صلاح عبد الله لـ«الشرق الأوسط»: خجلي أبعدني عن الحفلات الفنية

لن يعود إلى المسرح حالياً لانشغاله بالمسلسلات

الفنان المصري صلاح عبد الله (حسابه في «فيسبوك»)
الفنان المصري صلاح عبد الله (حسابه في «فيسبوك»)
TT

صلاح عبد الله لـ«الشرق الأوسط»: خجلي أبعدني عن الحفلات الفنية

الفنان المصري صلاح عبد الله (حسابه في «فيسبوك»)
الفنان المصري صلاح عبد الله (حسابه في «فيسبوك»)

شهدت ثمانينات وتسعينات القرن الماضي تألّق الفنان المصري صلاح عبد الله على المسرح، حيث قدّم عروضاً متنوّعة، حقّقت نجاحاً لافتاً، ما حمّس «المهرجان القومي للمسرح المصري» لتكريمه في دورته المقرّرة إقامتها من 29 يوليو (تموز) الحالي إلى 14 أغسطس (آب) المقبل.

لكن عبد الله اعترض على التكريم بداية، مبرراً ذلك بالقول: «تنتمي مسيرتي المسرحية التي يعرفها الجمهور، بغالبيتها، إلى القطاع الخاص، لذلك اعتذرت عن فكرة التكريم من الأساس».

صلاح عبد الله صاحب مسيرة فنية طويلة (حسابه في «فيسبوك»)

وفي حواره مع «الشرق الأوسط»، يوضح سبب اعتذاره الذي تراجع عنه لاحقاً: «أشعر بالخجل خلال حضور الحفلات الفنية والسير على السجادة الحمراء، لذلك لا أحبذّ الظهور كثيراً في المهرجانات. على عكس الممثل في داخلي الذي يتحلّى بجرأة لافتة خلال التمثيل. ثمة فارق شاسع بين التمثيل وحياتي الشخصية، لكن إصرار رئيس المهرجان محمد رياض على تكريمي كان دافعاً للعدول عن قراري».

يتابع: «ثمة أعمال لا يعرفها الجمهور لعدم عرضها على الشاشة الصغيرة، وهي كانت المغزى وراء تكريمي، فقد قدّمتها هاوياً قبل احتراف التمثيل، بجانب إخراج عروض للثقافة الجماهيرية في فرقة الجامعة ونادي وفرقة (بولاق الدكرور)، وجامعة القاهرة والمحافظات أيضاً».

صلاح عبد الله وفريق «ليه لأ 3» في كواليس العمل (حسابه في «فيسبوك»)

يَعُدُّ عبد الله عدم تصوير المسرحيات تلفزيونياً «طمساً للعمل»، ويشرح: «لدي أعمال حقّقت نجاحاً كبيراً، إلا أنها لم تصل جميع الناس، مثل مسرحيتَيْ (امسك حكومة) و(شباب روش)؛ على عكس مسرحية (حمري جمري) مثلاً. فرغم عدم بثّها تلفزيونياً بشكل متكرّر، فإنّ انتشارها عبر شرائط الفيديو أفادها كثيراً».

وعن رصيده المسرحي، يعلّق: «أقدِّر أنه يتجاوز الـ50 عرضاً. فقد قدّمتُ أعمالاً عُرضَت على مدار سنوات متتالية، من بينها مسرحيتا (فيما يبدو سرقوا عبده) و(حودة كرامة) التي ظلّت تُعرض لـ6 سنوات. الأمر لا يقاس بالعدد إنما بسنوات العرض والانتشار».

ويؤكد أنّ أعماله مع الفنان محمد صبحي والكاتب لينين الرملي شكّلت علامة فارقة في مشواره المسرحي، خصوصاً العروض التي بُثّت تلفزيونياً، منها مسرحية «الهمجي» وعروض قدّمها مع الفنان أحمد آدم الذي وصفه بـ«رفيق الدرب».

صلاح عبد الله يتحدّث عن جرأة الممثل وخجل الإنسان (حسابه في «فيسبوك»)

كذلك ذكر سبب ابتعاده عن المسرح منذ 20 عاماً: «توقفتُ في عام 2003 لضعف الإقبال بشكل ملحوظ. فمن المتعارف عليه أنّ حركة السينما مع المسرح هي حركة عكسية، فعندما تنتعش السينما ينكمش المسرح، والعكس صحيح. خلال هذه الفترة، انتعشت السينما ودور العرض، مقابل ارتفاع أسعار ارتياد المسرح، هذا بجانب شعوري بالاكتفاء وتكاثُر العروض السينمائية والتلفزيونية، فوجدتُ صعوبة في الاستمرار المسرحي، ولا نية لدي للعودة إلى الخشبة مجدداً. في الوقت عينه، لا أعرف ماذا تخبئ الأيام، فلربما أجد عرضاً يجذبني».

ينوّه صلاح عبد الله بالعلامات الفارقة في مسيرته، منها فيلم «مواطن ومخبر وحرامي»، ومسلسلات «سنبل بعد المليون» و«ذئاب الجبل»، و«الملك فاروق»، و«الدالي»، و«عائلة الحاج نعمان»، و«الريان»، و«ريا وسكينة» الذي جمعته من خلاله ذكريات وصفها بالرائعة مع الراحل سامي العدل، مشيداً بكواليسه الزاخرة بالمناقشات الفنية.

يُكمل حديثه باستعادة ذكرياته مع نور الشريف: «يمثّل لي بوصلة الفن، فقد عملتُ معه منذ البدايات، ولا أنسى وقوفه إلى جانبي. معاً، تشاركنا أفلام (131 أشغال)، و(في قلب الليل)، و(كتيبة الإعدام)، وجمعنا فيلما (دم الغزال) و(مسجون ترانزيت) ومسلسل (الدالي)، وغيرها...».

عن مشاركته في مسلسل «ليه لأ 3» (شاهد)، يعلّق: «العمل صنع حالة خاصة، وأحدث تفاعلاً كبيراً بطرحه قضايا حساسة شعرنا سابقاً بالحرج عند مناقشتها، وكانت خطاً أحمر لا يمكن الاقتراب منه. اللافت أننا نحصد ردود أفعال رائعة ومبشّرة».



جينا أبو زيد: لا بدَّ من إتاحة الفرص أمام كتَّاب الدراما الشباب

جينا أبو زيد تُطل بشخصية «ياسمين» سيدة الأعمال والمرأة الأنيقة
جينا أبو زيد تُطل بشخصية «ياسمين» سيدة الأعمال والمرأة الأنيقة
TT

جينا أبو زيد: لا بدَّ من إتاحة الفرص أمام كتَّاب الدراما الشباب

جينا أبو زيد تُطل بشخصية «ياسمين» سيدة الأعمال والمرأة الأنيقة
جينا أبو زيد تُطل بشخصية «ياسمين» سيدة الأعمال والمرأة الأنيقة

تخوض الممثلة جينا أبو زيد تجربة جديدة من خلال شخصية «ياسمين» في المسلسل المُعرَّب «حب عَ ورق»، حيث تُطل لأول مرة في دور يمزج بين الكوميديا والجدية. وتؤكد، في حديثها إلى «الشرق الأوسط»، أنها تحرص على الابتعاد عن تكرار الشخصيات، وتسعى دائماً إلى اختبار مساحات تمثيلية مختلفة.

وعن هذه المرحلة من مسيرتها، تقول: «أؤمن بأن النجاح نتيجة الاجتهاد، إلى جانب الحظ. وكل فرصة أحصل عليها تدفعني إلى بذل جهد أكبر لإثبات نفسي، والاستفادة منها بأفضل شكل».

وعن رؤيتها مستقبل الدراما، ترى جينا أن القطاع يحتاج إلى إفساح المجال أمام جيل جديد من الكتَّاب، وتقول إنها تميل إلى الأعمال التي تعكس الواقع، مشيدةً بتجارب جورج خباز وكارين رزق الله في هذا المجال. وتضيف: «أتمنى أن تُمنح الفرصة أيضاً لكتّاب الدراما الشباب، فهم الأقدر على التعبير عن أسلوب حياة جيلهم وتقديم رؤية جديدة إلى الشاشة».

تسعى إلى تنويع اختياراتها الفنية من خلال «حب عَ ورق» (جينا أبو زيد)

وتبقى السينما المجال الذي لم تخضه بعد، وتقول: «أتمنى أن أخوض هذه التجربة قريباً، فالسينما اللبنانية تستحق دعماً أكبر، وأتطلع إلى تقديم تجربة مختلفة تضيف إلى مسيرتي».

أما عن شخصية «ياسمين»، فتصفها بأنها امرأة منظمة تُحب السيطرة على التفاصيل، لكنها تتمتع أيضاً بخفة ظل، الأمر الذي تطلب منها تحقيق توازن دقيق بين الجدية والكوميديا.

ولم يقتصر التغيير على الأداء، بل شمل أيضاً إطلالتها؛ إذ اعتمدت «لوك» جديداً صُمِّم بما يتناسب مع الشخصية. وتضيف: «في أعمالي السابقة ظهرتُ بشخصيات بسيطة، أو من دون مكياج تقريباً، أما هنا فاستمتعت بهذه الإطلالة؛ لأنها عكست جانباً مختلفاً من شخصيتي الفنية، ومنحتني مساحة جديدة للنضج».

وعن دخولها عالم الكوميديا لأول مرة، تقول: «قدمت سابقاً شخصيات رومانسية، ومظلومة، وأخرى تميل إلى الشر، لكن الكوميديا كانت تجربة جديدة بالنسبة إليّ. وهي من أصعب أنواع التمثيل؛ لأنها تحتاج إلى توازن كبير حتى لا يقع الممثل في المبالغة. لذلك؛ أسعدني تفاعل الجمهور مع شخصية (ياسمين)، وأتمنى مستقبلاً تقديم شخصية شريرة أيضاً».

تُبدي إعجابها بالخلطة التمثيلية الشابة المشاركة في «حب عَ ورق» (جينا أبو زيد)

يجمع مسلسل «حب عَ ورق» مجموعة من الوجوه التمثيلية الشابة، من بينهم ممثلون يخوضون تجربتهم الدرامية الأولى. وعن هذه التجربة، تقول جينا: «أحببت هذه التوليفة؛ لأن الجميع قدم أداءً طبيعياً بعيداً عن التصنع. كما فتحت المسلسلات المعرّبة أبواباً واسعة أمام المواهب الشابة، وخلال أشهر التصوير كوَّنَّا علاقات إنسانية جميلة ما زالت مستمرة حتى اليوم». وتؤكد أن العمل شكَّل محطة مهمة في مسيرتها؛ إذ أتاح لها التعاون مع وجوه جديدة، واكتساب خبرات مهنية وإنسانية تركت لديها ذكريات مميزة.

كما أشادت بزميليها هيا مرعشلي وأنس طيارة، مؤكدة أن الأجواء الإيجابية بين فريق العمل انعكست على العمل.

وعن النسخة التركية الأصلية: «أنتَ اطرق بابي»، تكشف عن أنها شاهدت أجزاءً منها بدافع الفضول فقط، مضيفة: «أردت التعرف إلى الشخصية، لكنني لم أرغب في تقليد الأداء. فضلت أن أقدمها بطريقتي بما يناسب البيئتين اللبنانية والسورية».

تُشيد بالثنائية التي تجمعها مع الممثل رامي أحمر (جينا أبو زيد)

وتؤكد جينا أن نجاح الأعمال المُعرَّبة يكمن في جعلها أقرب إلى المشاهد العربي، مضيفة: «نجح الكاتب في تكييف الحكاية مع واقعنا، فبدت الشخصيات وسلوكها أصدق، وأقرب من الجمهور».

وفي المسلسل، تجمع «ياسمين» علاقة خاصة مع «كريم»؛ الشخصية التي أداها رامي أحمر، لكنها تكتفي بالقول إن تطور الأحداث سيكشف عن أبعاد هذه العلاقة وجوانب أخرى من شخصيتها.


«لحظة واحدة»... «ديودراما» مصرية تُجدد الشغف بالمسرح

العرض يتضمن حواراً ثنائياً في قالب الديودراما (الشرق الأوسط)
العرض يتضمن حواراً ثنائياً في قالب الديودراما (الشرق الأوسط)
TT

«لحظة واحدة»... «ديودراما» مصرية تُجدد الشغف بالمسرح

العرض يتضمن حواراً ثنائياً في قالب الديودراما (الشرق الأوسط)
العرض يتضمن حواراً ثنائياً في قالب الديودراما (الشرق الأوسط)

ينتقد العرض المسرحي «لحظة واحدة» أوضاع المسرح المصري وغياب الجمهور عنه، من خلال بطلته التي تُجسد دور ممثلة كبيرة تشعر بغربة بين ماضٍ كان يشهد زحاماً بالمسرح، وعرضها الأخير الذي لم يحضره سوى 3 أشخاص، ما جعلها توجه صرخة ضمن مشاهد المسرحية تقول فيها: «المسرح مات وأنا أيضاً لا بد أن أموت».

العرض الذي ينتمي إلى فئة «الديودراما»، التي تقوم على اثنين فقط من الممثلين، تؤدي بطولته الفنانة ماجدة منير والممثل الشاب إسلام شوقي، وهو من تأليف وإخراج يوسف مراد منير، ويُعرض بقاعة «صلاح جاهين» بمسرح البالون. وفيه تنتاب الممثلة الكبيرة «سميرة» حالة من اليأس جرّاء ظروف تُحيط بها، تعرضها لنوبات من الإحباط؛ حيث تتفاقم عليها مصاعب الوحدة وتعيش على ذكريات حبها وعملها مع زوجها المخرج الراحل، في حين تواجه تهديداً بالطرد من الشقة التي تحمل كل ذكرياتها لعدم قدرتها على دفع الإيجار، وتتدهور أحوالها في العمل، وتروي كيف تجرأ منتج عليها، وترى أنه لم يعد أحد يهتم بالآخر، فكل شخص مشغول بحاله، وتتذكر أنه في آخر عرض مسرحي لم يحضر سوى 3 أشخاص فقط من الجمهور. وبينما هي تجتر أحزانها تجد نفسها في مواجهة «ملك الموت» الذي جاء يقبض روحها، تستمهله لحظة واحدة تتحول إلى لحظات، تستعيد خلالها ذكرياتها الحلوة، حين التقت زوجها وقصة حبهما وعملهما معاً بنجاح قبل أن يتركها وحيدة.

بطلا العرض استعادا فترات ازدهار المسرح (الشرق الأوسط)

يُقدّم العرض تحية للمسرح المصري؛ إذ تستعيد الممثلة خلاله مشاهد من أعمال مسرحية خالدة لشكسبير وكبار المؤلفين، كما تشارك بطل العرض أداء عدد من الأغنيات الراسخة في تاريخ المسرح المصري، من أعمال فؤاد المهندس ومدبولي وشادية، إلى جانب قصيدة صلاح جاهين «على اسم مصر» وأوبريت «الليلة الكبيرة». وقد تفاعل الجمهور بحماس مع هذه الفقرات الغنائية، كما تفاعل مع المواقف الكوميدية التي حملتها المسرحية.

يقول المخرج يوسف مراد منير إنه أراد من خلال العرض أن يلفت الانتباه إلى ما يواجهه المسرح المصري في الآونة الأخيرة، وما يواجهه الممثلون الكبار والشباب على حد سواء. ويضيف لـ«الشرق الأوسط» أن «الفكرة عكست رسالة حب للمسرح الذي أثّر في وجدان الجمهور على مدى أجيال»، مؤكداً أنه عاش فترات ازدهار المسرح؛ حيث كان يصطحبه والده المخرج مراد منير معه، ورأى كيف يتسابق كبار النجوم على تقديم عروضه، فيما يواجه حالياً أزمات كثيرة، من بينها إلغاء بند الدعاية من ميزانيات العروض المسرحية، عادّاً العرض «صرخة في مواجهة أوضاع المسرح حالياً»، على حد تعبيره.

ويُشير يوسف إلى أن فكرة التعامل مع الفنان حين يكبر عاشها في الواقع من خلال والدته الفنانة الراحلة فايزة كمال، وعن ذلك يقول: «كان صناع الأعمال الدرامية قبل مرضها يطلبونها في أدوار هامشية، وبأجور مهينة، وهذا الأمر أثر عليَّ؛ لذا طرحته من خلال المسرحية».

ويلفت إلى أن بطلة العرض الفنانة ماجدة منير لم تقدم مسرحيات منذ 15 عاماً، لأنها لم تجد ما يناسبها، وتحمست لهذا النص، وأن الممثل إسلام شوقي الذي يقدمه لأول مرة على مستوى الاحتراف سبق أن قدم أعمالاً كثيرة حاز عنها جوائز ضمن عروض معهد الفنون المسرحية الذي يعمل معيداً به.

ويؤكد يوسف أنه حرص على «تقديم عرض يحقق أيضاً المتعة من خلال المواقف الكوميدية ليكون جاذباً للجمهور، ونحن نسخر من أزماتنا كعادة المصريين»،

المسرحية حملت لحظة يأس ومفارقات كوميدية (الشرق الأوسط)

وحسب الناقدة الدكتورة سامية حبيب فإن مسرحية «لحظة واحدة» تُثير حالة من الشجن واجترار الألم، في حين يطرح العرض مقتطفات فنية من عروض مسرحية وأشعار وأغنيات، ما يخلق تنوعاً في الحدث، مؤكدة أن الفنان يعيش دائماً بين أعماله الفنية التي أثَّرت في تكوينه، وأن العمر لم يذهب هباءً رغم أن بطلته تشعر بعكس ذلك.

وتشيد سامية حبيب بأداء الفنانة ماجدة التي عبّرت في لوحات العرض عن شعور فنانة في نهاية العمر، قائلةً لـ«الشرق الأوسط»: «هذا ليس جديداً عليها؛ لأنها ممثلة كبيرة حققت تاريخاً طويلاً في المسرح، وبشكل خاص عروض الثقافة الجماهيرية»، كما ترى أن الممثل إسلام شوقي كان مفاجأة العرض؛ حيث يتمتع بحضور لافت وروح كوميدية في تقديمه شخصية «ملك الموت» الذي يصبح مصدراً لسعادة بطلة العرض.

كما تلفت سامية حبيب إلى أن الموسيقى كانت من العناصر الجميلة التي منحت العرض حيوية. وأشادت الناقدة الفنية بموهبة المخرج يوسف مراد منير، وقالت إن له تجارب سابقة حصلت على جوائز عدة، مثل «سجن النسا»، وعدّته مخرجاً واعداً قادراً على توصيل أفكاره بسلاسة ووضوح.


العلاقات الإنسانية تصنع السعادة أكثر من المال

الأشخاص الذين يتمتعون بعلاقات اجتماعية قوية ومُرضية يكونون أكثر سعادة (جامعة أبيريستويث)
الأشخاص الذين يتمتعون بعلاقات اجتماعية قوية ومُرضية يكونون أكثر سعادة (جامعة أبيريستويث)
TT

العلاقات الإنسانية تصنع السعادة أكثر من المال

الأشخاص الذين يتمتعون بعلاقات اجتماعية قوية ومُرضية يكونون أكثر سعادة (جامعة أبيريستويث)
الأشخاص الذين يتمتعون بعلاقات اجتماعية قوية ومُرضية يكونون أكثر سعادة (جامعة أبيريستويث)

كثيرون يعتقدون أن المال والنجاح المهني والشهرة هي مفاتيح السعادة، لكن نتائج واحدة من أطول الدراسات العلمية التي تابعت حياة البشر على مدى نحو 9 عقود تشير إلى أن العامل الأكثر تأثيراً في حياة سعيدة وصحية هو العلاقات الإنسانية القوية.

وكشفت دراسة أجراها باحثون في جامعة هارفارد الأميركية، انطلقت عام 1938 أن الأشخاص الذين يتمتعون بعلاقات اجتماعية قوية ومُرضية يكونون أكثر سعادة، ويتمتعون بصحة أفضل، ويعيشون لفترة أطول مقارنة بغيرهم، حسب مجلة «Real Simple» الأميركية.

وتابعت الدراسة مئات المشاركين على مدار عقود، وجمعت بيانات عن صحتهم الجسدية والنفسية، وعلاقاتهم الاجتماعية، وظروفهم المعيشية، بهدف تحديد العوامل التي تؤثر في جودة الحياة مع التقدم في العمر.

وخلال العقود الثلاثة الأخيرة، لاحظ الباحثون وجود ارتباط وثيق بين جودة العلاقات الاجتماعية ومستوى السعادة. ورغم أن الدراسة لا تثبت بشكل قاطع أن العلاقات هي سبب السعادة، فإنها تلمح إلى أنها مؤشر أقوى من الثروة أو الشهرة أو النجاح المهني أو الذكاء أو حتى العوامل الوراثية.

كما أظهرت النتائج أن الأشخاص الذين كانوا أكثر رضا عن علاقاتهم في منتصف العمر عاشوا لفترات أطول.

وتقول الدكتورة سينثيا فيجار، اختصاصية علم النفس السريري في الولايات المتحدة، إن المشاركين الذين أبدوا رضا أكبر عن علاقاتهم في منتصف العمر كانوا أكثر صحة في مراحلهم العمرية اللاحقة، كما أظهروا قدرة أكبر على التعافي من الأمراض. وأضافت أن الدراسة كشفت أيضاً أن مستوى الرضا عن العلاقات عند سن الخمسين كان مؤشراً أدق للتنبؤ بالحالة الصحية عند بلوغ الثمانين من مستوى الكوليسترول في الدم.

في المقابل، توصلت الدراسة إلى أن الوحدة والعزلة الاجتماعية ترتبطان بزيادة خطر الإصابة بالأمراض الجسدية، والتدهور المعرفي، واضطرابات الصحة النفسية، فضلاً عن انخفاض متوسط العمر.

وتوضح الدكتورة جينا راديس-فيلا، كبيرة الاختصاصيين النفسيين في مركز «جيرسي شور» الطبي الجامعي بالولايات المتحدة، أن العلاقات عالية الجودة تمثل أقوى مؤشر على السعادة والصحة وطول العمر. وأشارت إلى أن الشعور بالأمان والدعم الاجتماعي يساعد على تقليل استجابة الجسم للتوتر، ويخفض مستويات هرمون الكورتيزول، ما ينعكس إيجاباً على الصحة العامة.

وأكدت أن نوعية العلاقات أهم بكثير من عددها، موضحة أن وجود مجموعة صغيرة من الأصدقاء المقربين الذين تجمعهم الثقة والدعم المتبادل أكثر فائدة من امتلاك شبكة واسعة من المعارف والعلاقات السطحية. وأضافت أن العلاقات القوية تؤدي دوراً محورياً في مواجهة الأزمات، مثل فقدان الوظيفة، أو وفاة شخص عزيز، أو الإصابة بمرض خطير، إذ توفر دعماً نفسياً يساعد على تجاوز هذه المحطات الصعبة.

من جانبها، تقول الدكتورة كات جراسيتي، اختصاصية علم النفس السريري في الولايات المتحدة، إن العلاقات الصحية لا تعني غياب الخلافات، بل تقوم على الثقة والاحترام المتبادل، والشعور بالأمان في التعبير عن المشاعر، بما فيها السلبية، مع القدرة على معالجة الخلافات بدلاً من تجنبها. وأضافت أن الشعور بالقبول والدعم من الآخرين يعزز قدرة الإنسان على مواجهة الضغوط، ويجعله أقل عرضة للإحساس بالعزلة، حتى في أصعب الظروف.

وتوصي الدراسة بإعطاء الأولوية للسلوكيات التي تعزز جودة العلاقات، مثل التحلي باللطف، والحضور الذهني أثناء قضاء الوقت مع الأحباء، ومعالجة الخلافات بدلاً من تجاهلها، والتعبير المستمر عن الامتنان والمشاعر الإيجابية.

وخلصت الدراسة إلى أن بناء علاقات إنسانية متينة قد يكون الاستثمار الأهم في حياة الإنسان، إذ يفوق أثره المكاسب المادية والنجاحات المهنية، ويمنح صاحبه فرصاً أكبر للتمتع بصحة أفضل وسعادة تدوم لسنوات طويلة.