قتلى وجرحى في اشتباكات «عنيفة» بالعاصمة الليبية

«الأعلى للدولة» يدين الاشتباكات... وحكومة «الوحدة» تدعو للتهدئة

دخان يتصاعد من إحدى البنايات وسط طرابلس بسبب الاشتباكات (أ.ف.ب)
دخان يتصاعد من إحدى البنايات وسط طرابلس بسبب الاشتباكات (أ.ف.ب)
TT

قتلى وجرحى في اشتباكات «عنيفة» بالعاصمة الليبية

دخان يتصاعد من إحدى البنايات وسط طرابلس بسبب الاشتباكات (أ.ف.ب)
دخان يتصاعد من إحدى البنايات وسط طرابلس بسبب الاشتباكات (أ.ف.ب)

تصاعدت حدة الاشتباكات «العنيفة» بالأسلحة الثقيلة والمتوسطة في العاصمة الليبية طرابلس بين أجهزة أمنية وعسكرية تابعة لحكومة «الوحدة المؤقتة»، برئاسة عبد الحميد الدبيبة، ما أدى إلى وقف حركة الطيران، وإغلاق المحال التجارية وتعطيل الدراسة، وسط حالة من الخوف أعادت إلى الأذهان ما عاشته المدينة من اشتباكات مماثلة في السابق.

وامتنعت حكومة الدبيبة عن التعليق، لكن الدبيبة واصل اليوم (الثلاثاء)، دون جدوى لليوم الثاني على التوالي، مساعيه للتوصل إلى «وقف لإطلاق النار بين الفرقاء التابعين لحكومته، حيث عقد اجتماعاً مع قادة عسكريين وأمنيين في قاعدة معيتيقة بالعاصمة طرابلس».

وعلق محمد حمودة، المتحدث باسم حكومة «الوحدة المؤقتة»، على تقارير تحدثت عن نقل الدبيبة بطائرة خاصة من طرابلس إلى مصراتة (غرب)، قائلاً لـ«الشرق الأوسط» إن «الدبيبة عاد في ساعة مبكرة من صباح اليوم (الثلاثاء) إلى طرابلس، بعدما ذهب إلى مصراتة لحضور حفل تخريج دفعة من ضباط الكلية العسكرية الجوية». وأوضح أن الدبيبة غادر العاصمة قبل اندلاع هذه المواجهات، لكنه الآن عاد إلى طرابلس، مشيراً إلى أن «الحكومة لم تصدر أي بيان بشأن ما يحدث».

وحول جهود وساطة حالية أو اتصالات غير معلنة للتهدئة، أكد حمودة أن «هناك تواصلاً للتهدئة»، لافتاً إلى قيام الدبيبة بالتواصل مع الأطراف، مؤكداً أن «الأمور في اتجاهها للحل والتهدئة». لكن مصادر غير رسمية تحدثت عن «إخفاق مساعي الدبيبة في إنهاء القتال». وأشارت إلى أن اجتماعاً عقده بالخصوص في وقت متأخر من (مساء الاثنين) مع عبد الرؤوف كارة قائد جهاز الردع، ومحمد الحداد رئيس أركان القوات التابعة لحكومة «الوحدة»، لم يسفر عن أي اتفاق لوقف القتال، الذي تجدد بعد انتهاء اللقاء.

ونقلت «وكالة الصحافة الفرنسية» عن مصدر أمني أن «اتصالات ومفاوضات مكثفة جارية بين أطراف سياسية وعسكرية، لم يسمّها، لوقف التوتر الأمني». بينما ادعى عبد الله اللافي، عضو المجلس الرئاسي، أنه في اجتماع مستمر مع قادة القوات لوقف القتال، لافتاً إلى ما وصفه بـ«بوادر استجابة من أطراف النزاع لإنهاء الإشكال القائم».

صورة لحريق منزل بطرابلس (وسائل إعلام محلية)

وعاشت طرابلس ساعات عصيبة مجدداً مساء أمس (الاثنين) وحتى (عصر الثلاثاء) على وقع اشتباكات بين تشكيلات مسلحة بمنطقة عين زارة جنوب المدينة، بين «جهاز الردع لمكافحة الجريمة المنظمة والإرهاب» و«اللواء 444 قتال»، وكليهما يتبع حكومة الدبيبة، بعد ساعات فقط من توقيف محمود حمزة، قائد اللواء في مطار معيتيقة. وأدى القتال الأحدث من نوعه في المدينة إلى إغلاق عديد من المحال التجارية والأسواق، وإخلاء مقار عامة في عين زارة وصلاح الدين، كما ألحق خسائر مادية بمنازل المواطنين في مناطق عدة.

وقالت مصادر أمنية وطبية إن 9 على الأقل لقوا حتفهم، من بينهم مدني واحد. كما تحدث مسؤول طبي عن سقوط 22 جريحاً، بينما تمكّنت فرق الإسعاف من إجلاء 24 عائلة عن مناطق الاشتباكات. وشوهدت سيارات عدة للإسعاف وهي تحمل قوات الطرفين إلى «مصحة الاستقلال»، كما أظهرت لقطات مصورة احتراق مصنع للستائر بجنوب طرابلس، واحتراق منزل مواطن في شعبية الفرناج بقذيفة عشوائية، وتصاعد الدخان في محيط الاستراحة الحمراء بعين زارة بعد سيطرة عناصر «اللواء 444 قتال» عليها.

وقالت وكالة الأنباء التابعة لحكومة الدبيبة إن مناطق بجنوب العاصمة طرابلس تشهد منذ (مساء الاثنين) اشتباكات متقطعة تسببت في حالة من الخوف والهلع لدى السكان، دون توضيح من الجهات الرسمية سواء العسكرية أو الأمنية.

وتم إغلاق مطار معيتيقة، وتحويل الرحلات إلى مطار مصراتة بغرب البلاد. وأعربت وزارة الصحة بحكومة «الوحدة» عن أسفها لما يشهده جنوب العاصمة طرابلس من اشتباكات وسط الأحياء المكتظة بالسكان، وبالقرب من المؤسسات الطبية والعلاجية العامة والخاصة. وأعلنت عن تلقيها نداءات استغاثة عبر الأجهزة التابعة لها من مواطنين عالقين في مناطق الاشتباكات، يطلبون توفير ممرات آمنة لهم وإخراجهم. كما أعلن الطب العسكري حالة الطوارئ، ونشر آلياته بمناطق جنوب العاصمة؛ استعداداً لإجلاء العالقين بمناطق صلاح الدين وطريق الشوك وطريق عين زارة، بينما رفع جهاز طب الطوارئ والدعم حالة الاستعداد والتأهب القصوى تحسباً لأي طارئ.

من جهتها، أعربت بعثة الأمم المتحدة عن قلقها تجاه الأحداث والتطورات الأمنية، التي تشهدها طرابلس، وعبّرت عن تخوفها إزاء التأثير المحتمل لهذه التطورات في الجهود الجارية لتهيئة بيئة أمنية مواتية للنهوض بالعملية السياسية، بما في ذلك الاستعدادات للانتخابات الوطنية. ودعت إلى الوقف الفوري للتصعيد، ووضع حد للاشتباكات المسلحة المستمرة.

بدوره، ناشد عبد الله باتيلي، رئيس البعثة، الأطراف جميعها «ضرورة إيلاء الأولوية القصوى لحماية المدنيين». وحث الأطراف جميعها على وقف التصعيد، واحترام رغبة الشعب الليبي، وتطلعه إلى السلام والاستقرار. بينما دعا رمضان أبو جناح، نائب الدبيبة، في بيان له الأطراف جميعها في طرابلس إلى «التهدئة، وتغليب لغة العقل، وتفويت فرصة إشعال الفتن على المتربصين باستقرار وأمن العاصمة».

في المقابل، دافع جهاز الردع عن القبض على محمود حمزة. وادعى، في بيان، أنه «تم بأوامر من المدعي العام العسكري»، نافياً شروعه في اتخاذ أي إجراءات خارج إطار القانون. وبعدما أعرب عن أسفه لما يشهده جنوب العاصمة من تصعيد عسكري أثار الذعر والهلع بين أوساط المدنيين، دعا كل العسكريين المنضوين تحت «اللواء 444 قتال» إلى «ضبط النفس وعدم الانجرار وراء دعاوى التصعيد والعنف، وسفك الدماء وترويع الآمنين». كما تعهد بالتصدي لكل ما من شأنه تقويض الاستقرار وإثارة الفتن والنزاعات.

وكان جهاز الردع، الذي يقوده عبد الرؤوف كارة، قد بث لقطات مصورة لأَسر سرية تابعة للواء 444 قتال، ومصادرة جميع معداتها، واقتياد عناصرها إلى منطقة معيتيقة، بينما نشر «اللواء 444 قتال» فيديو لعنصر تابع لجهاز الردع بعد القبض عليه في عين زارة، اعترف خلاله بمقتل 4 من زملائه في اشتباكات بمنطقة عين زارة، بعدما رفضوا الاستسلام. كما نشرت عناصر في «اللواء 444 قتال» لقطات مصورة لاعتقال عناصر بجهاز الردع بعد السيطرة على مقره في منطقة الداوون بترهونة.

وبحسب شهود عيان ووسائل إعلام محلية، فقد وقعت اشتباكات مسلحة وتبادل في محيط ميدان الشهداء في طرابلس وبالقرب من مستشفى طرابلس الطبي، ما أدى إلى اشتعال النار بإحدى محطات الوقود بالمنطقة. ورصدت وسائل إعلام محلية تحركاً لأرتال، وتحشيدات مسلحة لـ«ميليشيا 111» التي يقودها عبد السلام الزوبي بطريق المطار.

مشاركة الدبيبة والمنفي في احتفال للجيش بطرابلس (حكومة الوحدة)

بدوره، حمّل مجلس النواب، الدبيبة «مسؤولية هذه الاشتباكات». ودعا الأطراف كافة لوقف الأعمال القتالية فوراً، والاحتكام إلى لغة العقل وفتح ممرات آمنة، تضمن سلامة المواطنين. كما دعا مجلس الدولة للوقف الفوري للاشتباكات، وتغليب لغة العقل. كما عبّر رئيس حكومة الاستقرار الموازية، أسامة حماد في تغريدة على منصة «إكس» (تويتر سابقاً) عن قلقه إزاء التطورات الحاصلة في طرابلس.



ردود فعل متباينة على دعوة رئيس الوزراء السوداني لحوار شامل

جانب من الدمار الذي أصاب العاصمة السودانية الخرطوم جراء الحرب (أرشيفية - رويترز)
جانب من الدمار الذي أصاب العاصمة السودانية الخرطوم جراء الحرب (أرشيفية - رويترز)
TT

ردود فعل متباينة على دعوة رئيس الوزراء السوداني لحوار شامل

جانب من الدمار الذي أصاب العاصمة السودانية الخرطوم جراء الحرب (أرشيفية - رويترز)
جانب من الدمار الذي أصاب العاصمة السودانية الخرطوم جراء الحرب (أرشيفية - رويترز)

مع دخول الحرب في السودان عامها الرابع، وفي موازاة الزخم الإيجابي عقب مؤتمر برلين الدولي بشأن السودان، وسط تفاؤل متزايد بعودة محتملة لمسار التفاوض بين الجيش و«قوات الدعم السريع» بخصوص وقف الحرب، أطلق رئيس الوزراء السوداني، كامل إدريس، دعوة لحوار وطني شامل بحلول نهاية مايو (أيار) المقبل، من دون «أجندة محددة» وآليات مشتركة للحوار والتشاور.

وسارع تحالف «الكتلة الديمقراطية» الداعم للجيش السوداني إلى الترحيب بالدعوة، فيما عدّتها القوى المناهضة للحرب خطوة تجافي الواقع المأساوي الذي يعيشه السودانيون من قتل وتشريد تحت وطأة استمرار الحرب في البلاد.

وأبدى رئيس «الكتلة الديمقراطية»، نائب رئيس «الحزب الاتحادي الديمقراطي» (الأصل)، جعفر الميرغني، ترحيبه الكامل بالدعوة، مؤكداً أن الحوار الوطني يجب أن يُفضي إلى انتخابات حرة ونزيهة تحت رقابة دولية وإقليمية ومحلية.

رئيس وزراء السودان كامل إدريس متحدثاً في مؤتمر صحافي بالخرطوم (أرشيفية - إعلام مجلس الوزراء)

وشدد الميرغني، في بيان صحافي، على أهمية أن تكون العملية السياسية شاملة من دون إقصاء لأي جهة، مضيفاً: «ما نريده حوار سوداني - سوداني يشارك فيه الجميع». لكنه عاد وطرح الكثير من التساؤلات بشأن الجهات المدعوة ومكان عقد الحوار والضمانات المتوفرة للمشاركة كل القوى السياسية.

ويضم تحالف «الكتلة الديمقراطية» كيانات سياسية، أهمها «الحزب الاتحادي الديمقراطي» (الأصل)، بقيادة جناح جعفر الميرغني، وحركات دارفورية مسلحة، أبرزها «حركة تحرير السودان» بقيادة مني أركو مناوي، و«حركة العدل والمساواة» بزعامة جبريل إبراهيم، بجانب قوى مدنية وسياسية أخرى.

وكان رئيس الوزراء السوداني قد تعهد باتخاذ كافة الإجراءات الكفيلة بتهيئة المناخ لعودة المعارضين من الخارج للمشاركة في الحوار.

أما المتحدث باسم التحالف المدني الديمقراطي لقوى الثورة «صمود»، بكري الجاك، فرأى أن السلطة القائمة الآن في البلاد لا تملك من أمرها شيئاً، وتتحدث وكأن الحرب، التي تسببت في نزوح ولجوء ملايين السودانيين في الداخل والخارج، تدور في بلد آخر غير السودان، مضيفاً أن المسيرات لا تزال تقتل يومياً عشرات المدنيين، «لا يوجد مكان آمن» في غياب وقف إطلاق النار واستمرار الحرب في البلاد. واسترسل الجاك قائلاً: «من غير المعقول الحديث عن حوار في هذه المأساة».

وسبق أن قدّم إدريس أمام مجلس الأمن الدولي في ديسمبر (كانون الأول) الماضي، مبادرة للسلام ووقف الحرب في البلاد، لا تختلف عن تلك التي كان قد دفع بها رئيس مجلس السيادة والقائد العام للجيش، عبد الفتاح البرهان، إلى الأمم المتحدة في العام نفسه، ولم تجدا تجاوباً وسط القوى السياسية والمدنية، ولا من الوسطاء الإقليميين والدوليين المنخرطين في جهود وقف الحرب في السودان.

سودانية ترفع لافتة خلال فعالية في نيروبي بكينيا بمناسبة دخول الحرب بالسودان عامها الرابع في 15 أبريل 2026 (أ.ب)

وتتمسك القوى المناهضة للحرب بخريطة الطريق التي كانت قد رسمتها الرباعية الدولية، التي تضم (الولايات المتحدة، والسعودية، والإمارات، ومصر)، على إنهاء الصراع في السودان عبر الحل السلمي المتفاوض عليه، يبدأ بهدنة إنسانية لمدة 3 أشهر، تنتهي بتشكيل حكومة مدنية لا تخضع لسيطرة أي طرف مسلح.

بدوره، قال رئيس حزب «المؤتمر» السوداني، عمر الدقير، في تدوينة على «فيسبوك»، إن دعوة رئيس الوزراء المُعيَّن، كامل إدريس، تكشف عن تناقض صارخ وانفصال عن واقع البلاد. وأضاف أن الحديث عن حوار ينطلق خلال أسابيع بينما الحرب مستعرة وملايين السودانيين بين نازح ولاجئ «غير واقعي»، ويقفز بتعجل على شروط الحد الأدنى لأي عملية ديمقراطية.

وذكر الدقير أن المطلوب الآن استعادة الشرعية، التي أجهضها انقلاب الجيش في 25 أكتوبر (تشرين الأول) 2021، بالتوافق على دستور انتقالي جديد، وتكليف سلطة مدنية تُباشر تنفيذ مخرجات عملية سياسية شاملة، تُنهي فترتها بتنظيم انتخابات عامة في كل البلاد.

ورأى الدقير أن المدخل لحل الأزمة يبدأ بالاتفاق على هدنة توقف إطلاق النار، ومعالجة الكارثة الإنسانية، ومن ثم البدء بعملية سياسية تقود للتعافي الوطني والتوافق على إعادة بناء الدولة على أسس جديدة.

وكان رئيس «مجلس السيادة»، قائد الجيش السوداني، دعا مراراً قادة القوى المعارضة في الخارج وأي شخص لم يُسئ أو يحرض ضد الدولة للعودة إلى البلاد.


مأزق «البديل الوطني» في ليبيا يلاحق رافضي «الحلول الخارجية»

المنفي يستقبل بولس بمقر البعثة الليبية في نيويورك في سبتمبر الماضي (المجلس الرئاسي)
المنفي يستقبل بولس بمقر البعثة الليبية في نيويورك في سبتمبر الماضي (المجلس الرئاسي)
TT

مأزق «البديل الوطني» في ليبيا يلاحق رافضي «الحلول الخارجية»

المنفي يستقبل بولس بمقر البعثة الليبية في نيويورك في سبتمبر الماضي (المجلس الرئاسي)
المنفي يستقبل بولس بمقر البعثة الليبية في نيويورك في سبتمبر الماضي (المجلس الرئاسي)

في ظل تزايد التحركات الدولية لإعادة رسم مسار التسوية السياسية في ليبيا، تتباين المواقف الداخلية بين من يرى فيها فرصة لكسر الجمود الممتد منذ سنوات، ومَنْ يحذر من تكريس واقع تقاسم السلطة خارج الأطر الوطنية. وبين هذا وذاك، يجد رافضو الحلول الخارجية أنفسهم أمام مأزق عدم قدرتهم على بلورة «بديل وطني». ويأتي هذا التباين في وقت لم يسهم فيه مسار البعثة الأممية في كسر الجمود منذ إسقاط نظام الرئيس الراحل معمر القذافي عام 2011، وحتى يومنا هذا.

عبد الحميد الدبيبة رئيس حكومة الوحدة المؤقتة (الوحدة)

سارع المجلس الأعلى للدولة إلى رفض «المبادرة» المنسوبة إلى مسعد بولس، مستشار الرئيس الأميركي، التي تقضي بتولي صدام حفتر نائب القائد العام لـ«الجيش الوطني» رئاسة مجلس رئاسي جديد، بدلاً من محمد المنفي، مع الإبقاء على عبد الحميد الدبيبة رئيساً لـ«الحكومة الموحدة».

وحمّل سعد بن شرادة، عضو المجلس الأعلى للدلولة، مجلسي النواب و«الدولة» المسؤولية حيال تأزم المشهد السياسي، وقال: «إنهما لم ينجزا ما طُلب منهما في المرحلة الأولى من (خريطة الطريق)، التي أُعلنت قبل ستة أشهر من قبل المبعوثة الأممية إلى ليبيا هانا تيتيه، وتتعلق بتعديل القوانين الانتخابية واستكمال تشكيل المفوضية الوطنية للانتخابات».

وأبدى بن شرادة في تصريح لـ«الشرق الأوسط» قناعته بأن التحركات الراهنة، سواء من البعثة أو من واشنطن، تسعى «إلى تقليص دور المجلسين لصالح توافق مباشر بين القوى الفاعلة».

ورغم تجديد تحفظاته على «المبادرات الخارجية»، أقر بن شرادة «بأن المواطن الليبي يعاني من تداعيات الانقسام ويرغب في إنهائه، بالنظر إلى تفشي الفساد وهشاشة الوضع الأمني، وتراجع الأوضاع الاقتصادية»، محذراً من أن ترسيخ «تقاسم المال والسلطة بين القوى الفاعلة يجعل مغادرتهم للمشهد شبه مستحيلة، ويهمش القوى المدنية».

مسعد بولس (أ.ف.ب)

أما وزير الدولة للشؤون الاقتصادية السابق، سلامة الغويل، فقال إنه «لا يعارض تحركات واشنطن لمجرد المعارضة»، مثمناً جهودها على الصعيدين المالي والعسكري. وقال لـ«الشرق الأوسط» إن اتفاق «الإنفاق الموحد» الذي جاء برعاية بولس، سيحدّ من الإنفاق العشوائي الذي كانت تمارسه الحكومتان المتنازعتان على السلطة من عوائد النفط، المصدر الرئيس للدخل الوطني، وكان سيقود البلاد نحو الإفلاس، ويعمق معاناة المواطنين.

ولفت الغويل إلى أن تمرين «فلينتلوك 2026» الذي أقامته «أفريكوم» في سرت الليبية مؤخراً، وجمع قوات من شرق ليبيا وغربها، يُعد «خطوة نحو تخفيف التوتر وتجنب تجدد الصراع»، معترضاً على ما يتداول «من مفاوضات تجري في الكواليس برعاية واشنطن لتشكيل سلطة تنفيذية جديدة، عبر تقريب القوى الفاعلة في طرابلس وبنغازي ودمج الحكومتين».

وتعيش ليبيا انقساماً سياسياً يتمثل في وجود حكومتين متنافستين؛ الأولى «الوحدة الوطنية» المؤقتة برئاسة الدبيبة في طرابلس، والثانية مكلّفة من البرلمان برئاسة أسامة حماد، تدير المنطقة الشرقية، وتحظى بدعم قائد «الجيش الوطني» خليفة حفتر.

ورغم إقراره بثقل نفوذ القوى الفاعلة، رفض الغويل أن «تنفرد بمفاوضات تقرر مصير البلاد، بمعزل عن المؤسسات الشرعية وسائر القوى والأصوات السياسية»، مؤكداً أن الحل الحقيقي «يكمن في الالتزام بالقوانين الانتخابية، التي أقرها البرلمان قبل عامين ونصف عام، وإطلاق حوار وطني يحسم الخلافات حولها».

صدام حفتر (أ.ف.ب)

بدوره، أقر عضو مجلس النواب الليبي، عصام الجيهاني، بأن واشنطن «حققت خطوات ملموسة مقارنة بالبعثة الأممية، التي لا تزال خريطتها بلا نتائج»، واعتبر أن الرافضين للمبادرات الخارجية «باتوا في مأزق فعلي، ليس لعجزهم عن إنتاج حلول، بل لعجزهم عن المضي قدماً في ظل تعقيدات المشهد، وتعنت مواقف القوى الليبية».

وقال الجيهاني لـ«الشرق الأوسط» إن واشنطن «تدفع نحو دمج الحكومتين في جسم موحد بدلاً من تشكيل حكومة جديدة، قد تثير جدلاً حول أسماء أعضائها».

في المقابل، توقع المحلل السياسي الليبي، محمد محفوظ، أن «تتعثر واشنطن بدرجة ما في مسار تشكيل السلطة التنفيذية الجديدة»، وقال لـ«الشرق الأوسط» إن المبادرة المنسوبة لبولس «تقوم على تقاسم السلطة دون إطار زمني أو ضمانات للانتخابات، والأسماء التي تم التعويل عليها في صفوف تلك القوى الفاعلة، رغم ثقلها، لا تستطيع الانفراد بالقرار في مناطق نفوذها في شرق وغرب البلاد».

ولفت محفوظ إلى «تصاعد الأصوات الرافضة للمبادرة المنسوبة لبولس، خشية خسارة النفوذ والمصالح أيضاً»، وانتهى إلى أن «أغلب الأطراف لا ترغب في الدفع نحو حلول حقيقية، بل تلوّح بأوراق ضغطها لضمان حضورها في المشهد المقبل».

أما المحلل السياسي الليبي، صلاح البكوش، فتوسط الآراء السابقة، متوقعاً أن تتفاعل البعثة الأممية «إيجاباً مع مقترح بولس، وتوفر لها غطاءً سياسياً؛ نظراً لقدرته على الضغط على أطراف الأزمة مقارنة بها».

ورفض البكوش «بشدة مقولة إن الليبيين باتوا يقبلون بأي حل لإنهاء الانقسام»، واستند إلى أن «مجرد تسريب تولي صدام حفتر رئاسة المجلس الرئاسي أفضى إلى رفض واسع من أطراف ذات ثقل في المنطقة الغربية». ولفت إلى أن مبادرة بولس «تستهدف توحيد بعض المؤسسات أولاً، ثم تشكيل حكومة مشتركة، للانتقال بعدها نحو الانتخابات».


«قضية داود» تضع العلاقات الفرنسية - الجزائرية في اختبار دبلوماسي جديد

الروائي الفرنسي الجزائري كمال داود (حسابه بالإعلام الاجتماعي)
الروائي الفرنسي الجزائري كمال داود (حسابه بالإعلام الاجتماعي)
TT

«قضية داود» تضع العلاقات الفرنسية - الجزائرية في اختبار دبلوماسي جديد

الروائي الفرنسي الجزائري كمال داود (حسابه بالإعلام الاجتماعي)
الروائي الفرنسي الجزائري كمال داود (حسابه بالإعلام الاجتماعي)

أعرب وزير الخارجية الفرنسي، جان نويل بارو، عن «أسفه» لإدانة الروائي الجزائري الفرنسي كمال داود بالسجن من طرف محكمة مدينة وهران غرب الجزائر، بسبب قضية مرتبطة بروايته الشهيرة «حوريات»، الحائزة على جائزة «غونكور» لعام 2024.

الروائي الجزائري الفرنسي كمال داود (أ.ف.ب)

تقف الحكومة الفرنسية إلى جانب الروائي؛ حيث تلقى داود دعم وزيري الخارجية والثقافة الفرنسيين غداة صدور الحكم ضده. وصرح جان نويل بارو، اليوم الخميس، لإذاعة «فرانس أنفو»، بأنه يأسف لأن «كاتباً عظيماً يمكن أن يُدان في أي مكان كان، بسبب تأليفه كتاباً».

وفي رده على سؤال حول الحماية الملموسة التي يمكن تقديمها له، ذكّر وزير الخارجية بأن داود «مقيم في فرنسا»، مؤكداً أنه «لا يوجد سبب يدعو للقلق عليه».

من جهتها، شددت وزيرة الثقافة الفرنسية، كاثرين بيغارد، في تصريح لـ«وكالة الصحافة الفرنسية»، على «تمسكها الذي لا يتزعزع بحرية الإبداع، التي غالباً ما تُختبر في مناطق التوتر التي تكشف عنها». كما أكدت على «ضرورة الدفاع عن الفنانين في كرامتهم وأمنهم، باعتبار أن الأدب يظل مساحة حية للإبداع».

وزيرة الثقافة الفرنسية (حسابها الخاص بالإعلام الاجتماعي)

وأعلن داود بنفسه عن الحكم الصادر بحقه، الأربعاء، في رسالة نشرها على منصة «إكس»، موضحاً أن المحكمة شرعنت منعه من العودة إلى الجزائر. علماً بأن الروائي يقيم حالياً في فرنسا بعد أن غادر الجزائر، التي عمل فيها صحافياً لفترة طويلة.

يأتي هذا القرار القضائي في وقت شهدت فيه العلاقات الفرنسية - الجزائرية تحسناً طفيفاً مؤخراً، بعد فترة من التوترات الحادة، المرتبطة بسجن الكاتب الفرنسي - الجزائري بوعلام صنصال لمدة عام.

وكان صنصال قد نال عفواً من الرئيس الجزائري في نوفمبر (تشرين الثاني) 2025. وفي المقابل، لا يزال الصحافي الرياضي الفرنسي كريستوف غليز محتجزاً في الجزائر، بعد تأييد الحكم عليه استئنافياً أواخر عام 2025 بالسجن سبع سنوات، بتهمة «الإشادة بالإرهاب»، وهي التهمة التي يصفها مؤيدوه بأنها «سياسية».

غلاف رواية حوريات المثيرة للجدل (الشرق الأوسط)

استند القضاء الجزائري في متابعة الروائي الخمسيني إلى مادة في «قانون المصالحة الوطنية»، الصادر في 2006، تحظر أي سرد أو تصريح من شأنه «المساس بصورة الجزائر» أو «إضعاف الدولة»، وهي مخالفة تصل عقوبتها إلى السجن النافذ لمدة تتراوح بين 3 و5 سنوات.

«سرقة أدبية» و«نبش في الجراح»

في تقدير أوساط من ضحايا الإرهاب في الجزائر، فإن الرواية تنبش في «جراح قديمة»، وتستحضر «آلاماً طواها الزمن»، لارتباطها بالمجازر التي ارتكبتها الجماعات المسلحة خلال «العشرية السوداء» (1992 - 2002)؛ وذلك من خلال شخصية «فجر»، التي تروي تفاصيل محاولة ذبحها على يد متشددين أواخر التسعينات غرب البلاد.

وتسلط «حوريات» الضوء على حقبة تُصنف ضمن «المسكوت عنه» في الجزائر، حيث يفرض القانون ما يشبه «النسيان الرسمي» لتلك الأحداث، إذ ترى السلطات في أي نبش علني في ذاكرة تلك المرحلة تهديداً للاستقرار الوطني. كما يمنع القانون ذاته المتهمين السابقين بالإرهاب، الذين وضعوا السلاح بموجب تدابير المصالحة، من ممارسة العمل السياسي.

المرأة التي تتهم الروائي كمال داود باستغلال قصتها في روايته (صحف جزائرية)

غير أن الاتهام الرئيسي في هذه القضية وجهته امرأة أربعينية تدعى سعادة عربان إلى داود وزوجته الطبيبة النفسانية، التي كانت تعالج عندها، مدعية أن الروائي استنسخ قصتها الواقعية في شخصية «فجر» بطلة عمله الأدبي، وأكدت أن الكاتب استغل تفاصيل حياتها الشخصية دون الحصول على موافقتها، موضحة أنها كانت قد أفضت بأسرارها لزوجة داود، بصفتها طبيبتها النفسية، خلال جلسات علاجية امتدت بين عامي 2015 و2023.

وتستند عربان في اتهامها إلى تطابقات لافتة بين واقعها وبين أحداث الرواية، لا سيما في تفاصيل شديدة الخصوصية، مثل «محاولة الإجهاض»، وندبة «إصابة الحنجرة» الناجمة عن اعتداء إرهابي تعرضت له سابقاً، وهي تفاصيل ترى أنها تتجاوز مجرد التوارد الأدبي، لتصل إلى حد الاستغلال المباشر لملفها الطبي.