع مناقب الاعتدال والحكمة والكياسة».
ويذهب علاوي إلى أبعد من ذلك بإصراره على أن القومية العربية الواقعية، الهادفة والبناءة انتهت عندما مات فيصل الأول، لتحل محلها «قومية متقلبة، متشدقة وغاضبة»، فرضها الاتجاه الناصري و/ أو الاتجاه البعثي.
ويبدو واضحا في ثنايا الكتاب أن علاوي مغرم بصورة فيصل الأول المثالية، لكنه، على الجانب الآخر، لديه من الخبرة الأكاديمية ما يكفي لمنعه من تحويل كتاب يقع في 634 صفحة إلى خطاب غرامي طويل. ولهذا يمكن اعتبار كتاب «سيرة حياة فيصل الأول» – بغض النظر عن رؤية علاوي الرومانسية – هو أفضل بحث وتوثيق لما رآه المؤلف في سيرة الملك فيصل والتاريخ الحديث لدولة العراق المستقلة.
يبني علاوي شرعية أحقية الملك فيصل في أن يكون قائدا – ليس فقط للعراق، بل أيضا لـ«أمة عربية عظيمة» بغض النظر عن المكان والزمان – على مجموعة من المعطيات.
أول تلك المعطيات هو نسب الملك فيصل الأول، إذ تعود أصول عائلته إلى الإمام الحسن بن الإمام علي بن أبي طالب، حفيد النبي محمد (صلى الله عليه وسلم) من ابنته فاطمة الزهراء. غير أنه تجب الإشارة إلى أنه لا النبي محمد (صلى الله عليه وسلم) ولا أي من أحفاده الأوائل طالب بأحقيته في الحكم بناء على شجرة النسب الخاصة بهم، حتى أن الإمام الحسن نفسه عارض محاولات إجباره على المطالبة بتوليه الخلافة، وعقد اتفاقا مع معاوية ابن أبي سفيان، مؤسس خلافة الأسرة الأموية. حصل ذلك حتى كان عام 1827، عندما قام محمد على باشا – المعين من قبل الدولة العثمانية حاكما لمصر – بتنصيب محمد بن عون «شريفا» لمكة، ليبدأ بذلك حكم الأسرة التي ينتمي إليها الملك فيصل الأول. وقد لعبت الأحداث والمصادفات التاريخية دورا كبيرا في تشكيل الجوانب الأخرى من حياة الملك فيصل الأول. فبسبب الخلافات والمؤامرات العائلية، التي كانت تسيطر على بلاط الخلافة العثمانية، قضى فيصل شطرا كبيرا من طفولته ومراهقته في إسطنبول، وتلقى تعليمه على يد معلمين من أوروبا وتركيا وأرمينيا، فتعلم عددا من اللغات (الفرنسية والتركية والفارسية). وبعيدا عن نشأته وتربيته في بيئة عربية نمطية، أصبح فيصل – بفضل الفترة التي قضاها في إسطنبول – بعد عودته لدياره شابا يمتلك ثقافة عالمية.
المصادفة أو الحدث التاريخي التالي، الذي ساهم في تشكيل حياة فيصل الأول، جاء في عام 1917، عندما قرر ضابط الاستخبارات البريطاني المغامر، توماس إدوارد لورنس، اختيار فيصل من بين أبناء حسين بن علي الهاشمي، شريف مكة، ليجري تسويقه على أنه ممثل «الثورة العربية»، التي كان يجري التخطيط لها للإطاحة بالخلافة العثمانية في شبه جزيرة العرب.
وكان لورنس قد اختار فيصل بعد أن وجد أن الابن الأكبر، علي، «متقلب المزاج ولا يعتمد عليه». أما عبد الله، ابن الشريف حسين الثاني، فقد كان معتدا بنفسه إلى درجة تجعل من الصعب على لورنس أن يسيطر عليه. وبالنسبة لآخر الأبناء، زيد، الذي كان من أم تركية، فلم يكن يهتم بالشأن العربي مطلقا، إذ كان يصب كل اهتمامه على كيفية الحصول على أكبر قدر من المال من البريطانيين. وأخيرا بقي فيصل ليكون هو المرشح لتقديمه للعرب على أنه الوجه الأمثل للثورة العربية ضد العثمانيين.
غير أن المشكلة التي كانت تتعلق باختيار فيصل هي أنه لم يكن «معتادا على حياة الصحراء»، حتى أنه كان يصر على اصطحاب الأثاث وأدوات المائدة الحديثة خلال حملات جيشه في المناطق الصحراوية. ولحرصه الدائم على أن يبدو أنيقا ومهندما، كان فيصل يصر على شراء ملابسه من كبريات العواصم الأوروبية (روما، باريس ولندن).
لكن المشكلة الحقيقية كانت تكمن في طبيعة فيصل غير العسكرية، إذ إنه لم يكن محاربا وكان يكره منظر إراقة الدماء. ويروى عنه أنه عندما سمع بأن قوة تركية تتحرك باتجاه الموقع الذي يتمركز فيه عند ميناء صغير على البحر الأحمر، سارع باللجوء إلى سفينة حربية بريطانية حتى انتهت الأزمة.
وبالإضافة إلى ذلك، كان من الصعب تسويق فيصل على أنه زعيم يتبنى أفكار «الجهاد» المعروفة في الدين الإسلامي. فعلى الرغم من التزامه بأداء الفروض الدينية، فإنه كان منجذبا بشدة إلى أفكار «الإنسانية الحديثة». وكان فيصل من أشد المعجبين بالكاتب الفرنسي – ذي الأفكار المعادية للدين – أناتول فرانس، الذي التقى به في وقت لاحق بعدما صار ملكا.
ثم جاءت أهم الأحداث التاريخية عندما أزاحه الفرنسيون عن حكم سوريا، فنصبه البريطانيون ملكا على العراق. لكن ذلك القرار جاء بعد تردد كبير، فقد أراد البريطانيون في بادئ الأمر إقامة دولتين في بلاد الرافدين، واحدة في الشمال يحكمها «زيد» وأخرى في الجنوب يحكمها «عبد الله». وبعد الكثير من الخلافات والمشاحنات، نظر البريطانيون في إمكانية تحويل العراق إلى جمهورية، وهي الخطة التي عارضها ونستون تشرشل، الذي كان يتولى حينها منصب وزير شؤون المستعمرات، وأصر على بقاء العراق تحت النظام الملكي. لكن ذلك لم يكن نهاية القصة، فقد كان هناك الكثيرون داخل الحكومة البريطانية لديهم ترشيحات مختلفة للشخصية التي تتبوأ منصب ملك العراق، مثل عبد الرحمن الكيلاني (نقيب بغداد) وآغا خان (حفيد شاه فارس فتح علي شاه) والشيخ خزعل بن جابر الكعبي (حاكم المحمرة في جنوب غربي إيران) والأمير العثماني برهان الدين. وفي نهاية الأمر وبفضل حملة الدعاية النشطة التي قادها لورنس وحلفاؤه، بمن فيهم السير بيرسي سيكس، فاز فيصل الأول بعرش العراق.
ومن المؤكد أن فيصل كان سعيدا بأنه حصل على شيء في نهاية الأمر. لكن قلبه لم يسعد يوما - كما يقول علاوي في كتابه - بتوليه حكم العراق، حيث ظل قلبه معلقا بسوريا. وظل - حتى آخر نفس - يسعى جاهدا بشتى الطرق – مؤامرات وصلوات - للعودة إلى دمشق، حتى أنه في وقت من الأوقات روج لفكرة دمج العراق وسوريا تحت قيادته الملكية. وقد يعود هوس فيصل الأول بحب سوريا إلى حبه للحياة بجوار البحر وكراهيته الشديدة للطبيعة الصحراوية. فقد نشأ في تهامة (السهل الساحلي على البحر الأحمر الذي يقع غرب شبه الجزيرة العربية بين أقاليم الحجاز واليمن التاريخية) وشب في القصور العثمانية التي تطل على بحر مرمرة. وهكذا كان فيصل يشعر وكأنه محبوس داخل العراق الذي كان يعتبر نظريا دولة حبيسة (العراق يمتلك منفذا على الخليج بطول 75 كيلومتر).
ومع عدم القدرة على الإحساس بالسعادة فيما يخص العراق، حاول فيصل مناصرة قضية العروبة، حيث أحاط نفسه بمجموعة من الشخصيات من مصر ولبنان وسوريا وفلسطين. وفي وقت من الأوقات، أدلى فيصل بتصريحات غريبة مثل قوله بأن «العرب كانوا عربا قبل مجيء سيدنا موسى وعيسى ومحمد (صلى الله عليهم وسلم)». وعلى الرغم من ذلك، لم يقدم فيصل أي تعريف لـ«العرب» الذين يتخيلهم. وكان الأمر المؤكد هو عدم ملاءمة هذا الوصف للعراقيين.
ومرة كتب الملك فيصل قائلا «رحل الأتراك وأصبحنا الآن مثل الأيتام، فليس لدينا حكومة أو جيش أو نظام تعليمي. وعلاوة على ذلك، لا يتفهم السواد الأعظم من شعبنا مسألة حب الوطن أو الحرية أو معنى الاستقلال».
وكان العراق في أسوأ وضع مقارنة بالدول العربية الأخرى. وكتب الملك فيصل ليقول إن العراق «تفتقد للأمور الأساسية للوحدة الاجتماعية المتماسكة، وتحديدا وجود الشعب المتحد من خلال السمات العرقية المشتركة ومجموعة المعتقدات والديانة».
وكتب أيضا «يتمثل اعتقادي في عدم وجود شعب عراقي. لا يوجد سوى جماعات كثيرة متنوعة ليس لديها عاطفة وطنية. ولدى تلك الجماعات شعور قوي وأحاسيس بالخرافات والعادات الدينية المغلوطة. ولا توجد أسس وقواسم مشتركة فيما بينها».
تبدو سخافة هذه الرؤية واضحة للغاية، فكيف يمكن أن يكون لدى العراقيين «شعور وطني» حينما يكون ملكهم معينا من قبل قوة استعمارية أوروبية أنكرت وجودهم؟ وماذا سيعتقدون عندما يعتاد ملكهم على الاستعانة بقوات السلاح الجوي الملكي البريطانية للسفر إلى المناطق القبلية وإرهاب القبائل للرضوخ والامتثال؟
كانت فترة حكم الملك فيصل مليئة بالكثير من التوترات داخل المجتمع العراقي، بما في ذلك الثورات القبلية والحركات الاحتجاجية، حتى أن الأمر وصل في وقت من الأوقات إلى حدوث أول إضراب عام في تاريخ منطقة الشرق الأوسط. ومما يحسب للملك فيصل هو قدرته على التفاوض في أغلب الأوقات للتوصل إلى نهاية سلمية وتقييد الاتجاهات القمعية لمساعديه، بما في ذلك رئيس الوزراء نوري سعيد باشا، الذي كان يتمتع بنفوذ قوي، وكذلك وزير الداخلية.
ومع تقدمه في العمر واقتراب فترة حكمه من نهايتها، بالإضافة إلى تبدد حلم العودة إلى العرش في سوريا، حاول فيصل تقديم خارطة طريق للعراق. وجاءت تلك المحاولة في صيغة مذكرة مكونة من ثماني صفحات، حيث جرى إرسالها إلى عدد من الشخصيات «النافذة والمؤثرة» في المؤسسة الحاكمة. استغرق علاوي وقتا طويلا وبذل مجهودا كبيرا لاستعراض هذه المذكرة. وعلى الرغم من ذلك، فمن خلال القراءة الجيدة لهذه المذكرة، كان الأمر مزيجا من الحنين إلى الوطن والأماني. واقترح فيصل إعادة إنعاش النظام العثماني «النظام الملي» من خلال منح الأقاليم العراقية استقلالا أكبر. وحث فيصل أيضا على تكوين جيش لديه القوة الكافية لمحاربة «حالتي» التمرد ضده في آن واحد. ومن اللافت للنظر أنه لم يقترح كيفية منع اندلاع الثورات.
ويصور علاوي بمهارة كبيرة الجهود الدبلوماسية للملك فيصل خلال مفاوضات السلام في باريس، وبعد ذلك إنهاء الوصاية البريطانية على العراق والاعتراف بها كعضو في عصبة الأمم.
ومن بين الإنجازات الأخرى للملك فيصل هو بناء علاقات جيدة مع الدول المجاورة للعراق، ولا سيما تركيا وإيران والمملكة العربية السعودية.
وللأسف أن الحادث الأول الرئيس بعد فترة الوصاية على العراق كان متمثلا في مجزرة الآشوريين من قبل الجيش الذي جرى إنشاؤه حديثا بأوامر الملك فيصل. وزعم فيصل أن الآشوريين المتمردين لم يكونوا عراقيين بل «غزاة» من تركيا وإيران. وعلى ما يبدو أنه لم يعرف أن العراق كانت هي قلب الإمبراطورية الآشورية - الكلدانية لأكثر من 1000 عام. ووفقا لما فعله القادة العرب الآخرون فيما بعد، بما في ذلك صدام حسين وحافظ الأسد وبشار الأسد، كانت مجزرة الآشوريين بسيطة، حيث حصدت أرواح 341 شخصا من الرجال والنساء والأطفال.
وفي ضوء التدفق الرائع للقصة، يقدم لنا علاوي عملا رائعا يعد بمثابة منحة تاريخية وقراءة ممتعة. ويزخر هذا الكتاب بالحكايات النادرة بما يسلط الضوء على هذه الشخصية البارزة وحاشيته. ومن إحدى الطرائف التي أعجبتني شخصيا، عندما دخل فيصل وعبد الله في نقاش – حيث كانت العلاقة بينهما دائما تتسم بالتنافس بين الأشقاء – بشأن أعظم الشعراء الفارسيين، حيث كان عبد الله يفضل الشاعر سعدي، بينما يصمم فيصل على أن الشاعر حافظ هو الأفضل.
إن الرجل الذي يكن التقدير لشاعر مثل حافظ لا يمكن أن يكون سيئا.
ولكن مسألة «الأعظم» تعتبر قصة أخرى.



إيفا إيلوز تعلن نهاية الحب وتنعى فن الغزل

إيفا إيلوز
إيفا إيلوز
TT

إيفا إيلوز تعلن نهاية الحب وتنعى فن الغزل

إيفا إيلوز
إيفا إيلوز

لم يكف المفكرون وعلماء النفس والاجتماع الغربيون منذ بدايات القرن الفائت عن تناول الأسباب العميقة التي أدت إلى تدهور العلاقات العاطفية بين البشر، في ظل الاستشراء المتعاظم لنظام القيم الرأسمالي، الذي يقع الجشع والمنفعة وجباية الملذات في رأس أولوياته. وإذا كان الباحث البولندي زيغمونت باومان قد تحدث في كتابه «الحب السائل»، الذي تم تناوله في مقالة سابقة، عن لزوجة الروابط الإنسانية الحديثة، فإن الباحثة الفرنسية إيفا إيلوز ذهبت في كتابها «نهاية الحب» إلى أبعد من ذلك، فتحدثت عن ضمور الحب وسقوطه المريع تحت الضربات الهائلة والمتصاعدة للمطرقة الرأسمالية.

لعل أكثر ما تؤكد عليه إيلوز في كتابها القيّم والمستفيض هو أن التحول الذي حدث في العلاقات الإنسانية هو أخطر من أن يترك في عهدة علماء النفس بمفردهم، لأن لدى علم الاجتماع الكثير مما يقوله في هذا الشأن، حيث إن «اللايقين العاطفي الذي يسود في مجالات الحب والرومانسية والجنس هو النتيجة السوسيولوجية المباشرة للطرق التي أدمج بها سوق الاستهلاك والصناعة العلاجية وشبكة الإنترنت، من خلال الاختيار الفردي الذي بات الإطار الرئيسي للحرية الشخصية».

إميل دوركهايم

وترى إيلوز في كتابها أن الحب الذي كان موجهاً للآلهة ومسنوداً بقيم دينية وسماوية انتقل في العقود الأخيرة إلى نوع من الفردانية التملكية والجنسية، التي تسوغ للمرء اتصالاً جسدياً مع من يختاره بنفسه. وقد بدأت لبنات هذه «الحداثة العاطفية» بالظهور في القرن الثامن عشر. على أنها لم تتحقق بشكل كامل إلا بعد ستينيات القرن العشرين، سواء تجلى ذلك عبر الإقرار الثقافي بحرية الاختيار العاطفي، أو عبر إعلاء مبدأ اللذة والمتع الافتراضية التي وفرتها الشبكة العنكبوتية.

وقد كان عالم الاجتماع المعروف إميل دوركهايم من أوائل الذين أدركوا مغزى انهيار النظام العاطفي والمعياري والمؤسساتي للعلاقات الإنسانية. فهو ركز في بحوثه على البشر المصابين بالأنوميا، أو الشراهة المفرطة، الذين يجدون متعتهم في العلاقات الحرة وغير المقيدة بأي شيء سوى المتعة نفسها. وبما أن الإنسان الشره يتعلق بكل من ينال إعجابه، ولا شيء يرضيه على الإطلاق، فسوف تدركه لعنة اللانهائي، التي لا ينتج عنها سوى البلبلة والاضطراب النفسي، وصولاً إلى الانتحار.

وفي سياق الضمور التدريجي للحب الرومانسي وسيادة اللاحب، تتيح الحياة المعاصرة للبشر الباحثين عن كسر العزلة الفرصة الملائمة لنسج علاقات عاطفية أكثر يسراً من السابق، إلا أنها تقدم الشيء ونقيضه في آن. فهي إذ تساعدهم من ناحية على تعريف أنفسهم عن طريق الاختيار الحر وتحقيق الرغبات، يتخذ تعريف الذات أشكالاً سلبيةً تتمثل بالإعراض والتردد والحيرة والصد المتكرر ونبذ العلاقات، بما أكسب الاختيار طابع اللااختيار، وحوّل فائض الحرية إلى نعمة ونقمة في آن.

زيغمونت باومان

والواضح أن الحداثة، التي عملت في البداية على تحرير الحب والصداقة والعلاقات الإنسانية من الأغلال، ما لبثت بتأثير واضح من نمط العلاقات الرأسمالية، التي يشكل نظام العقود بين الشركات عنوانها الأبرز، أن حوّلت الحب إلى علاقة استثمارية تعاقدية بين طرفين، يحرص كل منهما على تحصيل أقصى ما يستطيعه من الأرباح. لكن الأمور لم تتوقف عند هذا الحد، بل إن القدرات التواصلية الفائقة للحداثة أفضت في وقت لاحق إلى خلخلة العلاقات الاجتماعية التقليدية، أو نقلها إلى خانة سلبية بحتة. والبراهين على ذلك كثيرة ومتنوعة، من بينها المواعدات العرضية، والاكتفاء بالعشيق المؤقت أو رفيق المتعة، والنأي عن أي وعد ملزم، وإخلاء العلاقات من أي شبهة شاعرية.

وتستعيد المؤلفة في هذا السياق، وبالكثير من النوستالجيا، الوجوه والمفاهيم السابقة للحب، سواء تعلق الأمر باليوتوبيا الصوفية، أو بالتقشف المسيحي، ممثلاً بأوغسطين وتوما الأكويني، الذي يكاد يحصر العلاقة الجسدية في نطاق الإنجاب والتكاثر، أو بالحب الفروسي الذي ساد في العصور الوسطى، وأنتج قصائد رائعة في التوله العشقي. وهي تضع في السياق نفسه رؤية إيمانويل كانط الأخلاقية إلى العلاقات العاطفية، التي لا ينبغي حسب قوله «أن تجعل من الشخص الآخر موضوعاً للشهوة، ثم تطرحه بعد إطفائها كما يُطرح الليمون بعد عصره».

وهي إذ تفعل ذلك فلتبين بوضوح كيف أن النظام الرأسمالي، بخاصة في ظل التطورات المتسارعة لوسائل الاتصال، لا يقرأ إلا في كتاب الاستثمار وتحصيل المكاسب، بدليل أنه فصل الجسد الإنساني عن أي مرجعية أخلاقية واجتماعية، وحوّله إلى مرجع قائم بنفسه وذاتي الإحالة، ومفصول عن الأجساد الأخرى وباقي الأشخاص. وإذا كانت الجنسانية غريزة طبيعية، فيمكن للجسد الجنسي أن يصير فيزيولوجيا خالصة محكومة بالهرمونات والنهايات العصبية.

وإذا كانت التحولات الدراماتيكية التي أدخلها نظام المنفعة الرأسمالي على سلم القيم المألوف أصابت الحب في صميمه، فهي قد أصابت بالطريقة ذاتها فن الغزل، سواء ما تعلق منه بالشعر، أو بقواعد المغازلة القديمة على اختلاف مستوياتها وأغراضها. صحيح أن المغازلة لم تكن تتم على الدوام في سياق التمهيد الصادق للارتباط النهائي بالآخر، بل كان بعضها يقع في خانة الإغواء الشهواني للطرف المعشوق واستدراجه إلى علاقة جسدية عابرة، لكنها ترتكز في جميع الحالات على مجموعة واضحة من القواعد الاجتماعية التي تنظم المشاعر والعواطف والتفاعلات في مسارات ثقافية محددة المعالم والغايات.

ولعل أهم ما تمنحه أشكال المغازلة التقليدية للمتغزلين، هي أنها تخرجهم من حالة التذرر واللايقين التي تحكم في العادة شخصية البشر المتوحدين، أو المهووسين بإرضاء نزواتهم، وتدرجهم في سياق بنية سردية وسوسيولوجية، محددة المقدمات والنتائج. فالمغازلات الغرامية ما قبل الحديثة كانت، وفق دوركهايم، مرتبطة بمجالات للطاقة شديدة التكثيف، وقادرة عبر ديناميتها الفاعلة وظهيرها العاطفي، على إكساب العلاقة بين الطرفين ما يلزمها من الفاعلية والجدوى، وما يخفف بالتالي من وطأة الغموض واللايقين.

لم يكن اختفاء المغازلة الغرامية بهذا المعنى سوى المحصلة الطبيعية للحرية الجنسية، التي لم يلبث أن أمسك بزمامها جهاز مؤسَّسي لا يقيم للمشاعر الإنسانية القلبية أي وزن يذكر. فإذا كانت الحرية قد شكلت الشعار الآيديولوجي للحركات الاجتماعية والسياسية، فإنها باتت بالمقابل الذريعة التي يتوسلها طالبو المتع الحسية المجردة لتحقيق غاياتهم، وإخلاء حياتهم من أي معنى يتجاوز هذه المتع. وقد عززت الرأسمالية «المرئية» هذا الشكل من الاستغلال المكثف والواسع للجسد الجنسي، من خلال صناعة الصور والسرديات التي لم تكف التكنولوجيا المتطورة عن توفيرها لهواة النوع. وهو ما جعل العلاقات القائمة بين البشر تأخذ شكل المقايضات المتبادلة التي تتم بين غرباء، يقوم كل منهما بإسداء خدمة مُرْضية للآخر.

لكن المفارقة اللافتة في هذا النوع من العلاقات التي تعززها الرأسمالية النيوليبرالية هي أن التمحور الغرائزي حول الذات الظامئة أبداً إلى التحقق، يقابله تهديد عميق للهوية الفردية والاجتماعية على حد سواء، بحيث إنني «لا أستطيع أن أقول من أنا وماذا أريد». وفي ظل هذا النوع من العلاقات المعولمة، تسود بنية جديدة للشعور تتأرجح بين المجالين الاقتصادي والجنسي، وتجد تعبيراتها في المرونة الزائدة، والانتقال من شريك إلى آخر، وعدم الولاء. وهو ما جعل انعدام الإحساس بالأمان يسير جنباً إلى جنب مع التنافسية المطلقة وغياب الثقة.

لعل أخطر ما تسبب به الانهيار التراجيدي لعلاقات الحب الوثيقة هو أن اختفاء الروح من المشهد الغرامي قد ترك الجسد يخوض وحيداً وبلا ظهير معركة إثبات الفحولة والتنافس القاسي على الخواء. وهو ما جعل أضراره تتعدى الإحساس بالفراغ الروحي والميتافيزيقي، لتصل ببعض الخاسرين في سباق الفحولة إلى الانتحار، كما حدث لبطل ميشيل ويلبيك في روايته «توسيع دائرة الصراع».

وإذ تلح إيفا إيلوز في خاتمة كتابها على أنها ليست معنيةً بتقديم المواعظ الأخلاقية، ولا الدعوة إلى تضييق هامش الحرية، أو الحث على العودة إلى بيت الطاعة الأسري، تؤكد بالمقابل على كونها معنيةً بأن يجد سعار الشهوات المحمومة، وفوضى الغرائز المنفلتة من أي وازع، طريقهما إلى التراجع. وإذا كانت الحرية الفردية هي المبدأ الحقوقي الذي يتذرع به الكثيرون لتبرير انفلاتهم الغرائزي، وتهالكهم على الملذات، فلماذا لا تكون الحرية بالمقابل بمثابة الذريعة الملائمة لرفع الستار عن كنوز الروح وجمال الحب وفتنة اللامرئي.


لوحة «ملوك العالم» في قصير عمرة

ملوك الأرض في لوحة من جداريات قصير عمرة، مع رسم توثيقي لها
ملوك الأرض في لوحة من جداريات قصير عمرة، مع رسم توثيقي لها
TT

لوحة «ملوك العالم» في قصير عمرة

ملوك الأرض في لوحة من جداريات قصير عمرة، مع رسم توثيقي لها
ملوك الأرض في لوحة من جداريات قصير عمرة، مع رسم توثيقي لها

يقع قصير عمرة في بادية الأردن، جنوب غرب محمية وادي الأزرق، ويُعرف بجدارياته التي تشكّل متحفاً للفن التصويري الأموي. تحوي هذه الجداريات مجموعةً من اللوحات الكبيرة، حظي عدد منها بشهرة واسعة، منذ أن كشف العالم التشيكي ألوييس موزيل عنها في مطلع القرن الماضي. تبرز في هذا الميدان لوحةٌ تُعرف باسم «ملوك العالم»، تُمثّل ستة أشخاص تعلو قاماتهم كتابات تسمّي أربعة منهم.

يجمع قصير عمرة بين حمّام كبير، ومجلس مكوّن من ثلاثة إيوانات معقودة، ويحضر «ملوك العالم» في الإيوان الغربي، على طرف الجدار الغربي، ضمن تأليف يجمع بين ثلاث لوحات متلاصقة. تناوب عدد من كبار العلماء على تحليل هذه اللوحة، واستندوا في أبحاثهم على رسم توثيقي نشره ألوييس موزيل عام 1907 ضمن دراسة خصّ به هذا الموقع الأموي. لم تصل هذه اللوحة بشكلها الكامل عند اكتشافها، إذ فقدت بعضاً من تفاصيلها حين حاولت البعثة التي قادها موزيل نزعها لنقلها، وتبيّن أن هذه البعثة نقلت عينة صغيرة منها، دخلت «متحف الفن الإسلامي» ببرلين.

تمّ تنظيف هذه اللوحة في النصف الأوّل من سبعينات القرن الماضي، يوم قامت بعثة إسبانية بتدعيم بناء قصير عمرة. ورُمّمت منذ بضع سنوات، حيث باشر فريق إيطالي من «المعهد العالي للحفظ والترميم» العملَ في الموقع في 2010. شمل هذا العمل المتأنّي لوحة «ملوك العالم»، وأدّى إلى الكشف عن تفاصيل بقيت مخفية من قبل. ظهر وجهان من وجوه هؤلاء الملوك بشكل جلّي، وشهد هذا الظهور لمتانة الأسلوب المتبع في التصوير والتلوين.

تُمثّل هذه اللوحة ثلاث قامات تحضر في المقدمة في وضعية المواجهة، رافعةً أيديها في اتجاه اليمين، في حركة ثابتة. وتظهر من خلف هذه القامات ثلاثة وجوه تنتصب في وضعيّة مماثلة. تشكّل هذه القامات الست جوقة واحدة، وتبدو أحجامها متساوية، ممّا يوحي بأنها تنتمي إلى مصاف واحد. تظهر القامات التي تحتل المقدّمة بشكل كامل، وتتميّز بلباسها المترف. في المقابل، تطلّ القامات التي تقف من الخلف بشكل جزئي، ولا يظهر من لباسها إلا بعض تفاصيل.

في قراءة تتّجه من اليسار إلى اليمين، يظهر في طرف الصورة ملك ضاع رأسه، غير أن الرسم التوثيقي حفظ صورة قمة تاجه، كما حافظ على الكتابة المزدوجة التي تسمّيه. يحلّ الاسم باليونانية في عبارة بقي منها ثلاثة أحرف، ويحل بالعربية في عبارة بقي منها حرفان. قراءة العبارتين جلّية رغم هذه الثغرات، وتسمّي «قيصر»، أي إمبراطور الروم. من خلفه، ينتصب ملك فقد كذلك رأسه، ويكشف الرسم التوثيقي عن قمة الخوذة التي تعلو هذا الرأس، كما يكشف عن كتابة مزدوجة تبدو مبهمة، وهذه الكتابة محفوظة في العينة التي دخلت «متحف الفن الإسلامي» ببرلين، وتحوي حرفاً واحداً يظهر بشكل جلي، وهو حرف «ق». تُظهر الدراسات بأن المَعني هو رودريغو، آخر الملوك القوط، حاكم هسبانيا ما بين عام 710 وعام 712، وقد اختلف الرواة العرب في اسمه، «فقيل رذريق، بالراء أوله، وقيل باللام، لذريق، وهو الأشهر» على ما كتب المقري التلمساني في «نفح الطيب من غصن الأندلس الرطيب». عن يمين قيصر، يقف ملك يعتمر تاجاً يتميّز برأس مسنون يعلوه هلال، يرتفع وسط قرنين متواجهين. تعلو هذا التاج كتابة مزدوجة سلم جزء كبير من أحرفها، وتشير إلى «كسرا»، وهو اللقب الذي عُرف به ملوك الساسانيين الفرس. من خلفه، يقف ملك تهشّم وجهه، تعلو رأسه كتابة مزدوجة ضاع بعض أحرفها، وما بقي منها يشير بالتأكيد إلى النجاشي، ملك الحبشة. إلى جانب النجاشي يحضر أخيراً ملكان ظهر وجهاهما بشكل واضح، غير أنّ هويّتيهما ظلّتا موضع بحث بسبب غياب أي كتابة مرافقة لهما.

يرتدي قيصر جلباباً أصفر يعلوه قباء أزرق تزيّنه شبكة من الزخارف الدائرية. ويحضر كسرى برداء أزرق ومعطف أصفر فاتح، يعلوه قباء أحمر ينسدل طرفه الأيمن على الساقين. ويقف النجاشي بجلباب أبيض، تزيّنه بطانة طويلة حمراء، تمتدّ على الكتفين، وتنسدل في الوسط. يطل الملك الخامس بشارب طويل يعلو فمه، ويظهر برداء فاتح، يعلوه قباء أزرق تزينه شبكة من الزخارف الوردية. تنتصب هامة الملك السادس من خلفه، وتكشف عن وجه ملتح بقي الجزء الأسفل منه. يرفع الملوك الذين يتقدّمون هذا الجمع أيديهم نحو الجهة اليمنى، وتأتي هذه الحركة في اتجاه لوحة كبيرة تحتلّ جدار الإيوان الأوسط، تُمثّل الأمير الوليد بن يزيد وسط ديوانه، كما تؤكّد الكتابة التي تعلو هذه اللوحة.

قدّم العالم أوليغ غرابار في عام 1954 قراءةً معمّقةً ترى هذه اللوحة تعبيراً مجازياً عن روحية الحكم الأموي، واستعاد فيها قولاً مأثوراً عُرف به الخليفة يزيد بن الوليد بن عبد الملك: «أنا ابن كسرى وأبي مروان/ وقيصر جدي وجدي خاقان»، ورأى في هذا القول تعبيراً عن «أمميّة» أموية تعبّر عنها تشكيلياً جدارية قصير عمرة. من جهة ثانية، اعتبر الباحث أن تصوير «الملوك الستة» يحاكي تقليداً فارسياً، واستشهد بحديث في «معجم البلدان»، يذكر فيه ياقوت الحموي ركناً في قرميسين، أي کرمانشاه، يحوي صورة فنية تجمع «ملوك الأرض، منهم فغفور ملك الصين، وخاقان ملك الترك، وداهر ملك الهند، وقيصر ملك الروم، عند كسرى أبرويز.

اتبع مصوّر جدارية الملوك الستة، كما يبدو، هذا التقليد، غير أنَّ لوحته حملت طابعاً محلياً تمثّل في تدوين الأسماء، فاللافت هنا ان اسم ملك الروم لم يتغيّر في صياغته اليونانية، ولم يُستبدل به اسم «باسيليوس» الذي تبناه البيزنطيون، بل حضر باسم «قيصر» الذي عُرف به في الميراث الإسلامي. تحضر أسماء كسرى وقيصر والنجاشي من دون تحديد هوية أصحابها، ويحضر اسم لذريق بشكل فردي، مختزلاً سلالة ملوك القوط التي لم يتعرّف إليها علماء المسلمين بشكل عميق. وظهر إلى جانب هؤلاء الملوك الأربعة، ملكان أحدهما على الأرجح ملك الترك، والآخر ملك الصين أو ملك الهند.

هزم الحكم الإسلامي الأول ملوك الروم والفرس والقوط، إلا أنه لم يمح أثرهم، بل كان وارثهم. تعكس لوحة حلقة الملوك المنعقدة أمام ولي العهد الأموي هذا التحوّل، إذ يظهر فيها المهزومون منتصبين بوقار في وقفة جامعة، لا راكعين أمام غالبهم، كما هي العادة في التقاليد الفنية الرومانية والساسانية والبيزنطية. تشهد هذه اللوحة لأمميّة المجتمع الإسلامي في زمن خلافة بني أمية، ويتجلى هذا الطابع في لوحات أخرى من جداريات قصير عمرة، تحمل تفاصيلها مزيجاً خلّاقاً من التقاليد والأساليب التي تبنّتها هذه الخلافة وطوّرتها.


«قراءات نقدية» لـ«توشيج العلاقة بين القارئ والكاتب»

«قراءات نقدية» لـ«توشيج العلاقة بين القارئ والكاتب»
TT

«قراءات نقدية» لـ«توشيج العلاقة بين القارئ والكاتب»

«قراءات نقدية» لـ«توشيج العلاقة بين القارئ والكاتب»

صدر حديثاً عن مؤسسة «ميسلون للثقافة والترجمة والنشر» كتاب «قراءات نقدية» لمؤلفه محمود أبو حامد. والكتاب، كما يقول أبو حامد، هو «محاولة لتوشيج العلاقة بين القارئ والكاتب، وتقريبه من الأدوات النقدية السائدة، والعتبات المحددة لأبوابها، ومشاركته في تناول نماذج إبداعية متنوعة ومختلفة في أجناسها وأشكالها، لكنها متقاطعة في أبنيتها ومساراتها السردية وصياغة شخصياتها، ومرجعياتها ودوافعها وتداعياتها... وهو محاولة أيضاً لكسر الحواجز بين الأجناس، وإضافة قواسم مشتركة بينها، وتسليط الضوء على الكتابات البكر والجديدة... وتندرج هذه النماذج تحت عناوين متنوعة تحدد تقاطعاتها».

في فصل «المادة المعرفية»، أي اعتماد أو اتكاء العمل الإبداعي على مادة أو مواد معرفيةٍ ما، تناول المؤلف رواية الكاتب والناقد السوري نبيل سليمان «تحولات الإنسان الذهبي»، ورواية الكاتب العراقي شاكر نوري «الرواية العمياء»، وديوان «عابرُ الدهشة» للشاعرة اللبنانية ندى الحاج، وديوان «وجهك صار وشماً غجرياً» للشاعرة السورية ماجدة حسّان، ومجموعة «زوجة تنين أخضر» للقاصّة السورية روعة سنبل.

وتحت عنوان «فنتازيا البناء والسرد»، نطلع على قراءات في رواية «قمل العانة» للكاتب السوري الراحل غسان الجباعي، ورواية «لستُ حيواناً» للكاتب الفلسطيني وليد عبد الرحيم، ومجموعة القاصّ الفلسطيني راكان حسين «بوابة المطر»، وديوان «تمرين على النباح» للشاعرة الفلسطينية منى العاصي، ورواية «الغابة السوداء» للكاتب السوري مازن عرفة.

وتحت عنوان «تجليات الأمكنة»، كتب أبو حامد عن تجارب عدد من الشعراء: السوري أسامة إسبر، والشاعر الأردني عمر شبانة، والشاعرة المغربية فدوى الزيّاني، والشاعر السوري حسين الضّاهر. ومن الفصول الأخرى، وتحت عنوان «الحرب وتداعياتها»، نقرأ مقالة للكاتب بعنوان «الحرب في سوريا وحيادية المواقف بين البناء والسرد»، تتضمن تناولاً لآراء بعض الكتاب السوريين عن الحرب/ الثورة، مثل: نبيل سليمان، وفواز حداد، وخالد خليفة، وغسان الجباعي، ونهاد سيريس، وشادية الأتاسي، ورباب هلال، وبشير البكر، وأسماء الكريدي. وفي «بين ثقافتين»، كتب المؤلف عن الروائيين السوريين: مازن عرفة في روايته «الغابة السوداء»، ونهاد سيريس في روايته «أوراق برلين»، وإبراهيم اليوسف في روايته «جمهورية الكلب».

وبين «الثقافة العربية والإنجليزية»، تناول أبو حامد من لندن تجربة القاصّ العراقي عبد جعفر في مجموعته «طاقية الوهم»، التي تبرز فيها «مقارنات دقيقة بين اللغات والإيحاءات من الشوارع والمارة، من المتاحف والأسواق، من برودة الطقس ودفء الأمان... ويختار فيها نماذجه بعناية ويحركها في أمكنة ضمن مشهدية تمنح للسرد تشويقاً إضافياً». ومن فرنسا، اختار المؤلف الشاعرة السورية سلام أبو شالة في كتابها «بالخط الأحمر» الذي تسرد فيه «زمن الخروج إلى النجاة»، وتصف رحلاتها، والمدن التي أقامت فيها لاجئة، وتبحث في ثقافاتها من فنون وموسيقى ومتاحف... و«لكن دائماً ثمة هاجس خفي يعيدها إلى بلادها».