فيديريكو فيلليني.. الفنان الحائر بين شخصياته

شخصياته الكاريكاتيرية ما زالت تعيش بيننا

المخرج الفذ فيديريكو فيلليني أثناء تصوير «أماركورد»
المخرج الفذ فيديريكو فيلليني أثناء تصوير «أماركورد»
TT

فيديريكو فيلليني.. الفنان الحائر بين شخصياته

المخرج الفذ فيديريكو فيلليني أثناء تصوير «أماركورد»
المخرج الفذ فيديريكو فيلليني أثناء تصوير «أماركورد»

قيام مهرجان فينسيا بعرض نسخة جديدة من أحد أفضل أفلام فيديريكو فيلليني مناسبة للحديث عن مخرج ما زال اسمه مدويا حتى من بعد 22 سنة من رحيله. الفيلم المختار للعرض هو «أماركورد» أو «أتذكر»، وحمل أيضا عنوان «فيديريكو فيلليني يتذكر»، ولو أن المخرج صرّح مواربا بأن الفيلم ليس سيرته الشخصية.
في الحقيقة لم يحقق سيرة شخصية أو ذاتية لا في «أتذكر» ولا في أي فيلم آخر. استبدلها بمنظوره ورؤيته والكثير من نفسه. فيلليني لم يسرد ذكرياته أو سيرته، لكنه صنع عوالم من تلك الذكريات أكثر من مرّة. في «ثمانية ونصف» و«دولتشي فيتا» و«جنجر وفرد» و«أتذكر» من بين سواها. وحين لم يضع في فيلم تلك الشذرات الشخصية عالج أفلام ببصمته الخاصّة العصية على التقليد، وهذا شمل كل فيلم حققه من عام 1954 («لا سترادا») وحتى الأخير سنة 1990 («صوت القمر»).
ولد في مدينة ريميني الإيطالية في العشرين من يناير (كانون الثاني) سنة 1920. والده كان بائعا متجولا حلم أن يدرس ابنه القانون ويصبح محاميا. لكن فيلليني الابن كان له رأي آخر: لقد استهواه السيرك والرسم منذ الصغر وخاض الكثير من المتاهات في حياته صبيا وشابا باحثا عن هوية محددة لما يريد. في السابعة عشرة من عمره نزح إلى مدينة فلورنسا، حيث عمل رسام كوميكس في إحدى الصحف، ومنها إلى روما حيث مارس العمل نفسه، بالإضافة إلى تحرير محاضر المحاكمات كصحافي. وهناك رابط بين ولعه بالرسم الكارتوني وبين شخصياته الحية التي صورها في ما بعد على الشاشة.
عمل مع المخرج ذي النفحة الواقعية روبرتو روسيلليني في «روما مدينة مفتوحة»، عام 1954، وكان ذلك أول احتكاك له بالسينما. في سنة 1948 مثّل مشهدا من أحد جزءي فيلم «الحب» لروسيلليني وعنوان الجزء «المعجزة» كما كتبه. وبعد ذلك ببضع سنوات شارك خلالها ألبرتو لاتوادا إخراج فيلم بعنوان «أضواء المنوعات»، أخرج فيلليني أول فيلم كامل له هو «الشيخ الأبيض» الذي كان قد كتب السيناريو له ورغب المنتجون في البداية في إسناد إخراجه إلى لاتوادا أو مايكلانجلو أنطونيوني، لكن فيلليني أصر على أن يخرجه بنفسه. منذ البداية استوى فيلليني على عرش خاص به، وتميّز بأسلوب مبدع وخصائص في الشكل لم تتوافر عند أحد من رفاقه.

* قطار المهرجين
* هناك استعراض كبير للوجوه والأشخاص في كل فيلم من أفلام فيديريكو فيلليني. بعض تلك الاستعراضات تتميز بشخصيات مهذبة أقرب إلى الحياة الحاضرة (كما في «تدريبات الأوركسترا»، 1978)، لكن معظمها كناية عن شخصيات تبدو غريبة ومجنونة ومثيرة للخوف أو للضحك أو للاثنين معا.
إذ بدأ فيلليني الرسم الكارتوني يستطيع المرء سريعا وببساطة أن يجد العلاقة بين تلك الهواية الأولى التي احترفها في الصحف في ما بعد، والكيفية التي يقدم فيها نماذجه من الشخصيات، فهي أيضًا تماثل الرسومات في غرائبيتها وعدم واقعيتها. لكن الأمر في مدلولاته ليس مجرد استكمال معين لولع سابق، وليس مجرد انتقال ذلك الولع من وسط فني إلى آخر، بل هناك الكثير من الأسئلة التي تثيرها تلك الشخصيات الغريبة التي يقدمها لنا: من هم هؤلاء؟ لماذا يثقلون على كاهل فيلليني؟ كيف يستطيع أن يلتقط معانيهم؟ أين يجدهم وماذا يريد منهم؟
في «فيلليني: مفكرة مخرج» (كتاب حكى فيه عن ذاته) يقول حول شخصياته:
«نعم، أعلم أن الأمر يبدو مشينا وقاسيا، لكني كثير الإعجاب بكل هذه الشخصيات التي تطاردني. تتبعني من فيلم إلى آخر. كلها شخصيات مجنونة إلى حد. تقول إنها بحاجة إليّ، لكن الحقيقة أنني بحاجة إليها أكثر. إن قيم شخصياتي الإنسانية كثيرة، وفيرة، كوميدية وأحيانا مشوقة».
إذن هناك علاقة وطيدة بين فيلليني وتلك الشخصيات «المجنونة قليلا» التي يقدمها. هناك، كما يمكن أن نستنتج ليس من هذا الحديث فقط بل أساسا من أفلامه، شغف كبير بها: الفتى السمين، المرأة القبيحة، الأنثى اللعوب، الفنان أو المثقف الباحث عن هويته، الأزواج المحبطين، الأقزام، ذوي الوجوه النحيفة، ذوي العيون البارزة، وكل شكل يمكن لك أن تتخيله.
هذا جلي في «ساتيركون»، «روما»، «السفينة تبحر»، «كازانوفا»، أو «مدينة النساء» وسواها حيث تقطع الكاميرا على تلك الشخصيات الكارتونية شكلا في لقطات كثيرة. أحيانا في مشاهد طويلة وهم كثيرا ما يتطلعون إلى الكاميرا في حديث مباشر غالبا ما ينتهي بضحكة. هم - شكلا على الأقل - مهرجون يتجاوزون العدسة وينظرون إليك بالعين كما لو كنت حاضرا. وحضورك مزدوج: على الكرسي الذي جلست عليه لتتفرج، ومن خلال الشخصية «العاقلة» الوحيدة التي تمر بين كل هؤلاء. هذه الشخصية قد تكون فتى ساذجا يبحث عن حياة أفضل من تلك المحيطة به (ساتيركون) أو رجلا عاديا كان يحلم في قطار (مدينة النساء) أو صحافيا على ظهر سفينة (والسفينة أبحرت).

* كاريكاتيرية فقط
* هذا الحضور الثاني غالبا ما هو الحضور البريء وسط هذا الجمع من الشخصيات ذات الوجوه المطلية الغريبة أو الأجساد غير الطبيعية.. إنما غير المشوهة. وبعض هذا الحضور هو وجود فيلليني نفسه في نهاية المطاف، فإذا كان يلاحق شخصياته ويصورها باهتمام عاكسا شغفه التام بها فإنه من الطبيعي أن تكون بعض تلك الشخصيات البريئة التي تدور في الوسط هي تلك التي تعبر عنه، ونحن الذين لا نعلم الكثير عن حياته الأولى (بقيت غامضة في الكثير من أجزائها) يمكن لنا أن نتلقف شيئا عن ماضيه من خلال مراقبتنا لبعض علاقاته بتلك الشخصيات خاصة لناحية تصويره للمرأة في معظم أفلامه ووضعها في أنماط «كاريكاتيرية» متعددة اضطر في النهاية إلى أن يجمعها معا ويضعها في «مدينة النساء» بحيث صارت لدينا نماذج وأنماط المرأة الفاتنة، المرأة القوية، المرأة ذات الحاجات الجنسية النهمة وكثيرات أخريات معظمهن يعكسن شعورا داخليا لدى بطل فيلليني أو فيلليني نفسه بالخوف منهن.
لكن كما لاحظ الناقد ديفيد تومسون في كتابه «القاموس النقدي للسينما»، تخلو أفلام فيلليني من بناء الشخصيات. بكلمات ذلك الناقد أن فيلليني ليس لديه شخصيات بالمعنى الدرامي الكامل أو التجسيدي. يقول إنها «ليست شخصيات بل كاريكاتير فقط». في هذا نصيب كبير من الصحة. وأتساءل بدوري إذا ما كان فيلليني قادرا على أن يبتدع شخصية حقيقية ما. بالتالي أن يجسد شخصا له أبعاد أفراد فرانشيسكو روزي أو مايكلانجلو أنطونيوني. لكن إذا ما كان فيلليني قادرا على أن يفعل ذلك فإنه قادر - بطبيعة الحال – على أن يسرد حكاية الفيلم بطريقة عادية أو مألوفة، وهو ما لم يفعله إلا في حالات نادرة ومبكرة في حياته الفنية (الشيخ الأبيض).
يبقى أن رسوماته - شخصياته ما زالت تحمل في ثناياها الكوميديا الخفية. أحيانا السخرية أو ذلك اللون منها الذي أتقنه المخرجون الإيطاليون أكثر من غيرهم. وهذا ما يساعد على اعتبار نماذجه المتعددة مجموعة من المهرجين احتشدوا في قطار كل عربة منه تحكي قصة مختلفة.



فيلم «رسائل صفراء» يفوز بـ«الدب الذهبي» في مهرجان برلين السينمائي

المخرج الألماني إيلكر كاتاك يرفع جائزة الدب الذهبي لأفضل فيلم في مهرجان برلين السينمائي (رويترز)
المخرج الألماني إيلكر كاتاك يرفع جائزة الدب الذهبي لأفضل فيلم في مهرجان برلين السينمائي (رويترز)
TT

فيلم «رسائل صفراء» يفوز بـ«الدب الذهبي» في مهرجان برلين السينمائي

المخرج الألماني إيلكر كاتاك يرفع جائزة الدب الذهبي لأفضل فيلم في مهرجان برلين السينمائي (رويترز)
المخرج الألماني إيلكر كاتاك يرفع جائزة الدب الذهبي لأفضل فيلم في مهرجان برلين السينمائي (رويترز)

حصل فيلم «رسائل صفراء» (Yellow Letters) السياسي للمخرج الألماني إيلكر كاتاك، مساء السبت، على جائزة الدب الذهبي لأفضل فيلم في مهرجان برلين السينمائي الذي خيّم الجدل بشأن النزاع الفلسطيني - الإسرائيلي على دورته السادسة والسبعين.

ويروي فيلم كاتاكا، الذي صُوِّر في ألمانيا (وعنوانه بالألمانية «Gelbe Briefe»)، قصة مُخرِج مسرحي تركي تتصدع علاقته بزوجته الممثلة نتيجة منعهما من العمل في تركيا بسبب آرائهما السياسية. ويؤدي دور البطولة في الفيلم أوزكو نامال وتانسو بيتشار.

المخرج الألماني إيلكر كاتاك فاز بجائزة الدب الذهبي لأفضل فيلم في مهرجان برلين السينمائي عن فيلم «رسائل صفراء» (رويترز)

وقال المخرج التركي ‌الألماني إلكر كاتاك أثناء تسلمه الجائزة: «التهديد الحقيقي ليس بيننا. إنه هناك في الخارج. إنهم المستبدون... والأحزاب اليمينية... ومؤيدو النزعة الهدمية في عصرنا الذين يحاولون الوصول إلى السلطة وتدمير أسلوب ​حياتنا»، وفقاً لوكالة «رويترز».

وفازت الألمانية ساندرا هولر بلقب أفضل أداء تمثيلي للرجال والنساء عن دورها في «روز» للمخرج النمساوي ماركوس شلاينتسر.

الممثلة الألمانية ساندرا هولر فازت بلقب أفضل أداء تمثيلي في مهرجان برلين السينمائي عن دورها في فيلم «روز» (رويترز)

وتجسّد هولر في هذا الفيلم بالأبيض والأسود شخصية امرأة تعيش في الريف الألماني بالقرن السابع عشر تحاول الإفلات من قيود النظام الأبوي، من خلال التظاهر بأنها رجل.

وهذه المرة الثانية تفوز ساندرا هولر بهذه الجائزة، بعد 20 عاماً من دورها في فيلم «ريكوييم» عام 2006.


السياسة تهيمن على مهرجان «برلين» رغماً عنه

«لا أرض أخرى» تسبَّب في أزمة برلينية (ياباياي ميديا)
«لا أرض أخرى» تسبَّب في أزمة برلينية (ياباياي ميديا)
TT

السياسة تهيمن على مهرجان «برلين» رغماً عنه

«لا أرض أخرى» تسبَّب في أزمة برلينية (ياباياي ميديا)
«لا أرض أخرى» تسبَّب في أزمة برلينية (ياباياي ميديا)

في سابق عهده، أيام أوروبا المنقسمة بين الشرق الشيوعي والغرب الرأسمالي، لعب مهرجان «برلين» دوراً مهماً في محاولة التواصل بين العالمين وتليين المواقف، عبر استقبال الأفلام الواردة من أوروبا الشرقية، بما فيها الأفلام الروسية.

هنا فاز، على سبيل المثال، الفيلم السوڤياتي «الصعود» (The Ascent) للراحلة لاريسا شيبيتكو بجائزة «الدب الذهبي» عام 1977.

وهنا أيضاً عُرض الفيلم الألماني الشرقي «ماما، أنا حي» (Mama, I’m Alive) لكونراد وولف، وعشرات غيره من أفلام المجر، وبولندا، وتشيكوسلوفاكيا (آنذاك)، وبلغاريا، طوال الستينات والسبعينات.

ما عرضه هذا المهرجان من أفلام انطلقت من آيديولوجيات سياسية مختلفة، أو سعت إلى التعبير عن مواقف حادة مع أو ضد أنظمة قائمة، يتجاوز ما عرضته مهرجانات دولية كثيرة من حيث العدد. ويعود ذلك إلى موقع برلين، الذي توسط آنذاك الشرق والغرب، فكان لا بد أن يتواصل مع الجانبين ويلعب دور الوسيط المثالي.

في الواقع، تمتلك معظم المهرجانات نسبة لا بأس بها من الأفلام السياسية، خصوصاً المهرجانات الرائدة الثلاث، حسب ترتيب تأسيسها، وهي «ڤينيسيا»، و«كان»، و«برلين»، التي أُقيمت جميعها لأسباب سياسية.

أكثر من ذلك، فإن العالم من حولنا لا يفتأ يولِّد مواقف حادة ونزاعات عنيفة بين دول كثيرة. فكيف يمكن، في مثل هذا الوضع، تجاهل السينما حين تتحدث السياسة؟

«يوم الغضب: حكايات من طرابلس» (مهرجان برلين)

مواقف سابقة

كان يمكن للمخرج الألماني ڤيم ڤندرز أن يستلهم هذا الواقع في رده على أسئلة الصحافيين عن موقفه من الأزمتين الأوكرانية والفلسطينية، لكنه آثر القول إن السينما لا علاقة لها بالسياسة. والضجة التي لا تزال تتفاعل حول هذا التصريح مردّها إلى أن المخرج يتمتع بشهرة واسعة، وقد اختير لرئاسة لجنة تحكيم المسابقة الرسمية، وكثيرٌ من أفلامها يحمل طابعاً سياسياً. فكيف ستأتي النتائج إذن؟

هل يمكن استبعاد «غبار» (Dust)، و«رسائل صفراء» (Yellow Letters)، و«خلاص» (Salvation)، و«فجر جديد» (A New Dawn)، و«قصص من الوطن» (Home Stories)، الذي يتحدث عن العاصمة الألمانية حين كانت منقسمة إلى مدينتين، وسواها من الأفلام التي تتضمن مواقف سياسية، ولو غير مباشرة؟ وهل ستأتي نتائج هذه الدورة لصالح فيلم لا يتناول السياسة؟

لم ينظر كثيرون إلى حقيقة أن ڤندرز (الذي لم يحقق فيلماً سياسياً مباشراً في حياته، وإن كانت بعض أعماله تدخل في صميم البحث الاجتماعي)، كان عليه أن يمتثل لرغبة المديرة العامة للمهرجان، تريشيا تاتل، التي طلبت منه ومن بقية أعضاء لجنة التحكيم الامتناع عن الإدلاء بتصريحات سياسية.

ڤيم ڤندرز رئيس لجنة تحكيم مهرجان «برلين السينمائي» (د.ب.إ)

فيلمان سياسيان

لا يخفى أن المهرجان، في مسابقته الرسمية، لم يضم أفلاماً سياسية تتناول الوضع في فلسطين أو تنتقد أوضاعاً مشابهة. كما لم يُدرج فيلم روسي، ولم يضم عملاً موجهاً ضد زعيم بعينه (بوتين أو ترمب). والأفلام الـ23 المشاركة في المسابقة الرسمية اختيرت، حسب تصريح مديرة المهرجان، لأن «الاختيارات انصبت على الأفلام الفنية».

في الواقع، أفاد ذلك المهرجان من ناحية تلبية حاجة المشاهدين لهذا النوع من الأعمال (بصرف النظر عن مستوياتها الفنية)، لكنه لم يسدّ ثغرة غياب الأفلام الراغبة في مقاربة الأزمات العالمية.

وآخر ما كان المهرجان يصبو إلى تكراره هو تجربة الأعوام القليلة الماضية، التي شهدت في حفلات الختام خطابات سياسية حاولت الإدارة التنصل منها. فقد فاز فيلم «لا أرض أخرى» (2024)، من إخراج فلسطينيين وإسرائيليين، بالجائزة الذهبية، وشكَّل مناسبة لانتقاد الحكومة اليمينية في إسرائيل.

الإعلام، ممثلاً في الصحافة اليومية والمجلات المتخصصة بشؤون المهرجانات التي تصدر أعداداً يومية خلال الحدث، لا يمانع تناول الموضوع، ولكن من زاوية إعلامية بحتة. فهو، بطبيعة تكوينه، لا يتخذ موقفاً بقدر ما ينقل المواقف. وفي هذا السياق، نشرت مجلة «سكرين»، في اليوم الرابع من المهرجان، موضوعاً قصيراً بعنوان: «صانعو الأفلام العربية يعودون إلى برلين ليتكلموا سياسة».

إدارة المهرجان طلبت من لجنة التحكيم الامتناع عن الإدلاء بتصريحات سياسية

في الواقع، لم يكن هناك سوى فيلمين عربيين تناولا موضوعاً سياسياً: «وقائع زمن الحصار» و«يوم الغضب: حكايات من طرابلس» (لبنان). الأول من إخراج عبد الله الخطيب، والثاني لرانيا رفاعي. وقد عُرض كلاهما خارج المسابقات الأساسية، رغم أنهما يفتحان الأعين على حقائق ودلالات مهمة.

الثابت أن السياسة تطرق باب السينما منذ اللحظة الأولى التي يفكر فيها المخرج فيما يريد تحقيقه. فمجرد اختياره موضوعه هو انعكاس لموقف ما، حتى لو بدا الموضوع خالياً من السياسة بمعناها المباشر.

وإذ تناولت الصحف، بلغات مختلفة، ما انجلت عنه الدورة الحالية من رغبة في تجنب الخوض السياسي في الاختيارات الرسمية وتصريحات لجان التحكيم، فإن القليل منها توقف عند تاريخ هذا المهرجان، الذي جمع سابقاً بين أفلام ذات طروحات سياسية وأخرى عرضت السياسة في خلفياتها.

وفي حديث لـ«الشرق الأوسط» سيُنشر خلال أيام، قال المخرج الإسباني أوليڤر (فيلم «صراط») إنه لم يعد ثمة مهرب من تحديد الهوية هذه الأيام: «في السابق كنت أحاول الهرب من هذا الاختيار بتجاهل مسبباته، لكنني الآن أدرك أن أي فيلم، من أي مخرج، هو موقف سياسي على نحو مؤكد».


شاشة الناقد: رحيل روبرت دوڤال... أحد أفضل ممثلي السينما الأميركية

دوڤال (اليمين) وكوستنر في «مروج مفتوحة» (توتشستون فيلمز)
دوڤال (اليمين) وكوستنر في «مروج مفتوحة» (توتشستون فيلمز)
TT

شاشة الناقد: رحيل روبرت دوڤال... أحد أفضل ممثلي السينما الأميركية

دوڤال (اليمين) وكوستنر في «مروج مفتوحة» (توتشستون فيلمز)
دوڤال (اليمين) وكوستنر في «مروج مفتوحة» (توتشستون فيلمز)

في 15 فبراير (شباط) الحالي، رحل الممثل روبرت دوڤال عن عمر ناهز 95 عاماً. كان ممثلاً نادراً لم يُخطئ في أدواره، سواء كانت رئيسية أم صغيرة. فمن سائق التاكسي في «بولِت»، إلى جنرال الحرب في «القيامة الآن»، وصولاً إلى أدواره البارزة في «العرّاب» بجزأيه الأول والثاني، قدّم دوڤال شخصيات اتّسمت بأداء هادئ وطبيعي، يقوم على اندماج سلس وعميق مع الشخصية التي يجسّدها.

لم ينطق دوڤال بكلمة واحدة في أول دور له على الشاشة الكبيرة، وذلك بعد سنوات من التمثيل في مسلسلات تلفزيونية عدة. ظهر في نهاية فيلم «لقتل طائر ساخر» (To Kill a Mockingbird، لروبرت موليغن، 1962)، لكنه وظّف كل ثانية من ظهوره لتجسيد الدور الذي أدّاه.

الممثل روبرت دوڤال في مهرجان «تورونتو» عام 2018 (أ.ف.ب)

بعد 7 سنوات و8 أفلام وعشرات الأدوار التلفزيونية، ظهر في دور سائق التاكسي الذي ينقل التحري فرانك بوليت (ستيف ماكوين) إلى هاتف عمومي في فيلم Bullitt (بيتر ياتس، 1968). راقبه وهو يراقب التحري أثناء طلبه رقماً يعتقد أن من يطارده اتصل به. يعود ماكوين إلى السيارة، فينظر إليه دوڤال ويقول: «لقد طلب رقماً غير محلي». يسأله التحري: «كيف عرفت ذلك؟» فيجيب: «أدار قرص الهاتف على أرقام كثيرة». وفق تقنيته التي ميّزت أدواره لاحقاً، لم يسع دوڤال إلى جذب الانتباه، بل لعب دور سائق التاكسي ببساطة؛ كان فعلاً سائق تاكسي عبر تشخيص بسيط ودال.

في العام التالي ظهر في أول دور مساند له في فيلم رئيسي، وهو «جرأة حقيقية» (True Grit، هنري هاثاواي، 1969)، مجسداً أحد أشرار هذا الوسترن أمام الممثل جون واين. ممثل حقيقي في مواجهة ممثل استعراضي، وكان الوحيد من بين الأشرار الذي يبقى في الذاكرة.

مثل هذا الفيلم ثم 6 أفلام لاحقة، قبل أن يحطّ كأحد أهم ممثلي «العرّاب» (The Godfather، فرنسيس فورد كوبولا، 1972). راقب هنا هدوءه وعمق أدائه، خصوصاً في المشهد الذي يحذّر فيه أحد أقطاب هوليوود من معارضة الدون كارليوني (مارلون براندو).

في كل مشاهد هذا الفيلم والجزء الثاني منه، التزم بحضور هادئ من دون افتعال. في الواقع، من مزايا «العرّاب» بجزأيه إتاحته الفرصة لأساليب أداء متعددة، حيث يختلف تمثيل آل باتشينو عن تمثيل براندو أو جيمس كان أو دوڤال، في حين يقدّم الجميع أفضل ما لديهم.

لم يكن دوڤال معجباً بتقنية براندو المنهجية (Method)، بل آمن بأن على الممثل دخول الشخصية بتقنيات بسيطة. قال لصحيفة بريطانية: «التمثيل هو كيف تستمع وكيف تنطق. العمق يأتي طبيعياً»، مضيفاً: «التفاعل مع ما يحدث يأتي من فهم الدور الذي تؤديه وكيف ستقدّمه بما ينسجم مع الشخصية».

هذا المبدأ مطبّق تماماً في «القيامة الآن» (Apocalypse Now، كوبولا، 1979). من منّا لم يحب أن يكرهه وهو يقف بقامته المديدة بينما تتساقط القذائف حوله؟ ينبطح الجنود خوفاً، لكنه لا يهتز ولا يخشى، ويتابع قصف الطائرات الأميركية للفييتكونغ قائلاً بنشوة: «أحب رائحة النابالم في الصباح!».

قبل ذلك لعب بطولة فيلم منسي بعنوان «المنظمة» (The Outfit، جون فلِن، 1973)، مارس فيه كل ما آمن به من سهولة في التجسيد وانضباط في الأداء.

أسند إليه المخرج سام بكنباه بطولة «نخبة القاتل» (The Killer Elite، 1975)، ثم شارك في «نتوورك» (Network، سيدني لومِت، 1976). ولا يجب أن ننسى دوره الرائع في «اعترافات حقيقية» (True Confessions، أولو غروسبارد، 1981)، أو «رحمات ناعمة» (Tender Mercies، بروس بيرسفورد، 1983).

من أفضل الأفلام التي قام ببطولتها «مروج مفتوحة» (Open Range، كيفن كوستنر، 2003)، وهو أحد أفضل أفلام الوسترن في العقود الخمسة الأخيرة.

أخرج دوڤال خمسة أفلام خلال مسيرته بين عامي 1974 و2015، ومن أفضلها «أنجلو حبي» (Angelo My Love، 1983).

تقييم الأفلام المذكورة

1962: To Kill a Mockingbird ★★★

دراما حول العنصرية في الجنوب الأميركي. يظهر دوڤال بدور الرجل الغامض

1968: Bullitt ★★★★

فيلم بوليسي عن تحرٍّ يسعى إلى القبض على قاتل رغم الضغوط. دوڤال سائق تاكسي.

1969: True Grit ★★★

وسترن يواجه فيه جون واين عصابة قتلت والد فتاة شابة.

1972: The Godfather ★★★★★

اقتباس عن رواية ماريو بوزو حول عائلة مافيا. دوڤال محامي العائلة.

1974: The Godfather II ★★★★★

محامي العائلة مع صلاحيات أقل بعدما تولى باتشينو القيادة عوض براندو.

1973: The Outfit ★★★★

يعمد إلى سرقة مصالح شركة يديرها روبرت رايان انتقاماً.

1975: The Killer Elite ★★★

دوڤال يميل للمخابرات الأميركية وينقلب على زميله (جيمس كان).

1976: Network ★★

دراما تدّعي أن العرب سيشترون الإعلام الأميركي. دوڤال رئيس الشركة القابضة.

1979: Apocalypse Now ★★★★★

فيلم مناهض للحرب الأميركية في فيتنام، لعب فيه دور جنرال متطرف.

1981: True Confessions ★★★★

لعب دور تحري في مدينة لوس أنجليس يحقق في جريمة قد تورط الكنيسة.

1983: Tender Mercies ★★★★

دراما عاطفية حول مغنٍ «كانتري آند ويسترن» يشق طريقه بصعوبة.

1983: Angelo My Love ★★★★

احتفاء بحياة الغجر الدرامية والموسيقية.

2003: Open Range ★★★★★

وسترن: دوڤال وكيڤن كوستنر في مواجهة شرير يسعى للاستيلاء على أرضهما.

★ ضعيف | ★★: وسط| ★★★: جيد | ★★★★ جيد جداً | ★★★★★: ممتاز