فادي أبي سعد من «لبنان إلى العالم» في «مهرجانات بيبلوس»

يستنطق البيانو ألحاناً شرقية بعد أن يخضعها لتوزيعاته الخاصة

عرفه الناس في برنامج «هيك منغني» إلى جانب مايا دياب (العازف فادي أبي سعد)
عرفه الناس في برنامج «هيك منغني» إلى جانب مايا دياب (العازف فادي أبي سعد)
TT

فادي أبي سعد من «لبنان إلى العالم» في «مهرجانات بيبلوس»

عرفه الناس في برنامج «هيك منغني» إلى جانب مايا دياب (العازف فادي أبي سعد)
عرفه الناس في برنامج «هيك منغني» إلى جانب مايا دياب (العازف فادي أبي سعد)

بعد جولته الناجحة في كندا، يحط العازف والملحن اللبناني فادي أبي سعد المعروف باسم «ألِف» في جبيل لإحياء مساء الثامن من أغسطس (آب) ليلة من ليالي «مهرجانات بيبلوس الدولية» للعام الحالي، قبل أن يكمل جولته العالمية في أوروبا وأميركا.

وهذه هي المرة الثانية التي يشارك فيها «ألِف» في مهرجانات بيبلوس، لكن مشاركته هذه المرة مختلفة، حينها كان لا يزال شاباً صغيراً في مقتبل العمر، أما اليوم فهو يأتي حاملاً خبرته ومعارفه وذائقته بعد انفتاح أوسع على موسيقات الشعوب. «من لبنان إلى العالم» هو اسم الحفل، الذي سيجد فيه محبو موسيقى الفيوجن ضالتهم. «ألِف» لا يترك لحناً إلا ويخضعه لتوزيعاته ودمجه بموسيقى أخرى، لكن الأساس الذي يبقى طاغياً هي الموسيقى الشرقية.

في الحفل يعزف أبي سعد على البيانو ومعه فرقة من 12 موسيقياً على آلات شرقية وغربية، وهم آتون من كوبا والمكسيك وكندا ورومانيا ونيجيريا. بين هؤلاء، عازف الهارمونيكا أنطونيو سيرانو الحائز جائزة «غرامي» اللاتينية، كذلك يلسي هيريديا على الباص، وعازف الإيقاع باندوليرو، وستقدم راقصة الفلامنكو كارين لوغو لوحاتها التعبيرية، التي أحبها الجمهور اللبناني خلال مشاركتها في مهرجانات بعلبك السنة الحالية أيضاً، ويشارك جهاد أسعد في العزف على القانون.

حفلات «ألِف» حول العالم للعام الحالي (حسابه على «إنستغرام»)

وعرف الجمهور العريض «ألف» من إطلالته في البرنامج الشهير «هيك منغني». كان الدينامو الموسيقي وهو يعزف الأغنية تلو الأخرى على البيانو إلى جانب مايا دياب. لكن قبل ذلك كان قد قطع شوطاً طويلاً في العزف الموسيقي والتلحين والإنتاج الفني. بدأ العزف طفلاً، وجاءت الحرب الأهلية لتدفع به إلى ترك جونية حيث كان يعيش والاتجاه صوب الجبل في إهمج ليكون إلى جانب عمه الملحن مايكل راميا الذي يجيد العزف على ثمانية آلات موسيقية. هناك أصبحت الموسيقى جزءاً أساسياً من يومياته، واستنطاق البيانو ألحاناً شرقية واحداً من هواجسه. «حين بدأت حرب الإلغاء كان عمري عشر سنوات. في تلك الأجواء كنا في سهراتنا العائلية يعتمدون على في العزف، بعدها بسنتين دخلت الكونسرفتوار في جامعة الكسليك. هكذا انتقلت من العفوية في المعرفة الموسيقية إلى الأكاديمية في كتابة النوتة».

«لقد تمكنا من التوصل إلى صيغة عفوية لكنها ليست فوضوية لنجعل الجميع يغني ويمرح. وهي صيغة وجدت صدى واسعاً في الدول العربية، وعبرها عرف الناس وجهي وألِفوني».

العازف والملحن اللبناني فادي أبي سعد

درس الإنتاج التلفزيوني في الجامعة، وسرعان ما أسس شركته «الفن الثامن» مع شقيقه بيار، وأصبح هو مديرها الفني. شركة قامت بتنظيم مناسبات كبيرة، منها سحب «الفيفا» لكأس العالم، وكأس العرب. الشركة تضم 80 فناناً والعديد من الفرق الفنية والعازفين والمواهب. «نعمل مع أصحاب المهارات والشغوفين بالفن، ومعهم نقضي معظم الوقت في العمل، حيث يصبح التعاون خصباً».

يحضّر للجمهور في بيبلوس مفاجآت عدة (العازف فادي أبي سعد)

بين الإنتاج الفني والعزف، لا يرى أبي سعد أي تناقض بل هي مهمات تكمل بعضها بعضاً. على أي حال هو متعدد الاهتمامات، لكنها تصب جميعها في حب الموسيقى. من «هيك منغني»، الذي عزف فيه إلى جانب مايا دياب وهي تقدم البرنامج على مدى خمس سنوات، وفي كل سنة 33 حلقة، عرفه الناس. «لقد تمكنا من التوصل إلى صيغة عفوية لكنها ليست فوضوية لنجعل الجميع يغني ويمرح. وهي صيغة وجدت صدى واسعاً في الدول العربية، وعبرها عرف الناس وجهي وألِفوني». 

صغيراً تعلم العزف على آلات عدة (العازف فادي أبي سعد)

حفله الذي يحييه في بيبلوس هذه المرة، طال انتظاره، لقاء الأحبة في الوطن مختلف عن كل الحفلات التي جال بها العالم. بعد خمس مدن في كندا، من تورنتو إلى كيبك ومونتريال وفالكوفر، سيحط «ألِف» رحاله مع فرقته على ميناء جبيل، وستكون البنية الأساسية للحفل مشابهة للتي يقوم بها في جولته المقبلة إلى مدريد وباريس، وأمستردام وجنيف. «أعرف الجمهور اللبناني جيداً، لهذا ستكون الاختيارات ملائمة لذائقته، هذا إضافة إلى موسيقى جديدة، أودّ لجمهوري أن يتعرف إليها».

البيانو حين يصبح شرقياً مع «ألِف» (العازف فادي أبي سعد)

 للموسيقى الدور الأول في حفل«ألِف»، إلا أن الأغاني موجودة أيضاً بالعربية والإنجليزية والفرنسية. «ثمة مغنون يرافقوننا في حفلاتنا، لكن هذا لا يمنع أننا نعتمد على الموسيقى بشكل رئيسي». يعمل «ألِف» على توزيع الأغنيات، حتى المعروفة منها على طريقته. «أردنا أيضاً في هذا الحفل أن نترك مجالاً للحضور ليكونوا الكورس. نحب أن نرى الناس فرحة وتغني». إضافة إلى الريبرتوار اللبناني، عملت خليطاً من 4 أغنيات لزكي ناصيف بتوزيع فلامنكو شرقي. يحزن «ألَف» لأنه لم يتعرف على هذا الفنان شخصياً وهو حي. لأن كل من قابله يتحدث عن دماثته.

سيستمع الجمهور خلال الحفل إلى موسيقى من ألبومه الأول «تحت الشتا»، وموسيقى بنت الشلبية، وميس الريم، لكنها لن تبقى أبداً كما نعرف. «ألِف» يعيد صياغة الموسيقى فيخرج اللحن ممتزجاً بالألحان الإسبانية أو التركية أو إيقاع الراي. مع فادي أبي سعد أو «بيانو الشرق» الموسيقى مشرعة للتزاوج والخصب الجميل. أما لماذا الراي فببساطة «لأن الناس تحبها، وتأنس لها في كل مكان في العالم».

وكما العديد من الفنانين اللبنانيين، وجد نفسه يقيم حفلات في عواصم العالم، أكثر مما وجد المكان متّسعاً في لبنان. هذه السنة، صارت الفرصة سانحة للمواهب اللبنانية أن تعود إلى ديارها، وتلتقي بجمهورها.

 

يعزف «ألِف» إضافة إلى البيانو على آلات عدة، يتنقل بين الأكورديون والغيتار ويحب كثيراً الدرامز والكاخو، وهي آلة إيقاع إسبانية. «أحب الإيقاع كثيراً، وهذا الميل إلى مزاوجة الأشياء، الفضل فيه يعود إلى أهلي. في البيت كانوا يستمعون لمختلف الأنواع الموسيقية، التانغو، الفلامنكو، إضافة إلى كبار المغنيين الفرنسيين والعرب. في هذا الجو كبرت، وهم كانوا يشجعونني على العزف على مختلف الآلات، على أن أتسلّى بكل شيء، لكن أن أركز على البيانو، وهكذا حصل».

 

لم تكن العائلة تكتفي بالتشجيع. مع كل حفل أو حدث موسيقي يصورونه، ومن ثَمّ يجلسون معه ويتناقشون عمّا يمكنه أن يفعله ليطوّر ويحسّن من أدائه. هذا كان له دور في مساعدتي على التقدم باستمرار. صحيح ليس بديهياً أن يتمكن عازف أو ملحن مهما بلغت مهارته، أن يصل إلى «الأولمبيا» في باريس أو تنفد بطاقات حفله في كندا، لكن «ألِف» آمن أنه «من عمود إلى عمود بتصير شركة كهرباء، كما يقول المثل الشعبي». لهذا نشط بالاتصالات بالمهرجانات في العالم، وتمكّن من إحياء حفلات في البدء، للتعريف بنفسه. «حسابي على (يوتيوب) أسهم أيضاً في التعريف بي، لكنّ هذا لا يكفي. إن لم يكن من مضمون حقيقي، فكل هذه الجهود لا تنتهي إلى شيء يذكر».

في ليلة «من لبنان إلى العالم» سيأنس الجمهور بحفل رسمه فنان عاشق لـ«الفيوجن» يخلط بين القديم والجديد، الشرقي والغربي، وهو دائم التغيير والنظر حتى في أعماله نفسها. «ألِف» أو «بيانو الشرق» كما أطلق عليه، يُعلّق كبير أمل على إسعاد جمهوره في بيبلوس، وأن يستمد منه الطاقة لينطلق في جولة جديدة.


مقالات ذات صلة

مصر: «القومي للسينما» يعود بدورة استثنائية في الربيع

يوميات الشرق لقطة من حفل توزيع جوائز الدورة الـ24 من المهرجان (وزارة الثقافة المصرية)

مصر: «القومي للسينما» يعود بدورة استثنائية في الربيع

أعلنت وزارة الثقافة المصرية المنظمة للمهرجان القومي للسينما عن اختيار المنتج السينمائي هشام سليمان رئيساً للدورة الـ25.

انتصار دردير (القاهرة)
يوميات الشرق فوز «الهاربات» بجائزة أفضل عرض مسرحي (وزارة الثقافة المصرية)

«الهاربات» تتوَّج أفضل عرض في مهرجان المسرح العربي

خلال حفل الختام الذي أُقيم بالمسرح الكبير بدار الأوبرا المصرية، كُرِّمت جميع العروض المسرحية المُشاركة في المهرجان.

داليا ماهر (القاهرة )
يوميات الشرق العرض ينافس على جوائز مهرجان المسرح العربي (إدارة المهرجان)

«من زاوية أخرى»... جريمة تكشف هشاشة الروابط الإنسانية

شكل التحقيق في جريمة قتل غامضة نقطة انطلاق المسرحية الكويتية «من زاوية أخرى»، التي عُرضت مساء (الثلاثاء) على خشبة مسرح «السامر» بمهرجان «المسرح العربي».

أحمد عدلي (القاهرة)
يوميات الشرق «هيا» تستلهم شخصية أليس في بلاد العجائب في حُلة عربية (الشرق الأوسط)

أساطير عربية وقصص خيالية تنبض بالحياة في الطائف

المهرجان حوّل الأدب إلى تجربة حيَّة تفاعلية، حيث يأخذ الزائر دوراً في عالم الحكاية ويُعايش الشخصيات والقصص بخيالٍ وحواس متعددة.

منى أبو النصر (الطائف)
يوميات الشرق من اللوحات الجمالية مسار الكتب المعلقة في مهرجان الطائف (الشرق الأوسط)

مهرجان الطائف للكتّاب والقرّاء يعيد صياغة العلاقة بين الأدب والطبيعة والفن

مثّلت النسخة الثالثة لمهرجان الكتاب والقراء الذي أقامته هيئة الأدب والنشر والترجمة التابعة لوزارة الثقافة السعودية في متنزه «الردف» بمدينة الطائف، مساراً جديداً

سعيد الأبيض (الطائف)

وداعاً «كلود»... سان فرانسيسكو تحزن على تمساحها الأبيض المحبوب

التمساح الذي أحبّته مدينة بأكملها (غيتي)
التمساح الذي أحبّته مدينة بأكملها (غيتي)
TT

وداعاً «كلود»... سان فرانسيسكو تحزن على تمساحها الأبيض المحبوب

التمساح الذي أحبّته مدينة بأكملها (غيتي)
التمساح الذي أحبّته مدينة بأكملها (غيتي)

لم يكن «كلود» كثير الكلام، وكان بالكاد يتحرّك، ولم يرتدِ قط أزياء لإغراء جمهوره، لكن يوم الأحد تجمّع المئات في سان فرانسيسكو للاحتفال بحياة التمساح الأبيض المحبوب في المدينة وإرثه.

وبوجود فرقة نحاسية على طراز نيو أورلينز، وخبز أبيض مُنكَّه بطول 8 أقدام على شكل تمساح، وجلسة حكايات قدّمها مؤدّو «دراغ كوين»، وحتى شارع يحمل اسمه رسمياً «كلود ذا أليغاتور واي»، جاء هذا التكريم فريداً من نوعه، وفق «بي بي سي».

من المؤكّد أن هذا الزاحف فاز بمحبة ملايين القلوب عندما كان على قيد الحياة، لكنه اشتهر أيضاً بحادثة سرق فيها حذاء باليه لفتاة تبلغ 12 عاماً.

يتذكّر بارت شيبرد، من أكاديمية كاليفورنيا للعلوم التي كانت موطن «كلود» لمدة 17 عاماً قبل نفوقه في ديسمبر (كانون الأول) الماضي، أنّ التمساح الأبيض، البالغ طوله 10 أقدام ويزن 300 رطل، وله عيون وردية وبصر ضعيف، سرق ذات مرة حذاء الباليه الخاص بالفتاة ثم التهمه.

قال شيبرد لجمهور من معجبي «كلود» في «غولدن غيت بارك»: «إن استخراج حذاء من تمساح ليس بالأمر اليسير».

استلزم الأمر كثيراً من التخدير، وأدوات متخصّصة، وعدداً من الأطباء البيطريين والموظفين لاستخراج الحذاء من داخل «كلود»، وهي مهمّة أُنجزت بنجاح، رغم انطلاق إنذار الحريق في جميع أنحاء المبنى خلال ذلك الوقت، وفق شيبرد.

من جهتها، قالت مديرة الاتصالات في الأكاديمية جانيت بيتش: «كان من المشجّع حقاً رؤية سان فرانسيسكو تخرج للاحتفال بهذه الأيقونة المحبوبة في أرجاء المدينة كافّة».

وأضافت أنّ أحد أسباب محبة الناس لـ«كلود» هو أنه «يجسّد ما نعدّه مثالاً حقيقياً لسان فرانسيسكو، وهو ليس فقط قبول الناس على اختلافاتهم، وإنما الترحيب بهم».

وأوضحت أنّ البهاق الذي كان يعانيه «كلود»، وهو أمر نادر جداً في التماسيح، منح رؤية واضحة للأشخاص الذين يشعرون بأنهم منبوذون بعض الشيء.

ثم قالت: «ها هو هذا الحيوان الرائع الذي يختلف بعض الشيء عن بقية أفراد جنسه، لكنه محبوب ومقدَّر وله قيمة».

وكتبت الأكاديمية على موقعها الإلكتروني أن «كلود» قد «أسعد وألهم قلوب أكثر من 22 مليون زائر، وأظهر لنا قوة الحيوانات السفيرة في ربط الناس بالطبيعة والعلوم».

وكان هذا الزاحف الذي نفق بسبب سرطان الكبد عن 30 عاماً، قد وُلد عام 1995 في مزرعة تماسيح في لويزيانا، قبل أن يأتي للعيش في معرض المستنقعات التابع للأكاديمية عام 2008.

ومنذ نفوقه، تلقّت الأكاديمية آلاف الرسائل من معجبي «كلود»، يكتبون فيها عن مدى أهمية هذا التمساح بالنسبة إليهم.

كتب أحد زوار كلود في رسالة: «شكراً لك على إلهامك لعدد من الصغار على مرّ السنوات. لقد ذكّرتنا بأن اختلافاتنا هي ما تجعلنا فريدين ومميّزين، وأنها شيء يستحق الاحتفاء به».

وكتب آخر: «ستبقى في قلبي إلى الأبد. سأفتقدك كثيراً وأشكرك على كونك جزءاً من طفولتي».

بدورها، قالت الطبيبة البيطرية الرئيسية في الأكاديمية، لانا كرول، إنّ «كلود» كان «الأكثر هدوءاً» من بين جميع التماسيح التي عملت معها.

وختمت: «أستطيع القول بثقة إنني لن ألتقي تمساحاً آخر مثل (كلود) في حياتي. سأفتقده بشدة».


لماذا نتهرَّب من أداء المَهمَّات الصعبة؟

الدماغ في مواجهة ما لا نحب (شاترستوك)
الدماغ في مواجهة ما لا نحب (شاترستوك)
TT

لماذا نتهرَّب من أداء المَهمَّات الصعبة؟

الدماغ في مواجهة ما لا نحب (شاترستوك)
الدماغ في مواجهة ما لا نحب (شاترستوك)

لا يحبّذ أحد أن يفعل الأشياء أو المَهمّات التي لا تروق له. فكثيرون منا يحاولون تأجيل أداء المَهمّات الثقيلة على النفس، مثل تنفيذ تكليف صعب في إطار الوظيفة، أو بذل مجهود بدني شاق، أو خوض مناقشة مضنية. ولعلّ السبب الذي يدفعنا إلى التسويف عندما نجابه هذه النوعية من المَهمّات لا يتعلّق –فحسب- بافتقار العزيمة أو الإرادة الحقيقية للتحرُّك، وإنما ثمة أسباب علمية يمكن تفسيرها في إطار علوم الطبيعة المعنيّة بدراسة الجهاز العصبي للجسم.

ويرى العلماء أنّ الحافز هو القوّة التي تحرّك الكائنات الحيّة للإتيان بسلوكيات معيّنة لتحقيق أهداف تصبّ في مصلحتها. وفي الحياة اليومية، تتأثّر هذه السلوكيات بمؤثّرات أخرى قويّة، مثل الشعور بالنفور من عمل ما.

ورغم أنّ النظريات الكلاسيكية في مجال علم النفس تؤكّد أهمية «الهدف» في تعزيز الحافز لدى الإنسان، فإنّ بحوثاً حديثة تعتمد على نماذج حسابية ترى أنّ التحرك للإتيان بسلوك بعينه يتأثّر بآليات أخرى بعيدة عن قيمة الهدف في ذاته، ولا سيما في المواقف السلبية التي قد يترتّب عليها أن يتكبّد الشخص تكلفة إضافية نظير هذا السلوك، مثل المجهود الزائد، سواءً أكان عضلياً أم ذهنياً أم نفسياً، وهو ما قد يدفعه إلى التأجيل أو التسويف أو التأخّر في تنفيذ المهمة المطلوبة منه.

وفي إطار دراسة نقلتها «وكالة الأنباء الألمانية» عن الدورية العلمية «البيولوجيا المعاصرة»، المعنيّة بالبحوث العلمية في مجال الأحياء، توصّل فريق بحثي ياباني إلى وجود دائرة عصبية في أمخاخ قرود المكاك تؤدّي دور «مكابح التحفيز»، وأنّ هذا الاكتشاف قد يضيء على الأسباب التي تدفع البعض إلى التردّد قبل اتخاذ قرارات معيّنة.

ويقول الباحث كين إيشي أميموري -وهو أستاذ مساعد في معهد البحوث المتقدّمة في مجال بيولوجيا الإنسان، التابع لجامعة كيوتو اليابانية، وأحد المشاركين في الدراسة- في تصريحات نقلها موقع علمي: «استطعنا الربط بين مسار عصبي معيّن داخل المخ وبين تقييد التحفيز لدى البشر، عندما يواجهون مَهمّات لا يفضّلون القيام بها في الحياة اليومية».

وخلال الدراسة، كان الباحثون يكلّفون القرود بأداء مَهمّات معيّنة، مع إعطائها مكافآت في حال إنجاز العمل، إلى جانب توجيه نفثة مزعجة من الهواء إلى وجوهها. ولاحظ الفريق البحثي أنّ القرود تستغرق وقتاً أطول في أداء المَهمّات التي يترتّب عليها التعرّض لنفثة الهواء. وأُجريت سلسلة التجارب في أماكن معزولة صوتياً ومظلمة، لتقليل تأثير الضوضاء الخارجية والمؤثّرات البصرية في النتائج. ودرَّب الباحثون القرود على إمعان النظر في مكعّبات تظهر في منتصف شاشة، وكلّما زادت مدّة نظر القرود إلى الأشكال التي تظهر على الشاشة، والتي تختلف من تجربة إلى أخرى، ازداد حجم المكافأة التي تحصل عليها. وبعد حصول القرد على المكافأة التي تتباين ما بين الماء ومشروبات رياضية محلَّاة، كانت تُوجَّه نفثة من الهواء إلى وجه القرد وفق قراراته خلال التجربة. وفي المرّات التي كان يمتنع فيها عن خوض التجربة، كان الباحثون يحرصون على إعطائه مكافأة أقلّ قيمة، حتى لا يفقد اهتمامه بالمشاركة من الأساس.

وعن طريق علوم الكيمياء الوراثية، استخدم الباحثون مواد دوائية معيّنة للتحكّم في خلايا محدّدة في أمخاخ القرود، من أجل كبح المسارات العصبية التي تربط بين جزأين من المخ، وهما «المخطّط البطني» و«الجسم البطني الشاحب»، وكلاهما يقع في منطقة العقد القاعدية بالدماغ، ويلعب دوراً رئيسياً في آليات التحفيز والمكافآت لدى الحيوانات التي تنتمي إلى عائلة الرئيسيات.

وتوصَّل الباحثون -بعد دراسات تشريحية على المخ- إلى أنّ المخطّط البطني يبعث بإشارات عصبية ترتبط بآليات الحافز والمكافأة إلى الجسم البطني الشاحب، وأنّ التدخّل في المسارات العصبية بين الجزأين يترتّب عليه تغيّرات سلوكية تتعلّق بفتور أو تعزيز الإرادة نحو القيام بمَهمّات معيّنة.

واختبر الباحثون في إطار التجربة ما إذا كان من الممكن وقف الشعور بالنفور أو الرغبة في التسويف تجاه عمل ما، عن طريق تعطيل هذا المسار العصبي. ونجحوا -باستخدام أدوية بعينها- في تعطيل تلك الإشارات العصبية خلال تكليف القرود بأداء مَهمّات معيّنة لا ترغب في تنفيذها. ووجدوا أنه في حال تعطيل عمل الدائرة العصبية، تُبدي القرود تردّداً أقلّ في أداء المَهمّات المطلوبة منها، بما في ذلك التي يترتّب عليها التعرّض لنفثة هواء مزعجة. وبمعنى آخر، نجح الفريق البحثي في تعطيل تلك المكابح التي تؤثّر في التحفيز لدى الحيوانات.

ويقول الباحث أميموري: «نأمل أن تسهم هذه الدراسة في تعزيز فهمنا لمفهوم الحافز، في المجتمعات العصرية التي تنطوي على صعوبات». ويأمل الفريق البحثي أن تساعد هذه النتائج يوماً ما في ابتكار أدوية لبعض المشكلات النفسية والعقلية المرتبطة بالتحفيز، مثل الاكتئاب والفصام. ويرى أميموري ضرورة التعامل بحذر مع آليات التدخّل التي تستهدف إضعاف «مكابح التحفيز»؛ لأن هذا التدخّل قد يأتي بنتائج عكسية، مثل دفع الشخص إلى الاتجاه المعاكس، وتحفيزه على القيام بأفعال غير آمنة تنطوي على خطورة.


«فاجعة بنها» تجدد مطالبات مصرية بالتصدي لحوادث تسرب الغاز

جانب من جنازة الأشقاء الخمسة ببنها (الشرق الأوسط)
جانب من جنازة الأشقاء الخمسة ببنها (الشرق الأوسط)
TT

«فاجعة بنها» تجدد مطالبات مصرية بالتصدي لحوادث تسرب الغاز

جانب من جنازة الأشقاء الخمسة ببنها (الشرق الأوسط)
جانب من جنازة الأشقاء الخمسة ببنها (الشرق الأوسط)

جددت فاجعة وفاة 5 أشقاء نتيجة انفجار سخان الغاز وحدوث تسريب بمنزل في إحدى قرى مدينة بنها (شمال القاهرة)، الحديث عن ضرورة التصدي لحوادث تسرب الغاز، في وقت شُيّع فيه الأشقاء الخمسة في جنازة حاشدة، الأحد، بعد تصريح النيابة بدفن الجثامين عقب الانتهاء من التحقيقات في الواقعة.

وحظيت عائلة الأشقاء الخمسة بتعاطف كبير بعد وقت قصير من الإعلان عن الحادث الذي عرف إعلامياً بـ«فاجعة بنها»، بعدما انفجر سخان الغاز خلال استحمام إحدى الفتيات بالمنزل وانفجار السخان بها، بينما توفي باقي الأشقاء نتيجة الاختناق بالغاز.

الأشقاء الذين يقيمون في الشقة بمفردهم لسفر والدَيهم للعمل بالخارج، تتراوح أعمارهم بين 8 و15 عاماً فيما كانت ترعاهم خالتهم المقيمة بالعقار نفسه، والتي أبلغت عن الحادث وتعرضت للاختناق ونقلت للمستشفى لتلقي العلاج.

وهذه ليست الواقعة الأولى التي يؤدي فيها انفجار الغاز بالمنازل لوفيات وإصابات، فسبق أن انهار عقار في منطقة إمبابة بالجيزة الشهر الماضي، بعد انفجار غاز، مما أدى لوفاة شخص وسقوط 3 مصابين آخرين، بينما توفي شقيقان الأسبوع الماضي، بعد تسرب الغاز داخل المنزل خلال نومهما بمنطقة أبو النمرس، فيما توفي شخصان آخران بعدها بساعات قليلة نتيجة تسرب غاز في المنزل بمنطقة العمرانية بالجيزة أيضاً.

سخانات مياه تعمل بالغاز تسببت في حدوث فواجع بمصر (الشرق الأوسط)

وأطلقت «الشركة القابضة للغازات الطبيعية» المسؤولة بشكل أساسي عن توصيل الغاز الطبيعي في الجزء الأكبر من المنازل الشهر الماضي، حملة إرشادية متضمنة إرشادات لتجنب عمليات التسريب، مع التأكيد على أن مواسير شبكات الغاز الطبيعي المنفذة من جانب الشركات المختلفة، تطابق اشتراطات الأمان والمواصفات القياسية، بما يجعلها تتحمل ضغوط تشغيلية كبيرة.

وحذرت الحملة التي تضمنت فيديوهات ومنشورات عبر مواقع التواصل الاجتماعي، من العبث أو التعديل في المواسير بالاستعانة بأشخاص غير مؤهلين، بالإضافة إلى ترك الموقد وشعلة الغاز سهواً مفتوحين دون اشتعال، مؤكدة أن التسريب ينتج عنه تجمع خليط من الهواء مع الغاز في المكان، وإذ وجدت شرارة أو مصدر اشتعال تحدث موجة انفجارية لحظية تختلف شدتها حسب كمية الغاز المسرب.

آثار انفجار الغاز على المنازل المحيطة بالمنزل المنهار في إمبابة - محافظة الجيزة

وطالب عضو مجلس النواب (البرلمان) عمرو درويش عبر حسابه على «إكس»، شركات الغاز، بتركيب «جهاز ذاتي الغلق نتيجة استشعار خطورة تسرب الغاز»، مؤكداً اعتزامه التقدم بطلب إحاطة لإلزام الوزارات المعنية بتركيب هذه المنظمات عند تركيب العدادات المنزلية والخدمية، للحد من تسرب الغاز سواء في المنازل أو الأماكن العامة، مع تحويل الأمر ليكون بشكل إلزامي.

وأكد خبير الحماية المدنية أيمن سيد الأهل، لـ«الشرق الأوسط»، ضرورة العمل من أجل نشر ثقافة الوعي بالمخاطر، للتعامل مع أخطار حوادث الغاز التي تحدث عادة بسبب غياب منافذ التهوية السليمة، واستخدام وصلات أو قطع غيار غير مطابقة للمواصفات، مشيراً إلى أن هذا الأمر يتطلب إنشاء هيئة وطنية للسلامة تتواصل مع مختلف الجهات وتضع المعايير اللازمة، لضمان عدم تكرار مثل هذه الحوادث.

وأضاف أن احتمالات الوفاة تزيد عند حدوث التسريب أثناء النوم لعدم شعور النائمين بتسريب الغاز، مما يؤدي إلى حدوث عملية استنشاق تزيد من ترجيح حالات الوفاة على خلفية تشديد إغلاق النوافذ، خصوصاً في فصل الشتاء وعدم وجود مجال لخروج الغاز المسرب خارج المنزل.

وأوضح أن لجوء بعض الفنيين لاستخدام وصلات وقطع غير مطابقة للمواصفات لانخفاض سعرها، أحد أسباب المشكلة بشكل أساسي، معتبراً أن التساهل لتوفير مبالغ مالية محدودة قد يؤدي إلى كارثة تودي بحياة عائلات بأكملها.