فادي أبي سعد من «لبنان إلى العالم» في «مهرجانات بيبلوس»

يستنطق البيانو ألحاناً شرقية بعد أن يخضعها لتوزيعاته الخاصة

عرفه الناس في برنامج «هيك منغني» إلى جانب مايا دياب (العازف فادي أبي سعد)
عرفه الناس في برنامج «هيك منغني» إلى جانب مايا دياب (العازف فادي أبي سعد)
TT

فادي أبي سعد من «لبنان إلى العالم» في «مهرجانات بيبلوس»

عرفه الناس في برنامج «هيك منغني» إلى جانب مايا دياب (العازف فادي أبي سعد)
عرفه الناس في برنامج «هيك منغني» إلى جانب مايا دياب (العازف فادي أبي سعد)

بعد جولته الناجحة في كندا، يحط العازف والملحن اللبناني فادي أبي سعد المعروف باسم «ألِف» في جبيل لإحياء مساء الثامن من أغسطس (آب) ليلة من ليالي «مهرجانات بيبلوس الدولية» للعام الحالي، قبل أن يكمل جولته العالمية في أوروبا وأميركا.

وهذه هي المرة الثانية التي يشارك فيها «ألِف» في مهرجانات بيبلوس، لكن مشاركته هذه المرة مختلفة، حينها كان لا يزال شاباً صغيراً في مقتبل العمر، أما اليوم فهو يأتي حاملاً خبرته ومعارفه وذائقته بعد انفتاح أوسع على موسيقات الشعوب. «من لبنان إلى العالم» هو اسم الحفل، الذي سيجد فيه محبو موسيقى الفيوجن ضالتهم. «ألِف» لا يترك لحناً إلا ويخضعه لتوزيعاته ودمجه بموسيقى أخرى، لكن الأساس الذي يبقى طاغياً هي الموسيقى الشرقية.

في الحفل يعزف أبي سعد على البيانو ومعه فرقة من 12 موسيقياً على آلات شرقية وغربية، وهم آتون من كوبا والمكسيك وكندا ورومانيا ونيجيريا. بين هؤلاء، عازف الهارمونيكا أنطونيو سيرانو الحائز جائزة «غرامي» اللاتينية، كذلك يلسي هيريديا على الباص، وعازف الإيقاع باندوليرو، وستقدم راقصة الفلامنكو كارين لوغو لوحاتها التعبيرية، التي أحبها الجمهور اللبناني خلال مشاركتها في مهرجانات بعلبك السنة الحالية أيضاً، ويشارك جهاد أسعد في العزف على القانون.

حفلات «ألِف» حول العالم للعام الحالي (حسابه على «إنستغرام»)

وعرف الجمهور العريض «ألف» من إطلالته في البرنامج الشهير «هيك منغني». كان الدينامو الموسيقي وهو يعزف الأغنية تلو الأخرى على البيانو إلى جانب مايا دياب. لكن قبل ذلك كان قد قطع شوطاً طويلاً في العزف الموسيقي والتلحين والإنتاج الفني. بدأ العزف طفلاً، وجاءت الحرب الأهلية لتدفع به إلى ترك جونية حيث كان يعيش والاتجاه صوب الجبل في إهمج ليكون إلى جانب عمه الملحن مايكل راميا الذي يجيد العزف على ثمانية آلات موسيقية. هناك أصبحت الموسيقى جزءاً أساسياً من يومياته، واستنطاق البيانو ألحاناً شرقية واحداً من هواجسه. «حين بدأت حرب الإلغاء كان عمري عشر سنوات. في تلك الأجواء كنا في سهراتنا العائلية يعتمدون على في العزف، بعدها بسنتين دخلت الكونسرفتوار في جامعة الكسليك. هكذا انتقلت من العفوية في المعرفة الموسيقية إلى الأكاديمية في كتابة النوتة».

«لقد تمكنا من التوصل إلى صيغة عفوية لكنها ليست فوضوية لنجعل الجميع يغني ويمرح. وهي صيغة وجدت صدى واسعاً في الدول العربية، وعبرها عرف الناس وجهي وألِفوني».

العازف والملحن اللبناني فادي أبي سعد

درس الإنتاج التلفزيوني في الجامعة، وسرعان ما أسس شركته «الفن الثامن» مع شقيقه بيار، وأصبح هو مديرها الفني. شركة قامت بتنظيم مناسبات كبيرة، منها سحب «الفيفا» لكأس العالم، وكأس العرب. الشركة تضم 80 فناناً والعديد من الفرق الفنية والعازفين والمواهب. «نعمل مع أصحاب المهارات والشغوفين بالفن، ومعهم نقضي معظم الوقت في العمل، حيث يصبح التعاون خصباً».

يحضّر للجمهور في بيبلوس مفاجآت عدة (العازف فادي أبي سعد)

بين الإنتاج الفني والعزف، لا يرى أبي سعد أي تناقض بل هي مهمات تكمل بعضها بعضاً. على أي حال هو متعدد الاهتمامات، لكنها تصب جميعها في حب الموسيقى. من «هيك منغني»، الذي عزف فيه إلى جانب مايا دياب وهي تقدم البرنامج على مدى خمس سنوات، وفي كل سنة 33 حلقة، عرفه الناس. «لقد تمكنا من التوصل إلى صيغة عفوية لكنها ليست فوضوية لنجعل الجميع يغني ويمرح. وهي صيغة وجدت صدى واسعاً في الدول العربية، وعبرها عرف الناس وجهي وألِفوني». 

صغيراً تعلم العزف على آلات عدة (العازف فادي أبي سعد)

حفله الذي يحييه في بيبلوس هذه المرة، طال انتظاره، لقاء الأحبة في الوطن مختلف عن كل الحفلات التي جال بها العالم. بعد خمس مدن في كندا، من تورنتو إلى كيبك ومونتريال وفالكوفر، سيحط «ألِف» رحاله مع فرقته على ميناء جبيل، وستكون البنية الأساسية للحفل مشابهة للتي يقوم بها في جولته المقبلة إلى مدريد وباريس، وأمستردام وجنيف. «أعرف الجمهور اللبناني جيداً، لهذا ستكون الاختيارات ملائمة لذائقته، هذا إضافة إلى موسيقى جديدة، أودّ لجمهوري أن يتعرف إليها».

البيانو حين يصبح شرقياً مع «ألِف» (العازف فادي أبي سعد)

 للموسيقى الدور الأول في حفل«ألِف»، إلا أن الأغاني موجودة أيضاً بالعربية والإنجليزية والفرنسية. «ثمة مغنون يرافقوننا في حفلاتنا، لكن هذا لا يمنع أننا نعتمد على الموسيقى بشكل رئيسي». يعمل «ألِف» على توزيع الأغنيات، حتى المعروفة منها على طريقته. «أردنا أيضاً في هذا الحفل أن نترك مجالاً للحضور ليكونوا الكورس. نحب أن نرى الناس فرحة وتغني». إضافة إلى الريبرتوار اللبناني، عملت خليطاً من 4 أغنيات لزكي ناصيف بتوزيع فلامنكو شرقي. يحزن «ألَف» لأنه لم يتعرف على هذا الفنان شخصياً وهو حي. لأن كل من قابله يتحدث عن دماثته.

سيستمع الجمهور خلال الحفل إلى موسيقى من ألبومه الأول «تحت الشتا»، وموسيقى بنت الشلبية، وميس الريم، لكنها لن تبقى أبداً كما نعرف. «ألِف» يعيد صياغة الموسيقى فيخرج اللحن ممتزجاً بالألحان الإسبانية أو التركية أو إيقاع الراي. مع فادي أبي سعد أو «بيانو الشرق» الموسيقى مشرعة للتزاوج والخصب الجميل. أما لماذا الراي فببساطة «لأن الناس تحبها، وتأنس لها في كل مكان في العالم».

وكما العديد من الفنانين اللبنانيين، وجد نفسه يقيم حفلات في عواصم العالم، أكثر مما وجد المكان متّسعاً في لبنان. هذه السنة، صارت الفرصة سانحة للمواهب اللبنانية أن تعود إلى ديارها، وتلتقي بجمهورها.

 

يعزف «ألِف» إضافة إلى البيانو على آلات عدة، يتنقل بين الأكورديون والغيتار ويحب كثيراً الدرامز والكاخو، وهي آلة إيقاع إسبانية. «أحب الإيقاع كثيراً، وهذا الميل إلى مزاوجة الأشياء، الفضل فيه يعود إلى أهلي. في البيت كانوا يستمعون لمختلف الأنواع الموسيقية، التانغو، الفلامنكو، إضافة إلى كبار المغنيين الفرنسيين والعرب. في هذا الجو كبرت، وهم كانوا يشجعونني على العزف على مختلف الآلات، على أن أتسلّى بكل شيء، لكن أن أركز على البيانو، وهكذا حصل».

 

لم تكن العائلة تكتفي بالتشجيع. مع كل حفل أو حدث موسيقي يصورونه، ومن ثَمّ يجلسون معه ويتناقشون عمّا يمكنه أن يفعله ليطوّر ويحسّن من أدائه. هذا كان له دور في مساعدتي على التقدم باستمرار. صحيح ليس بديهياً أن يتمكن عازف أو ملحن مهما بلغت مهارته، أن يصل إلى «الأولمبيا» في باريس أو تنفد بطاقات حفله في كندا، لكن «ألِف» آمن أنه «من عمود إلى عمود بتصير شركة كهرباء، كما يقول المثل الشعبي». لهذا نشط بالاتصالات بالمهرجانات في العالم، وتمكّن من إحياء حفلات في البدء، للتعريف بنفسه. «حسابي على (يوتيوب) أسهم أيضاً في التعريف بي، لكنّ هذا لا يكفي. إن لم يكن من مضمون حقيقي، فكل هذه الجهود لا تنتهي إلى شيء يذكر».

في ليلة «من لبنان إلى العالم» سيأنس الجمهور بحفل رسمه فنان عاشق لـ«الفيوجن» يخلط بين القديم والجديد، الشرقي والغربي، وهو دائم التغيير والنظر حتى في أعماله نفسها. «ألِف» أو «بيانو الشرق» كما أطلق عليه، يُعلّق كبير أمل على إسعاد جمهوره في بيبلوس، وأن يستمد منه الطاقة لينطلق في جولة جديدة.


مقالات ذات صلة

مي عودة لـ«الشرق الأوسط»: أنحاز لمشروعات الأفلام المتفردة

خاص مي عودة خلال حضورها مهرجان روتردام (الشرق الأوسط)

مي عودة لـ«الشرق الأوسط»: أنحاز لمشروعات الأفلام المتفردة

أكدت المنتجة والمخرجة الفلسطينية مي عودة أنها تشارك في الدورة الـ76 لمهرجان برلين السينمائي بوصفها منتجاً مشاركاً بالفيلم المصري «خروج آمن» لمحمد حمّاد.

انتصار دردير (القاهرة)
يوميات الشرق هيلين غيريتسن المديرة الفنية لـ«السينماتيك الألماني» (مهرجان برلين)

هيلين غيريتسن: مهرجان برلين يعيد اكتشاف الأفلام الكلاسيكية

في مهرجان برلين السينمائي لا تُعرض الأفلام القديمة بدافع الحنين، بل بوصفها جزءاً من نقاش مفتوح حول التاريخ والسياسة والتحولات الاجتماعية.

أحمد عدلي (القاهرة )
لمسات الموضة تفاصيل كثيرة مستوحاة من الحياة اليومية والذاكرة والحنين طُرزت في القفطان (خاص)

كيف تألقت الهوية اللبنانية في مهرجان «صاندانس» السينمائي؟

أصبحت المهرجانات السينمائية منصة لاستعراض الإبداعات الفنية كما لآخِر خطوط الموضة. فصُناع الموضة يتنافسون مع صناع السينما لجذب الأنظار والبريق بشتى الطرق. لكن…

فيفيان حداد (بيروت)
يوميات الشرق نواف الظفيري في أحد مشاهده بفيلم «هجرة» (منصة «إكس»)

نواف الظفيري... أداء سعودي يلفت المهرجانات الدولية

في السنوات الأخيرة، أُضيف إلى المشهد السينمائي العربي حضور متنامٍ لممثلين سعوديين باتوا يحصدون تقديراً فعلياً في مهرجانات دولية، مع الالتفات إلى أدوارهم بوصفها…

أسماء الغابري (جدة)
يوميات الشرق من اليسار ريان كوغلر وكلوي تشاو وغييرمو دل تورو وبول توماس أندرسن وجوش صفدي (غيتي)

«نقابة المخرجين»... تاريخ حافل وحاضر مزدهر

لا يمكن الاستهانة بتأثير جوائز النقابة على جوائز الأوسكار

محمد رُضا (بالم سبرينغز (كاليفورنيا))

إعلان 2029 عاماً ثقافياً مشتركاً بين بريطانيا والسعودية

ولي العهد البريطاني ووزير الثقافة السعودي في العلا أمس (رويترز)
ولي العهد البريطاني ووزير الثقافة السعودي في العلا أمس (رويترز)
TT

إعلان 2029 عاماً ثقافياً مشتركاً بين بريطانيا والسعودية

ولي العهد البريطاني ووزير الثقافة السعودي في العلا أمس (رويترز)
ولي العهد البريطاني ووزير الثقافة السعودي في العلا أمس (رويترز)

أنهى ولي العهد البريطاني الأمير ويليام جولة له في العلا التاريخية، أمس، في إطار زيارته للمملكة العربية السعودية، وذلك بعد إعلان السعودية والمملكة المتحدة 2029 عاماً ثقافياً مشتركاً لتعزيز التبادل الثقافي والفني والتعليمي بين البلدين الصديقين.

وكان وزير الثقافة السعودي الأمير بدر بن عبد الله بن فرحان قد استقبل الأمير ويليام، واصطحبه في جولة شملت أبرز المعالم الأثرية، إضافة إلى البلدة القديمة بالعلا ومحمية شرعان الطبيعية.

ورحّب وزير الثقافة السعودي بالأمير ويليام في تغريدة على حسابه على موقع «إكس»، قائلاً: «أهلاً بسمو الأمير ويليام، أمير ويلز، في العلا، حيث يعزز التعاون بين الهيئة الملكية لمحافظة العلا والمؤسسات الثقافية البريطانية الشراكة الاستراتيجية والتاريخية بين البلدين الصديقين».


نبيل نحاس يمثل لبنان في بينالي البندقية بتجهيزه «تعددٌ بلا حدود»

نيكولا فياض والفنان نبيل نحاس وندى غندور والوزير غسان سلامة وشارل كتانة (جمعية الفنون البصرية اللبنانية)
نيكولا فياض والفنان نبيل نحاس وندى غندور والوزير غسان سلامة وشارل كتانة (جمعية الفنون البصرية اللبنانية)
TT

نبيل نحاس يمثل لبنان في بينالي البندقية بتجهيزه «تعددٌ بلا حدود»

نيكولا فياض والفنان نبيل نحاس وندى غندور والوزير غسان سلامة وشارل كتانة (جمعية الفنون البصرية اللبنانية)
نيكولا فياض والفنان نبيل نحاس وندى غندور والوزير غسان سلامة وشارل كتانة (جمعية الفنون البصرية اللبنانية)

عُقد مؤتمرٌ صحافي في المكتبة الوطنية اللبنانية، بحضور وزير الثقافة غسان سلامة، حيث قدّمت المفوّضة العامّة ومنسّقة جناح لبنان ندى غندور، تجهيزاً ضخماً للفنان نبيل نحاس بعنوان «تعدّدٌ بلا حدود»، الذي سيمثل لبنان في الدورة الـ61 من المعرض الدولي للفنون – بينالي البندقية.

ويُقام جناح لبنان لهذه السنة في بينالي البندقيّة تحت رعاية وزارة الثقافة، ومن تنظيم «الجمعية اللبنانية للفنون البصرية»، وذلك من 9 مايو (أيار) إلى 22 نوفمبر (تشرين الثاني) 2026.

خلال كلمته في المؤتمر، هنأ الوزير غسان سلامة الفنان نبيل نحّاس على اختياره ليمثّل لبنان في المعرض الدولي للفنون - بينالي البندقيّة. وهو خيار يعكس اهتماماً بالمبدعين اللبنانيين الذين يتنقّلون بين الداخل والخارج، فيما يبقى تعلّقهم ببلدهم ثابتاً. وقال سلامة: «نحن اليوم في مرحلة إعادة بناء ثقة العالم بلبنان، وأعتقد أن للمبدعين دوراً أساسياً في استعادة هذه الثقة، إذ تعود أيضاً من خلال إبراز صفة لبنان الأساسية بوصفه نبعاً لا ينضب للإبداع والخلق والإنجازات».

وشكر الوزير سلامة الجمعية اللبنانية للفنون البصرية على ما قامت به هذا العام وفي الأعوام السابقة لتأكيد وجود لبنان في المنطقة.

منسّقة جناح لبنان ندى غندور (جمعية الفنون البصرية اللبنانية)

وفي كلمتها، قالت ندى غندور إن «الجناح اللبناني في عام 2026 يمثل احتفاءً بالإبداع والأُخُوة. وفي وقت يتزعزع فيه العالم ويزداد اضطراباً، من الضروري أن ترفع البلدان صوتاً آخر غير صوت العنف».

وأضافت: «إذ لا بدَّ من إتاحة المجال لقدرة الخيال والمهادنة التي يقدمها الفنانون الذين يحملون لغة مشتركة ومنفتحة وحرة؛ لأن الفن قادر على خلق روابط تتجاوز الحدود الجغرافية والثقافية والتاريخية والآيديولوجية».

ويستكشف الفنّان نبيل نحاس في تجهيزه «تعدّدٌ بلا حدود»، الرابطَ القائم بين الإنسان والطبيعة والكون، فيطرح تجربة بصريّة وروحانيّة، موظِّفاً المشهدية اللافتة في خدمة التأمل الذاتي.

يشكّل هذا العمل مرآة الهويّة المرنة والمتعددة ثقافياً التي يتميّز بها لبنان، كما يحتفي بثيمة الوحدة في التنوّع وجمال الأضداد؛ وذلك في امتداد للبحث الفني الذي يعمل نبيل نحاس على تطويره منذ عقود متنقلاً بين لبنان والولايات المتّحدة الأميركيّة.

يتألّف التجهيز الفني الممتد على طول 45 متراً والمعرض في موقع «آرسنال»، من 26 لوحة أكريليك على قماش بارتفاع 3 أمتار. تشكل هذه الأعمال المتلاصقة جنباً إلى جنب، إفريزاً ضخماً يطوِّق زوّاره ويدعوهم إلى الانغماس فيه.

التجهيز مستوحى من المنمنمات الفارسيّة، ويتحرَّر من قيود السرد الخطي والقراءة الأحادية المسار، ليقدم تجربة مصممة لتُعاش وتتنفس بدلاً من أن تكون صُوراً يجب تفسيرها.

وتتميّز اللوحات بلغة فنية كثيفة وثرية، حيث تتلاقى تجريدات هندسية مستوحاة من الفن الإسلامي والغربي في الوقت نفسه مع التجسيد، وبنى متوهّجة تجتمع لتخلق استمرارية مُباغتة غير متوقّعة.

تستحضر الأشكال الهندسية البنية الرياضية الدقيقة للنظام الكوني: كوحدة واحدة، فالكون متألّف من اللامتناهي الصِغَر واللامتناهي الكِبَر. هكذا تتكرَّر بعض الموتيفات على مختلف المقاييس في عالم الحيوان وفي الطبيعة لتذكِّرنا بأن الإنسان إنما ينتمي إلى كلٍّ لا متناه. علاوة على ذلك، يأتي شكل اللولب وهو رديف اللانهاية المأخوذة عن الطقوس الصوفيّة، ليشكل قوة منوّمة تؤثر في العقل في إيماءة إلى البحث الداخلي والحميم.

الفنان نبيل نحّاس إلى جانب أحد أعماله الفنية (الشرق الأوسط)

أما حضور الشجرة المركزي في أعمال نبيل نحّاس، فيجسد التوتر القائم بين التجذّر والتسامي، وذلك من خلال الأشجار التوراتيّة التي يوظّفها، على غرار الأرزة. هذه الشجرة الأسطوريّة من جبال لبنان رديفة الصمود والصلابة، وكذلك شجرة الزيتون رمز الحياة.

ويحتفي نبيل نحّاس في هذا التجهيز بلبنان كأرض تلاقٍ، تجتمع فيها الثقافات المتجذّرة منذ قرون لتشكل هوية متعددة. وبدلاً من أن تكون هذه الهويّة مجرّد تراكم لشرذمات غير متناسقة، باتت ممثّلة هنا في العمل على أنها مادّة حية ومتماسكة وفي حركة دائمة.

يأخذ الفنان، الذي نشأ في مدينة جبيل وتأثر بطبقاتها الأثرية المتراكمة، بعين الاعتبار أن تاريخ لبنان، ملتقى طرق استثنائي شهد على نشوء حضارات عظمى ومن ثمَّ تعاقبها وتلاقيها. على هذا المنوال، فإنّ التأثيرات اليونانية - الرومانية، واليهودية - المسيحية، والبيزنطية والإسلامية الحاضرة في أعمال نبيل نحّاس تشير إلى مواريث البلاد العائدة إلى قرون غابرة والمتكدّسة في طبقات.

ويمكن قراءة «تعدّدٌ بلا حدود» على أنّه تصوير دقيق لتضاريس البلاد. فبالنسبة إلى الفنان، تُقدم ذاكرة الأرض الأم تعددية صوتية تصوغها رجعات وترددات تصل بأصدائها حتى حياته نفسها: فبعد نشوئه بين لبنان والقاهرة، استقر نبيل نحّاس في نيويورك. وعقِب 18 عاماً من الغياب، ومع انتهاء الحرب الأهليّة، عاد إلى لبنان في زيارة قصيرة كانت بداية عودات لاحقة متزايدة.

نبيل نحّاس هو أحد أبرز الفاعلين في المشهد الفني المعاصر. هو رسام لبناني - أميركي، ولد في بيروت عام 1949 واستقر في الولايات المتّحدة الأميركيّة منذ 1969، حيث حاز البكالوريوس في الفنون الجميلة من جامعة ولاية لويزيانا ثمّ الماجستير من جامعة ييل عام 1972. يقيم ويعمل حالياً بين بيروت ونيويورك.

تدخل أعمال نبيل نحّاس ضمن مجموعات مؤسّسات رئيسية على غرار: المتحف البريطاني (لندن)، ومتحف «تيت للفنّ الحديث والمعاصر» (لندن)، والمتحف العالي للفنون (أتلانتا، الولايات المتّحدة الأميركية)، ومتحف «المتروبوليتان» للفنون (نيويورك)، ومتحف «زيميرلي» للفنون في جامعة روتجرز (ولاية نيوجيرسي، أميركا)، ومتاحف أميركية كثيرة أخرى، إضافة إلى مؤسّسة «بارجيل» للفنون (الشارقة)، والمتحف العربي للفن الحديث (الدوحة)، ومؤسّسة «رمزي وسعيدة دلّول» للفنون (بيروت)، ومتحف غوغنهايم (أبوظبي).


رحيل سعيد السريحي بعد رحلة لقلم أثرى الحركة الأدبية والثقافية

الناقد والأديب السعودي سعيد السريحي (قناة الشرق)
الناقد والأديب السعودي سعيد السريحي (قناة الشرق)
TT

رحيل سعيد السريحي بعد رحلة لقلم أثرى الحركة الأدبية والثقافية

الناقد والأديب السعودي سعيد السريحي (قناة الشرق)
الناقد والأديب السعودي سعيد السريحي (قناة الشرق)

رحل الأديب والناقد السعودي الدكتور سعيد السريحي عن عمر ناهز 73 عاماً، تاركاً خلفه إرثاً فكرياً ونقدياً أسهم من خلاله في إثراء ملامح المشهد الثقافي العربي.

ونعت الأوساط الثقافية والأدبية السعودية والعربية، الدكتور سعيد السريحي عقب إعلان خبر وفاته الأربعاء، وذلك بعد أن تعرض لحالة مرضية قبل بضعة أشهر دخل على أثرها العناية المركزة.

ووجَّه الأمير بدر بن عبد الله بن فرحان، وزير الثقافة السعودي، التعازي في وفاة الناقد سعيد السريحي لعائلته وذويه، وذلك عبر منشور على حسابه بمنصة «إكس» للتواصل الاجتماعي.

واستذكر المعزون رحلة السريحي الذي بذل عمره ووقته وجهده في إثراء الحركة الثقافية والأدبية في الوطن العربي، وقدم الكثير من العطاءات والإنتاج الذي سجله واحد من رواد الثقافة والأدب في العالم العربي.

ولد السريحي بمدينة جدة عام 1953، وتأثر منذ صغره ببيئتها الثقافية المتنوعة، وحصل على درجة الدكتوراه من جامعة أم القرى، وهو صاحب الأطروحة الشهيرة «حركة التجديد في لغة الشعر العربي الحديث»، التي أحدثت جدلاً واسعاً في الأوساط الأكاديمية آنذاك، وأصبحت مرجعاً أساسياً في نقد الحداثة.

وارتبط اسم الراحل بتجربته في أروقة الصحافة، والأندية الأدبية، حيث عمل مشرفاً على القسم الثقافي لصحيفة «عكاظ» السعودية، ولسنوات طويلة رعى حراكاً صحافياً لم تهدأ وتيرته، وتبلور فيها قلمه النقدي الذي جمع بين الفلسفة والأدب والاجتماع.

وفي فترتي الثمانينات والتسعينات، كان للسريحي وجيل من المثقفين والأدباء من مجايليه صولات في حقبة الأندية الأدبية، وأسهم من خلال دوره وحضوره في نادي جدة الأدبي، في صياغة ملامح الحراك الثقافي السعودي الذي ازدهر بجدال الأفكار والاتجاهات.

وتحولت قصة نيل السريحي لدرجة «الدكتوراه» رمزاً للصراع بين تيار الحداثة والتيار التقليدي في الثمانينات، عندما توجَّه إلى جامعة أم القرى بمكة المكرمة بأطروحته «حركة التجديد في لغة الشعر العربي الحديث»، التي قدم فيها تشريحاً نقدياً عميقاً للغة الشعرية، مستخدماً أدوات نقدية حديثة. لكن قرار إدارة الجامعة المفاجئ بسحب الدرجة العلمية أو حجبها، تسبَّب في اندلاع جدل واسع وتضامن من كبار المثقفين العرب والسعوديين.

وقدَّم السريحي مجموعة إصدارات مهمة عكست قدرته على تفكيك النصوص وإعادة قراءتها بعيداً عن القوالب الجاهزة، ومن أهم مؤلفاته «تقليب الحطب على النار» وهو دراسات في السرد، و«حجاب العادة» أركولوجيا الكرم من الخطاب إلى التجربة، و«غواية الاسم» في سيرة القهوة وخطاب التحريم، و«الحياة خارج الأقواس» التي سجل فيها سيرة ذاتية وفكرية سرد فيها محطات من حياته بأسلوب أدبي رفيع.