100يوم... من القتل والخراب في حرب «الجنرالين» بالسودان

حكاية حرب وصفها قادتها بـ«العبثية» وحصيلتها آلاف القتلى وملايين من النازحين واللاجئين

TT

100يوم... من القتل والخراب في حرب «الجنرالين» بالسودان

الحرب في الخرطوم ستكون لها آثار مدمرة على كثير من الأصعدة (أ.ف.ب)
الحرب في الخرطوم ستكون لها آثار مدمرة على كثير من الأصعدة (أ.ف.ب)

دخلت «حرب الجنرالين» في السودان يومها المائة، بحصيلة تقدر بآلاف القتلى وملايين النازحين واللاجئين، وخراب كلي للبني التحتية في البلاد، بما في ذلك المرافق الصحية والتعليمية والاقتصادية.

بلغت الحرب يومها المائة، بعد أن كان كل من طرفيها يحلم بنصر سريع على خصمه لا يستغرق سوى ساعات، أو في حد أقصى عدة أيام. لكن، ها هما «يدهشان» العالم بحكاية «مائة يوم من القتل والخراب».

الموت المجاني

في حصيلة حديثة، قتل جنرالات السودان نحو 1800 شخص، قالت جمعية الصليب الأحمر الدولية إن 180 منهم على الأقل، دفنوا «عشوائياً» من دون التعرف إلى هوياتهم، في وقت نقلت فيه تقارير صحافية أن أعداد القتلى ربما تفوق هذا العدد بكثير، لا سيما أن وسائط التواصل تناقلت بكثافة أنباءً عن دفن جثامين داخل المنازل وأمامها وفي الميادين العامة، إضافة إلى «جثث متفسخة» في الشوارع والطرقات، تنقل الوسائط أنها لم تدفن بعد.

ولا يعرف على وجه الدقة العدد الفعلي للقتلى من العسكريين من طرفي القتال؛ فقد دأب كل طرف على تقليل خسائره وتضخيم خسائر الخصم. وبعد كل معركة، يدعي أحد الطرفين أنه ألحق خسائر «بشرية» فادحة بالآخر، دون ذكر أرقام، بينما يشاهد عامة الناس في الخرطوم الكثير من الجثث بثياب عسكرية من الطرفين، ملقاة على قارعة الطرقات أو داخل المنازل، فيما لا يوجد طرف ثالث يمكن الركون إليه لمعرفة الأعداد الفعلية لقتلى الطرفين.

شلل الخدمات الصحية والتعليمية

وبسبب شلل الخدمات الصحية وخروج نحو 80 بالمائة من المشافي والمراكز الصحية عن العمل، وفقاً لنقابة أطباء السودان، فإن عدد الجرحى غير معروف. وتقول تقارير إن آلافاً منهم أصيبوا في أثناء القتال، سواء بالرصاص الطائش أو المقذوفات العشوائية أو القصف الجوي. وعادة ما تنقل وسائل الإعلام ووسائط التواصل، عقب كل معركة أو غارة جوية، أن هناك أعداداً من القتلى والجرحى. ويتوقع، وفقاً لتلك التقارير، أن يكون هناك آلاف من الجرحى لا يجدون العلاج، أو لا يستطيعون الوصول إلى المشافي، فيموتون أو يصابون بإعاقات دائمة.

تدمير مستشفى شرق النيل بالخرطوم في قصف جوي (رويترز)

ومثلما شلت الخدمات الصحية، فقد شل التعليم تماماً، فتأجلت امتحانات الشهادة السودانية لأجل غير مسمى، وأغلقت المدارس أبوابها، وتوقفت الجامعات عن العمل، وتعرض بعضها لعمليات تخريب واسعة، بل ونقل بعضها مراكزه إلى خارج السودان، فيما اختارت جامعات أخرى طريقة التعليم عن بعد (أون لاين).

تعطل المصارف

كذلك تعطل النظام المصرفي في البلاد بشكل تام، وتوقفت البنوك عن العمل، بما فيها بنك السودان المركزي، إذ إن مراكزها الرئيسة ومخدماتها تقع في المناطق التي يدور فيها القتال، فضلاً على عمليات النهب والتخريب التي تعرضت لها.



ولم تعد هناك حكومة في المركز؛ فقد انتقلت بعض الوزارات إلى ولايات البحر الأحمر «بورتسودان». فوزير المالية، جبريل إبراهيم، على سبيل المثال، يدير وزارته العاجزة عن سداد المرتبات منذ 4 أشهر من هناك، بينما تدار بعض المؤسسات الحكومية من مدينة «ود مدني» في ولاية الجزيرة وسط البلاد، في الوقت الذي يواجه فيه الموسم الزراعي خطر الفشل التام بسبب نقص التمويل وتوقف استيراد المواد الزراعية من بذور وشتول وأسمدة وغيرها، ما يهدد بمجاعة حقيقية خارج مناطق الحرب، في الوقت الذي كادت فيه مخزونات السلع الاستهلاكية تنفذ من المحال.

حرب حتى على عمال الإغاثة

وتقول «منظمة الهجرة الدولية» (IOM) في آخر تقرير لها، إن مليونين و613 ألف شخص معظمهم من الخرطوم ودارفور، نزحوا إلى أماكن أخرى داخل البلاد، فيما لجأ (757 ألفاً و230 شخصاً آخرين إلى دول الجوار: مصر، وليبيا، وتشاد، وأفريقيا الوسطى، وجنوب السودان. وقد توجه 33 بالمائة منهم إلى مصر، بينما لجأ 31 بالمائة إلى تشاد، و23 بالمائة إلى جمهورية جنوب السودان.

سودانيون فروا من القتال بدارفور في منطقة حدودية بين السودان وتشاد في 13 مايو 2023 (أ.ف.ب)

ووفقاً لمكتب مراقبة الشؤون الإنسانية التابع للأمم المتحدة «أوتشا»، فإن القتال يحول دون الوصول إلى ملايين الأشخاص الذين هم بحاجة لمساعدات إنسانية عاجلة، وتقول «أوتشا» في تقريرها في 15 يوليو (تموز): «السودان الآن أحد أصعب الأمكنة التي يمكن لعمال المساعدات الإنسانية الوصول إليه... نحن نفعل كل ما بوسعنا للحفاظ على الحياة، لكن لا يمكننا العمل تحت نيران البنادق».

وتؤكد أوتشا أنها عاجزة فعلياً عن توفير خزانات للمياه ومخازن للأغذية والأدوية، لـ«أنها تتعرض للسرقة»، وتتابع: «لا نستطيع تقديم هذه المساعدات إذا كان موظفونا وعمالنا ممنوعين من الوصول للناس، وإن معاناة الناس في السودان ستتوقف بتوقف الحرب». ويشير مكتب «أوتشا» إلى أن من جملة الأشخاص الذين هم بحاجة لمساعدات إنسانية عاجلة 13.6 مليون طفل لا يزالون في السودان.

سلب ونهب لمساكن المواطنين

كما لا توجد إحصاءات دقيقة حول أضرار التخريب الذي ضرب البنى التحتية والممتلكات المدنية، بما في ذلك مساكن المواطنين. ويقول شهود عيان إن آلاف المنازل والمصانع والمنشآت العامة في السودان، وعلى وجه الخصوص في الخرطوم ومدن دارفور (الجنينة، زالنجي، نيالا، الفاشر وغيرها) تعرضت لعمليات نهب واسعة وتخريب وإحراق، بسبب القتال، أو بسبب احتماء قوات «الدعم السريع» بها واستخدام المدنيين دروعاً بشرية، أو بالقصف الجوي الذي ينفذه طيران الجيش السوداني، أو بسبب عمليات نهب واسعة تقوم بها عصابات منظمة أو مواطنون يحركهم الفقر أو «الغبن» الاجتماعي، وتقدر هذه الخسائر بمليارات الدولارات.



كيف بدأت الحرب؟

صبيحة 15 أبريل (نيسان)، فوجئ المواطنون بإطلاق نار كثيف حول «المدينة الرياضية» جنوب الخرطوم. وقال شهود وقتها إن قوات بثياب الجيش السوداني هاجمت معسكراً لقوات «الدعم السريع»، لكن سرعان ما انتقل القتال إلى عدة مناطق عسكرية في العاصمة الخرطوم، وهاجمت قوات «الدعم السريع» القيادة العامة للجيش السوداني ومطار الخرطوم والقاعدة الجوية في مروي، شمال البلاد، بينما هاجم الطيران الحربي التابع للجيش السوداني مراكز السيطرة والقيادة التابعة لقوات «الدعم السريع»، في وسط الخرطوم وجنوبها وشمالها.

الحرب في الخرطوم ستكون لها آثار مدمرة على كثير من الأصعدة (أ.ف.ب)

وبنهاية اليوم الأول من القتال، أعلن الجيش تدمير كافة مراكز السيطرة والقيادة التابعة لـ«الدعم السريع»، وقال إنه قضى على سلاسل الإمداد الخاصة به، وأن تلك القوات فقدت التواصل مع قياداتها، بينما أعلن «الدعم السريع» إنه سيطر على مطار الخرطوم، والجهة الجنوبية من القيادة العامة للجيش، والقصر الجمهوري ووسط الخرطوم، والمطار الحربي في «مروي» بشمال البلاد، وعدد من المواقع العسكرية التابعة للجيش، وأنه أجبر قيادته على الاختباء في مخابئ حصينة داخل الجهة الشمالية من القيادة العامة.

أسباب الحرب

ولا يرجع اندلاع الحرب إلى يوم 15 أبريل (نيسان)؛ فقد بدأت إرهاصاتها تطل باكراً، عقب توقيع «الاتفاق الإطاري» مع القوى المدنية، والذي قضى بخروج الجيش و«الدعم السريع» من السياسة، ودمجهما في جيش مهني واحد، وتطهير الجيش مما أطلق عليه «عناصر النظام السابق». ورغم أن كلاً من قائد الجيش، عبد الفتاح البرهان، وقائد قوات «الدعم السريع»، محمد حمدان دقلو (حميدتي)، قد وقعا «الاتفاق الإطاري»، فإن مواقفهما بدأت تتباعد حول تفاصيلها. فبينما كان «الدعم السريع» يرى أن تتم عملية دمجه في الجيش خلال 10 سنوات، فإن الجيش كان يرى أن تتم العملية خلال سنتين لا أكثر.

نازحون من الخرطوم لجأوا إلى مدينة ود مدني القريبة (أ.ف.ب)

وبدت إرهاصات الخلاف الحاد تظهر علانية عقب ورشة عمل باسم «الإصلاح الأمني والعسكري»، نص عليها «الاتفاق الإطاري» نظمت أواخر مارس (آذار) الماضي. فبينما حضرها وشارك فيها بفاعلية موفدو «الدعم السريع»، فإن ممثلي الجيش انسحبوا منها فجأة، بعد أن شاركوا في تقديم أوراقها، ما فاجأ الحاضرين من المدنيين والمراقبين وأثار مخاوفهم. وأدى ذلك إلى «توتر حاد» بين القوتين، ووضع جنود كلا الطرفين أصابعهم على الزناد، وانقطع التواصل بين قائدي القوتين، البرهان وحميدتي.

محاولات التهدئة ووأد الفتنة

وقبل أسبوع من اندلاع القتال، أفلحت القوى المدنية والوساطة الثلاثية المكونة من السعودية وأميركا وبريطانيا، وبعثة الأمم المتحدة لدعم الانتقال، في جمع الرجلين. وخلال الاجتماع أبدى قائد قوات «الدعم السريع» مخاوفه من وجود «قوات جوية مصرية» في مطار مروي شمال البلاد، ومن استخدامها ضد قواته، واحتج الجيش في المقابل على تحريك قوات تابعة لـ«الدعم السريع» إلى منطقة قريبة من القاعدة الجوية في مروي دون علمه أو تنسيق معه. واتفق الطرفان على حل القضية خلال يوم أو أكثر، لكن الأوضاع لم تسر كما ينبغي، وغاب قائد الجيش ومعاونوه عن الاجتماع المقرر صبيحة السبت 8 أبريل (نيسان)، وإثر ذلك حرك «الدعم السريع» قوات كبيرة إلى مروي، وحاصر مطارها، متجاهلاً تحذيرات قادة الجيش بالانسحاب من القاعدة. وبينما توالت الوساطات لنزع فتيل الأزمة فوجئ السكان صبيحة السبت 15 أبريل باندلاع الحرب.

خريطة القوات المتقاتلة



ووفقاً لشهود، فإن «الدعم السريع» يسيطر على مناطق واسعة من العاصمة الخرطوم، قدرتها قيادته بنحو 95 بالمائة من العاصمة، بينما قدرها مراقبون بنحو 85 بالمائة، خصوصاً في أمدرمان والخرطوم، إذ لا يزال يسيطر على وسط الخرطوم بالكامل، بما في ذلك القصر الجمهوري، ومباني الوزارات والمنشآت الحكومية، بما فيها وزارتا الخارجية والداخلية، كما يسيطر على عدد من الجسور (سوبا جنوباً، المنشية شرقاً، شمبات وسط، المك نمر)، ويسيطر من طرف واحد على جسور الفتيحاب، النيل الأبيض، الحلفايا، كوبر، بينما يسيطر الجيش على جسور النيل الأزرق من الجهتين، وجسور النيل الأبيض من جهة أمدرمان، والفتيحاب من جهة أمدرمان، وكوبر من جهة الخرطوم بحري.

ووفقاً لشهود، فإن «الدعم السريع» يسيطر على عدد من مواقع الجيش الحيوية، منها الجزء الجنوبي من القيادة العامة، ومطار الخرطوم والمطار الحربي المرفق به، وقيادة القوات الجوية، وفرع الرياضة في جنوب الخرطوم، كما يسيطر على مقر الكتيبة الاستراتيجية وسط الخرطوم، والتصنيع الحربي، ومصنع اليرموك، إضافة إلى مقر قوات الاحتياطي المركزي، ومباني رئاسة جهاز الأمن والمخابرات، ومباني الاستخبارات العسكرية، وغيرها من الجهات، بينما يسيطر الجيش على الجزء الشمالي من القيادة العامة، ومقر الفرقة السابعة وسط الخرطوم، وقيادة قوات المدرعات جنوب الخرطوم، وقيادة قوات سلاح الإشارة في بحري، وقيادة قوات المهندسين في أمدرمان، وقيادة منطقة كرري ومطار وادي سيدنا في شمال أمدرمان.

سودانيون وأجانب هاربون من المعارك في العاصمة الخرطوم (أ.ف.ب)

وأفلح «الدعم السريع» في كسب عدد من المعارك، آخرها ما عرف بـ «معركة حطاب» شمال الخرطوم بحري، والتي قتل فيها قائد قوة الجيش برتبة لواء وأُسر اثنان من القادة برتبة عميد، تم تصويرهما في تسجيلات فيديو. وقال «الدعم السريع» إنه شتت تلك القوة وقتل وأسر أعداداً كبيرة منها، فيما اعترف الجيش لأول مرة في بيان رسمي بـ«خسارة»، وقال إنه تكبد بعض الخسائر في الخرطوم بحري، بينما تسير خططه وفقاً لما هو مرسوم لها.

معارك دارفور وكردفان

وشهدت ولايات دارفور أعمال عنف وقتال عنيف، أخذ طابعاً عرقياً، لا سيما في مدينة «الجنينة»، حاضرة ولاية غرب دارفور، والتي قتل واليها، خميس عبد الله أبكر، وأدت إلى مذابح إثنية تشرد بسببها عشرات الآلاف الذين لجأ بعضهم إلى تشاد المجاورة وإلى عدد من المناطق الأخرى، ودارت معارك مشابهة في عدد من عواصم ولايات دارفور الخمس، والتي يقتسم «الدعم السريع» السيطرة عليها مع قوات الجيش.

آثار النزاع بين الجيش السوداني وقوات «الدعم السريع» (أ.ف.ب)

كما يحاصر «الدعم السريع» مدينة الأبيض، حاضرة ولاية شمال كردفان، والقريبة من الخرطوم، من الجهات الأربع، بينما يدور قتال متفرق داخلها بين قوات الجيش المعروفة بـالـ«هجانة» هناك، بينما انتشرت قوات منه في عدد من مدن الولاية، ومن بينها بارا، والرهد، وأم روابة، وجرت استباحة مدينتي بارا والرهد والقرى المحيطة بهما بشكل كامل من قبل تلك القوات والقوات الصديقة الحليفة لها من جماعات وعصابات النهب والسلب.

وساطات متعثرة

ولا يعرف أحد متى تنتهي الحرب؛ فقد فشلت، حتى الآن على الأقل، وساطة سعودية أميركية شهدتها مدينة جدة، في إلزام الطرفين بأكثر من ثماني اتفاقيات هدنة لإيصال المساعدات الإنسانية، سرعان ما كان يجري خرقها من قبل الطرفين، على الرغم من توقيعهما على إعلان جدة الإنساني، فاضطرت الوساطة المشتركة إلى تعليق المباحثات لعدم جدية الطرفين في الالتزام بتعهداتهما.

وزير الخارجية السعودي إلى جانب ممثلين عن طرفَي النزاع السوداني خلال توقيع اتفاق جدة في 21 مارس (رويترز)

ودخلت الهيئة الحكومية للتنمية «إيغاد» على خط المبادرات، وكونت لجنة من قادة 4 دول هي: كينيا، إثيوبيا، جنوب السودان والصومال، توصلت إلى وقف إطلاق نار شامل، والطلب من قوات «التدخل السريع لشرق إفريقيا» (إيساف) الاستعداد للتدخل للفصل بين المتحاربين، لكن الخرطوم رفضت هذه المبادرة، ورفضت تدخل قوات أجنبية في السودان، وقال إنها ستعدها «قوات معادية»، إضافة إلى رفضها رئاسة الرئيس الكيني وليام روتو، والذي عدته منحازاً لـ«الدعم السريع».

رئيس وزراء إثيوبيا آبي أحمد ورئيس كينيا ويليام روتو خلال اجتماع «إيغاد» الاثنين (وكالة الأنباء الإثيوبية)

وتبنت مصر ما عرف بـ«مبادرة دول الجوار» في 13 يوليو (تموز) الحالي، بمشاركة رؤساء دول إثيوبيا، إريتريا، تشاد، ليبيا، أفريقيا الوسطى، جنوب السودان ومصر، والتي نصت على إنهاء الحرب، والدعوة لحوار جامع، ورفض التدخل الأجنبي، وخطة عمل لوضع خطوط عملية لوقف القتال. وعلى الرغم من أن المبادرة لقيت ترحيباً من الأطراف كافة، فإنها لم تتعد ما توصلت له المبادرات السابقة.

القادة المشاركون في «قمة دول جوار السودان» التي عقدت بالقاهرة 13 يوليو الحالي (الرئاسة المصرية)

ثم أعلن في الأسبوع الماضي عن عودة مفاوضي الطرفين إلى مدينة جدة السعودية، ونقل عن نائب قائد الجيش، شمس الدين كباشي، الأسبوع الماضي، دعوته للعودة إلى التفاوض ووقف الحرب، وتشكيل حكومة مدنية، ما حمل إشارات إيجابية لاحتمالات وقف الحرب، لكن هناك تكتماً كبيراً على تفاصيل التفاوض في جدة، إذ لا يعرف حتى الآن ما إذا كانت المحادثات قد بدأت أم لا، وهل هي مباشرة أم غير مباشرة، لكن الجميع يأملون في أن تصمت البنادق ويعود «الخيار المدني» من جدة.


مقالات ذات صلة

تحالف «صمود» يتهم رئيس مفوضية الاتحاد الأفريقي بالانحياز

شمال افريقيا عرض عسكري في أم درمان اليوم (الأربعاء) في ذكرى استقلال السودان (أ.ب)

تحالف «صمود» يتهم رئيس مفوضية الاتحاد الأفريقي بالانحياز

حقّق الجيش السوداني تقدماً غرب الأبيض، واستعاد بلدات كانت تسيطر عليها «قوات الدعم السريع»، فيما جدّدت حركة مسلحة متحالفة مع «الدعم السريع» دعوتها له بالانسحاب.

أحمد يونس (كمبالا)
شمال افريقيا  مجلس الوزراء السوداني عقد أمس جلسته برئاسة رئيس الوزراء الدكتور كامل إدريس (سونا)

مجلس الوزراء السوداني يجيز «موازنة 2026 الطارئة» ويصفها بـ«المعجزة»

وصف رئيس الوزراء السوداني الدكتور كامل إدريس، مشروع الموازنة الطارئة للعام المالي 2026، التي أقراها مجلس الوزراء يوم أمس (الثلاثاء)، بـ«المعجزة» مشيداً بضبط…

«الشرق الأوسط» (بورتسودان)
شمال افريقيا مستويات غير مسبوقة من سوء التغذية بين الأطفال بولاية شمال دارفور (أ.ب)

«اليونيسف» تحذر من مستوى غير مسبوق من سوء التغذية بين الأطفال في شمال دارفور بالسودان

حذرت منظمة الأمم المتحدة للطفولة «اليونيسف»، اليوم الثلاثاء، من وجود «مستويات غير مسبوقة وخطيرة» من سوء التغذية بين الأطفال بولاية شمال دارفور في غرب السودان.

«الشرق الأوسط» (دارفور)
الولايات المتحدة​ الرئيس الأميركي دونالد ترمب (أ.ب)

قاضية أميركية توقف إنهاء الحماية من الترحيل للمهاجرين من جنوب السودان

​أوقفت قاضية اتحادية تنفيذ خطط إدارة الرئيس الأميركي دونالد ترمب ‌لإنهاء ‌وضع ‌الحماية ⁠المؤقتة ​من ‌الترحيل الممنوح لمئات من مواطني جنوب السودان.

«الشرق الأوسط» (بوسطن)
شمال افريقيا سودانيون عائدون إلى وطنهم ضمن الرحلة 43 من محطة رمسيس بالقاهرة (مجلس الوزراء المصري)

مصر: قوائم انتظار طويلة لسودانيين يرغبون في العودة

مكّن مشروع «العودة الطوعية للسودان» آلاف السودانيين المقيمين بمصر من العودة المجانية لبلادهم منذ انطلاقه في يوليو الماضي.

رحاب عليوة (القاهرة)

«الوحدة» الليبية: ملتزمون بإبراز نتائج تحقيق طائرة الحداد المنكوبة بشفافية

عبد الحميد الدبيبة رئيس حكومة «الوحدة» المؤقتة (الوحدة)
عبد الحميد الدبيبة رئيس حكومة «الوحدة» المؤقتة (الوحدة)
TT

«الوحدة» الليبية: ملتزمون بإبراز نتائج تحقيق طائرة الحداد المنكوبة بشفافية

عبد الحميد الدبيبة رئيس حكومة «الوحدة» المؤقتة (الوحدة)
عبد الحميد الدبيبة رئيس حكومة «الوحدة» المؤقتة (الوحدة)

أكد وزير المواصلات الليبي، محمد الشهوبي، اليوم الخميس، أن الوصول إلى الحقيقة في حادثة الطائرة المنكوبة، التي كانت تقل رئيس الأركان في حكومة «الوحدة» الوطنية، محمد الحداد ورفاقه، الذين قضوا في حادث تحطم طائرة بالقرب من العاصمة التركية مساء الثلاثاء الماضي، «مسؤولية وطنية لا بد منها».

ونقلت قناة «ليبيا الأحرار» عن الشهوبي قوله في مؤتمر صحافي، اليوم، حول آخر مستجدات التحقيق في الطائرة المنكوبة: «نسقنا بشكل مباشر مع بريطانيا لتحليل الصندوق الأسود، واستقبلنا سفيرها لمتابعة الإجراءات الفنية». وأضاف الشهوبي موضحاً: «نسقنا مع وزير النقل التركي لدعم مسار التحقيق المشترك للوصول إلى الأسباب الحقيقية للحادث، الذي أودى بحياة رئيس الأركان، محمد الحداد ورفاقه الأربعة، إضافة إلى طاقم فرنسي من شخصين ومضيفة قبرصية يونانية»، مشيراً إلى أنه «لا يمكن التنبؤ بالفترة الزمنية اللازمة لقراءة بيانات الصندوق الأسود، ومؤكداً الالتزام بإبراز نتائج التحقيق للشارع العام بشفافية».

وكانت وزارة الداخلية بطرابلس قد أكدت يوم الجمعة الماضي نقل إجراءات تحليل بيانات الصندوق الأسود الخاص بالطائرة المنكوبة إلى بريطانيا، وذلك بعد اعتذار ألمانيا عن القيام بذلك، بسبب عدم توافر الإمكانات التقنية من أجل التعامل مع هذا النوع من الطائرات (فالكون 50) الفرنسية الصنع.

وتحطمت الطائرة الخاصة التي كانت تقل الفريق أول محمد علي أحمد الحداد وأربعة ضباط آخرين، وثلاثة أفراد من الطاقم، بعد إقلاعها من العاصمة التركية أنقرة، مما أسفر عن مقتل جميع الركاب الذين كانوا على متنها. وكان الوفد الليبي رفيع المستوى في طريق العودة إلى العاصمة الليبية طرابلس، بعد إجراء محادثات في أنقرة تهدف إلى تعزيز التعاون العسكري بين البلدين.

يشار إلى أن الحداد لعب دوراً حاسماً في الجهود الجارية، التي تتوسط فيها الأمم المتحدة، لتوحيد الجيش الليبي. وبهذا الخصوص اعتبر المحلل السياسي، فرج فركاش، أن غياب الحداد بهذا الشكل المفاجئ ومعه عضو لجنة «5+5» العسكرية، الفيتوري غريبيل، «يشكل ضربة كبيرة للمؤسسة العسكرية في غرب ليبيا»، لكون الحداد، وفق قوله، «ليس مجرد قائد عسكري تقليدي، بل شخصية محورية لعبت دوراً أساسياً في محاولات توحيد المؤسسة العسكرية، واحتواء الصراعات المحلية بطرابلس ومحيطها، وبناء علاقات عسكرية متوازنة مع شركاء دوليين، مثل تركيا وإيطاليا والأفريكوم».

وتعاني المؤسسة العسكرية الليبية، منذ عام 2014، من انقسام حاد أثر سلباً على وضع البلاد، وأدى لاشتعال حروب ومناوشات، كانت آخرها حرب طرابلس (2020/2019)، التي انتهت باتفاق وقف إطلاق نار ما زال ساري المفعول برعاية أممية.


البرهان في ذكرى الاستقلال: النصر آتٍ

البرهان في لقطة من تسجيل مصور أمام القصر الجمهوري بالعاصمة الخرطوم (وكالة الأنباء السودانية)
البرهان في لقطة من تسجيل مصور أمام القصر الجمهوري بالعاصمة الخرطوم (وكالة الأنباء السودانية)
TT

البرهان في ذكرى الاستقلال: النصر آتٍ

البرهان في لقطة من تسجيل مصور أمام القصر الجمهوري بالعاصمة الخرطوم (وكالة الأنباء السودانية)
البرهان في لقطة من تسجيل مصور أمام القصر الجمهوري بالعاصمة الخرطوم (وكالة الأنباء السودانية)

أكد رئيس «مجلس السيادة الانتقالي» القائد العام للجيش السوداني، عبد الفتاح البرهان، الخميس، أن «النصر قادم» وأن «النصر سيكون حليف الشعب السوداني».

وجاء خطاب البرهان بينما تتواصل المعارك الضارية بين الجيش والقوات المساندة له من جهة؛ و«قوات الدعم السريع» وحلفائها في ولاية جنوب كردفان من جهة أخرى.

وهنأ البرهان، في تسجيل مصور من أمام القصر الجمهوري بالعاصمة الخرطوم، الشعب السوداني بمناسبة العيد الـ70 لاستقلال السودان، الذي يوافق 1 يناير (كانون الثاني) من كل عام.

وقال في خطابه إن «هذه المعركة معركة الكرامة الوجودية التي نخوضها جميعاً»، مضيفاً: «نؤكد لكم مواطنينا في كل مكان؛ في دارفور وكردفان، أن النصر قادم، وأن السودانيين قادمون إليكم... حتماً سنجتمع هنا مرة أخرى كسودانيين ونحتفل بطرد التمرد والخونة والمرجفين من بلادنا».

وقال قائد الجيش إن «كل من خان وطنه وباعه فلن ينتصر، وجرى وراء سراب الدول التي تتحدث عن أوهام لن تتحقق في هذه الأرض»، وإن الشعب السوداني «مصمم ويؤكد على أنه سينتصر».

وأشار إلى أن «الأبواب لا تزال مشرعة للمصالحة الوطنية، ونرحب بكل من يريد أن ينضم إلى صوت الوطن والحق، وسنعمل جاهدين لنؤسس لدولة الوطن والمواطنة والسلام والعدالة».

البرهان في لقطة من تسجيل مصور أمام القصر الجمهوري بالعاصمة الخرطوم (وكالة الأنباء السودانية)

استقلال ناقص

بدوره، قال رئيس وزراء الحكومة الموازية في البلاد، الموالية لــ«قوات الدعم السريع»، محمد حسن التعايشي، إن «الاستقلال السياسي إنجاز وطني عظيم، لكنه ظل إنجازاً ناقصاً؛ لأنه لم يتحول إلى مشروع وطني جامع يعالج اختلالات السلطة والثروة».

وأضاف في خطابه عشية العيد، الأربعاء، أن «حكومة السلام» جاءت بـ«مشروع وطني معلن لتأسيسٍ تاريخي شامل للدولة السودانية على مبادئ جديدة».

وأوضح أن الحرب في السودان لن تتوقف بحلول جزئية أو معالجات أمنية ضيقة، مشدداً على «أهمية إقامة نظام حكم لامركزي يعيد توزيع السلطة والثروة بعدالة عبر صياغة عقد اجتماعي جديد وفقاً لدستور مدني ديمقراطي علماني».

وجدد التعايشي التأكيد على مطالب تأسيس جيش واحد ومنظومة أمنية جديدة تخضع للسلطة المدنية.

تجدد المعارك

ميدانياً، نشر أفراد من «قوات الدعم السريع» مقاطع فيديو من بلدة هبيلا في ولاية جنوب كردفان، يؤكدون فيها إحكام سيطرتهم الكاملة على المنطقة، بعدما راجت أنباء عن استعادتها من قبل الجيش السوداني.

وكانت مصادر محلية أفادت بأن الجيش أحرز تقدماً على محاور القتال في كردفان، وبأن قواته استردت بلدتي كازقيل والرياش، جنوب مدينة الأبيض؛ عاصمة شمال الإقليم.

جنود سودانيون يسيرون بأحد شوارع أم درمان بمناسبة عيد الاستقلال الأربعاء (أ.ب)

وأعلنت «القوة المشتركة»، المتحالفة مع الجيش، تحقيق انتصارات ميدانية كاسحة في محور شمال كردفان. وقالت في بيان: «في إطار العمليات العسكرية، تمكنت قواتنا من التقدم والسيطرة على مناطق كازقيل والحمادي والرياش وهبيلا والدبيبات في شمال وجنوب كردفان». وأضافت: «العمليات أسفرت عن الاستيلاء على عدد من المركبات القتالية والعتاد الحربي، بعد دحر (قوات الدعم السريع)».

وفي السياق، نفت منصات إعلامية تابعة لقوات «تأسيس» بقيادة «قوات الدعم السريع»، ما يُتداول من معلومات بشأن فك الحصار عن مدينة الدلنج؛ ثانية كبرى مدن جنوب كردفان، التي تقع تحت سيطرة الجيش السوداني.

وكانت «الحركة الشعبية لتحرير السودان - شمال» بقيادة عبد العزيز آدم الحلو، المتحالفة مع «الدعم السريع»، دعت الجيش السوداني إلى تسليم مدينتي الدلنج وكادوقلي؛ عاصمة ولاية جنوب كردفان.

واندلعت الحرب بين الجيش السوداني و«قوات الدعم السريع» منذ أكثر من 28 شهراً، وأدت إلى مقتل عشرات الآلاف، وتهجير أكثر من 14 مليون شخص من منازلهم.


شرق السودان... خمس حركات مسلحة تختار الحياد

تخريج دفعات جديدة من مقاتلي «حركة تحرير الشرق» (فيسبوك)
تخريج دفعات جديدة من مقاتلي «حركة تحرير الشرق» (فيسبوك)
TT

شرق السودان... خمس حركات مسلحة تختار الحياد

تخريج دفعات جديدة من مقاتلي «حركة تحرير الشرق» (فيسبوك)
تخريج دفعات جديدة من مقاتلي «حركة تحرير الشرق» (فيسبوك)

قبل أيام، وقعت 5 فصائل مسلحة، ذات ثقل اجتماعي مؤثر في شرق السودان، على ميثاق تحالف «شرق السودان»، الذي نأى بنفسه عن الدخول إلى جانب الجيش السوداني في حربه ضد «قوات الدعم السريع».

هذا الموقف الصريح بث «مخاوف جدية» من استغلال هذا الوضع ذريعة من قِبَل بعض الجهات وتحويل الخلافات السياسية إلى صراعات مسلحة بين مكونات الإقليم، ما يبقي نفوذ القوة بيد مجموعات قبلية عرفت بولائها للسلطة القائمة في بورتسودان.

حسب قيادات سياسية مؤثرة في الإقليم تحدثت لــ«الشرق الأوسط»، فإن المشهد المحلي يظل هشاً، بوجود تكتلين: التحالف الجديد (مجموعة الخمس)، في مقابل تكتل آخر بقيادة ناظر عموم قبيلة الهدندوة، محمد الأمين «ترك»، الحليف الرئيسي للجيش والإسلاميين، مع تموضع «الجبهة الشعبية» وذراعها العسكرية «الأورطة الشرقية»، بقياة الأمين داوود، في تحالف «الكتلة الديمقراطية» الموالية للجيش.

قائد قوات حركة «تحرير شرق السودان» إبراهيم عبد الله دنيا (فيسبوك)

قوات الحركات الموقعة على الميثاق مؤخراً تأسست وتدربت في الأراضي الإريترية، وينتمي معظم أفرادها إلى قبائل وعشائر قومية البجا، وهي: الهدندوة والبني عامر والأمرار والجيملاب والرشايدة. وجميع هذه المكونات تربطها علاقة وثيقة بالرئيس أسياس أفورقي، ومع أن كل هذه الخطوات تمت بتنسيق بين إريتريا والجيش السوداني، فإن ذلك الارتباط يثير قلقاً داخلياً من تمدد النفوذ الإريتري في السودان.

ورأت المصادر، التي فضل بعضها عدم الكشف عن هويته لحساسية القضية، أن التحالف فرض واقعاً جديداً، وإن كان ما زال غير واضح الملامح، إذ استطاع حصد تأييد شعبي «غير مسبوق»، في إشارة إلى التفاعل الكبير مع خطاب قائد قوات «حركة تحرير الشرق»، إبراهيم عبد الله، المعروف باسم «عبد الله دنيا».

وعزت المصادر هذا القبول الواسع إلى مخاطبة قضايا قديمة متجددة بخصوص التهميش السياسي والاقتصادي لشرق السودان من قِبَل السلطة المركزية الحاكمة في البلاد، بالإضافة إلى رفض إقحام الإقليم في الحرب الدائرة حالياً، مع أن ثمة مواقف لتيارات أخرى تتحدث عن أن الشرق بأسره يصطف خلف الدولة السودانية وعلى رأسها مؤسسة القوات المسلحة.

حشود تستمع لخطاب قائد قوات حركة «تحرير شرق السودان» إبراهيم عبد الله دنيا (فيسبوك)

ويتخذ الجيش السوداني من بورتسودان، أكبر مدن شرق السودان، عاصمةً بديلةً، وأصبحت مقراً لقائد الجيش ورئيس «مجلس السيادة الانتقالي»، الفريق أول عبد الفتاح البرهان.

رفض الحرب

لكن «عبد الله دنيا» في خطابه بمناسبة الذكرى الثانية لتأسيس «حركة تحرير الشرق» بمنطقة شبوب في مدينة كسلا، وفي مناسبات أخرى متتالية، تحدث بلهجة حاسمة أن حركته ترفض أن يكون إقليم الشرق جزءاً أو وقوداً من حرب لم يتسبب فيها، إذ قال: «دربنا قواتنا لحماية إقليمنا ومواردنا وأراضينا... وأن نحكم أنفسنا بأنفسنا لأننا جديرون بذلك».

مسيرة في بورتسودان مؤيدة للجيش السوداني (أرشيفية - أ.ف.ب)

الظهور القوي لقائد الحركة لقى رواجاً في منصات التواصل الاجتماعي، لكنه أثار المزيد من الجدل بتحديه سلطة الجيش بقوله: «نحن جاهزون ولدينا جيوش جرارة... وسنقتلع حقوقنا بالقوة». وتطرق «دنيا» إلى التنافس الدولي الإقليمي في السيطرة على البحر الأحمر وممراته الحيوية ومواني السودان، وقال: «إن أهل الشرق أصحاب الحق التاريخي، وأي ترتيبات بشأنه يجب أن يكونوا شركاء أساسيين». مشدداً على أن التحالف تعاهد بعدم السماح لأي جهة بإثارة الفتن بين مكونات الشرق وتحويله لساحة للفوضى والاقتتال خدمةً لأجندات خارجية ومصالح ضيقة تحت شعارات زائفة.

وأضاف في خطابه: «نتابع الجهود الرامية عبر (الرباعية الدولية) وجهود المملكة العربية السعودية، ونرى ضرورة عاجلة لإنهاء معاناة الشعب السوداني ووقف نزيف الدم، نرحب بكل مبادرة جادة لتحقيق السلام».

ومنذ سنة 2019 شهدت مدن شرق السودان (القضارف وخشم القربة وبورتسودان وحلفا الجديدة وكسلا) حوادث ومواجهات عنيفة بين مجموعاتٍ من مكونات الإقليم الاجتماعية، وقع ضحيتها العشرات من المدنيين والعسكريين، بتدخل أيادي النظام السابق بعد سقوط الرئيس عمر حسن البشير مباشرةً في مايو (أيار) 2019، بالإضافة للخلافات السياسية حول «اتفاق جوبا» للسلام الموقع في أكتوبر (تشرين الأول) 2020، الذي كان يتضمن مساراً خاصاً بالإقليم.

البرهان وآبي أحمد خلال اجتماع في بورتسودان (أرشيفية - مجلس السيادة السوداني)

وكان «المجلس الأعلى لنظارات البجا والعموديات» بقيادة ناظر قبيلة الهدندوة، محمد الأمين ترك، قد قاد حراكاً بالتحالف مع القادة العسكريين، عبر إغلاق ميناء بورتسودان والطرق الرئيسية لخنق الحكومة الانتقالية، برئاسة عبد الله حمدوك، ما مهد الطريق لانقلاب 25 أكتوبر 2021.

تحالف استراتيجي

يعد التحالف الجديد التكتل العسكري والاجتماعي الأكبر الذي يضم شخصيات نافذة لها ثقل قبلي مؤثر في الشرق، أبرزها رئيس مؤتمر البجا، موسى محمد أحمد؛ و«الحركة الوطنية للعدالة والتنمية» التي يتزعمها محمد طاهر بيتاي، وهو رجل دين له نفوذ واسع ينحدر من قبيلة الجميلاب التي كانت جزءاً من نظارة قبيلة الهدوندة قبل أن تنفصل لنظارةٍ مستقلة، وتتمركز قواته في منطقة همشكوريب شمال شرقي كسلا؛ وقائد قوات «حركة تحرير الشرق»، إبراهيم دنيا. هذا التحالف، حسب المصادر السياسية، يمثل محاولة لإعادة التموضع عسكرياً وسياسياً وميدانياً، بما يضمن رسم معادلة نفوذ قوة جديدة واستراتيجية في الإقليم، لا يمكن تجاوزها، تعيد صياغة العلاقة مع السلطة المركزية على أسس جديدة.

ويتمتع الإقليم الشرقي بموقع جغرافي استراتيجي بالغ الحساسية، ويمتلك السوداني ساحل على البحر الأحمر يبلغ أكثر من 853 كيلومتراً، تقع عليه مواني بورتسودان وسواكن، وتتاخم ولاياته الثلاث (القضارف وكسلا البحر والأحمر) كلاً من إريتريا وإثيوبيا ومصر بحدود برية مفتوحة. هذا الموقع يجعل من الإقليم ذا بُعد استراتيجي لهذه الدول، حيث إن أي توترات أمنية وعسكرية تلقي بظلالها مباشرة عليها، إضافة إلى تأثير التوترات الإقليمية بين هذه الدول في ملفات أخرى مثل المواني وسد النهضة، ما يجعل شرق السودان ملفاً أمنياً مهماً.

وقال الناطق الرسمي باسم «تحالف القوى المدنية لشرق السودان»، صالح عمار: «نختلف مع المجموعات العسكرية في حمل السلاح، ونطالب بتكوين جيش واحد يمثل كل السودانيين، لكننا نرحب بأي خطوة تؤدي إلى وحدة أهل الشرق عبر المصالحات والتفكير الإيجابي نحو المستقبل».

وأضاف عمار، وهو مرشح سابق للحكومة الانتقالية لولاية كسلا: «هناك نقاط إيجابية في الخطابات التي قدمها القادة العسكريون لحركات الشرق، برفضهم الحرب والانحياز للسلام، وتأييد مبادرة (الرباعية الدولية) ورفض تفكيك السودان والمطالبة بحقوق الإقليم». وأشار إلى أن هذه المضامين الإيجابية للخطابات وجدت ترحيباً من كل مكونات الشرق والسودان.

مطار بورتسودان (أرشيفية - وكالة السودان للأنباء)

ارتباطات إقليمية

ازدياد عدد هذه الحركات لم يأتِ بمعزل عن تفاهمات غير معلنة مع القوات المسلحة السودانية والاستخبارات العسكرية، في سياق ترتيبات أمنية فرضتها الحرب. إضافة إلى تقاطعات إقليمية مع إريتريا، التي سمحت لبعض هذه الحركات باستخدام أراضيها لإقامة معسكرات تدريب وتمركز.

وتتمركز «الجبهة الشعبية للتحرير والعدالة» في منطقة «قرمايكا» داخل الأراضي الإريترية، فيما يوجد كل من «الحركة الوطنية للعدالة والتنمية» و«مؤتمر البجا» في منطقة لوكيب داخل إريتريا، في المقابل، تتخذ «حركة تحرير شرق السودان» مدينة كسلا مقراً لها.

وأثارت العلاقة بين هذه الحركات المسلحة ودولة إريتريا جدلاً واسعاً في الأوساط السياسية، خصوصاً مع تكرار تقارير تتحدث عن تنسيق لوجيستي وأمني، وفتح قنوات اتصال مباشرة، في إطار ما تصفه مصادر إقليمية بأنه «ترتيبات أمن حدودي» في ظل هشاشة الوضع السوداني. وتحتفظ إريتريا بتاريخ طويل من التأثير في ملفات شرق السودان، وتسعى إلى إدارة المخاطر الأمنية على حدودها الغربية، في وقت يخشى فيه سودانيون من أن يؤدي هذا الانخراط إلى تعقيد المشهد وزيادة الاستقطاب داخل الإقليم.

مساندة الجيش

وأعلن نائب رئيس «الجبهة الشعبية للتحرير والعدالة»، جعفر محمد الحسن، إن قوات الجبهة في الأورطة الشرقية استجابت منذ اندلاع الحرب لمساندة الجيش السوداني ضد مشروع «قوات الدعم السريع» في تجريف الدولة السودانية، وأضاف: «أن انحيازنا لمشروع الدولة الوطنية وليس لفكرة الحرب في حد ذاتها، ونحن مع السلام العادل وبندقية واحدة في البلاد وفي إطار ذلك عملنا ترتيبات مع الجيش وأفرادنا يقاتلون إلى جانبه».

وقال: «نحن مع أي شخص يُطالب بحقوقهِ. ويجب الاستماع لكل الأصوات وإدارة حوار معها بدلاً من شيطنتها... إننا نطرح مشروعاً يخاطب قضايا الإقليم جغرافياً، ويتبنى حلولاً من ضمن حل أزمة السودان ككل... إن المخاوف من حصول ارتدادات واستقطاب أمر طبيعي، ولكن نحن مطمئنون إلى أن كل مكونات الشرق الاجتماعية ونظارات قبائل البجا مؤيدة للجيش ولن يسمحوا بأي استقطاب ينسف الاستقرار المجتمعي».

موقف تكتيكي

ورأى مصدر مطلع من تيار آخر في شرق السودان، طلب أيضاً عدم الكشف عن اسمه، أن تحالف «الحركات الخمس» موقف تكتيكي ومناورات سياسية في إطار الصراع على السلطة والنفوذ، يمكن أن يتغير هذا الموقف في أي لحظة، محذراً من وصول الأوضاع في الشرق إلى نقطة حرجة ما لم يتدارك قادته كيفية التعامل بحكمة لتجاوز خلافاتهم.

وأوضح أن موقف التحالف ليس ضد الجيش السوداني، وحسب تصريحات قادته فإنهم يرفضون جر الشرق إلى الحرب، مشيراً إلى أن قواتهم تأسست لحماية الإقليم من «قوات الدعم السريع» أو أي تدخل خارجي عسكري.

وقال إن التخوف الأكبر أنْ تستغل بعض الجهات الداخلية التطورات الأخيرة، وتحريك أدواتها المحلية بإثارة خطاب الكراهية والعنصرية والاقتتال الأهلي، لتفجير الأوضاع في الشرق، مثلما حدث في سنوات سابقة، بهدف أن تظل مسيطرة على نفوذ القوة في الإقليم. وحسب المصادر ذاتها، تبدو المؤشرات واضحة على أن الوضع في شرق السودان مرشح نحو مزيد من التوترات السياسية وتباين المواقف، لاختلاف أجندات ومصالح الفاعلين من حاملي السلاح. قد لا تصل هذه التوترات إلى المواجهة العسكرية بين المكونات الاجتماعية، لكنها قد تحدث تغيرات كبيرة في «موازين القوى» وإعادة رسم مسارات السلطة بقوى عسكرية وسياسية جديدة.