تعيش تركيا أجواء تشبه «الحرب الأهلية» في الداخل مع تزايد رقعة العنف في المناطق ذات الغالبية الكردية التي أعلنتها السلطات التركية أمس منطقة عسكرية، والتي قال الحزب الموالي للأكراد إن إجراء الانتخابات فيها «أمر مستحيل» في ظل الأجواء التي تعيشها. وارتفعت حدة التوتر الأهلي في تركيا، بين القوميين والأكراد، بالتوازي مع هجمات شنها متظاهرون قالت المعارضة إنهم موالون لحزب «العدالة والتنمية» الحاكم على صحيفة «حرييت» بعد أن اتهمها رئيس الجمهورية رجب طيب إردوغان بتحريف أقواله.
وبموازاة العنف غير المسبوق في المناطق الجنوبية، التي تشهد هجمات يومية لتنظيم «حزب العمال الكردستاني» المحظور، يشهد الشارع التركي احتقانا كبيرا يتمثل بحوادث تهز الشارع التركي في كل يوم، حيث تشن جماعات من الأتراك هجمات على كل ما هو كردي، ما استدعى تدخلا مباشرا من رئيس الوزراء التركي أحمد داود أوغلو الذي دعا مواطنيه إلى التهدئة.
وتتواصل التقارير الإعلامية والأمنية التي تتحدث عن هجمات تشن على سيارات للنقل يملكها أكراد، بينما أوردت تقارير أخرى أن كرديا في الـ21 من العمر قتل في إسطنبول على يد شبان غاضبين سمعوه يتكلم الكردية بعد هجوم كبير شنه المتمردون الأكراد أوقع عشرات القتلى في صفوف قوات الأمن التركية في محافظة «ديجلة».
وقد أعلنت ولاية ديار بكر في جنوب شرقي تركيا أربعة أقضية تابعة لها «مناطق عسكرية مغلقة» بشكل مؤقت. وأفاد بيان صادر عن الولاية بأنه تم إعلان مناطق «سيلوان»، و«كولب»، و«ديجله»، و«ليجا» كمناطق عسكرية مغلقة، لغاية الأول من مارس (آذار) 2016، بهدف حماية أرواح وممتلكات السكان، ومنع المنظمة الإرهابية الانفصالية من وضع يدها على بعض الأراضي، والحيلولة دون وقوع أعمال شغب. وأشار البيان إلى حظر دخول المواطنين إلى تلك المناطق حفاظًا على سلامة أرواحهم وممتلكاتهم.
وهاجم متظاهرون خرجوا للتنديد بالهجمات المتزايدة في تركيا مقرات حزب الشعوب الديمقراطي الكردي في مختلف المدن، لا سيما في العاصمة أنقرة. وقد تسبب الهجوم على المبنى الرئيسي للحزب في أنقرة بإلحاق أضرار جسيمة بالطابق الثاني الذي لم يعد صالحا للاستخدام. وتعرض المركز الرئيسي للحزب للهجوم مساء أول من أمس حيث كسر بعض الأشخاص زجاج المبنى ودخلوا وأضرموا النار فيه. وشب حريق في الطابق الثاني من المبنى المكوَّن من 5 طوابق، إلا أن فرق الإطفاء تمكنت من إخماد الحريق قبل أن تمتدَّ ألسنته إلى الطوابق الأخرى. وأتى الحريق على السجلات والوثائق الخاصة بالحزب.
وأصدر حزب الشعوب الديمقراطي بيانا اتهم فيه الأجهزة الأمنية الرسمية بأنها «تسامحت» مع المتظاهرين الفاشيين الذين هاجموا مراكز حزب الشعوب الديمقراطي، بل دعمتهم أحيانا، مع أنهم أعلنوا مسبقا بأنهم سيهاجمون مراكز الحزب. وقال رئيس الحزب صلاح الدين دمرتاش إن تدهور الوضع الأمني في جنوب شرقي تركيا الذي تقطنه أغلبية كردية، إذ انهار وقف إطلاق النار بين الحكومة والمسلحين الأكراد سيجعل من الصعب إجراء الانتخابات المزمعة في نوفمبر (تشرين الثاني) المقبل، بينما حذرت شريكته في رئاسة الحزب ليلى امرات من أن الحرب الأهلية ستبدأ من بلدة جزيرة التي شهدت أكبر عمليات التمرد على السلطات المركزية، حيث حفر مسلحون خنادق في شوارعها وأعلنوا الحكم الذاتي، بينما تشير التقارير الأمنية إلى مواجهات مستمرة منذ عدة أيام.
وتحدثت تقارير إعلامية عن أن نتائج المواجهات بدأت تظهر بوضوح مشكلات الأغذية والدواء في هذه البلدة التي انقطعت فيها خطوط الهواتف والكهرباء والمياه والإنترنت. وعلّقت ليلى جوفين النائبة عن حزب الشعوب الديمقراطي إن مرضى الغسيل الكلوي، وعددهم 73 مريضًا، الذين لم يمكنهم الخضوع لغسيل الكلى منذ خمسة أيام معرضون لخطر جدي للغاية.
وبعد وضع جثة الفتاة جميلة تشاغيرجان البالغة 10 سنوات التي لقيت حتفها أمام منزلها في الثلاجة لمدة 3 أيام، تمكن أسرتها مؤخرا من نقلها إلى مستودع الجثث أمس. كما تم نقل جثمان كل من سعيد تشاغداوول (19 عامًا) الذي مات أثناء الاشتباكات وعثمان تشاغلي (18 عامًا) والطفل محمد طاهر ياراميش وعمره 35 يومًا الذي مرض في منزله ومات بسبب عدم نقله إلى المستشفى، إلى مستودع الجثث بمستشفى الحكومي بالمدينة.
وفي إسطنبول، وأنقرة، تعرّضت صحيفة «حرييت» التركية لاعتداءات جديدة من قبل متظاهرين يقال إنهم مؤيدون للحكومة ولرئيس الجمهورية رجب طيب إردوغان للمرة الثانية خلال 48 ساعة. واحتشد عدد من المواطنين ليل الثلاثاء، للمرة الثانية، أمام مقر صحيفة «حرييت» بمنطقة باغجيلار بإسطنبول متهمين إياها بأنها حرفت تصريحات إردوغان. وقاموا بكسر زجاج واجهة المبنى والبوابة الرئيسية بالحجارة والعصي.
وأكد رئيس تحرير صحيفة «حرييت دايلي نيوز» الناطقة بالإنجليزية مراد يتكن لـ«الشرق الأوسط» أن تركيا تعيش في هذه الأيام «أوقاتا صعبة». ورأى يتكن أن حرية الصحافة التركية هي من بين أول من يعاني. وقال: «اتهم الرئيس إردوغان صحيفة (حرييت) بمحاولة التلاعب به. بعد فترة وجيزة، تجمع نحو 200 متظاهر أمام مقر الصحيفة في إسطنبول، مرددين شعارات مؤيدة لإردوغان ويهتفون ضد أيدين دوغان، مؤسس مجموعة دوغان». ورأى يتكن أن ما حصل هو جزء جديد من سلسلة من الضغوط السياسية والترهيبية الآن (الهجمات)، مشيرا إلى أن «ضغوطا مالية غير مسبوقة جرت على المؤسسة وقد تزايدت بعد انتخابات السابع من يونيو (حزيران). ورأى أن وسائل الإعلام المستقلة في تركيا تواجه الآن مسؤولية الاستمرار في تغطية ونقل الأخبار، معتبرا أن «الديمقراطية التركية تتعرض للهجوم». من جانبه، قال سدات أرجين رئيس تحرير صحيفة «حرييت» إن عدم صدور إدانات قويّة من جانب الحكومة للاعتداء الأول قد يكون شجّع هؤلاء المعتدين على الهجوم مرة ثانية. وأضاف أرجين بأن هذه الاعتداء الأخير الذي وقع قبل مرور 48 ساعة على الاعتداء الأول هو أمر يبعث على الدهشة والتفكير والتأمل في الواقعة.
من جهتها، قالت صحيفة «زمان» المعارضة إن مجموعة مؤيدة لحزب العدالة والتنمية نظمت أعمالا استفزازية أمام مقر صحيفة «زمان» بمنطقة يني بوسنه بإسطنبول، حيث هاجموا الباب الخارجي للصحيفة بالأحجار والعصي وتفوهوا أيضًا بشتائم بذيئة للغاية، ثم انصرفوا.
وقال رئيس الوزراء أحمد داود أوغلو: «إننا لن نسمح بالنزاع بين الإخوة». وكتب داود أوغلو في صفحته على «تويتر» تعليقا على الهجمات التي استهدفت مكاتب الحزب الموالي للأكراد وصحيفة «حرييت»: «لا يمكن قبول إلحاق الأضرار بالمؤسسات الصحافية ومراكز الأحزاب السياسية وممتلكات المواطنين المدنيين». وشجب إطلاق النار على مركز حزب الشعوب الديمقراطي، وقال: «لقد حضرنا مراسم تشييع جنازة شهدائنا الأبرار في مدينة وان، حيث رُثي أبناؤنا الشهداء باللغات التركية والكردية والعربية، وانتقلوا إلى الدار الآخرة وهم مكفنون بالعلم التركي». وأضاف: «إن نضالنا المشترك ضد الإرهاب ينمِّي أواصر الأخوَّة بيننا.. وإنني أخاطب شعبي العزيز: إن الإرهاب يهدف إلى النيل من أواصر الأخوَّة الوطيدة التي تجمعنا، وزرع الفتنة بين الإخوة».
وفي الإطار نفسه، دعا رئيس حزب الشعب الجمهوري كمال كلجدار أوغلو المواطنين في أنحاء تركيا إلى التصرف بوعي وحكمة حيال الأحداث الأخيرة في البلاد. وقال في تغريدات نشرها كلجدار أوغلو على حسابه الرسمي في موقع «تويتر»: «حان الوقت اليوم لأن نُرِي العالم كله مجددًا أخوتنا المستمرة منذ أعوام. أدعو مواطنينا للتحرك بحكمة ووعي».
ودعا رئيس حزب الحركة القومية التركي المعارض دولت بهجلي إلى تطبيق الأحكام العرفية في المناطق الشرقية والجنوبية الشرقية للبلاد. وأشار إلى أن إعلان مناطق أمنية أمر لا فائدة منه وأن من الضروري تطبيق الأحكام العرفية. وأوضح أن الشعب التركي يبدي موقفًا مشروعًا ضد الإرهاب، وأن من الضروري الحذر من الانجراف نحو الصراع العرقي والفوضى، والتصرف بحكمة وحذر لمنع اشتعال الأزمة والاقتتال الداخلي في تركيا.
تركيا تعيش أجواء «الشحن القومي».. وتحذيرات كردية من «الحرب الأهلية»
رئيس تحرير «حرييت دايلي نيوز» لـ {الشرق الأوسط}: الديمقراطية التركية تتعرض للهجوم
صلاح الدين دمرتاش زعيم حزب الشعوب الديمقراطي المؤيد للأكراد في تركيا لدى عبوره أحد الحقول مع وسائل الإعلام بعد أن منعته السلطات من التوجه بالسيارة إلى بلدة جزيرة (أ.ف.ب)
تركيا تعيش أجواء «الشحن القومي».. وتحذيرات كردية من «الحرب الأهلية»
صلاح الدين دمرتاش زعيم حزب الشعوب الديمقراطي المؤيد للأكراد في تركيا لدى عبوره أحد الحقول مع وسائل الإعلام بعد أن منعته السلطات من التوجه بالسيارة إلى بلدة جزيرة (أ.ف.ب)
لم تشترك بعد
انشئ حساباً خاصاً بك لتحصل على أخبار مخصصة لك ولتتمتع بخاصية حفظ المقالات وتتلقى نشراتنا البريدية المتنوعة



