اليزمي: تأييد الملك لتوصياتنا حول الهجرة تعبير عن فهمه البعد الإنساني والحقوقي للظاهرة

رئيس المجلس المغربي لحقوق الإنسان يصرح لـ {الشرق الأوسط} بأن غالبية السوريين دخلوا البلاد عبر الجزائر

إدريس اليزمي، رئيس المجلس الوطني لحقوق الإنسان في المغرب
إدريس اليزمي، رئيس المجلس الوطني لحقوق الإنسان في المغرب
TT

اليزمي: تأييد الملك لتوصياتنا حول الهجرة تعبير عن فهمه البعد الإنساني والحقوقي للظاهرة

إدريس اليزمي، رئيس المجلس الوطني لحقوق الإنسان في المغرب
إدريس اليزمي، رئيس المجلس الوطني لحقوق الإنسان في المغرب

قال إدريس اليزمي، رئيس المجلس الوطني لحقوق الإنسان في المغرب، إن التقرير الذي أصدره المجلس بشأن الهجرة وطالبي اللجوء، وإعلان المغرب عن سن سياسة جديدة للهجرة، شكلا مفاجأة للمجتمع المغربي وكذلك للمجتمع الأوروبي، وإنهما شكلا كذلك منعطفا بالنسبة للمسؤولين الأوروبيين، في التعامل مع هذا الموضوع. وأضاف اليزمي في حوار مع «الشرق الأوسط» أن تأييد الملك محمد السادس توصيات المجلس يعبر عن فهمه للبعد الإنساني والحقوقي لهذه الظاهرة، بالإضافة إلى أنها تدخل ضمن اهتمام الملك بتوطيد العلاقات مع الشعوب والدول الأفريقية الذي عبر عنه قبل نشر التقرير وبعده خلال زيارته الأخيرة لمالي، كما يعبر، من وجهة نظره، عن الإرادة الملكية لتوطيد دولة الحق والقانون، وأنه مسار مستمر بخطوات تدريجية.
وأوضح اليزمي أن المغرب أصبح دولة استقبال واستقرار للمهاجرين، «لهذا إذا كنا نطالب بالحقوق نفسها لمواطنينا في الخارج، فعلينا أن نظهر أن لدينا القدرة على استقبال الآخر، وقبول التعدد الثقافي واللغوي والديني، فحقوق الإنسان ليست سوقا ممتازة نأخذ منها ما نشاء ونترك ما نشاء». وأضاف أن المغرب اختار؛ دولة وشعبا، أن يتعامل مع حقوق الإنسان بجدية ومهنية وبالمقاييس الدولية.. وفي ما يلي نص الحوار.

> مباشرة بعد اطلاعه على تقرير المجلس الوطني لحقوق الإنسان ترأس الملك محمد السادس اجتماعا مع كبار المسؤولين والوزراء أعطى خلاله تعليمات بسن سياسة جديدة للهجرة.. هل يعني ذلك أن وضعية المهاجرين الوافدين على البلاد وصلت لدرجة من الخطورة استدعت تدخل أعلى سلطة في البلاد؟
- أود أن أذكر أنها ليست المرة الأولى التي يطلع فيها جلالة الملك على تقارير المجلس، ويعبر عن تأييده لتوصياته، فقبل أشهر رفع المجلس أربعة تقارير إلى الملك محمد السادس، وعبر عن تأييده لما جاء فيها من توصيات. إن ترؤس الملك اجتماعا مع رئيس الحكومة وعدد من الوزراء، مباشرة بعد اطلاعه على تقرير المجلس، هي بالفعل المرة الأولى، التي يجري فيها ذلك، وهذا يعبر عن فهم الملك للبعد الإنساني والحقوقي لهذه الظاهرة، بالإضافة إلى أنها تدخل ضمن اهتمامه بتوطيد العلاقات مع الشعوب والدول الأفريقية، التي عبر عنها قبل نشر التقرير وبعده خلال زيارته الأخيرة لمالي، كما يعبر، من وجهة نظري، عن الإرادة الملكية الهادفة إلى توطيد دولة الحق والقانون، وهو مسار مستمر بخطوات تدريجية، ومحطة من بين المحطات، وتعبر كذلك عن المساندة الملكية لهذه المؤسسة الدستورية كباقي المؤسسات الأخرى.
> دعا الملك محمد السادس إلى التعامل مع المهاجرين بطريقة إنسانية والتزام بالقانون الدولي، مقرا في الوقت ذاته بأن بلاده لا يمكنها استيعاب كل المهاجرين الوافدين عليها، كيف يمكن المزاوجة بين البعدين الإنساني والأمني في التعامل مع قضايا الهجرة؟
- الفكرة الأساسية التي أكدها التقرير هو أن المغرب كان منذ قرون دولة استقبال للهجرة، وأصبح هناك اليوم، في إطار التحولات الجذرية التي تعرفها الهجرة على الصعيد العالمي، لا سيما الهجرة جنوب - جنوب، التي وصلت إلى 70 مليون مهاجر، وعي بأن المغرب بلد استقرار، خصوصا في ظل السياسة التي انتهجتها أوروبا لحماية حدودها.. فالمغرب يلعب دورا مهما في هذا الإطار؛ إذ أصبح الدولة الأولى الأكثر شراكة مع أوروبا في هذه السياسة، إذ قلصنا بشكل كبير أعداد المهاجرين غير الشرعيين نحو أوروبا، وفي المقابل، للمغرب، مثل باقي دول العالم، الحق في مراقبة حدوده وتحديد من له الحق في الإقامة الشرعية، وهو حق يضمنه القانون الدولي لحقوق الإنسان، وليس هناك ما يجبر دولة على تسوية الوضعية القانونية للأجانب الذين يوجدون في وضعية غير قانونية؛ إذ لا يوجد في المواثيق الدولية بما فيها اتفاقية حماية المهاجرين والعمال وعائلاتهم، ما يفيد بذلك، لكن لأي دولة الحق في تفعيل هذه الحقوق، والجديد في هذه السياسة هو أنه وفاء لروح الدستور ومنطوقه ولالتزاماتنا الدولية، ووفاء لعمقنا الجغرافي والجيو – استراتيجي، لا بد من هذه المقاربة الإنسانية التي كانت سارية المفعول. مثلا هناك أكثر من 10 آلاف طالب أغلبهم من أفريقيا يدرسون في المغرب، وما بين ستة وسبعة آلاف يتوفرون على منح مغربية، وما سنقوم به، من وجهة نظري، هو تعميق لهذه السياسة.
> يقال إن تحرك المغرب لسن هذه السياسة الجديدة تجاه المهاجرين جاء رد فعل على التقارير الحقوقية الأجنبية التي انتقدت أكثر من مرة طريقة التعامل مع المهاجرين خاصة المهاجرين الأفارقة، ما ردك؟
- بصراحة؛ بدا العمل على هذا التقرير منذ أيام أحمد حرزني الرئيس السابق للمجلس الاستشاري لحقوق الإنسان، أي قبل مايو (أيار) 2011، وكنت آنذاك عضوا في المجلس، واشتغلت برفقة حرزني على هذا التقرير، لأن هذا التحول الاستراتيجي للمغرب من دولة تصدير لليد العاملة إلى دولة استقبال، لم يبرز منذ أسبوعين. ثانيا، سنصدر في موازاة هذا التقرير الدراسة العلمية التي قمنا بها في إطار شراكة مع معهد البحث «جاك بيرك» بالرباط لأننا نرى أنه لا بد من دراسة علمية تكون بمثابة أرضية لهذا التقرير. أما بخصوص التقارير الدولية التي ذكرت، فتفاعل الدولة مع تقارير حقوقية دولية ظاهرة صحية وإيجابية، وتبرز انفتاح هذه الدولة على المجتمع المدني الوطني والدولي.
> أعلنت وزارات الداخلية والعدل والخارجية عن تشكيل عدد من اللجان المختصة لمباشرة تنفيذ السياسة المغربية الجديدة للهجرة بتنسيق مع مجلسكم.. متى تتوقعون أن تظهر النتائج العملية لهذه اللجان، وما دور المجلس في هذا الشأن؟
- بدأت هذه اللجان عقد اجتماعات، وهناك تنسيق وتشاور بينها وبين المجلس والحكومة في هذا المجال. بدأت تسوية وضعية اللاجئين الذين منحت لهم صفة لاجئ من قبل مكتب الرباط للمفوضية السامية للاجئين يوم الأربعاء الماضي، فقد جهزت وزارة الخارجية مقرا، وسيجري استقبال الأفواج الأولى للاجئين، وهناك جلسات عمل بين وزارتي الخارجية والداخلية، والمفوضية السامية للاجئين، وبدأ تدريب الأطر المغربية على استقبال الأفواج الأولى.
> ذكرتم أن المغرب يعاني من آثار السياسة الصارمة التي تعتمدها أوروبا لمراقبة حدودها الخارجية، وأعلن أكثر من مرة مسؤولون مغاربة؛ منهم سعد الدين العثماني وزير الخارجية، أن المغرب يرفض أن يلعب دور الدركي لأوروبا، ما مؤاخذاتكم على دول الاتحاد الأوروبي وأوجه التقصير التي تلاحظونها في تعاملهم مع قضايا الهجرة؟
- يمكن القول إن تقرير المجلس شكل مفاجأة للمجتمع المغربي وكذلك المجتمع الأوروبي، وشكل منعطفا بالنسبة للمسؤولين الأوروبيين. من قبل كانت السياسة الأوروبية للهجرة تؤكد على ثلاثة جوانب؛ أولا، أن يقبل المغرب عودة المغاربة الذين يوجدون في وضعية غير قانونية، والأجانب الذين مروا عن طريق المغرب، ووصلوا إلى أوروبا، بطريقة غير قانونية وجرى اعتقالهم. ثانيا، أن يساهم المغرب في حراسة الحدود الجنوبية لأوروبا. ثالثا، إنه إذا حقق المغرب نتائج إيجابية في هذين المجالين؛ فستفتح أوروبا باب الهجرة الشرعية لفئة من المغاربة، وتسهل عملية تسليم التأشيرة لبعض الفئات.. هذه هي روح السياسة الأوروبية ومضمون الشراكة من أجل الحركية، وهو إطار عام وليست اتفاقية تتضمن بنودا.. لكن مباشرة بعد صدور تقرير المجلس، بدأت اتصالات لمسؤولين أوروبيين على مستوى الرباط وبروكسل. ففي الأسبوع الماضي، عقدت عدة لقاءات في بروكسل، ويوم الأربعاء الماضي زار وفد أوروبي رفيع الرباط لمناقشة موضوع الشراكة من أجل الحركية، وانصب النقاش على الجوانب التقنية، لكن عند صدور التقرير ومساندة الملك له، وبدء الحكومة المغربية فعليا في تفعيل توصياته، ارتفع مستوى تمثيل الوفد، وترأسه المدير العام للجنة الأوروبية المكلفة الشؤون الداخلية، ستيفانو مانسيرفيسي، لأن موقف المغرب أصبح واضحا، فنحن نطالب بتغيير إطار الشراكة من أجل الحركية والأخذ بعين الاعتبار أن المغرب قرر نهج سياسة عمومية لإدماج المهاجرين وطالبي اللجوء، وأن لديه إكراهات اقتصادية واجتماعية، ونطالب الاتحاد الأوروبي بأن يساعدنا في مراقبة الحدود وفي سياسة الإدماج، وتقديم مساعدة مادية أيضا، لأنه لا يكفي تسوية الوضعية القانونية للمهاجرين؛ بل لا بد من توفير ما يترتب على ذلك من سكن ودراسة وصحة وتكوين وعمل. وحسب المعلومات التي لدينا، فإن الاتحاد الأوروبي أخذ بعين الاعتبار هذه السياسة الجديدة للهجرة، خصوصا أن المغرب هو أول دولة من الجنوب على المستوى العالمي قررت بإرادتها سن سياسة لإدماج المهاجرين. ونجاح التجربة المغربية الذي يتطلب التعاون الدولي يمكن أن يشكل سابقة حسنة على المستوى العالمي، كما أنه لا بد من تعاون إقليمي، فالمغرب كان قد أعلن عن مبادرة للتعاون الأورو - أفريقي بدأت في 2006 تجمع بين دول الاتحاد الأوروبي ودول أفريقيا، وحدث ذلك بعد الأحداث التي عرفتها مدينة سبتة التي راح ضحيتها عدد من الأفارقة. ولا بد كذلك من تعاون دول الجوار، فيما يخص مراقبة الحدود، وشبكات الاتجار بالبشر والمخدرات والخطر الإرهابي، وهي كلها عوامل تجعل التعاون المغاربي ضروريا ومستعجلا.
> قدرت تقارير إعلامية أجنبية عدد المهاجرين من ذوي البشرة السوداء في المغرب بما بين 15 و20 ألف مهاجر، هل هذه الأرقام صحيحة؟
- بصراحة لن تجدوا في تقرير المجلس أي رقم حول أعداد المهاجرين، حاولنا خلال الدراسة العلمية التي قمنا بها أن نعرف مصدر هذا الرقم المتداول، بيد أننا لم نتوصل إلى أي طريقة علمية لتأكيده، وللأسف بعض المنابر الإعلامية، وحتى بعض الدراسات العلمية بين قوسين، كررت هذا الرقم فأصبح متداولا. إن التجربة الدولية في مجال تسوية وضعية العمال التي جرت في عدة بلدان منها إيطاليا أو إسبانيا، وشاركت شخصيا في عدة تجارب في فرنسا منذ بداية عقد السبعينات من القرن الماضي، أثبتت أن الطريقة الوحيدة التي تحدد عدد المهاجرين في أي دولة هي تسوية وضعيتهم القانونية، قد تكون هناك تكهنات، لكن هذا الرقم ليس له أي قاعدة علمية، قد يكون العدد أكثر أو أقل، وأرجح أن يكون أقل.
> أقر التقرير الذي أعده المجلس حول الأجانب وحقوق الإنسان، بتعرض المهاجرين للعنف من قبل قوات الأمن المغربية وسوء المعاملة والترحيل، ما حجم هذه السلوكيات؟
- لا يمكن الحديث عن سياسة ممنهجة في هذا الإطار، لكن الأكيد أنه كانت هناك عدة حالات سوء معاملة، وعمليات ترحيل إلى الحدود إما إلى الحدود المغربية – الجزائرية، أو المغربية - الموريتانية، وسبق أن تدخل المجلس أو لجانه الجهوية في الحسيمة أو وجدة أو الداخلة لتصحيح الوضع. هناك ظاهرة لا بد من أخذها بعين الاعتبار، وهو وجود شبكات للاتجار بالبشر، تنظم عمليات الهجوم على الحدود الإسبانية - المغربية، من خلال مدينتي سبتة ومليلية، وهي شبكات عنيفة جديدة، ومعروف وسط المجتمع المدني المغربي أن هذه الشبكات صعبة الاختراق.
كانت هناك دراسة شارك فيها مجلس الجالية المغربية في الخارج مع شبكة الباحثين الموريتانيين والبلجيكيين، بينت أن هذه الشبكات وبالأخص الآتية من نيجيريا خطيرة جدا وعنيفة، لذلك فإنه في بعض الحالات تجد قوات الأمن المغربية نفسها في وضعية الدفاع عن النفس. لكن هذا لا يلغي أنه كانت هناك انتهاكات لحقوق المهاجرين، لا سيما أن بعض الفئات محمية من قبل القانون الدولي كيفما كان وضعها القانوني، وهي فئة النساء والأطفال القاصرين.
> كيف تجري عمليات ترحيل المهاجرين غير الشرعيين، وهل صحيح أنهم يتركون على الحدود الجزائرية والموريتانية ليتدبروا أمرهم هناك؟
- بصراحة لم نراقب عمليات ترحيل المهاجرين بطريقة مباشرة، لأنه لا يعلن عنها مسبقا، وإحدى المشكلات التي واجهها المغرب وسيواجهها مستقبلا مثل عدة دول، هو أنه إما أن تكون لدى هؤلاء المهاجرين أوراق ثبوتية ويمزقونها، أو أنهم يهاجرون من دون أوراق؛ إذ أصبح بالإمكان أن يعبر مهاجرون حدود 10 دول من دون أوراق، وفي بعض الحالات عندما تكون بلد المهاجر في حرب أهلية أو يعاني سكانه من اضطهاد لسبب أو لآخر مثل ساحل العاج أو مالي التي عرفت أخيرا أزمات، يضطر مواطنو هذه الدول للهجرة من دون التمكن من أخذ أوراقهم الثبوتية.. وفي مثل هذه الحالات، حتى إذا توفرت للبلد الإمكانات والقرار السياسي والإدارة التي ستتكفل بترحيل هؤلاء المهاجرين إلى بلدانهم الأصلية عن طريق الرحلات الجوية، فسنواجه مشكلة تحديد هويتهم وبلدهم، وهذه المشكلة تواجهها أوروبا منذ سنين، لذا فنحن دخلنا في ظاهرة عولمة الهجرة، وأحد مظاهرها أن المهاجرين يمزقون أوراقهم الثبوتية أو يهاجرون من دونها ومنهم الأطفال القاصرون.
> تتحدث تقارير إعلامية أجنبية عن تعرض المهاجرين لمعاملة عنصرية من قبل البعض.. هل وقفتم عند إعداد تقريركم على حالات من هذا النوع؟
- لدينا شهادات تثبت تعرض المهاجرين لمعاملة عنصرية، لكن ليس بالحجم الذي نجده في بلدان أوروبية؛ أي من طرف حركات سياسية عنصرية.. فما زالت هذه الحالات فردية، وأكيد أنك سمعت عن الشخص الذي يرفض تأجير منزله للمهاجرين، وعلق لافتة تفيد بذلك. لدي شهادات أصدقاء صحافيين من أفريقيا يقيمون في وضعية قانونية بالدار البيضاء، فرغم أن بعضهم متزوج من مغربيات، فإنهم يلقون صعوبات في إيجاد سكن.. لذا، فالتوصيات التي أوصى بها المجلس في تقريره ليست موجهة فقط إلى الحكومة، بل إلى الصحافة وأرباب العمل والنقابات والمجتمع المدني، لأنه سنصبح دولة استقبال واستقرار للمهاجرين، لهذا إذا كنا نطالب بالحقوق نفسها لمواطنينا في الخارج، فعلينا أن نظهر أن لدينا القدرة على استقبال الآخر، وقبول التعدد الثقافي واللغوي والديني، مثلما يوجد مسلمون في أوروبا شيعة وسنة.
نحن الآن عندما نتحدث عن الأدب الفرنسي أو الهولندي أو البلجيكي أو الإسباني، نجد كتّابا من أصل مغربي يشاركون في إغناء الثقافة والرواية في هذه البلدان، مثل نجاة بنهاشم، وهي من أكبر الكاتبات باللغة الكتالانية، إلى جانب الكتاب المعروفين مثل الطاهر بن جلون وعبد اللطيف العروي، وفؤاد العروي، وحاليا كل الكتاب الجدد في هولندا، الذين قاموا بثورة في الأدب الهولندي هم من أصل مغربي، بينهم عبد القادر بن علي وآخرون. قد نواجه إكراهات مرحلية، وحتى توترات، لكن مستقبلا هذا الوضع سيغني الثقافة المغربية. وحتى على المستوى المهني نجد عددا من الصحافيين الأفارقة يعملون في الإذاعات الخاصة، والصفحات الاقتصادية في الصحف اليومية بالفرنسية.
> أوصى تقريركم وسائل الإعلام المغربية بتغيير الصورة النمطية المتداولة عن المهاجر من أفريقيا جنوب الصحراء، بيد أن هذه الصورة تشكل جزءا من الحقيقة، فكثير من هؤلاء أصبحوا يمارسون التسول أو يعملون باعة متجولين، الأمر الذي أثر بشكل سلبي على المظهر العام في شوارع بعض المدن ومنها العاصمة الرباط، ناهيك بممارسة بعضهم النصب والاحتيال، كيف سيجري التعامل مع هذه الظواهر؟
- في كل فئة بشرية نجد ظواهر انحراف، فعلى سبيل المثال إذا أخذنا الإحصاءات الخاصة بالمساجين ببروكسل في بلجيكا، فسنجد أن مغربيا واحدا من أصل خمسة سبق أن سجن، في سن ما بين 14 و20 سنة، أي في فترة التحول من سن المراهقة إلى سن الشباب. الحل في مثل هذا الوضع الذي ذكرت هو تطبيق القانون بالمساواة، سواء في حق مغربي وأجنبي، ولا بد من الإشارة إلى أنه عند الحديث عن الهجرة، لا يوجد المهاجرون الأفارقة فقط.
> هذا يدفعني إلى سؤالك عن عدد المهاجرين العرب المقيمين في المغرب، وما جنسياتهم ودوافع إقامتهم في البلاد؟
- أود التذكير بأن لدينا ثلاث اتفاقيات للإقامة الحرة موقعة بيننا وبين السنغال والجزائر وتونس، وقعت في عقد الستينات من القرن الماضي، تسمح لمواطني هذه البلاد بالإقامة في المغرب، وحتى شغل مناصب أحيانا في الوظائف الحكومية. هذه الاتفاقيات وقعت إبان فترة الحصول على الاستقلال والطموح إلى الوحدة المغاربية والأفريقية. واليوم علينا استلهام هذه الاتفاقيات في السياسة الجديدة للهجرة، فلدينا حاليا مغاربة في السنغال ويمكنهم الاستقرار هناك. إذن لا بد من إعادة الروح في الاتحاد المغاربي وتقوية هذا النوع من الاتفاقيات بين الدول الأفريقية جنوب الصحراء، فحركية الأشخاص تساهم في التقدم الاقتصادي في العالم، وفي الاتحاد الأوروبي. وعندنا في مراكش وحدها أكثر من 10 آلاف متقاعد أوروبي، وهنالك جالية تونسية وجزائرية تقيم في المغرب منذ عشرات السنين، وأيضا هناك السوريون الذين يقيمون في شمال المغرب منذ أكثر من 30 أو 40 سنة، وهذا ما دفع طالبي اللجوء السوريين إلى المجيء إلى طنجة بسبب الأحداث الأخيرة.
> منذ اندلاع الأزمة في سوريا وصل للمغرب عدد من السوريين، هل لديكم إحصاءات عنهم وأين يوجدون، خصوصا أن كثيرا منهم يعيشون أوضاعا سيئة، ويتعامل المغاربة بتعاطف كبير مع هؤلاء لا سيما أن بعضهم يضطرون إلى التسول على أبواب المساجد في مدينة طنجة؟
- لا توجد لدينا إحصاءات عن أعداد السوريين الذي دخلوا المغرب في الفترة الأخيرة، ونعرف أن عدد اللاجئين السوريين (في الخارج) وصل إلى أكثر من مليونين حاليا، وهذا الأمر يعكس تطور إشكالية ما كان يعرف من قبل بـ«اللجوء السياسي»، فعندما تنشب حروب أهلية وصراعات سياسية مسلحة تتسبب في نزوح مئات الآلاف من النازحين، وهذا ما حدث عند اندلاع الحرب في أفغانستان، حيث رحل كثيرون من الأفغان إلى إيران وتركيا، وحاليا السوريون موجودون بكثرة في لبنان والعراق والأردن. وفي مصر هناك ما بين 200 إلى 300 ألف، وفي ليبيا هناك نحو 20 ألفا، وفي الجزائر 12 ألفا، وأعداد في تونس، وفي المغرب أيضا بدأت تبرز هذه الظاهرة، ففي رمضان الماضي سمعنا عن أشخاص يطلبون تقديم المساعدة الإنسانية لسوريين بعد صلاة التراويح في المساجد.
> كيف يصل السوريون إلى المغرب؟
- بما أنه لا توجد تأشيرة بين الجزائر وسوريا، فغالبيتهم يأتون عن طريق الجزائر، وبعدها يدخلون إلى المغرب عن طريق البر، وهذا الأمر يطرح ما بات يعرف عالميا بـ«الحماية المؤقتة»، أي إنه لا يمنح لهم اللجوء السياسي بل حماية مؤقتة في انتظار حل المشكلة السياسية في بلدهم، وبعد ذلك تجري عملية تنظيم عودتهم إليه. ولهذا طلب المجلس في تقريره من الحكومة المغربية توفير نوع من الحماية المؤقتة للسوريين.
> أوصى المجلس باتخاذ عدة تدابير لتحسين وضعية المهاجرين؛ منها منح بطاقة الإقامة للحاصلين على صفة لاجئين، وتسوية وضعية غير القانونيين، وحقهم في التجمع العائلي، والتكفل المادي والقانوني بالقاصرين والنساء المهاجرات.. هل الدولة المغربية لديها إمكانات مالية لتنفيذ هذه الإجراءات؟
- أنا أردد دائما أن حقوق الإنسان ليست سوقا ممتازة، نأخذ منها ما نشاء ونترك ما نشاء.. نحن اخترنا، دولة وشعبا، أن تعامل مع حقوق الإنسان بجدية ومهنية وبالمقاييس الدولية.. لدينا التزامات دولية وبعد جيو - استراتيجي لا بد من أخذه بعين الاعتبار، والمغاربة أيضا هاجروا نحو دول أخرى، واليوم في حكومة مالي وزير من أصل مغربي.. هناك إكراهات أكيدة، لذا نطالب بتعاون دولي وإقليمي إزاء هذه الإشكالية، وأخيرا لا يمكننا المطالبة بالمساواة في الحقوق لمهاجرينا، ولا نقوم نحن بالمثل.. ما نعيشه الآن هو نفسه ما عاشه الإيطاليون والإسبان قبل 30 عاما في سبعينات وثمانينات القرن الماضي.. في تلك الفترة كان أقل من 50 ألف مغربي في إسبانيا، اليوم يشكلون أكبر جالية هناك، بعضهم يتسبب في مشكلات، لكن كثيرون ساهموا في تنمية البلد قبل الأزمة الأخيرة بشكل أساسي. بعد الحرب العالمية الثانية عندما بدأ المهاجرون يصلون إلى أوروبا لم تكن أوروبا غنية جدا، لذا فورشات التنمية المفتوحة حاليا في المغرب يمكن أن يساهم فيها المهاجرون كذلك.



«لجنة إدارة غزة»... «قضايا عالقة» بانتظار حلول الوسطاء

منازل مُدمَّرة في مخيم النصيرات وسط قطاع غزة (أ.ف.ب)
منازل مُدمَّرة في مخيم النصيرات وسط قطاع غزة (أ.ف.ب)
TT

«لجنة إدارة غزة»... «قضايا عالقة» بانتظار حلول الوسطاء

منازل مُدمَّرة في مخيم النصيرات وسط قطاع غزة (أ.ف.ب)
منازل مُدمَّرة في مخيم النصيرات وسط قطاع غزة (أ.ف.ب)

تقف «قضايا عالقة» أمام «لجنة إدارة قطاع غزة»، وفق إفادة جديدة من رئيسها علي شعث، غداة حديث مصدَرين لـ«الشرق الأوسط» عن وجود عراقيل أمام اللجنة، أولها حرص «حماس» على الوجود بعناصرها الأمنية رغم رفض ذلك، وثانيها عدم سماح إسرائيل لأعضاء اللجنة بالعبور للقطاع.

تلك القضايا العالقة التي لم يوضِّحها بيان شعث، السبت، الذي دعا الوسطاء للتدخل للحصول على صلاحيات كاملة، ومهام الشرطة، يراها خبراء تحدَّثوا لـ«الشرق الأوسط» تتمثَّل في قضيَّتين رئيسيَّتين هما الملفان الأمني والمالي. وأكدوا أن «حماس» لن تسلِّم تسليماً كاملاً دون ضمانات سياسية أو نفوذ، وهو ما يستدعي ضغوطاً، لا سيما أميركية؛ لإنهاء ذلك، أو العودة من جديد للحرب.

وأكدت «اللجنة الوطنية لإدارة غزة» أن البيانات والتصريحات الصادرة من داخل القطاع بشأن الجهوزية لتسليم إدارة جميع المؤسسات والمرافق العامة في قطاع غزة تُمثِّل خطوةً تصبُّ في مصلحة المواطن، وتمهِّد لتمكين اللجنة من الاضطلاع بمسؤولياتها كاملة في إدارة المرحلة الانتقالية.

المحلل السياسي في الشأن الإسرائيلي بـ«مركز الأهرام للدراسات السياسية والاستراتيجية»، الدكتور سعيد عكاشة، يرى أن القضايا العالقة تتمثَّل في غياب الرغبة من «حماس» في إنهاء التسليم والتسلم على عكس ما تبدي في التصريحات العلنية التي عدّها «مناورة» لإطالة أمد حكمها، فهي ليس من مصلحتها تطبيق أي شيء.

وأضاف: «يبدو أن الصدام سيكون وشيكاً ليس بين الحركة واللجنة؛ لكن مع واشنطن وفي ظل قناعة إسرائيل بأنها قد تخوض حرباً وشيكةً ضد الحركة»، مستبعداً وجود حلول مع حركة آيديولوجية مثل «حماس»، مشيراً إلى أن حديث «حماس» المتكرِّر عن جهوزيتها لتسليم المهام، هو كسب للوقت، وحدوث صدف ومفاجآت تعيد لها مكانتها بوصفها حرباً طويلة بين إيران وإسرائيل.

في حين يرى المحلل السياسي الفلسطيني، نزار نزال، أن الملف الأمني، هو أعقد تلك الملفات للجنة، ولا يوجد على الأرض إلا عناصر حركة «حماس» والسلطة الفلسطينية، وأمامهما خيارات غاية في التعقيد والحساسية كالقضية المالية، فما فائدة تسلم اللجنة إدارة القطاع دون أن تكون لديها القدرة المالية لدفع الرواتب وما شابه.

خيام وملاجئ في مخيم للنازحين قرب ساحة الجندي المجهول بمدينة غزة (أ.ف.ب)

ويعتقد نزال أن هناك حلولاً عديدة، يمكن أن تذهب لها اللجنة منها تفعيل تفاهمات ومقاربة، ووجود القوات الدولية، وأخيراً الدمج، مشيراً إلى أن الدمج هو الخيار الأفضل بعد الفرز الأمني، موضحاً: «لكن حماس قد ترفض تسليماً كاملاً دون ضمانات سياسية أو نفوذ حتى تضمن عدم إخراجها من المشهد السياسي كليةً».

بالمقابل، لم يعلق الوسطاء على مطالب «اللجنة»، غير أن وزير الخارجية المصري، بدر عبد العاطي، جدَّد خلال لقاء رئيس وزراء فلسطين، محمد مصطفى «دعم مصر للجنة الوطنية لإدارة قطاع غزة برئاسة الدكتور علي شعث، بوصفها آليةً انتقاليةً مؤقتةً لإدارة الشؤون اليومية للقطاع، وتلبية الاحتياجات الأساسية للسكان خلال المرحلة الانتقالية، تمهيداً لتمكين السلطة الفلسطينية من الاضطلاع بمسؤولياتها كاملة في قطاع غزة».

وشدَّد عبد العاطي على «أهمية التنفيذ الكامل لبنود المرحلة الثانية من خطة الرئيس الأميركي، وعلى رأسها الإسراع بتشكيل ونشر قوة الاستقرار الدولية لمراقبة وقف إطلاق النار، وضمان الالتزام بتدفق المساعدات الإنسانية بصورة منتظمة، ومتابعة الانسحاب الإسرائيلي من المناطق التي تسيطر عليها إسرائيل داخل القطاع، بما يسهم في تثبيت الاستقرار وتهيئة البيئة الملائمة للتعافي المبكر وإعادة الإعمار».

وأكد عكاشة أن موقف مصر واضح، وستكون حريصة للوصول لتفاهمات والدفع بالاتفاق لتنفيذ الأطراف بنوده كاملة، مشيراً إلى أن الضغوط من الوسطاء، لا سيما واشنطن ربما تكون لها نتيجة إيجابية على المسار المتجمد أو العودة للحرب كما تريد إسرائيل.


العليمي يدعو من ميونيخ إلى إعادة صياغة معادلة الأمن الإقليمي

العليمي خلال جلسة حوارية في ميونيخ يقدم رؤية اليمن للأمن البحري (سبأ)
العليمي خلال جلسة حوارية في ميونيخ يقدم رؤية اليمن للأمن البحري (سبأ)
TT

العليمي يدعو من ميونيخ إلى إعادة صياغة معادلة الأمن الإقليمي

العليمي خلال جلسة حوارية في ميونيخ يقدم رؤية اليمن للأمن البحري (سبأ)
العليمي خلال جلسة حوارية في ميونيخ يقدم رؤية اليمن للأمن البحري (سبأ)

في خضم المشهد اليمني المعقّد على جميع الصعد الأمنية والسياسية والاقتصادية، طرح رئيس مجلس القيادة الرئاسي اليمني، رشاد العليمي، رؤية شاملة لإعادة تعريف مقاربة المجتمع الدولي تجاه أمن الممرات المائية والاستقرار الإقليمي، مؤكداً أن التحديات المتصاعدة في البحر الأحمر وباب المندب لم تعد مجرد أزمات أمنية عابرة، بل تحولات جيوسياسية تتطلّب استراتيجية دولية مختلفة تقوم على الردع وبناء الدول، لا الاكتفاء بسياسات الاحتواء المؤقتة.

وخلال جلسة حوارية حول أمن الممرات المائية ضمن أعمال مؤتمر ميونيخ للأمن الدولي، شدد العليمي على أن تحقيق الأمن المستدام للملاحة الدولية يبدأ من معالجة جذور الأزمة اليمنية، عبر دعم مؤسسات الدولة الوطنية وتعزيز قدرتها على فرض الاستقرار ومكافحة الإرهاب بصورة فعّالة ومستدامة.

وأكد أن التعامل الدولي السابق مع الهجمات في البحر الأحمر اتسم بطابع تكتيكي قصير الأمد، حيث جرى النظر إلى التهديدات بوصفها أحداثاً أمنية مؤقتة، الأمر الذي أدى إلى إطلاق مبادرات عسكرية لحماية الملاحة دون معالجة الأسباب العميقة لعدم الاستقرار.

رئيس مجلس القيادة الرئاسي اليمني رشاد العليمي (سبأ)

وأشار العليمي إلى أن العمليات الدولية التي أُطلقت لحماية السفن التجارية، رغم أهميتها في الحد من المخاطر المباشرة، أسهمت في عسكرة المنطقة أكثر مما أسهمت في استقرارها؛ لأن المقاربة ركزت على احتواء النتائج بدلاً من تفكيك مصادر التهديد المتمثلة في الجماعة الحوثية المدعومة من إيران.

وحسب الرؤية اليمنية، فإن الأمن البحري لا يمكن تحقيقه عبر الانتشار العسكري وحده، بل عبر بناء دولة قادرة داخل اليمن تمتلك أدوات الردع السياسي والعسكري والاقتصادي، بما يمنع الجماعات المسلحة من تحويل الجغرافيا اليمنية إلى منصة تهديد للملاحة العالمية.

وحذّر العليمي من أن توقف الهجمات مؤقتاً لا يعني زوال الخطر، مؤكداً أن الميليشيات الحوثية ستظل تهديداً دائماً للمصالح الإقليمية والدولية ما لم يتم التعامل معها ضمن استراتيجية ردع طويلة المدى.

أهمية باب المندب

وصف رئيس مجلس القيادة اليمني ما يجري في البحر الأحمر وباب المندب بأنه معضلة جيوسياسية مركبة نتجت عن تداخل عوامل عدة، أبرزها تنافس القوى الإقليمية ومحاولات الهيمنة، إلى جانب ضعف قدرات الدولة اليمنية خلال سنوات الحرب، وصعود جماعات ما دون الدولة.

وأشار إلى أن المشهد الأمني لم يعد محصوراً في جماعة واحدة، بل باتت هناك شبكة مترابطة من التنظيمات المتطرفة تشمل الحوثيين وتنظيمي «القاعدة» و«داعش» وحركات متشددة أخرى تنشط على ضفتَي باب المندب، مما يجعل التهديد متعدد المستويات وعابراً للحدود.

جانب من الحضور خلال جلسة حوارية في ميونيخ بمشاركة العليمي (سبأ)

وفي هذا السياق، دعا إلى تبني استراتيجية دولية استباقية لمكافحة الإرهاب، تقوم على تصنيف هذه الجماعات بوصفها تهديداً جيوسياسياً طويل الأمد، وليس مجرد ظواهر أمنية قابلة للاحتواء عبر التهدئة أو الحوافز السياسية.

كما شدد على أهمية تفعيل الهياكل الإقليمية القائمة، وفي مقدمتها مجلس الدول المشاطئة للبحر الأحمر، وقوات المهام المشتركة، ضمن شراكات دولية أوسع تهدف إلى تحقيق توازن أمني مستدام في المنطقة.

استقرار اليمن بوابة الأمن

أكد العليمي أن أمن الملاحة الدولية يبدأ فعلياً من البر اليمني، مشيراً إلى أن أي استراتيجية بحرية ستظل ناقصة ما لم تترافق مع جهود حقيقية لإعادة بناء مؤسسات الدولة اليمنية وتعزيز قدراتها السيادية.

وتطرق إلى الإجراءات التي اتخذتها الحكومة اليمنية بدعم من السعودية، والتي أسهمت -حسب تأكيده- في تجنّب سيناريو كارثي كان يمكن أن يؤدي إلى سيطرة قوى مسلحة على السواحل الجنوبية، وفرض واقع تقسيمي يهدد وحدة البلاد ويعرّض الممرات البحرية لمخاطر غير مسبوقة.

وأوضح أن تلك التطورات أثبتت أن الاستثمار في استقرار الدولة الوطنية أقل كلفة بكثير من التعامل مع تداعيات انهيارها، داعياً المجتمع الدولي إلى تعزيز شراكته مع اليمن لضمان استدامة الأمن البحري العالمي.

وأضاف أن الردع المشترك ضد الجماعات المسلحة يجب أن يُصبح جزءاً أساسياً من أي مقاربة دولية مستقبلية، بما يمنع تكرار العمليات الإرهابية العابرة للحدود ويؤسّس لبيئة آمنة للتجارة الدولية.

شراكة يمنية-خليجية

في سياق آخر، جدّد رئيس مجلس القيادة الرئاسي اليمني دعوته إلى تعزيز الشراكة اليمنية-الخليجية عبر إدماج اليمن تدريجياً في منظومة مجلس التعاون لدول الخليج العربية، باعتبار ذلك خياراً استراتيجياً لتحقيق الاستقرار الاقتصادي والسياسي.

وخلال جلسة نظّمها مركز الخليج للأبحاث بالتعاون مع مجموعة الأزمات الدولية، أعرب عن تطلّع بلاده إلى تطوير العلاقات الخليجية نحو شراكة استراتيجية شاملة تقوم على التكامل المؤسسي والاندماج الجيو-اقتصادي.

العليمي في ميونيخ خلال جلسة نظّمها مركز الخليج للأبحاث بالتعاون مع مجموعة الأزمات الدولية (سبأ)

واقترح العليمي إطلاق ما وصفه بـ«خطة مارشال خليجية» لإعادة إعمار اليمن، مستلهمة من تجربة البرنامج السعودي لتنمية وإعمار اليمن ومنسجمة مع رؤى التنمية الخليجية الطموحة، وفي مقدمتها «رؤية السعودية 2030».

وأوضح أن الطريق الأكثر واقعية لاندماج اليمن خليجياً يمر عبر الشراكة الاستراتيجية مع الرياض، بصفتها مركز ثقل إقليمياً وشريكاً رئيسياً في جهود التعافي اليمني وإعادة تشكيل توازنات المنطقة.

وأشار إلى أن تجربة «عاصفة الحزم» عام 2015 أثبتت أن أمن الخليج واليمن مترابطان بصورة عضوية، وأن استقرار منظومة الأمن الخليجي سيظل معرضاً للخطر ما دامت الدولة اليمنية بقيت ضعيفة أو منقسمة.

وأكد العليمي أن الرؤية اليمنية تتطابق إلى حد كبير مع تصورات غالبية دول الخليج بشأن مستقبل النظام الإقليمي، والتي ترتكز على دعم الدول الوطنية ومكافحة الكيانات المسلحة العابرة للدولة، وتعزيز التنمية باعتبارها أداة للاستقرار طويل الأمد.

العليمي اجتمع في ميونيخ مع رئيس الوزراء الكويتي (سبأ)

وأشاد بالدور الخليجي في الوساطة الدبلوماسية وجهود السلام، بدءاً بالمبادرة الخليجية التي جنّبت اليمن حرباً أهلية شاملة، مروراً بالوساطة الكويتية، وصولاً إلى المبادرات السعودية اللاحقة لإيجاد خريطة طريق سياسية لإنهاء الصراع.

وشدد على أن أي عملية سلام مستقبلية لن تكون مكتملة ما لم تتضمن تفكيك الميليشيات المسلحة ووقف التدخلات الخارجية التي تغذّي الصراعات، مؤكداً أن الوساطة في الملف اليمني يجب أن تجمع بين الضغوط السياسية والتنمية الاقتصادية، وهي المقاربة التي أثبتت فاعليتها في خفض التصعيد وتعزيز مؤسسات الدولة.

وطرح العليمي، في ختام مداخلته، رؤية لمستقبل آمن لليمن تقوم على المصالحة الداخلية أولاً، وتصحيح العلاقة مع الجوار الخليجي، والتخلي عن النزعات الطائفية والسلالية والسلاح المنفلت، مشدداً على أن قوة اليمن الحقيقية لا تكمن في السلاح بل في موارده البشرية وتاريخه وقدرته على أن يكون شريكاً إيجابياً في استقرار المنطقة وازدهارها.

Your Premium trial has endedYour Premium trial has endedYour Premium trial has endedYour Premium trial has ended


حزب «المؤتمر» في صنعاء يرضخ لإملاءات حوثية جديدة

قيادات في جناح حزب «المؤتمر الشعبي» الخاضع للحوثيين في صنعاء (إعلام محلي)
قيادات في جناح حزب «المؤتمر الشعبي» الخاضع للحوثيين في صنعاء (إعلام محلي)
TT

حزب «المؤتمر» في صنعاء يرضخ لإملاءات حوثية جديدة

قيادات في جناح حزب «المؤتمر الشعبي» الخاضع للحوثيين في صنعاء (إعلام محلي)
قيادات في جناح حزب «المؤتمر الشعبي» الخاضع للحوثيين في صنعاء (إعلام محلي)

واصل جناح حزب «المؤتمر الشعبي» في مناطق سيطرة الجماعة الحوثية تقديم تنازلات جديدة، في خطوة تعكس حجم الضغوط السياسية والأمنية التي يتعرض لها منذ سنوات، وذلك بعد إقراره فصل اثنين من قياداته المعتقلين كشرط للإفراج عنهما، وهي واقعة عدّها مراقبون دليلاً إضافياً على تآكل استقلالية الحزب وتحوله إلى كيان يعمل ضمن هامش ضيق تحدده الجماعة الانقلابية.

وأقرت اللجنة العامة، التي تمثل المكتب السياسي لجناح الحزب في صنعاء، فصل القياديين ياسين هزاع نائب رئيس الدائرة السياسية، وناجي محيي الدين، استناداً إلى تقرير لجنة الرقابة التنظيمية، من دون الكشف عن طبيعة المخالفات المنسوبة إليهما.

إلا أن مصادر سياسية أكدت أن القرار جاء استكمالاً لاتفاق غير معلن مع الحوثيين يقضي بإقصاء القيادات المتهمة بالتواصل مع الحكومة اليمنية المعترف بها دولياً أو مع قيادات الحزب في الخارج مقابل الإفراج عنها.

القرار أعاد إلى الواجهة مساراً متكرراً من الإجراءات التي اتخذها قادة جناح الحزب في صنعاء خلال الأشهر الماضية، أبرزها إقالة أحمد علي عبد الله صالح من موقعه نائباً لرئيس الحزب، ثم فصل الأمين العام غازي الأحول، وهي خطوات ربطها مراقبون مباشرة باشتراطات فرضتها الجماعة الحوثية لضمان استمرار نشاط الحزب في مناطق سيطرتها.

فعالية محدودة سابقة أقامها «مؤتمر صنعاء» تحت إشراف الحوثيين (إعلام محلي)

وتشير المعطيات السياسية إلى أن قرارات الفصل الأخيرة لم تكن نتاج خلافات تنظيمية داخلية بقدر ما كانت استجابة لضغوط أمنية مباشرة؛ فبحسب مصادر مطلعة، فرض الحوثيون حصاراً مشدداً على منزل رئيس الجناح صادق أبو راس لعدة أيام، وهددوا بحظر نشاط الحزب بالكامل ما لم يتم إقصاء القيادات التي يُشتبه بتواصلها مع الخارج.

وأفادت المصادر بأن الاشتراطات صدرت على أعلى مستوى داخل قيادة الجماعة، وتضمنت إلزام الحزب بفصل أي قيادي يثير الشكوك حول علاقاته السياسية خارج مناطق سيطرة الحوثيين. وهو ما وضع قيادة الجناح أمام خيارين أحلاهما مرّ، فإما الالتزام بالمطالب وإما مواجهة حل الحزب ومصادرة ما تبقى من نفوذه السياسي والتنظيمي.

ويرى محللون أن هذه المعادلة دفعت قيادة «المؤتمر» في صنعاء إلى تقديم تنازلات متتالية بهدف الحفاظ على وجود رمزي يسمح لها بالبقاء ضمن المشهد السياسي، ولو بقدرة محدودة، خصوصاً في ظل الرقابة المشددة المفروضة على موارده المالية وإعلامه ونشاطاته التنظيمية.

حزب تحت الوصاية

منذ مقتل مؤسس الحزب الرئيس السابق علي عبد الله صالح نهاية عام 2017، دخل جناح «المؤتمر» في صنعاء مرحلة جديدة اتسمت بتراجع استقلاليته السياسية بشكل كبير؛ فبعد أن كان شريكاً سياسياً رئيسياً في تحالف إدارة المناطق الخاضعة للحوثيين، تحول تدريجياً إلى طرف ثانوي يحتفظ بتمثيل شكلي داخل مؤسسات الحكم غير المعترف بها دولياً.

وعلى الرغم من أن التحالف بين الطرفين أفضى في عام 2016 إلى تشكيل ما سُمّي بالمجلس السياسي الأعلى بالمناصفة، فإن الحوثيين احتفظوا فعلياً برئاسة المجلس وبالقرار السياسي والعسكري، كما استحوذوا على معظم المناصب الحكومية عقب مقتل صالح، مع الإبقاء على حضور محدود لقيادات المؤتمر لأغراض سياسية وإعلامية.

الرئيس اليمني الأسبق علي عبد الله صالح الذي قتله الحوثيون أواخر 2017 (إعلام محلي)

وتشير تقارير سياسية إلى أن لجنة خاصة تابعة للجماعة تشرف على ميزانية الحزب وأصوله المالية، إضافة إلى مراقبة برامجه الإعلامية وخطط قنواته التلفزيونية وصحفه ومواقعه الإلكترونية؛ ما جعل نشاطه خاضعاً لرقابة دقيقة تقلص هامش حركته إلى الحد الأدنى.

انتقادات داخلية

أثارت قرارات الفصل الأخيرة موجة انتقادات داخل أوساط قيادات الحزب، حيث رأى مسؤولون في الجناح أن الخطوة تمثل «سابقة غير معهودة» في العمل السياسي؛ إذ يقدم حزب على التخلي عن قياداته وهم في السجون بدلاً من الدفاع عنهم.

وأكدت مصادر حزبية أن اعتقال القياديين جاء ضمن حملة مداهمات نفذتها أجهزة أمن الحوثيين في صنعاء وإب خلال أغسطس (آب) الماضي، واستهدفت عدداً من أعضاء الحزب على خلفية انتمائهم التنظيمي أو الاشتباه بوجود علاقات سياسية خارج إطار الجماعة.

ويرى منتقدون أن اتخاذ قرار الفصل قبل يوم واحد فقط من الإفراج عن القياديين يكشف بوضوح طبيعة الصفقة التي أُبرمت، ويعكس حالة «الرضوخ» التي تعيشها قيادة الجناح تحت ضغط الواقع الأمني والسياسي المفروض عليها.

قيادي في «المؤتمر» في صنعاء فصله الحزب مقابل أن يطلق الحوثيون سراحه (إعلام محلي)

ويحذر مراقبون من أن استمرار هذا النهج قد يؤدي إلى مزيد من التفكك داخل الحزب، مع تزايد شعور قواعده بأن القيادة لم تعد قادرة على حماية أعضائها أو الدفاع عن استقلالية قراراتها، الأمر الذي قد يدفع مزيداً من الكوادر إلى الابتعاد عن النشاط السياسي، أو البحث عن مسارات بديلة خارج مناطق سيطرة الحوثيين.

في المقابل، يرى آخرون أن القيادة الحالية تحاول المناورة للحفاظ على ما تبقى من وجود الحزب؛ إذ يرون أن أي مواجهة مباشرة مع الحوثيين قد تنتهي بحظر كامل للنشاط السياسي ومصادرة الممتلكات، وهو سيناريو سبق أن لوّحت به الجماعة أكثر من مرة.