ميليشيات ليبيا.. «دويلات» داخل الدولة

وزير العدل لـ «الشرق الاوسط»: جعلنا الوضع أكثر سوءا

أحد المقاتلين في مدينة ورشفنة غرب العاصمة الليبية يستخدم مدفعا محمولا على شاحنة خلال صراعات شبه يومية تشهدها ليبيا (أ.ف.ب)
أحد المقاتلين في مدينة ورشفنة غرب العاصمة الليبية يستخدم مدفعا محمولا على شاحنة خلال صراعات شبه يومية تشهدها ليبيا (أ.ف.ب)
TT

ميليشيات ليبيا.. «دويلات» داخل الدولة

أحد المقاتلين في مدينة ورشفنة غرب العاصمة الليبية يستخدم مدفعا محمولا على شاحنة خلال صراعات شبه يومية تشهدها ليبيا (أ.ف.ب)
أحد المقاتلين في مدينة ورشفنة غرب العاصمة الليبية يستخدم مدفعا محمولا على شاحنة خلال صراعات شبه يومية تشهدها ليبيا (أ.ف.ب)

كان أنور، الذي شارك في القتال أثناء الثورة الليبية ضد نظام القذافي وأحد وجهاء مصراتة، أفضل مَن يلخص الوضع الراهن في ليبيا، حيث قال: «إذا كنت أنت الدولة ولديك بندقية واحدة، وكان مواطنوك يحملون عشر بنادق، إذا فأنت في مأزق». تطرق أنور إلى جوهر القضية الأكثر إلحاحا في ليبيا، وهي أنه على الرغم من مرور عامين ونصف العام على سقوط نظام العقيد الراحل معمر القذافي؛ فإن الميليشيات المسلحة لا تزال أقوى من الدولة.
والحكومة الديمقراطية الوليدة لا تخضع فقط لسيطرة الميليشيات التي حاربت وانتصرت في ثورة عام 2011؛ بل إنها تعتمد عليها أيضا. ففي اليوم التالي غادرت طائرة تقل مجموعة من مقاتلي الثورة السابقين مطار مصراتة متوجهة إلى سبها، في الجنوب. لم يكن الرجال على متن الطائرة قادة في الجيش الوطني الذي أعيد تأسيسه بعد الثورة، لكن الحكومة طلبت منهم الذهاب إلى سبها لوقف أعمال العنف القبلية هناك. واعترف وزير العدل صلاح الميرغني بأن الحكومة الحالية «لا تملك جيشا قويا يستطيع السيطرة على البلاد»، ولذا أوكل الأمر إلى الميليشيات المحلية - ميليشيات مصراتة والزنتان وطرابلس، والعديد من الفصائل التابعة لها - لتشكل الذراع القوية للدولة.
هذا النظام الهش يجدي في بعض الأحيان، ففي العاصمة طرابلس تخضع حكومة التحالف الوطني العام الانتقالية لحماية ميليشيات مصراتة. فعندما أعطت ميليشيات الزنتان حكومة التحالف مهلة 72 ساعة للاستقالة في 18 فبراير (شباط) جاء الرد سريعا من ميليشيات مصراتة «إذا حاول الزنتانيون مهاجمة حكومة التحالف الوطني العام فسوف ندافع عنها».. وفي النهاية فشل الانقلاب.
وقال أنور: «انتخبنا التحالف الوطني العام في عملية ديمقراطية. وإذا أردنا أن نقيلهم فسوف يكون بهذه الأصابع»، رافعا أصبعه الذي لا تزال عليه آثار الحبر، في دلالة على إدلائه بصوته في الجولة الأخيرة من الانتخابات التي جرت في العشرين من فبراير.
لكن قوة هذه المجموعات المختلفة تقوض في كثير من الأحيان الديمقراطية أكثر من دفاعها عنها. وأكثر ما يثير القلق هو أن هذه الميليشيات، بما في ذلك ميليشيات مصراتة، ستحمي مدنها ومصالحها الخاصة قبل أن تحمي الحكومة المركزية. والتفسير المثير للمفارقة بشأن سرعة استجابة ميليشيات مصراتة للدفاع عن الحكومة هو أن قادة الحكومة مرتبطون آيديولوجيا، وأنهم ينتمون جميعا لجماعة الإخوان المسلمين. لكن أنور سارع إلى تفنيد هذا الزعم بالقول: «كثير من الناس يربطون مصراتة بالإخوان المسلمين، لكن تلك هي الذريعة التي استغلها القذافي عندما وصف المتظاهرين بالجرذان».
يتمتع أنور، رجل الأعمال الناجح والشخصية البارزة في مصراتة، باحترام واسع حتى أن جثة القذافي أحضرت إلى منزله لحفظها في أكتوبر (تشرين الأول) 2011، عندما كانت فرق الطب الشرعي تشق طريقها نحو المدينة. وعلى مدى ثلاثة أيام، استضاف أنور أعدادا كبيرة من الليبيين الذين قدموا من شتى أنحاء ليبيا لمشاهدة الجثة بأنفسهم. وقال: «لم يصدقوا أنه مات حتى شاهدوا جثته». لكن أحد أقارب أنور شخصية نافذة في جماعة الإخوان المسلمين، وقال إنه لا يستطيع التخلص من الاتهامات بصلاته بهم. وهذا أحد الأمثلة على العصبية الإقليمية التي اجتاحت ليبيا منذ سقوط نظام القذافي.
في الوقت ذاته، نالت ميليشيات الزنتان نصيبها من الجدل والانتقادات، فقد تمكنت هذه الميليشيات - بقدر كبير من الحظ - من اعتقال ابن القذافي الأبرز، سيف الإسلام، أثناء محاولته الهرب إلى النيجر. وجاء اعتقاله بعد شهر من وفاة أبيه وأخيه المعتصم في المعارك على يد كتائب الثوار، لكن سيف الإسلام سيواجه مصيرا مختلفا. فقد مضى عامان ونصف العام ولا يزال محتجزا لدى ميليشيات الزنتان التي ترفض تسليمه للحكومة المركزية أو محكمة العدل الدولية لمحاكمته. وتقول ميليشيات الزنتان إنهم لا يثقون في أنه سيحاكم محاكمة عادلة لدى أي منهما، لكن الكثير من الليبيين خارج المدينة يزعمون أن هؤلاء يستغلون سجينهم «رفيع المستوى» ليكون ورقة تفاوض سياسية. ويقول أنور: «كان ينبغي عليهم قتله عندما أمسكوا به. كان ذلك سيحل كثيرا من المشكلات».
المشكلة لم تتوقف عند حد السلطات التي تتمتع بها الميليشيات الكبيرة فحسب، بل في وجود عدد كبير من المجموعات الصغيرة المتمردة، والتي تستطيع الوصول بحرية إلى الأسلحة التي تركت بعد الثورة. وهذا ما يشكل في الأغلب أكبر تهديد للأمن والاستقرار في ليبيا.. فالمكاتب الفسيحة والجدران المكسوة بالخشب في مبنى وزارة العدل في طرابلس تماثل المباني الحكومية في كل مكان في العالم، لكن ما يميزها عن نظيراتها الثقوب الغائرة التي تركتها آثار الرصاصات فيها. ويقول وزير العدل صلاح الميرغني مبتسما: «لم تطلق عليّ شخصيا». لكن الميرغني، بمكانته الرفيعة وسلوكه المهذب، لا يبدو الشخص الأنسب لملاحقة العناصر الوحشية في السياسة الليبية. وقال: «إذا قلت أي شيء، مجرد شيء في مؤتمر صحافي، فقد أحظى بزيارة ثانية. كان هذا مبنى إداريا عاديا، لكننا اضطررنا أخيرا إلى تشديد الحراسة. لكن على الرغم من ذلك فإن حضور عدد كبير من الأفراد لا يجدي معه الأمن نفعا؛ حيث يقومون باحتلال المكان وتصبح كواشف الأسلحة والحراس الشخصيون عاجزين عن العمل».
وتعرض مبنى وزارة العدل للاحتلال أكثر من مرة من قبل مجموعات مسلحة خلال العام الماضي، وفي العادة لا يحمل المعتدون أي ضغينة ضد وزير العدل تحديدا. في واحد من هذه الأحداث، أراد المهاجمون الضغط على التحالف للمسارعة في تمرير قانون يستثني أعضاء النظام السابق من تولي أي منصب في الحكومة الليبية الجديدة، وفي العديد من الحوادث الأخرى جلبت المجموعات والأفراد الأسلحة إلى وزارة العدل لتنفيذ مطالبهم الخاصة، والتي عادة ما تكون متعلقة بشكاوى اعتقال يعتقدون أنها غير شرعية.
بعد الثورة، جرى اعتقال آلاف الأفراد الذين واجهوا اتهامات بالقتال في صفوف قوات القذافي وأودعوا السجون التي تديرها الميليشيات، ولا يزال الكثير من هؤلاء المعتقلين يعانون في تلك السجون، وتثار شكوك حول موعد خضوعهم للمحاكمة أو حتى توجيه اتهامات إليهم.
ويقول الميرغني إن هذا الأمر هو «الإرث الناتج عن فترة حكم القذافي»، مما يبرهن على صعوبة التغيير. واعترف الميرغني قائلا: «لدينا إدارة ضعيفة جدا في هذا البلد، وهو ما ورثناه من النظام السابق، بل إننا جعلنا الأمر أكثر سوءا». ومع ذلك، ما زالت الجهود تبذل لإصلاح النظام القضائي.
وفي مصراتة، استثمرت الوزارة تسعة ملايين دينار لبناء أحد السجون الكبيرة الجديدة، واستبدال ستة معتقلات صغيرة منتشرة حول المدينة - حيث جرى إنشاء بعض منها من قبل المتمردين أثناء الثورة. ووافقت الميليشيات بالمدينة على تسليم السجناء، وجرى بالفعل نقل 840 سجينا منهم. وقال أحد السجناء الذي جرى نقله إلى السجن الجديد: «يبدو الوضع هنا أفضل بكثير، فهذا المكان مريح للغاية ونتلقى معاملة أفضل بكثير، فضلا عن السماح لعائلات السجناء بالمزيد من الزيارات». ومن المؤكد أن معاملة هؤلاء السجناء بدت أفضل من نظرائهم الذين ما زالوا محتجزين في أحد السجون القديمة.
ويقول أحد الشباب «عمل حراس هذه الوردية في النظام القضائي قبل اندلاع الثورة، ولذلك فهم يعرفون كيفية التعامل مع الأشخاص. وربما يكون ذلك الأمر هو السبب وراء السماح بزيارة السجناء في هذا الوقت. بيد أن الورديات الأخرى تكون فظيعة، حيث يقوم الحراس بحلق شعرنا كل يوم ومعاملتنا مثل الحيوانات». ويدان هذا السجين - مثل الكثير من أغلبية المعتقلين في مصراتة - بتهمة ولائه للقذافي. ولم يجر تحديد موعد لمحاكمة أي سجين من السجناء الذين تحدثنا معهم سواء في السجن القديم أو الجديد.
ويقر الميرغني - بكل وضوح قائلا: «نحتاج إلى المضي قدما بشكل سريع لإصلاح النظام القضائي الذي يواجه تعثرا في ليبيا»، وقال إنه كان يجري استعراض قضايا جميع السجناء في مصراتة قبل نقلهم، حيث أفرج بالفعل عن الكثير منهم. بيد أن مصراتة تعد حالة استثنائية، حيث إن الميليشيات هنا قوية وموالية للحكومة المركزية بشكل كبير، بالإضافة إلى قدرتها على الحفاظ على الأمن في المدينة. وقال أنور إن «هذا هو الدليل على أن الوضع في مصراتة ليس سيئا للغاية، فهناك خمسة بنوك في المدينة، يوجد بكل واحد منها مليونا دينار. وبينما يمتلك جميع الأشخاص السلاح، إلا أن هذه البنوك لم تتعرض لأي هجوم».
وفي الواقع، فإن الأسلحة موجودة في كل مكان في ليبيا. وفي مصراتة، زرنا أحد السجون حيث تقف أمامه على الأرض الترابية ست دبابات، مملوكة جميعا لشخص واحد. وتشير التقديرات إلى وجود 22 مليون قطعة سلاح من الأسلحة الخفيفة والمتوسطة منتشرة في البلاد. بيد أن الشعب غير مستعد لتسليم تلك الأسلحة، حتى في المناطق الأكثر استقرارا بالبلاد، لأن الكثيرين منهم يخشون إمكانية قيام ثورة أخرى أو نزاع بين الأهالي. وفي أماكن مثل مصراتة وطرابلس، يبدو أن مسألة وجود السلاح تتسبب في حالة اضطراب بالبلاد، ولا يريد أي شخص أن يطلق النار على شخص آخر لديه نفس الأسلحة الثقيلة التي يمتلكها. ولكن في المدن الشرقية لبنغازي ودرنة، سقطت هذه الأسلحة في أيدي الجماعات المتشددة التي تعادي بشكل مباشر الدولة الجديدة، بالإضافة إلى المجرمين والإسلاميين. ولذلك، فبينما تكون الشوارع في طرابلس ومصراتة آمنة وهادئة نسبيا، يبدو أن الحكومة المركزية لديها سلطة محدودة للسيطرة على المناطق الشرقية التي تعاني الاضطرابات.
وكان الميرغني يستعد - في اليوم الذي التقيناه فيه - للسفر إلى بنغازي لتقديم العزاء إلى أسرة أحد المسؤولين القضائيين جرى اغتياله. ولم يكن هذا الحادث أمرا منفصلا عن المشهد، حيث تصاعدت وتيرة عمليات إطلاق النار وتفجير السيارات المفخخة خلال الشهور الأخيرة في بنغازي ودرنة. وكان اغتيال السفير الأميركي كريستوفر ستيفنز في 11 سبتمبر (أيلول) 2012 مجرد حلقة من سلسلة العنف المثير للقلق بصورة متزايدة، حيث يبدو أن تلك العمليات تهدف إلى تقويض النظام القضائي الجديد لليبيا.
وتابع الميرغني حديثه قائلا: «من الواضح أن هذا الفعل جرى ارتكابه من قبل الإرهابيين، وأن السبب وراءه هو منع قيام دولة ذات سيادة بالشكل الملائم. إنهم يسعون لإرهاب النظام القضائي والقضاة ومهاجمة السجون. ومن المؤكد أنه في حال عدم وجود نظام قضائي يؤدي وظيفته بالشكل المناسب، فإن الكثير من الأمور الأخرى - بما في ذلك الأمن - لن تعمل بالصورة الملائمة. وبناء على ذلك، سيكون لدينا أشخاص معتقلون وسجناء تكتظ بهم معسكرات الاعتقال، فضلا عن التسبب في مشكلات أخرى».
وأوضح الميرغني أن هذا الأمر يعد مثل رواية «كاتش 22» الأميركية (التي لا توجد بها حلول ناجحة كاملة لأي الأطراف)، وعلى ما يبدو فإن هناك صعوبة للخروج من هذا المأزق. واختتم حديثه قائلا: «نحتاج إلى الاستقرار لتكوين حكومة، ولكي نخلق هذا الاستقرار فإننا نحتاج إلى وجود الحكومة».



العراق يعيد فتح معبر «ربيعة» الحدودي مع سوريا بعد إغلاقه نحو 13 عاماً

أحد المعابر على الحدود السورية - العراقية (أرشيفية - أ.ف.ب)
أحد المعابر على الحدود السورية - العراقية (أرشيفية - أ.ف.ب)
TT

العراق يعيد فتح معبر «ربيعة» الحدودي مع سوريا بعد إغلاقه نحو 13 عاماً

أحد المعابر على الحدود السورية - العراقية (أرشيفية - أ.ف.ب)
أحد المعابر على الحدود السورية - العراقية (أرشيفية - أ.ف.ب)

أعاد العراق، الاثنين، فتح معبر حيوي حدودي مع سوريا، وفق ما أفاد به مراسل لـ«وكالة الصحافة الفرنسية»، بعد أكثر من عقد على إغلاقه أمام التجارة عقب بروز تنظيم «داعش».

ومن أمام معبر «ربيعة»، الواقع في محافظة نينوى شمال غربي العراق والمعروف باسم «اليعربية» في سوريا، أعلن رئيس «هيئة المنافذ الحدودية»، عمر الوائلي، لصحافيين، إعادة فتح المعبر بعد نحو «13 سنة من الإغلاق»، وفقاً لما ذكرته «وكالة الصحافة الفرنسية».

ويتشارك العراق مع سوريا، التي تحدّه من الغرب بما يزيد على 600 كيلومتر من الحدود، معبرَين آخرين هما: «القائم (المعروف بالبوكمال في سوريا)»، و«الوليد (التَّنَف)».

ومع إعادة فتح «ربيعة»، الاثنين، تصبح كل المعابر الحدودية بين البلدَين مفتوحة.

وترى السلطات العراقية في معبر «ربيعة» أهمية استراتيجية؛ إذ يربط العراق بسوريا الحدودية مع تركيا، في إطار مشروع «طريق التنمية»، وهو ممر بطول 1200 كيلومتر قيد الإنشاء يتألّف من طرق سريعة وسكك حديدية، ويربط دول الخليج في الجنوب بتركيا في الشمال مروراً بالعراق.

وقال عضو مجلس محافظة نينوى، محمد هريس، لـ«وكالة الصحافة الفرنسية»، إن إعادة فتح هذا المعبر «ستسهم في تشجيع الحركة التجارية وحركة المواطنين والاستثمار، وستعظّم الواردات».

وأُغلق معبر «ربيعة» في عام 2014 عقب بروز تنظيم «داعش» الذي سيطر على مساحات واسعة من العراق وسوريا.

وعلى الرغم من دحر التنظيم من العراق عام 2017، ومن سوريا في 2019، فإن المعبر بقي مغلقاً أمام التجارة، واستُخدم فقط لفترات محدودة لتمرير مساعدات الأمم المتحدة إلى سوريا خلال سنوات الحرب في عهد بشار الأسد.

وفي الجانب السوري من الحدود، كانت «قوات سوريا الديموقراطية (قسد)» تسيطر على المعبر، إلى أن سلّمت، مطلع العام الحالي، إدارته إلى السلطات السورية الجديدة التي أطاحت الأسد في أواخر عام 2024.


تعثّر الحوثيين في تشكيل حكومتهم يرسّخ قبضة سلطتهم الخفيّة

عنصر حوثي يرفع بندقية خلال حشد في صنعاء للتضامن مع إيران و«حزب الله» اللبناني (رويترز)
عنصر حوثي يرفع بندقية خلال حشد في صنعاء للتضامن مع إيران و«حزب الله» اللبناني (رويترز)
TT

تعثّر الحوثيين في تشكيل حكومتهم يرسّخ قبضة سلطتهم الخفيّة

عنصر حوثي يرفع بندقية خلال حشد في صنعاء للتضامن مع إيران و«حزب الله» اللبناني (رويترز)
عنصر حوثي يرفع بندقية خلال حشد في صنعاء للتضامن مع إيران و«حزب الله» اللبناني (رويترز)

على الرغم من مرور نحو 8 أشهر على مقتل رئيس الحكومة الانقلابية التابعة لجماعة الحوثيين وعدد من وزرائه في غارة إسرائيلية استهدفت اجتماعاً سرياً لهم، لا تزال الجماعة عاجزة عن تشكيل حكومة بديلة، في مشهد يعكس، وفق تقديرات سياسية، عمق الارتباك داخل بنية الجماعة، ويعزز في الوقت ذاته قناعة متنامية لدى السكان بأن السلطة الفعلية لا ترتبط بالأطر الشكلية المعلنة؛ بل تدار عبر جهاز خفي موازٍ.

وكانت الجماعة قد أعلنت، عقب الضربة، نيتها تشكيل «حكومة كفاءات» ضمن ما وصفته بمسار «الإصلاح والتغيير الجذري»، غير أن هذه الوعود سرعان ما تلاشت، دون أي خطوات عملية، ما فتح الباب أمام تفسيرات تربط التعثر بتركيبة الحكم ذاتها، القائمة على ازدواجية بين مؤسسات شكلية وأخرى فعلية غير معلنة.

ووفق مصادر سياسية في صنعاء، فإن الجماعة كرّست، على مدى سنوات سيطرتها، نموذجاً للحكم يعتمد على شبكة من «المشرفين» المرتبطين مباشرة بمكتب زعيمها، يتوزعون داخل الوزارات والمؤسسات والمحافظات، ويمارسون صلاحيات تتجاوز بكثير صلاحيات المسؤولين الرسميين.

القيادي الحوثي محمد مفتاح يدير بشكل متخفٍّ حكومة بلا صلاحيات (إعلام محلي)

وتشير هذه المصادر إلى أن هذا النمط تعزز بشكل لافت بعد مقتل الرئيس الأسبق علي عبد الله صالح في أواخر 2017، حيث أُعيد ترتيب مراكز النفوذ داخل الجماعة، ما أتاح توسيع دور الجهاز الموازي، وتراجع دور الهياكل الحكومية التقليدية إلى حدودها الدنيا.

ومع مرور الوقت، ترسخت لدى السكان قناعة بأن الوزراء والمحافظين في حكومة الانقلاب ليسوا سوى واجهة إدارية، تُستخدم لإضفاء طابع رسمي على قرارات تُتخذ في دوائر ضيقة، ما جعل غياب الحكومة، أو حتى انهيارها، لا ينعكس بشكل مباشر على إدارة الحياة اليومية، التي باتت خاضعة لشبكات النفوذ غير الرسمية.

تعيينات مؤقتة

وعقب مقتل رئيس الحكومة الحوثية وعدد من أعضائها، لجأت الجماعة إلى تكليف نائب رئيس الوزراء محمد مفتاح، بتسيير الأعمال، إلى جانب تعيين قائمين بالأعمال بدلاً من الوزراء القتلى، دون المضي في تشكيل حكومة جديدة.

وترى مصادر مطلعة أن هذا التوجه يعكس إقراراً ضمنياً بعدم جدوى إعادة تشكيل الحكومة، في ظل محدودية تأثيرها، مرجحة أن تتجه الجماعة إلى تثبيت التشكيلة الحالية، بدلاً من خوض عملية تغيير لن تُحدث فارقاً حقيقياً في موازين السلطة.

زيارة سرية لمحمد مفتاح إلى إب تكشف مخاوف الجماعة (إعلام محلي)

كما تشير التقديرات إلى أن الاعتبارات السياسية التي كانت تحكم اختيار بعض المناصب؛ مثل الحرص على تمثيل جغرافي معين، لم تعد تحظى بالأولوية، بعدما باتت القناعة السائدة، حتى داخل الأوساط الموالية، أن القرار النهائي لا يصدر عن الحكومة؛ بل عن مراكز قوة أخرى.

وفي هذا السياق، يُنظر إلى القائم بأعمال رئيس الحكومة بوصفه مديراً إدارياً أكثر من كونه صاحب قرار، في حين تُنسب السلطة الفعلية إلى الدوائر المرتبطة مباشرة بقيادة الجماعة وأجهزتها الأمنية والعسكرية.

إدارة سرية وتدابير مشددة

وتفيد مصادر محلية بأن أعضاء الحكومة الحوثية الحالية لا يمارسون مهامهم من مقرات رسمية؛ بل يديرون أعمالهم من مواقع غير معلنة، وسط إجراءات أمنية مشددة، فرضتها الأجهزة الاستخباراتية التابعة للجماعة، عقب الاختراق الذي أدى إلى استهداف الاجتماع الحكومي في 28 أغسطس (آب) الماضي.

ووفق هذه المصادر، فإن التواصل بين الوزارات يتم بطرق غير تقليدية، تشمل الاعتماد على وسطاء وأقارب لنقل المعاملات، قبل اتخاذ القرارات في أماكن سرية، ثم إعادتها إلى المؤسسات لتنفيذها، وهو ما يعكس حجم المخاوف الأمنية، ويكرّس في الوقت ذاته الطابع غير المؤسسي لآلية الحكم.

اعتقالات حوثية واسعة استهدفت مدنيين وموظفين أمميين (إعلام محلي)

كما أخضع جهاز «الأمن الوقائي» الحوثي الطاقم الحكومي لإجراءات رقابية صارمة، بدعوى منع تكرار الاختراقات، ما حدّ من قدرة المسؤولين على الحركة والعمل العلني، وزاد من عزلتهم عن الواقع الميداني.

وفي سياق متصل، أثارت زيارة خاطفة وسرية قام بها القائم بأعمال رئيس الحكومة الحوثية إلى محافظة إب، انتقادات من مسؤولين محليين، اعتبروا أنها تفتقر إلى الشفافية، ولم تسفر عن نتائج ملموسة، في حين وُصفت التصريحات الرسمية المصاحبة لها بأنها بعيدة عن الواقع الخدمي والمعيشي.

وكانت الجماعة قد أعلنت، في أغسطس 2025، مقتل رئيس حكومتها وعدد من الوزراء في غارات إسرائيلية استهدفت اجتماعاً سرياً لهم في صنعاء، قبل أن تعلن لاحقاً مقتل رئيس هيئة الأركان متأثراً بجراح أصيب بها في ضربة مماثلة.

وشكلت هذه الضربات تحولاً لافتاً في طبيعة الاستهداف؛ إذ طالت للمرة الأولى هذا المستوى من القيادات الحكومية، ما دفع الجماعة إلى تشديد إجراءاتها الأمنية، وتقليص ظهور مسؤوليها، وهو ما انعكس على أداء المؤسسات، وزاد من حالة الغموض التي تحيط بآليات اتخاذ القرار.

عزوف شعبي

على المستوى الشعبي، لا يبدو أن مسألة تشكيل حكومة حوثية جديدة تحظى باهتمام يُذكر؛ إذ يؤكد سكان في صنعاء أن أولوياتهم تتركز على الأوضاع المعيشية المتدهورة، واستمرار انقطاع رواتب الموظفين منذ سنوات.

ويقول موظف حكومي إن الحديث عن تعيين وزراء أو تغيير حكومة «لم يعد يعني الناس»، لأن «القرارات الحقيقية لا تصدر من هذه الجهات»، مشيراً إلى أن ما يهم الموظفين هو انتظام صرف الرواتب، أو حتى صرف جزء منها، في ظل ظروف اقتصادية بالغة الصعوبة.

أزمة غذاء تتفاقم في مناطق سيطرة الحوثيين وسط إنفاق عسكري (إعلام محلي)

ويضيف أن قرار وقف صرف نصف الرواتب خلال فترات معينة، دون توضيحات كافية، زاد من حالة الاستياء، خصوصاً في أوساط المعلمين، الذين فوجئوا بتعليق مستحقاتهم خلال العطلة الصيفية، بحجة توقف العملية التعليمية.

بدوره، يرى عامل في القطاع التجاري أن تشكيل حكومة جديدة «لن يغير شيئاً»؛ بل قد يضيف أعباء مالية إضافية، في وقت يعاني فيه السكان من تراجع القدرة الشرائية وارتفاع تكاليف المعيشة، مؤكداً أن السؤال الأبرز لدى الشارع يتمحور حول فرص السلام، وإمكانية استعادة الحد الأدنى من الاستقرار الاقتصادي.


الحوثيون يضاعفون أعباء المياه على سكان صنعاء

الصهاريج باتت أهم مصدر يلجأ إليه اليمنيون لمواجهة أزمات المياه (الشرق الأوسط)
الصهاريج باتت أهم مصدر يلجأ إليه اليمنيون لمواجهة أزمات المياه (الشرق الأوسط)
TT

الحوثيون يضاعفون أعباء المياه على سكان صنعاء

الصهاريج باتت أهم مصدر يلجأ إليه اليمنيون لمواجهة أزمات المياه (الشرق الأوسط)
الصهاريج باتت أهم مصدر يلجأ إليه اليمنيون لمواجهة أزمات المياه (الشرق الأوسط)

ارتفعت أسعار المياه المعدنية ومياه الشرب في العاصمة اليمنية المختطفة صنعاء والمحافظات الخاضعة لسيطرة الجماعة الحوثية خلال الأيام الماضية بنسبة تجاوزت 50 في المائة، في حين يلجأ السكان إلى خيارات أخرى مكلفة وغير آمنة صحياً، ما تسبب في مضاعفة الضغوط المعيشية في ظل تردي خدمات قطاع المياه والصرف الصحي.

وتزامنت هذه الزيادة السعرية مع انقطاع واسع لشبكات نقل المياه عن أحياء صنعاء، لإلزام السكان بسداد ما تسميه الجماعة «الديون المستحقة» لقطاع المياه والصرف الصحي الذي تسيطر عليه، رغم سوء ورداءة خدماته، وشح وندرة المياه التي يجري توزيعها، في ظل تراجع القدرة الشرائية وتوقف الرواتب واتساع البطالة.

ولجأ الكثير من العائلات في صنعاء إلى شراء المياه من محطات خاصة مملوكة لأفراد يحفرون آباراً عشوائية لإنتاج المياه وبيعها عبر الصهاريج التي تعرف محلياً بـ«الوايتات»، والتي ارتفعت أسعارها أيضاً خلال الفترة الماضية بنسبة وصلت إلى 100 في المائة.

شح المياه في صنعاء ومناطق سيطرة الحوثيين دفع السكان إلى خيارات معقدة (غيتي)

وتقول مصادر محلية مطلعة لـ«الشرق الأوسط» إن الإقدام على قطع المياه عن المنازل يهدف إلى تحقيق إيرادات غير قانونية بطريقة مزدوجة، فمن جهة يتم إلزام السكان بدفع مبالغ كبيرة تحت اسم مديونيات وهمية، ومن جهة أخرى يجري إجبارهم على شراء المزيد من المياه من المحطات التي تُفرض عليها جبايات مرتفعة أيضاً.

وطبقاً للمصادر، فإنه، وعند كل مرة يجري فيها قطع المياه عن المنازل، تفرض جبايات جديدة على بيع صهاريج المياه التي ترتفع أسعارها بالمقابل.

الماء كرفاهية

ويشتري غالبية سكان مناطق سيطرة الجماعة الحوثية المياه المستخدمة للأغراض المنزلية من مصادر لا تتوفر فيها أي معايير صحية، ولا تخضع لأي رقابة أو إجراءات تضمن صلاحيتها للاستهلاك الآدمي.

في غضون ذلك، كشفت مصادر تجارية مطلعة أن الزيادة في أسعار المياه المعدنية جاءت بسبب الأعباء الكبيرة والجبايات المفروضة على شركات ومصانع المياه والمشروبات الغازية، وممارسات تتسبب في ارتفاع كلفة الإنتاج.

أحد معامل تعبئة المياه المعدنية التي يستهدفها الحوثيون بالجبايات (فيسبوك)

ويبين مصدر في رابطة نقابية لمصانع المياه والمشروبات لـ«الشرق الأوسط» أن الجماعة الحوثية تبدأ بابتزاز ملاك المصانع والشركات منذ لحظة وصول المواد الأولية والخام إلى المنافذ الجمركية التي استحدثتها الجماعة على مداخل مناطق سيطرتها، وإيقاف الأرقام الضريبية والجمركية عبر مصلحتَي الضرائب والجمارك.

وأضاف المصدر أن الجماعة أقرت زيادة غير معلنة في جباياتها المفروضة على منتجات مصانع المياه والعصائر خلال الشهر الحالي، وأبلغت ملاك المصانع بدفع مبالغ إضافية دون أن تحدد اسماً لها، محذرة إياهم من الرفض أو محاولة إثارة هذه الزيادة إعلامياً.

وبينما يقول مراقبون للشأن الاقتصادي في اليمن أن الزيادة الأخيرة جاءت بسبب تبعات الحرب الأميركية-الإسرائيلية على إيران، وهجمات الأخيرة على دول المنطقة وإغلاقها مضيق هرمز، تنوه المصادر بأن هذا التأثير يفترض أن يطول إنتاج المياه المعدنية فقط.

الكثير من اليمنيين يحصلون على المياه من أنشطة خيرية بعد انقطاع الشبكات الرسمية (إ.ب.أ)

وجاءت هذه الزيادات في ظل شح التوزيع عبر شبكات المياه التي تسيطر عليها الجماعة الحوثية، والرسوم والجبايات المكلفة التي تفرضها على المشتركين، رغم تردي الخدمات.

ويقول محمد الدبعي، وهو عامل في محل ملابس، إنه وعائلته يستهلكون يومياً للشرب والطهي 8 عبوات سعة لتر ونصف اللتر، وكان سعرها يزيد قليلاً على دولارين (1200 ريال يمني حيث تفرض الجماعة سعراً ثابتاً للدولار يساوي 535 ريالاً)، قبل الزيادة الأخيرة التي رفعت سعرها إلى 1800 ريال (نحو 3 دولارات ونصف الدولار).

ووصل سعر عبوة المياه المعدنية سعة 750 مليلتر، وهي أصغر عبوة مياه معدنية، إلى 150 ريالاً يمنياً الأسبوع الماضي، مرتفعاً من 100 ريال في السابق.

غالبية مصادر المياه التي يحصل عليها اليمنيون غير آمنة صحياً (رويترز)

وبسبب هذه الزيادة السعرية، يبين الدبعي لـ«الشرق الأوسط» أن عائلته ستضطر إلى التوقف عن استخدام هذه المياه في الطهي، رغم عدم ثقتهم بصلاحية أي مصدر آخر للمياه للاستعمال الآدمي، وسيكتفون باستهلاكها للشرب فقط.

البحث عن الأرخص

وتكتفي غالبية السكان بشراء المياه من الصهاريج المحمولة على الشاحنات، وهي ما تعرف محلياً بـ«الوايتات»، التي ارتفعت أسعارها بدورها بنسبة 100 في المائة، حيث أصبح الصهريج (الوايت) يباع في صنعاء بنحو 30 دولاراً (15 ألف ريال)، بعد أن كان يباع خلال الأشهر الماضية بـ7500 ريال يمني.

ويبدي نجيب الخديري، وهو عامل بناء بالأجر اليومي، حسرته بسبب اضطراره لدفع ضعف المبلغ المخصص لشراء المياه لعائلته، بعد ارتفاع الأسعار، رغم أنه، وبسبب قدرته الشرائية الضعيفة، يضطر لشراء مياه للشرب من محطات غير موثوقة بسبب ارتفاع أسعار المياه المعدنية، ويتم اللجوء لغليها قبل استخدامها للحصول على أبسط شروط السلامة.

طفلة يمنية قرب مخيم للنازحين تسحب عبوات بلاستيكية بعد أن عبأتها بالمياه (غيتي)

وبحسب روايته لـ«الشرق الأوسط»، فإنه يشتري أسبوعياً، أو كل 10 أيام، صهريجاً للاستخدامات المنزلية الأخرى، وهو ما كان يرهقه مادياً قبل ارتفاع الأسعار، أما الآن، فسيضطر لإلزام عائلته بخفض استهلاكها إلى أقصى حدّ ممكن.

ورغم إعلان الجماعة الحوثية عدم رفع أسعار عبوات المياه المعدنية، فإن المستهلكين أكدوا أن الأسعار لم تتراجع سوى بنسب ضئيلة.

وذكر أحد المستهلكين لـ«الشرق الأوسط» أنه دفع منذ أيام ثمن عدة صناديق بالسعر القديم، بعد أن أبلغه مالك المتجر الذي يشتري منه المياه بأن سعرها سيزيد بعد أن ينتهي تصريف الكميات الموجودة في السوق بسبب وجود تسعيرة جديدة.