ميليشيات ليبيا.. «دويلات» داخل الدولة

وزير العدل لـ «الشرق الاوسط»: جعلنا الوضع أكثر سوءا

أحد المقاتلين في مدينة ورشفنة غرب العاصمة الليبية يستخدم مدفعا محمولا على شاحنة خلال صراعات شبه يومية تشهدها ليبيا (أ.ف.ب)
أحد المقاتلين في مدينة ورشفنة غرب العاصمة الليبية يستخدم مدفعا محمولا على شاحنة خلال صراعات شبه يومية تشهدها ليبيا (أ.ف.ب)
TT

ميليشيات ليبيا.. «دويلات» داخل الدولة

أحد المقاتلين في مدينة ورشفنة غرب العاصمة الليبية يستخدم مدفعا محمولا على شاحنة خلال صراعات شبه يومية تشهدها ليبيا (أ.ف.ب)
أحد المقاتلين في مدينة ورشفنة غرب العاصمة الليبية يستخدم مدفعا محمولا على شاحنة خلال صراعات شبه يومية تشهدها ليبيا (أ.ف.ب)

كان أنور، الذي شارك في القتال أثناء الثورة الليبية ضد نظام القذافي وأحد وجهاء مصراتة، أفضل مَن يلخص الوضع الراهن في ليبيا، حيث قال: «إذا كنت أنت الدولة ولديك بندقية واحدة، وكان مواطنوك يحملون عشر بنادق، إذا فأنت في مأزق». تطرق أنور إلى جوهر القضية الأكثر إلحاحا في ليبيا، وهي أنه على الرغم من مرور عامين ونصف العام على سقوط نظام العقيد الراحل معمر القذافي؛ فإن الميليشيات المسلحة لا تزال أقوى من الدولة.
والحكومة الديمقراطية الوليدة لا تخضع فقط لسيطرة الميليشيات التي حاربت وانتصرت في ثورة عام 2011؛ بل إنها تعتمد عليها أيضا. ففي اليوم التالي غادرت طائرة تقل مجموعة من مقاتلي الثورة السابقين مطار مصراتة متوجهة إلى سبها، في الجنوب. لم يكن الرجال على متن الطائرة قادة في الجيش الوطني الذي أعيد تأسيسه بعد الثورة، لكن الحكومة طلبت منهم الذهاب إلى سبها لوقف أعمال العنف القبلية هناك. واعترف وزير العدل صلاح الميرغني بأن الحكومة الحالية «لا تملك جيشا قويا يستطيع السيطرة على البلاد»، ولذا أوكل الأمر إلى الميليشيات المحلية - ميليشيات مصراتة والزنتان وطرابلس، والعديد من الفصائل التابعة لها - لتشكل الذراع القوية للدولة.
هذا النظام الهش يجدي في بعض الأحيان، ففي العاصمة طرابلس تخضع حكومة التحالف الوطني العام الانتقالية لحماية ميليشيات مصراتة. فعندما أعطت ميليشيات الزنتان حكومة التحالف مهلة 72 ساعة للاستقالة في 18 فبراير (شباط) جاء الرد سريعا من ميليشيات مصراتة «إذا حاول الزنتانيون مهاجمة حكومة التحالف الوطني العام فسوف ندافع عنها».. وفي النهاية فشل الانقلاب.
وقال أنور: «انتخبنا التحالف الوطني العام في عملية ديمقراطية. وإذا أردنا أن نقيلهم فسوف يكون بهذه الأصابع»، رافعا أصبعه الذي لا تزال عليه آثار الحبر، في دلالة على إدلائه بصوته في الجولة الأخيرة من الانتخابات التي جرت في العشرين من فبراير.
لكن قوة هذه المجموعات المختلفة تقوض في كثير من الأحيان الديمقراطية أكثر من دفاعها عنها. وأكثر ما يثير القلق هو أن هذه الميليشيات، بما في ذلك ميليشيات مصراتة، ستحمي مدنها ومصالحها الخاصة قبل أن تحمي الحكومة المركزية. والتفسير المثير للمفارقة بشأن سرعة استجابة ميليشيات مصراتة للدفاع عن الحكومة هو أن قادة الحكومة مرتبطون آيديولوجيا، وأنهم ينتمون جميعا لجماعة الإخوان المسلمين. لكن أنور سارع إلى تفنيد هذا الزعم بالقول: «كثير من الناس يربطون مصراتة بالإخوان المسلمين، لكن تلك هي الذريعة التي استغلها القذافي عندما وصف المتظاهرين بالجرذان».
يتمتع أنور، رجل الأعمال الناجح والشخصية البارزة في مصراتة، باحترام واسع حتى أن جثة القذافي أحضرت إلى منزله لحفظها في أكتوبر (تشرين الأول) 2011، عندما كانت فرق الطب الشرعي تشق طريقها نحو المدينة. وعلى مدى ثلاثة أيام، استضاف أنور أعدادا كبيرة من الليبيين الذين قدموا من شتى أنحاء ليبيا لمشاهدة الجثة بأنفسهم. وقال: «لم يصدقوا أنه مات حتى شاهدوا جثته». لكن أحد أقارب أنور شخصية نافذة في جماعة الإخوان المسلمين، وقال إنه لا يستطيع التخلص من الاتهامات بصلاته بهم. وهذا أحد الأمثلة على العصبية الإقليمية التي اجتاحت ليبيا منذ سقوط نظام القذافي.
في الوقت ذاته، نالت ميليشيات الزنتان نصيبها من الجدل والانتقادات، فقد تمكنت هذه الميليشيات - بقدر كبير من الحظ - من اعتقال ابن القذافي الأبرز، سيف الإسلام، أثناء محاولته الهرب إلى النيجر. وجاء اعتقاله بعد شهر من وفاة أبيه وأخيه المعتصم في المعارك على يد كتائب الثوار، لكن سيف الإسلام سيواجه مصيرا مختلفا. فقد مضى عامان ونصف العام ولا يزال محتجزا لدى ميليشيات الزنتان التي ترفض تسليمه للحكومة المركزية أو محكمة العدل الدولية لمحاكمته. وتقول ميليشيات الزنتان إنهم لا يثقون في أنه سيحاكم محاكمة عادلة لدى أي منهما، لكن الكثير من الليبيين خارج المدينة يزعمون أن هؤلاء يستغلون سجينهم «رفيع المستوى» ليكون ورقة تفاوض سياسية. ويقول أنور: «كان ينبغي عليهم قتله عندما أمسكوا به. كان ذلك سيحل كثيرا من المشكلات».
المشكلة لم تتوقف عند حد السلطات التي تتمتع بها الميليشيات الكبيرة فحسب، بل في وجود عدد كبير من المجموعات الصغيرة المتمردة، والتي تستطيع الوصول بحرية إلى الأسلحة التي تركت بعد الثورة. وهذا ما يشكل في الأغلب أكبر تهديد للأمن والاستقرار في ليبيا.. فالمكاتب الفسيحة والجدران المكسوة بالخشب في مبنى وزارة العدل في طرابلس تماثل المباني الحكومية في كل مكان في العالم، لكن ما يميزها عن نظيراتها الثقوب الغائرة التي تركتها آثار الرصاصات فيها. ويقول وزير العدل صلاح الميرغني مبتسما: «لم تطلق عليّ شخصيا». لكن الميرغني، بمكانته الرفيعة وسلوكه المهذب، لا يبدو الشخص الأنسب لملاحقة العناصر الوحشية في السياسة الليبية. وقال: «إذا قلت أي شيء، مجرد شيء في مؤتمر صحافي، فقد أحظى بزيارة ثانية. كان هذا مبنى إداريا عاديا، لكننا اضطررنا أخيرا إلى تشديد الحراسة. لكن على الرغم من ذلك فإن حضور عدد كبير من الأفراد لا يجدي معه الأمن نفعا؛ حيث يقومون باحتلال المكان وتصبح كواشف الأسلحة والحراس الشخصيون عاجزين عن العمل».
وتعرض مبنى وزارة العدل للاحتلال أكثر من مرة من قبل مجموعات مسلحة خلال العام الماضي، وفي العادة لا يحمل المعتدون أي ضغينة ضد وزير العدل تحديدا. في واحد من هذه الأحداث، أراد المهاجمون الضغط على التحالف للمسارعة في تمرير قانون يستثني أعضاء النظام السابق من تولي أي منصب في الحكومة الليبية الجديدة، وفي العديد من الحوادث الأخرى جلبت المجموعات والأفراد الأسلحة إلى وزارة العدل لتنفيذ مطالبهم الخاصة، والتي عادة ما تكون متعلقة بشكاوى اعتقال يعتقدون أنها غير شرعية.
بعد الثورة، جرى اعتقال آلاف الأفراد الذين واجهوا اتهامات بالقتال في صفوف قوات القذافي وأودعوا السجون التي تديرها الميليشيات، ولا يزال الكثير من هؤلاء المعتقلين يعانون في تلك السجون، وتثار شكوك حول موعد خضوعهم للمحاكمة أو حتى توجيه اتهامات إليهم.
ويقول الميرغني إن هذا الأمر هو «الإرث الناتج عن فترة حكم القذافي»، مما يبرهن على صعوبة التغيير. واعترف الميرغني قائلا: «لدينا إدارة ضعيفة جدا في هذا البلد، وهو ما ورثناه من النظام السابق، بل إننا جعلنا الأمر أكثر سوءا». ومع ذلك، ما زالت الجهود تبذل لإصلاح النظام القضائي.
وفي مصراتة، استثمرت الوزارة تسعة ملايين دينار لبناء أحد السجون الكبيرة الجديدة، واستبدال ستة معتقلات صغيرة منتشرة حول المدينة - حيث جرى إنشاء بعض منها من قبل المتمردين أثناء الثورة. ووافقت الميليشيات بالمدينة على تسليم السجناء، وجرى بالفعل نقل 840 سجينا منهم. وقال أحد السجناء الذي جرى نقله إلى السجن الجديد: «يبدو الوضع هنا أفضل بكثير، فهذا المكان مريح للغاية ونتلقى معاملة أفضل بكثير، فضلا عن السماح لعائلات السجناء بالمزيد من الزيارات». ومن المؤكد أن معاملة هؤلاء السجناء بدت أفضل من نظرائهم الذين ما زالوا محتجزين في أحد السجون القديمة.
ويقول أحد الشباب «عمل حراس هذه الوردية في النظام القضائي قبل اندلاع الثورة، ولذلك فهم يعرفون كيفية التعامل مع الأشخاص. وربما يكون ذلك الأمر هو السبب وراء السماح بزيارة السجناء في هذا الوقت. بيد أن الورديات الأخرى تكون فظيعة، حيث يقوم الحراس بحلق شعرنا كل يوم ومعاملتنا مثل الحيوانات». ويدان هذا السجين - مثل الكثير من أغلبية المعتقلين في مصراتة - بتهمة ولائه للقذافي. ولم يجر تحديد موعد لمحاكمة أي سجين من السجناء الذين تحدثنا معهم سواء في السجن القديم أو الجديد.
ويقر الميرغني - بكل وضوح قائلا: «نحتاج إلى المضي قدما بشكل سريع لإصلاح النظام القضائي الذي يواجه تعثرا في ليبيا»، وقال إنه كان يجري استعراض قضايا جميع السجناء في مصراتة قبل نقلهم، حيث أفرج بالفعل عن الكثير منهم. بيد أن مصراتة تعد حالة استثنائية، حيث إن الميليشيات هنا قوية وموالية للحكومة المركزية بشكل كبير، بالإضافة إلى قدرتها على الحفاظ على الأمن في المدينة. وقال أنور إن «هذا هو الدليل على أن الوضع في مصراتة ليس سيئا للغاية، فهناك خمسة بنوك في المدينة، يوجد بكل واحد منها مليونا دينار. وبينما يمتلك جميع الأشخاص السلاح، إلا أن هذه البنوك لم تتعرض لأي هجوم».
وفي الواقع، فإن الأسلحة موجودة في كل مكان في ليبيا. وفي مصراتة، زرنا أحد السجون حيث تقف أمامه على الأرض الترابية ست دبابات، مملوكة جميعا لشخص واحد. وتشير التقديرات إلى وجود 22 مليون قطعة سلاح من الأسلحة الخفيفة والمتوسطة منتشرة في البلاد. بيد أن الشعب غير مستعد لتسليم تلك الأسلحة، حتى في المناطق الأكثر استقرارا بالبلاد، لأن الكثيرين منهم يخشون إمكانية قيام ثورة أخرى أو نزاع بين الأهالي. وفي أماكن مثل مصراتة وطرابلس، يبدو أن مسألة وجود السلاح تتسبب في حالة اضطراب بالبلاد، ولا يريد أي شخص أن يطلق النار على شخص آخر لديه نفس الأسلحة الثقيلة التي يمتلكها. ولكن في المدن الشرقية لبنغازي ودرنة، سقطت هذه الأسلحة في أيدي الجماعات المتشددة التي تعادي بشكل مباشر الدولة الجديدة، بالإضافة إلى المجرمين والإسلاميين. ولذلك، فبينما تكون الشوارع في طرابلس ومصراتة آمنة وهادئة نسبيا، يبدو أن الحكومة المركزية لديها سلطة محدودة للسيطرة على المناطق الشرقية التي تعاني الاضطرابات.
وكان الميرغني يستعد - في اليوم الذي التقيناه فيه - للسفر إلى بنغازي لتقديم العزاء إلى أسرة أحد المسؤولين القضائيين جرى اغتياله. ولم يكن هذا الحادث أمرا منفصلا عن المشهد، حيث تصاعدت وتيرة عمليات إطلاق النار وتفجير السيارات المفخخة خلال الشهور الأخيرة في بنغازي ودرنة. وكان اغتيال السفير الأميركي كريستوفر ستيفنز في 11 سبتمبر (أيلول) 2012 مجرد حلقة من سلسلة العنف المثير للقلق بصورة متزايدة، حيث يبدو أن تلك العمليات تهدف إلى تقويض النظام القضائي الجديد لليبيا.
وتابع الميرغني حديثه قائلا: «من الواضح أن هذا الفعل جرى ارتكابه من قبل الإرهابيين، وأن السبب وراءه هو منع قيام دولة ذات سيادة بالشكل الملائم. إنهم يسعون لإرهاب النظام القضائي والقضاة ومهاجمة السجون. ومن المؤكد أنه في حال عدم وجود نظام قضائي يؤدي وظيفته بالشكل المناسب، فإن الكثير من الأمور الأخرى - بما في ذلك الأمن - لن تعمل بالصورة الملائمة. وبناء على ذلك، سيكون لدينا أشخاص معتقلون وسجناء تكتظ بهم معسكرات الاعتقال، فضلا عن التسبب في مشكلات أخرى».
وأوضح الميرغني أن هذا الأمر يعد مثل رواية «كاتش 22» الأميركية (التي لا توجد بها حلول ناجحة كاملة لأي الأطراف)، وعلى ما يبدو فإن هناك صعوبة للخروج من هذا المأزق. واختتم حديثه قائلا: «نحتاج إلى الاستقرار لتكوين حكومة، ولكي نخلق هذا الاستقرار فإننا نحتاج إلى وجود الحكومة».



تحركات مصرية لاحتواء الأزمة الإنسانية المتفاقمة في غزة

إحدى الفعاليات التي نظمتها «اللجنة المصرية في غزة» الشهر الماضي (صفحة اللجنة على «فيسبوك»)
إحدى الفعاليات التي نظمتها «اللجنة المصرية في غزة» الشهر الماضي (صفحة اللجنة على «فيسبوك»)
TT

تحركات مصرية لاحتواء الأزمة الإنسانية المتفاقمة في غزة

إحدى الفعاليات التي نظمتها «اللجنة المصرية في غزة» الشهر الماضي (صفحة اللجنة على «فيسبوك»)
إحدى الفعاليات التي نظمتها «اللجنة المصرية في غزة» الشهر الماضي (صفحة اللجنة على «فيسبوك»)

كثّفت «اللجنة المصرية في قطاع غزة» من تحركاتها مع تردي الأوضاع الإنسانية، وتوالي الشكاوى من شح الغذاء والسلع الرئيسية في ظل تضييق إسرائيلي مستمر على دخول المساعدات وتراجع التمويل الإغاثي الدولي.

وأكدت «اللجنة المصرية»، في بيان لها، السبت، أن «القيادة المصرية وجهت بضخ كميات كبيرة من الدقيق إلى قطاع غزة لتعزيز الإمدادات ودعم المخابز والعمل على حل أزمة الدقيق والخبز التي يعاني منها أبناء شعبنا الفلسطيني، وذلك ابتداءً من الأحد، وبشكل يومي في إطار الجهود المصرية المتواصلة لدعم أهلنا في القطاع وتخفيف معاناتهم».

وكانت اللجنة قد أكدت، مساء الجمعة، أنها بدأت بتسيير شاحنات محمّلة بكميات من الطحين إلى قطاع غزة بهدف دعم المخابز وتعزيز قدرتها على مواصلة العمل والمساهمة في توفير الخبز للمواطنين بأسعار مناسبة.

وأشار المتحدث باسم اللجنة، محمد منصور، في تصريحات لـ«الشرق الأوسط»، إلى أن المخابز عادت للعمل في القطاع، السبت، بعد ثلاثة أيام من توقف عدد كبير منها، وهو ما كان مثار قلق الكثير من العائلات الفلسطينية التي باتت تتساءل عما إذا كانت الأزمة مقدمة لعودة المجاعة مرة أخرى، مشيراً إلى أن «اللجنة المصرية» بالتعاون مع المنظمات الإنسانية العاملة في القطاع ساهمت في عودة عمل 20 مخبزاً، واختفت الطوابير التي كانت معتادة أمامها مع توفير كميات إضافية من الدقيق.

وأضاف «أن مصر استجابت سريعاً لنداءات الفلسطينيين خلال الأيام الماضية، وقامت بإدخال قوافل تحمل على متنها عشرات الآلاف من أطنان الدقيق التي تدفقت خلال الساعات الماضية»، مشيراً إلى أن القاهرة «مستمرة في تقديم الدعم اللازم بما يضمن تحسين الأوضاع الإنسانية».

وأشارت فضائية «القاهرة الإخبارية»، في تقرير لها، مساء الجمعة، إلى أن «اللجنة المصرية» بالشراكة مع مؤسسة «المطبخ المركزي العالمي»، توزع عشرات الآلاف من أرغفة الخبز يومياً على الأسر الفلسطينية في شمال القطاع ووسطه وجنوبه، بما يسهم في تخفيف جانب من الأعباء اليومية عن السكان.

حملة توعوية نظمتها «اللجنة المصرية في غزة» هذا الشهر للتوعية من مرض سرطان الثدي (صفحة اللجنة المصرية على «فيسبوك»)

ويعاني قطاع غزة من أزمة جراء النقص الحاد في مادة الطحين وارتفاع أسعار الخبز. وحذرت وزارة التنمية الاجتماعية في القطاع «من تداعيات إنسانية كارثية، في أعقاب التوقف القسري لعدد كبير من المخابز، بسبب نقص الدقيق والمواد التشغيلية اللازمة لاستمرار عملها».

وأكدت الوزارة «أن منع دخول شحنات الطحين والإمدادات الغذائية يهدد بتقويض قدرة الأسر النازحة والأشد فقراً على الحصول على الخبز، الذي يشكل أحد أهم مصادر الغذاء اليومية لكثير من العائلات».

وأشارت «اللجنة المصرية» إلى أنها «تواصل جهودها الحثيثة للتخفيف من معاناة المواطنين والوقوف إلى جانب العائلات الفلسطينية في هذه الظروف الصعبة، بما يحد من تداعيات الأزمة ويمنع استغلال حاجة المواطنين ورفع الأسعار بصورة غير مبررة».

وأوضح محمد منصور في حديثه لـ«الشرق الأوسط»، أن اللجنة «تعمل على قدم وساق للاستعداد لفصل الشتاء وتعمل بشكل يومي على تركيب 3 آلاف خيمة مجهزة لاستقبال العائلات الأكثر احتياجاً، بخاصة من هم بالقرب من الخط الأصفر»، والذين تعرضت خيامهم للتلف ويقيمون في خيام مهترئة ومراكز إيواء غير مؤهلة، وأكد أن الحملة تنظم «حملة شتاء دافئ عبر تقديم الخيام وتجهيزها وتقديم المساعدات الصحية والغذائية».

وتتفاقم أزمة الغذاء في قطاع غزة مع تقليص المساعدات بسبب تراجع التمويل الدولي، وسط استمرار القيود الإسرائيلية رغم اتفاق وقف إطلاق النار الموقع في 10 أكتوبر (تشرين الأول) 2025.

ففي 19 أكتوبر الحالي، أعلن «برنامج الأغذية العالمي» تقليص مساعداته الغذائية، ما أدى إلى انخفاض عدد المستفيدين بنحو نصف مليون شخص.

وعلى المستوى السياسي، شدد وزير الخارجية المصري بدر عبد العاطي خلال لقائه نظيره الألماني يوهان فاديفول، الجمعة، «على أهمية مواصلة الجهود المبذولة للتنفيذ الكامل لخطة الرئيس الأميركي ترمب الشاملة للسلام في قطاع غزة».

كما حذر من خطورة الممارسات الإسرائيلية في الضفة الغربية، بما في ذلك التوسع الاستيطاني ومحاولات فرض الأمر الواقع، مشيراً إلى تداعياته السلبية على الأمن والاستقرار في المنطقة.

كما طالب وزراء خارجية كل من السعودية ومصر وتركيا وباكستان، خلال اجتماعهم الجمعة في إسطنبول، بضرورة استمرار تدفق المساعدات الإنسانية وإعادة إعمار غزة دون انقطاع، مؤكدين أن الشعب الفلسطيني يعاني من كارثة إنسانية مستمرة تتطلب تدخلاً دولياً فورياً.


جبهات تعز تستعصي على الحوثيين رغم القصف والحصار

أعمدة الدخان تتصاعد من موقع تعرض للقصف خلال معارك الجيش اليمني ضد الحوثيين في تعز (أ.ف.ب)
أعمدة الدخان تتصاعد من موقع تعرض للقصف خلال معارك الجيش اليمني ضد الحوثيين في تعز (أ.ف.ب)
TT

جبهات تعز تستعصي على الحوثيين رغم القصف والحصار

أعمدة الدخان تتصاعد من موقع تعرض للقصف خلال معارك الجيش اليمني ضد الحوثيين في تعز (أ.ف.ب)
أعمدة الدخان تتصاعد من موقع تعرض للقصف خلال معارك الجيش اليمني ضد الحوثيين في تعز (أ.ف.ب)

تصطدم هجمات الجماعة الحوثية على جبهات مدينة تعز اليمنية بمقاومة شرسة رغم القصف والحصار والتعزيزات المتواصلة، في وقت تكثف فيه القوات الحكومية هجماتها المضادة وتوسع الطائرات الحربية ضرباتها على مواقع الجماعة في ريف المحافظة وأطراف المدينة المحاصرة، بالتزامن مع إحباط هجمات حوثية في جبهة كهبوب المطلة على مضيق باب المندب، والتصدي لمحاولة تمدد الجماعة في مديرية المقاطرة باتجاه لحج جنوباً.

وتحاول الجماعة الحوثية المدعومة من إيران، التي سيطرت على أجزاء واسعة من ريف تعز، توسيع مكاسبها الميدانية والضغط على المدينة المحاصرة، بينما تواجه مقاومة من القوات الحكومية والمقاومة الشعبية، مع امتداد الاشتباكات إلى جبهات الأقروض والشقب وكحلان، وتصاعد المواجهات في مناطق المقاطرة بمحافظة لحج، حيث تسعى الجماعة إلى التقدم نحو مناطق جديدة جنوباً.

وفي أحدث التطورات، استهدفت القوات الحكومية مركز قيادة وسيطرة ودبابتين داخل فندق سوفتيل المهجور في تعز، وفق ما أعلنه المتحدث الرسمي باسم القوات المسلحة اليمنية، العقيد الركن ماجد النزيلي، الذي قال إن الحوثيين اتخذوا المبنى منطلقاً لاستهداف المدنيين في المدينة، وإن الضربة استهدفت تعطيل هذا النشاط وحماية السكان.

مقاتل في الجيش اليمني يصوّب سلاحه الرشاش خلال معارك ضد الحوثيين في تعز (أ.ف.ب)

وعلى الجبهة الجنوبية لمدينة تعز، أفادت القوات الحكومية بتحقيق تقدم في جبهة الأقروض، وتنفيذ هجمات مضادة على مواقع الحوثيين، بالتزامن مع اشتباكات متقطعة في الشقب وكحلان بمديريتي صبر والمسراخ، وسط أنباء عن دفع الجماعة بتعزيزات بشرية نحو خطوط التماس.

وفي الجبهة الغربية، أفادت مصادر يمنية محلية بمقتل القيادي الحوثي محمد قيران، المعروف بكنية «أبو هاشم»، مع سبعة من مرافقيه، خلال مواجهات الجمعة. كما أُعلن مقتل القيادي محمد إسماعيل الدرب، الذي قالت مصادر عسكرية إنه كان يشرف على العمليات الرامية إلى اجتياح تعز، مع عدد من مرافقيه في جبهة الأقروض.

وامتدت الضربات الجوية إلى مناطق عدة في ريف المحافظة، بينها مديرية الشمايتين، حيث استهدفت مقاتلات مواقع للحوثيين في برج المنة ووادي الفجر وبرح الحداد وجبل جربب. وأفادت مصادر ميدانية بمقتل عشرة مسلحين على الأقل وإصابة آخرين، إلى جانب تدمير أسلحة ثقيلة ومعدات عسكرية.

قوات ألوية العمالقة الجنوبية تتصدى لهجمات حوثية في جبهة باب المندب (إعلام عسكري)

وفي جبهة كهبوب، تمكنت قوات العمالقة الجنوبية وقوات درع الوطن من صد هجمات حوثية، وفق بيانات عسكرية. وقالت قوات درع الوطن إن اللواء السابع في الفرقة الأولى تصدى لهجوم استمر نحو 30 ساعة، وحافظ على مواقعه وأفشل محاولة التقدم، فيما تحدثت قوات العمالقة عن اشتباكات عنيفة انتهت بتراجع المهاجمين وتكبيدهم خسائر بشرية ومادية.

وتكتسب هذه الجبهة أهميتها من موقعها الاستراتيجي قرب مضيق باب المندب، حيث يتقاطع القتال البري مع المخاوف المتعلقة بأمن الممرات البحرية. وفي المقاطرة بمحافظة لحج، تحدثت إفادات ميدانية عن كمين مسلح في منطقة هيجة العبد، أوقع عشرات الحوثيين بين قتيل وجريح، وأوقف محاولة للتقدم والسيطرة على مناطق جديدة.

صواريخ منفلتة

بالتوازي مع القتال البري، تضع القوات الحكومية اليمنية القدرات الصاروخية الحوثية في صلب روايتها للتطورات الأخيرة. وقال النزيلي إن الجيش رصد خلال الأيام الماضية حالات فشل في إطلاق صواريخ باليستية، أو انحرافها وسقوطها في مناطق مأهولة، محذراً من مخاطرها على المدنيين، فضلاً عن تهديد الملاحة والتجارة الدوليتين.

واستشهد الناطق العسكري بصاروخ قال إن الحوثيين أطلقوه من منطقة عيال صياد في مديرية نهم، الجمعة، قبل أن يسقط على منزل المواطن محمد أحمد القشعة أثناء اجتماع أفراد أسرته، ما أدى، حسب روايته، إلى مقتل جميع الموجودين داخله وتضرر منزل مجاور. وأضاف أن حوادث مماثلة وقعت في صنعاء وتعز وإب وصعدة.

مقاتل في القوات الحكومية اليمنية يشير بيده خلال معارك ضد الحوثيين غرب مدينة تعز (أ.ف.ب)

وعزا النزيلي تراجع أداء المنظومات الصاروخية، وفق تقدير الجيش، إلى ضربات استهدفت خلال الأسابيع الماضية مخازن الصواريخ ومنصات إطلاقها، بالتزامن مع عمليات جوية للتحالف استهدفت أهدافاً عسكرية في صعدة، قال إنها أسفرت عن تحييد خبراء وقيادات متخصصة في تشغيل الصواريخ وإطلاقها. ولم يتسنَّ التحقق بصورة مستقلة من هذه الحصيلة أو من تقديرات الجيش بشأن حجم التراجع في القدرات الصاروخية.

مئات الضربات

في مؤشر آخر على اتساع العمليات، أعلنت القوات المسلحة تنفيذ 1392 عملية استهداف خلال الساعات الأربع والعشرين الماضية التي شملها بيانها، ترافقت مع غارات جوية وهجمات أرضية وضربات نيرانية على امتداد الجبهات. وقالت إن العمليات طالت تجمعات وتعزيزات ومصادر نيران وتحصينات وآليات عسكرية، وإنها أدت، وفق الحصر الميداني الأولي، إلى تحييد نحو 620 عنصراً وتدمير أو إعطاب نحو 190 آلية ومدرعة ووسيلة نقل، إضافة إلى أسلحة ثقيلة ومتوسطة.

مقاتلون من قوات الحكومة اليمنية على ظهر شاحنة خلال المعارك ضد الحوثيين في تعز (أ.ف.ب)

وتشمل الحصيلة، حسب البيان، العمليات التي نفذتها القوات ضمن عملية «فجر اليمن»، التي تقول القوات الحكومية إنها تستهدف إضعاف القدرات القتالية للحوثيين وتعطيل خطوط إمدادهم. كما أعلن الجيش دخول منظومات نوعية جديدة إلى الخدمة لدى قواته الجوية، من دون تقديم تفاصيل إضافية عن طبيعتها.

وفي جبهتي مأرب والجوف، أفادت مصادر ميدانية بمقتل محمد يحيى الديلمي، الذي وصفته بأنه قائد ما تسمى «مجاميع كتائب الحسين»، مع عشرة من عناصر مجموعته، خلال المعارك على الجبهة الرابطة بين المحافظتين. كما تحدثت المصادر عن مقتل محمد الحوثي، المعروف باسم «زين العابدين»، والمسؤول عن التدريب فيما تسمى «ألوية الأنصار»، خلال معارك الجوف في وقت سابق.


حصيلة دامية للاعتداءات الحوثية على المدنيين في تعز

دخان يتصاعد من أحد أحياء مدينة تعز إثر قصف حوثي (أ.ب)
دخان يتصاعد من أحد أحياء مدينة تعز إثر قصف حوثي (أ.ب)
TT

حصيلة دامية للاعتداءات الحوثية على المدنيين في تعز

دخان يتصاعد من أحد أحياء مدينة تعز إثر قصف حوثي (أ.ب)
دخان يتصاعد من أحد أحياء مدينة تعز إثر قصف حوثي (أ.ب)

تواجه محافظة تعز اليمنية تصعيداً عسكرياً حوثياً متواصلاً يفاقم معاناة سكانها، مع استمرار القصف على الأحياء والقرى السكنية، وتشديد القيود على حركة المدنيين ووصول الإمدادات الأساسية، وسط تقارير حقوقية توثق مقتل مئات المدنيين وإصابة آخرين، واختطاف مئات الأشخاص، وتضرر مئات المنازل والمركبات.

ووثقت الشبكة اليمنية للحقوق والحريات 1891 جريمة وانتهاكاً قالت إن جماعة الحوثيين ارتكبتها بحق المدنيين والأعيان المدنية في المحافظة، خلال الفترة من الأول من سبتمبر (أيلول) حتى 22 أكتوبر (تشرين الأول) الحالي، في تقرير حمل عنوان «تعز... الاجتياح الدامي والقتل الممنهج».

جاءت هذه الحصيلة بالتزامن مع رصد الشبكة 21 جريمة وانتهاكاً إضافياً خلال 24 ساعة، إلى جانب إطلاق نحو 213 مقذوفاً على مناطق سكنية.

سكان يسيرون وسط حطام منازلهم عقب هجوم صاروخي حوثي على تعز (أ.ب)

وحسب التقرير الممتد على 52 يوماً، أسفرت الانتهاكات عن مقتل 212 مدنياً، بينهم 38 طفلاً، من ضمنهم سبعة رُضّع، و27 امرأة، وإصابة 319 مدنياً، بينهم 29 طفلاً و46 امرأة. كما وثَّق 23 حالة تصفية ميدانية، وخمس مجازر جماعية، و314 حالة اختطاف وإخفاء قسري، بينها 14 طفلاً احتُجزوا رهائن للضغط على ذويهم، إضافةً إلى مداهمة 516 منزلاً بحثاً عن أشخاص يُشتبه في ارتباطهم بالقوات الحكومية.

أضرار واسعة

تشير الأرقام التي أوردتها الشبكة الحقوقية إلى اتساع نطاق الأضرار التي طالت الممتلكات المدنية؛ إذ تضرر 356 منزلاً جراء القصف، بينها 98 منزلاً دُمرت كلياً، وفُجرت ثلاثة منازل أخرى، فيما لحقت أضرار بـ131 مركبة مدنية، ونُهبت 36 مركبة ووسيلة نقل خاصة بالمواطنين.

وفي أحدث الوقائع التي وثقتها الشبكة، قُتل طفلان وأصيب ثلاثة مدنيين، بينهم امرأتان، كما اختُطف أربعة أشخاص ونُقلوا إلى جهات مجهولة، وتعرضت ثلاثة منازل للمداهمة والنهب، وتضررت سبعة منازل، بينها منزلان دُمرا كلياً. ومن بين القتلى الطفل عمار ياسر الشريحي، الذي قالت الشبكة إن الحوثيين اختطفوه من منزله في قرية الأكمة بمنطقة صبر، قبل العثور عليه مقتولاً.

سكان في مدينة تعز يرددون بعد صلاة الجمعة هتافات ضد الحوثيين (رويترز)

وامتد القصف والقنص، وفق التقرير، إلى قرى كحلان والشقب، وحي المطار القديم، ومناطق الضباب وميهال ونجد قسيم. وفي قرية كحلان بمديرية صبر الموادم، أصابت قذائف هاون منزلين، وألحقت أضراراً بمحتوياتهما، ونفقت ماشية، دون تسجيل إصابات بين أفراد إحدى الأسر المستهدفة.

استهداف شامل

لا تقتصر التداعيات على الخسائر البشرية والدمار؛ إذ قالت الشبكة إن الحوثيين أطلقوا نحو 9876 مقذوفاً خلال الفترة التي يغطيها تقريرها، وشددوا الحصار على المحافظة منذ الثالث من سبتمبر، واستحدثوا 26 نقطة وحاجز تفتيش خارج إطار القانون. كما أشارت إلى تفجير عبّارة في طريق هيجة العبد وقطع الطريق الرئيسي الرابط بين تعز ومحافظة لحج وصولاً إلى عدن.

واتهم التقرير الجماعة بعرقلة دخول الغذاء والدواء والوقود وأسطوانات الأكسجين ومياه الشرب، وعرقلة قوافل الإغاثة والإمدادات التجارية، بما فيها أدوية الأمراض المزمنة ولقاحات الأطفال. وحذرت الشبكة من أن منع الوقود اللازم لتشغيل مولدات المستشفيات ومراكز علاج السرطان وغسيل الكلى يهدد حياة المرضى، في وقت قالت فيه إن التصعيد تسبب في نزوح نحو 280 ألف شخص من المحافظة.

عربة إسعاف في تعز تعرضت لهجوم حوثي (أ.ف.ب)

ووثقت الشبكة أيضاً تحويل خمس مدارس؛ أربع حكومية وأخرى أهلية، إلى غرف عمليات ومخازن أسلحة وسجون، إلى جانب استهداف ثلاث سيارات إسعاف وثلاثة مرافق صحية ومستشفيات، ومقتل خمسة من أفراد الطواقم الطبية، وفق التقرير.

وفي جانب آخر، قالت الشبكة إن الحوثيين استقطبوا شباناً من فئة المهمشين في منطقة السامقة بمديرية المعافر، لإلحاقهم بدورات ثقافية وتدريبية تمهيداً لإرسالهم إلى جبهات القتال جنوبي المحافظة، محذرةً من تجنيد الأطفال واستغلال الفئات الأكثر هشاشة.

وطالبت الشبكة اليمنية للحقوق والحريات بإعلان تعز مدينة منكوبة، ووقف القصف ورفع الحصار وفتح الطرق وضمان وصول المساعدات، فيما دعت مؤسسة تمكين المرأة اليمنية إلى حماية النساء والأطفال والطواقم الطبية، وإجراء تحقيقات مستقلة ومحاسبة المسؤولين عن الانتهاكات.