بودكاست «الدوقة»... من أجل إنقاذ القلعة

لقاءات مع سيدات أرستقراطيات حول الحفاظ على القصور التاريخية في بريطانيا

مسلسلات «التاج» و«داونتون آبي» جذبت السياح للبيوت التراثية وهو ما يسهم في تمويل إدارتها (أليس زوو/ نيويورك تايمز)
مسلسلات «التاج» و«داونتون آبي» جذبت السياح للبيوت التراثية وهو ما يسهم في تمويل إدارتها (أليس زوو/ نيويورك تايمز)
TT

بودكاست «الدوقة»... من أجل إنقاذ القلعة

مسلسلات «التاج» و«داونتون آبي» جذبت السياح للبيوت التراثية وهو ما يسهم في تمويل إدارتها (أليس زوو/ نيويورك تايمز)
مسلسلات «التاج» و«داونتون آبي» جذبت السياح للبيوت التراثية وهو ما يسهم في تمويل إدارتها (أليس زوو/ نيويورك تايمز)

في الشهر الماضي، جلست إيما، دوقة روتلاند، في غرفة الرسم ووازنت بين إيجابيات وسلبيات المعيشة في تلك البقعة مترامية الأطراف. وتحديداً قلعة Belvoir، وتُنطق «بيفر»، وهي عبارة عن بقعة ضخمة وجميلة من الروعة تحتشد على قمة تل مشجرة في الريف الإنجليزي، وتضم أكثر من 356 غرفة وأبراجاً ضخمة على الطراز القوطي الجديد وبُريجات صغيرة. كانت القلعة محل إقامة العائلة منذ القرن السادس عشر.

تقول الدوقة إيما: «إنها رائعة بالطبع، ونحن محظوظون بشكل لا يصدَّق، ولكن لا يمكن أبداً أن تعرف تماماً من يعيش معك هنا». وأضافت: «لا توجد خصوصية بالطريقة التي قد يتوقعها معظم الناس من منازلهم. ولا تجعلوني أبدأ بذكر الأشباح».

إيما مانرز دوقة روتلاند بقلعة بيفر في ليسترشاير-إنجلترا (أليس زوو/ نيويورك تايمز)

كيف تمول قلعة تراثية؟

هناك سكرتير خاص كان يتجول حاملاً علماً عملاقاً يحتاج إلى إصلاح قبل أن يرفرف فوق سطح القلعة الذي تبلغ مساحته 2.5 فدان. وفي الطابق السفلي، كانت قاعة الشاي بالقلعة تعجّ بالسيّاح الذين يلتقطون عينات من كعكات المربى المصنوعة في ضيعة بيفر. وفي مكان قريب، عبرت مجموعة من الشاحنات الصغيرة ساحة مليئة بالعقبات من فعالية (Tough Mudder) لقوة التحمل التي نُظمت مؤخراً. بالنسبة إلى الدوقة، المولودة باسم إيما واتكينز، كان يوماً عادياً مثل أي يوم آخر.

انتقلت ابنة المزارع من حدود ويلز، للعيش في بيفر عام 2001، عندما صار زوجها دوق روتلاند الحادي عشر، وهو أحد أقدم الألقاب الوراثية في إنجلترا. وربما ورث قلعة من الحكايات الخرافية، ولكنهم تحملوا أيضاً 12 مليون جنيه إسترليني (ما يقرب من 15.5 مليون دولار أميركي) من الضرائب المفروضة على الإرث، وعلى حد تعبير الزوجة: «هناك كتائب من الجرذان والموظفين الذين فضّلوا بوضوح الشاغلين السابقين في القلعة قبلنا».

في السنوات التالية على ذلك، وبصفتها سيدة القلعة والمديرة التنفيذية عملت الدوقة على التوسط في صفقات التصوير والفعاليات، وتسهيل عمليات الضيعة، ومباشرة مهام الترميم المكلفة حماية قلعة بيفر للجيل القادم.

في الآونة الأخيرة، ورغم تدخلات الصحف الشعبية في شؤون الترتيبات المعيشية غير التقليدية في القلعة (انفصل الدوق والدوقة قانونياً وعاشا في أجنحة مختلفة منذ عام 2012)، وحقيقة أن المنازل التاريخية في بريطانيا تشكّل على نحو متزايد جزءاً من حرب ثقافية تختمر حول كيفية إدراك البلاد ماضيها الاستعماري، فقد أظهرت الدوقة مزاجاً متزايداً لأن تكون محط الأنظار، وإن كان ذلك حسب شروطها.

تبلغ تكاليف إدراة وصيانة قلعة بيفر نحو مليون جنيه إسترليني في السنة (أليس زوو/ نيويورك تايمز)

في عام 2020، بدأت بودكاست بعنوان «الدوقة»، حيث أجرت مقابلات مع دوقات أخريات. ويبيع متجر «معرض الدوقة» في الضيعة، الملابس ذات العلامات التجارية، والسلع المنزلية. وفي العام الماضي، نشرت الدوقة كتاب «دوقة بالصدفة»، وهو سيرة ذاتية تتضمن روايات صريحة عن شؤون زوجها التسلسلية، وسلسلة من حالات الإجهاض التي عانت منها في أثناء تربية خمسة أطفال.

إنها تبلغ الآن 59 عاماً من عمرها، وتظهر كواحدة من أكثر الوجوه العامة قبولاً للطبقة الأرستقراطية في بريطانيا، في وقت يفضل فيه الكثيرون البقاء بعيداً عن الأنظار. مما يعني أنها أكثر وثوقاً من غيرها بشأن نشر الأسرار على الملأ.

المنازل العريقة وتكلفة الاحتفاظ بها

إنها أُطرُوفَة غريبة -وحمائية للغاية- من المشهد الثقافي البريطاني حيث إن الكثير من منازلها الفخمة يمكن أن تستقبل زوّاراً حتى مع بقاء العائلات التي تمتلكها قيد الإقامة. نحو ثلث المنازل التاريخية تحت رعاية الجمعيات الخيرية للحفاظ والحماية مثل «الصندوق الوطني» أو «التراث الإنجليزي»، لكن قلعة بيفر في ليسترشاير، لا تزال ملكية خاصة.

قال بن كويل، المدير العام لمؤسسة «المنازل التاريخية»، وهي مؤسسة غير ربحية تساعد في المحافظة على نحو 1500 ملكية خاصة: «فتح الكثير من المنازل أبوابها للمرة الأولى بعد الحرب العالمية الثانية، عندما استلزم الأمر العثور على مصادر دخل جديدة لتغطية فواتير الإصلاح، وعندما كانت المنازل تتعرض للهدم لأن أصحابها لم يعودوا قادرين على الاحتفاظ بها».

قلعة بيفر في ليسترشاير بإنجلترا (أليس زوو/ نيويورك تايمز)

ابتداءً من سبعينات القرن العشرين، كان تغيير القوانين بشأن الضرائب على الإرث سبباً في جعل فتح المنازل للجمهور عدداً معيناً من الأيام في كل عام أمراً مفيداً من الناحية المالية، وهو ما من شأنه أن يوفر الأموال اللازمة لتغطية تكاليف الحفاظ على التراث. (اليوم، تقدِّر مؤسسة «المنازل التاريخية» أن ممتلكاتها، مجتمعةً، تبلغ نحو 2 مليار جنيه إسترليني -نحو 2.5 مليار دولار- من متأخرات الإصلاح والصيانة).

يقول كويل: «نجد أن الزوار يحبون حقاً رؤية المنازل التاريخية التي لا يزال أصحابها يعيشون فيها، بدلاً من أن تكون قطعاً متحفية مُجردة حيث لا يعيش أحد الآن».

حتى إن البعض يقضون الليل في قلعة بيفر. غالباً ما تستضيف القلعة -التي كانت بديلاً لقلعة وندسور في مسلسل «التاج»، وظهرت في أفلام منها «شفرة دافنشي» و«فيكتوريا الشابة»- الضيوف في مناسبات نهاية الأسبوع والتقاط الصور. يمكن أن تبقى في غرف النوم الرئيسية الفاخرة، إذ جُدّد الكثير منها حديثاً، بما في ذلك غرفة مغطاة جدرانها بخلفيات مرسومة يدوياً، بالتعاون مع شركة «دي غورني».

استُخدمت قلعة بيفر لتصوير مشاهد من مسلسل «ذا كراون» (نتفليكس)

في الواقع، غالباً ما يكون الحفاظ على ورق الجدران أولوية بالنسبة للدوقة، التي كانت في وقت من الأوقات تمتهن أعمال الديكورات الداخلية (ووكيلة عقارية ومغنية في الأوبرا). إنها حجر الزاوية في مبادرتها الخيرية الجديدة بعنوان «الأصدقاء الأميركيون لقلعة بيفر»، التي سوف تستضيف حفل جمع التبرعات الافتتاحي في فندق «بريكرز» الفاخر في بالم بيتش، فلوريدا، العام المقبل.

كان الإعجاب الأميركي بالمنازل البريطانية العتيقة، الذي حفزته شعبية أعمال مثل مسلسل «التاج» و«داونتون آبي»، مهماً لشؤون القلعة المالية. وعلى أي حال، فإن تكاليف قلعة بيفر تبلغ نحو مليون جنيه إسترليني في السنة لإدارة «وقف ثابت»، كما قالت الدوقة. إنها دائماً ما تبحث عن متبرعين.

وقالت: «الأميركيون يحبون اقتفاء جذورهم ومعاني التاريخ الذي نملكه هنا. لقد كان من الرائع بكل بساطة أن يكون لدينا هذا العدد الكبير من المستمعين من الولايات المتحدة لبودكاست (الدوقة)».

لكن لماذا توافق دوقة روتلاند -التي قالت إنها لم تكن تعرف معنى «بودكاست: النشرة الصوتية» حتى عُرضت عليها الفكرة- على إجراء مقابلات مع نساء أخريات يدرن منازل فخمة، بما في ذلك «ليدي هنريتا سبنسر تشرشل» من قصر «بلنهايم»، ودوقة «أرغيل» من قلعة «إنفيراري»، والكونتيسة «سبنسر» من ضيعة «آلثروب هاوس»؟ ألم تكن قلقة من أن مشروعاً بمثل هذا الرقيّ الصارخ والنخبوي للغاية قد يرجع بنتائج عكسية؟ بدت الدوقة منصدمة من الاقتراح.

وقالت: «ولا للحظة واحدة! يمكن للناس أن يحبوني أو يكرهوني، لكنني لم أكن يوماً شخصية معنية بالتمعن في سلبيات الآخرين. كان بودكاست (الدوقة) يدور حول منح الناس لمحة من وراء الكواليس حول ما يعنيه أن تدير امرأة بمفردها أحد هذه الممتلكات الهائلة. وحقيقة أنه يمكن أن يكون عملاً شاقاً للغاية وإنما بمزيد من البهجة والمرح. لا أعتقد أنني تناولت الإفطار في السرير مرة واحدة خلال العقدين اللذين عشتهما هنا».

هاتف من الطراز القديم في قلعة بيفر (أليس زوو/ نيويورك تايمز)

كان البودكاست من بنات أفكار الابنة الكبرى للدوقة، «ليدي فيوليت مانرز»، التي توصلت للفكرة في أثناء دراستها بجامعة كاليفورنيا في لوس أنجليس. وقالت والدتها إن فيوليت شعرت بأن هناك جمهوراً تواقاً للاستماع لمثل هذه السلسلة الصوتية. فالدوقة، وهي محاورة بارعة للغاية، تضع نفسها في قالب «فتاة استعراض راقية»، حسب قولها، ومسرورة بالحضور دوماً وأداء دورها.

تقول الدوقة: «ترعرعت في مزرعة. لم أُولد باللقب الراقي أو أعرف شيئاً عن عالم التراث أو الطبقات الأرستقراطية، لكنني سوف أبذل كل ما في وسعي حتى تزدهر قلعة بيفر ما دمت أعيش هنا».

لا تزال الدوقة تؤمن بالتوريث بالأقدمية (نظام التوريث الكامل للابن الأكبر)، أو حق وراثة الابن البكر، ولا تعتقد أن أطفالها الأربعة الآخرين يريدون تحمل أعباء مثل هذا الميراث على أي حال. «ليدي فيوليت»، و«ليدي أليس»، و«ليدي إليزا»، اللواتي عُرفن في السابق باسم «الأخوات الشقيات الجميلات» بسبب حفلات لندن الصاخبة لدرجة أن جيرانهن اشتكوا إلى الصحف، يعملن الآن في مجال الاستشارات الإبداعية، والتصاميم الداخلية، بينما يعمل شقيقهن «تشارلز» في «سيتي أوف لندن»، ويدرس شقيقه «هوغو» في جامعة نيوكاسل.

* خدمة «نيويورك تايمز»


مقالات ذات صلة

لوحة «ملوك العالم» في قصير عمرة

ثقافة وفنون لوحة «ملوك العالم» في قصير عمرة

لوحة «ملوك العالم» في قصير عمرة

يقع قصير عمرة في بادية الأردن، جنوب غرب محمية وادي الأزرق، ويُعرف بجدارياته التي تشكّل متحفاً للفن التصويري الأموي.

محمود الزيباوي
يوميات الشرق رأس التمثال المسترد من هولندا (وزارة السياحة والآثار)

معارض أجنبية تقود للكشف عن آثار مصرية منهوبة

كشفت واقعة استرداد مصر لتمثال رأس أثري من هولندا بعد تتبعه في أحد المعارض بمدينة ماسترخيت عن إمكانية أن تقود المعارض والمزادات الخارجية لاسترداد الآثار المصرية.

محمد الكفراوي (القاهرة )
يوميات الشرق عُثر على جمجمة مثقوبة في حصن تل يعود للعصر الحديدي في واندلبوري

علماء آثار يكشفون دليلاً على أقدم عملية جراحية بالمخ في العالم

كشف علماء آثار عن دليل لما قد يكون أول عملية جراحية في المخ في العالم، إذ تم العثور على جمجمة بشرية من العصر الفايكنجي وقد أُزيل جزء منها.

«الشرق الأوسط» (ستوكهولم)
يوميات الشرق الملتقى ناقش الحفاظ على التقاليد الحرفية التراثية العربية (وزارة الثقافة المصرية)

7 دول عربية تسعى لحصر التقاليد الحرفية التراثية

تسعى مصر لحصر التقاليد الحرفية في الوطن العربي، من خلال الملتقى الإقليمي الذي تنظمه وزارتا الثقافة والتعليم العالي بالتعاون مع المنظمة العربية للتربية.

«الشرق الأوسط» (القاهرة )
يوميات الشرق طريق الكباش من أشهر المعالم الأثرية بالأقصر (الهيئة العامة للاستعلامات)

مصر: جرائم التنقيب عن الآثار تقترب من طريق الكباش

جاءت واقعة ضبط رجل وامرأة ينقبان عن الآثار أسفل مقهى بمدينة الأقصر، جنوب مصر، بالقرب من طريق الكباش، لتعيد إلى الأذهان جرائم سابقة.

حمدي عابدين (القاهرة )

الجلاجل لـ«الشرق الأوسط»: نموذج الرعاية الصحية السعودي يحظى باهتمام دولي

وزير الصحة السعودي فهد الجلاجل يتحدث لـ«الشرق الأوسط» خلال حضوره الملتقى (تصوير: تركي العقيلي)
وزير الصحة السعودي فهد الجلاجل يتحدث لـ«الشرق الأوسط» خلال حضوره الملتقى (تصوير: تركي العقيلي)
TT

الجلاجل لـ«الشرق الأوسط»: نموذج الرعاية الصحية السعودي يحظى باهتمام دولي

وزير الصحة السعودي فهد الجلاجل يتحدث لـ«الشرق الأوسط» خلال حضوره الملتقى (تصوير: تركي العقيلي)
وزير الصحة السعودي فهد الجلاجل يتحدث لـ«الشرق الأوسط» خلال حضوره الملتقى (تصوير: تركي العقيلي)

أكد فهد الجلاجل وزير الصحة السعودي، الثلاثاء، أن «نموذج الرعاية الصحية» في المملكة انتقل من مرحلة التصميم إلى التطبيق الفعلي، وبات اليوم يحظى باهتمام جهات عدة داخل البلاد وخارجها.

وفي حديث لـ«الشرق الأوسط» أعقب رعايته وحضوره «ملتقى نموذج الرعاية الصحية السعودي 2026» في الرياض، أوضح الوزير أن النموذج بدأ تطبيقه وإجراء الكثير من المسارات وصولاً إلى اسمه الحالي، وأصبح ينفّذ في 20 تجمّعاً صحياً بالمملكة، وتتبنّاه الكثير من الجهات، وأخرى استفسرت عن تفاصيله بهدف تبنّيه في دول أخرى.

وأضاف الجلاجل أن الهدف الأساسي من النموذج يتمثل في خدمة المواطن ورفع جودة الخدمات، مشيراً إلى ارتباطه المباشر بمستهدفات «رؤية السعودية 2030»، مردفاً أنه يهدف «لتقديم الخدمات بأفضل جودة لرفع متوسط عمر الإنسان في المملكة، ورفع السنوات الصحية للمواطن وتقديم أفضل خدمه له».

شدد الوزير فهد الجلاجل على أن ما تحقق حتى اليوم في القطاع هو ثمرة عمل جماعي (وزارة الصحة)

وأعرب الوزير عن عدم ممانعة بلاده في استفادة أي دولة من تجارب «نموذج الرعاية الصحية السعودي»، غير أن الهدف الأساسي هو تحقيق مستهدفات «رؤية 2030» عبر مجتمع حيوي ووطن طموح، وإيصال الخدمات للمواطنين بشكل أفضل.

وحول وجود 7 مستشفيات سعودية ضمن تصنيف «براند فاينانس»، منها 4 ضمن أفضل 100 مستشفى عالميّاً، نوَّه الجلاجل بأن ما تحقق حتى الآن يُمثِّل مرحلة ضمن مسار مستمر من التطوير، لافتاً إلى أن طموحات المملكة هي تحقيق الريادة العالمية في عدد من التخصصات الطبية.

وتطرق الوزير إلى مسعى السعودية في أكثر من مدينة طبية ومستشفى تخصصي للريادة العالمية، وحققت أكثر من إنجاز في إجراء عمليات تعدّ الأولى عالمياً، مشدداً على أن «هذا الإنجاز سيتواصل، وسنرى المستشفيات السعودية تحقق نجاحات أكثر».

شهد الملتقى حضور نخبة من المختصين الصحيين الدوليين والمحليين (وزارة الصحة)

وفي سياق متصل، قال الجلاجل إن التحول الصحي في السعودية لا يقتصر على الجوانب الطبية فقط، بل يشمل تكاملاً واسعاً بين مختلف القطاعات الحكومية.

وتعليقاً على سؤال «الشرق الأوسط» حول أبرز الإجراءات الصحية التي ساهمت في تقليل نسب وفيات الحوادث المرورية، قال الوزير إنها «ليست إجراءات صحية في حقيقتها ولكنها تكاملية، وأحد أهداف هذا التحول الصحي و(رؤية المملكة) هو أن تتكامل جميع القطاعات».

وتابع الجلاجل: «اليوم هناك لجنة السلامة المرورية فيها كل الجهات الحكومية، ابتداءً من وزارات (الداخلية، النقل، البلديات، التعليم) لوضع خطة شمولية، والكل اليوم يتناغم في هذا لإيصال هذه الرسالة»، مستدركاً: «قد يكون دور القطاع الصحي هو تخفيض الوفيات ورئاسة هذه اللجنة، لكن الدور الحقيقي والمؤثر هو للجهات كافة والشركاء الذين تعاونوا في إيصال هذه الخدمات، وكل جهة من الجهات قامت بدورها، ولدينا قائمة من الإجراءات التي قامت بها للحفاظ على صحة المواطن».

ناقشت الجلسات العلمية سبل الابتكار في المنظومة الصحية (تصوير: تركي العقيلي)

وتعليقاً على قرار مجلس الوزراء تشكيل لجنة دائمة تعنى بكل ما يتصل بمادة «الأسبستوس» ومتابعة حظرها، أبان الوزير أن بلاده تتعامل مع المخاطر الصحية بشكل استباقي عبر سياسات واستراتيجيات واضحة، وتعمل على درئها، مؤكداً: «أي خطر نرصده على المواطنين، فإن الحكومة تعمل على إيجاد الأدوات اللازمة لدرئه، والاستمرار في زيادة جودة الحياة».

وخلال كلمته اليوم في الملتقى، كشف الجلاجل عن انخفاض عدد السنوات التي يعيشها المواطن السعودي في المرض بمقدار 3 سنوات، مضيفاً أن نموذج الرعاية الصحية ساهم في أن يصبح متوسط العمر المتوقع في المملكة 79.7.

وأشار الوزير إلى انخفاض وفيات «حوادث الطرق» بنسبة 60 في المائة، و«الأمراض المزمنة» 40 في المائة، و«الأمراض المعدية» 50 في المائة، و«الوفيات الناجمة عن الإصابات» 30 في المائة، مشدداً على أن ما تحقَّق حتى اليوم في القطاع هو «ثمرة عمل جماعي، ورسالة واضحة بأن التحول الصحي في السعودية يسير بثبات وسنواصل على هذا النهج».

جانب من جلسة حوارية على هامش ملتقى نموذج الرعاية الصحية السعودي 2026 في الرياض الثلاثاء (وزارة الصحة)

وشهدت أعمال الملتقى، الذي تنظمه «الصحة القابضة» بنسخته الثالثة، الثلاثاء، حضورَ نخبة من المختصين الصحيين الدوليين والمحليين، وإقامةَ عدة جلسات علمية ناقشت سبل الابتكار في المنظومة الصحية، واستعراضَ أحدث الدراسات والأبحاث؛ لتعزيز صحة المجتمع والوقاية من الأمراض؛ تحقيقاً لمستهدفات برامج «رؤية 2030».


بين الإنتاجية والنسيان... ما تأثير تعدد المهام على الذاكرة؟

تعدد المهام على المدى القصير قد يرفع مستويات التوتر (بيكسلز)
تعدد المهام على المدى القصير قد يرفع مستويات التوتر (بيكسلز)
TT

بين الإنتاجية والنسيان... ما تأثير تعدد المهام على الذاكرة؟

تعدد المهام على المدى القصير قد يرفع مستويات التوتر (بيكسلز)
تعدد المهام على المدى القصير قد يرفع مستويات التوتر (بيكسلز)

هل تشعر أحياناً بأن ساعات اليوم لا تكفي؟ لستَ وحدك؛ فكثيرون يشعرون بالإرهاق بسبب كثرة المهام التي يتعيّن إنجازها، سواء في العمل أم الدراسة، أم حتى في المنزل. ومن الطبيعي أن يحاول البعض أداء أكثر من مهمة في الوقت نفسه، حتى لو كانت إحداها مجرد الاستماع إلى بودكاست أثناء القيام بنشاط آخر.

غير أن المفارقة تكمن في أن تعدد المهام قد يأتي بنتائج عكسية، وفقاً لموقع «هيلث لاين»، إذ تشير الدراسات إلى أن تعدد المهام لا يقلل إنتاجيتنا على المدى القصير فحسب، بل قد يؤدي أيضاً إلى مشكلات في الذاكرة، بما في ذلك صعوبة تذكّر المعلومات على المدى الطويل.

وهنا تكمن الحقيقة: حتى لو كنتَ تعتقد أنك بارع في تعدد المهام، فالأرجح أنك لستَ كذلك. فقد أظهرت إحدى الدراسات أن نحو 2.5 في المائة فقط من الأشخاص قادرون على أداء مهمتين في الوقت نفسه بكفاءة، دون تراجع في الأداء.

في الواقع، عندما نحاول إنجاز مهمتين معاً، فإن معظمنا لا يقوم بتعدد المهام، بالمعنى الدقيق، بل يمارس ما يُعرَف بـ«تبديل المهام»؛ أي الانتقال السريع بين نشاطين، بدلاً من تنفيذهما في آن واحد. ومع أن هذا السلوك ليس سلبياً بالضرورة، فإن الدماغ البشري يبدو، إلى حدّ كبير، مهيأً للتركيز على مهمة واحدة في كل مرة.

كيف يتعامل الدماغ مع تعدد المهام؟

تحدث عملية تعدد المهام في كل من قشرة الفص الجبهي الواقعة في مقدمة الدماغ، وقشرة الفص الجداري الموجودة في مؤخرته. تتولى قشرة الفص الجداري تخزين المعلومات المتعلقة بالأحداث المختلفة؛ فعلى سبيل المثال، أثناء لعب لعبة فيديو، قد ترى الحرف L الذي يشير إلى الانعطاف يساراً، أو الحرف R الذي يعني الانعطاف يميناً. أما قشرة الفص الجبهي فمسؤوليتها تكمن في اختيار الاستجابة الصحيحة لكل إشارة.

وقد يكون تعدد المهام صعباً على بعض الأشخاص بسبب ما يُشبه «عنق الزجاجة» في الدماغ، وهو حدّ طبيعي لا يسمح إلا بمعالجة مهمة واحدة في كل مرة. ويُعتقد أن قشرة الفص الجبهي هي المنطقة التي تحدث فيها هذه العملية.

لماذا يرتبط تعدد المهام بانخفاض الأداء على المدى القصير؟

عندما يحاول الدماغ الانتقال بسرعة بين مهمتين، يواجه صعوبة في إجراء هذا التغيير، ما يؤدي إلى ما يُعرَف بـ«تكلفة التبديل». وتتطلب هذه العملية موارد ذهنية إضافية، الأمر الذي يُرهق قدرة الدماغ على الاحتفاظ بالمعلومات ومعالجتها مؤقتاً، وهي وظيفة أساسية للتعلّم والتذكّر.

وتكون النتيجة بطئاً في المعالجة، وانخفاضاً في الدقة، وضعفاً في الذاكرة، كما أن تعدد المهام على المدى القصير قد يرفع مستويات التوتر، ما قد يؤدي إلى زيادة ضغط الدم وتسارع ضربات القلب.

وحتى أشكال تعدد المهام المكثفة، مثل استخدام الهاتف أو الكمبيوتر أو مشاهدة التلفاز بالتزامن مع أنشطة أخرى، قد تُضعف الذاكرة قصيرة المدى. ويزداد الأمر تعقيداً لأن تعدد المهام المتعلقة بوسائل التواصل يرتبط أيضاً بارتفاع مستويات القلق والاكتئاب، ربما نتيجة تشتيت الانتباه أو بسبب ما يُعرف بـ«انحياز المعلومات السلبية»، حيث يزداد التركيز على الأخبار أو المحتويات السلبية والمزعجة.

لماذا قد يُسبب تعدد المهام مشكلات في الذاكرة على المدى الطويل؟

مع مرور الوقت، يمكن للتحديات نفسها التي يؤثر بها تعدد المهام في الذاكرة قصيرة المدى أن تُلحق ضرراً بالذاكرة طويلة المدى أيضاً. فعندما لا تُعالَج المعلومات بعمق في الذاكرة قصيرة المدى، تقل فرص ترسيخها واسترجاعها لاحقاً.

وفي هذه الحالة، لا يؤدي التكرار إلى الإتقان؛ إذ تُفقِد كثرة المهام الدماغ قدرته على تصفية المشتتات والتنقل بسلاسة بين الأنشطة. وقد يترتب على ذلك إرهاق ذهني، ونسيان متكرر، وتراجع في مرونة التفكير.


«جزيرة إبستين» تدخل على خط «الحفلات المريبة» في مصر

منظم الحفل بعد ضبطه (وزارة الداخلية المصرية)
منظم الحفل بعد ضبطه (وزارة الداخلية المصرية)
TT

«جزيرة إبستين» تدخل على خط «الحفلات المريبة» في مصر

منظم الحفل بعد ضبطه (وزارة الداخلية المصرية)
منظم الحفل بعد ضبطه (وزارة الداخلية المصرية)

يبدو أن قضية الملياردير الأميركي جيفري إبستين، وجزيرته التي حوكم لاتهامه باستغلال القاصرات فيها، امتدت لتلقي بظلالها على دعوة لحفل وُصف بـ«الغامض» في أحد الملاهي الليلية بوسط القاهرة، حيث جاءت دعوة الحفل بمسمى «يوم في جزيرة إبستين»، وهي الدعوة التي أثارت ضجة بعد إبلاغ إحدى السيدات عنها، وفحص الجهات الأمنية مصدر الدعوى وتوقيف منظم الحفل.

ووفق بيان لوزارة الداخلية المصرية فقد «كشفت ملابسات مقطع فيديو تم تداوله بمواقع التواصل الاجتماعي تضررت خلاله إحدى السيدات من أحد الإعلانات على مواقع التواصل الاجتماعي يتضمن التنويه إلى وجود استعدادات لإقامة حفل بتاريخ 10 فبراير (شباط) الحالي، باسم «يوم فى جزيرة إبستين» بأحد الملاهي الليلية بدائرة قسم شرطة قصر النيل بالقاهرة، وتحديد الدخول للفتيات مجاناً، على ضوء عدم ملاءمة المسمى وغموض الإجراءات التنظيمية.

وبالفحص تبين للجهات الأمنية أن الحفل المشار إليه تم الإعلان عن تنظيمه من دون الحصول على التراخيص اللازمة من الجهات المعنية، وأمكن ضبط القائم على تنظيمه، كما تم التنسيق مع الجهات المختصة لمنع إقامته، واتخاذ الإجراءات القانونية.

وزارة الداخلية أعلنت عن ضبط منظم الحفل (وزارة الداخلية المصرية)

وترى الخبيرة القانونية، هبة عادل، رئيسة مؤسسة المحاميات المصريات لحقوق المرأة، أن «خطورة الواقعة لا تقف عند حدود المخالفة الإجرائية، وهو تنظيم حفل من دون استيفاء التصاريح اللازمة، وإنما تتضاعف بالنظر إلى مضمون الإعلان نفسه، وما انطوى عليه من استهداف صريح للفتيات، في سياق غامض، وباستخدام اسم ارتبط دولياً بوقائع موثقة تتعلق بالاتجار بالبشر والاستغلال الجنسي، على خلفية ما عُرف إعلامياً بـ(تسريبات إبستين)».

وقالت لـ«الشرق الأوسط»: «هذا الربط الدلالي، مقترناً باستهداف فئة بعينها، يثير شبهة قانونية جدية تتصل بمخاطر الاتجار بالبشر أو الاستغلال غير المشروع، أو على الأقل الترويج لرموز مرتبطة بجرائم جسيمة، بما يُخل بالنظام العام والآداب العامة، ويُوجب تدخل الدولة وفقاً لمقتضيات القانون».

ويعدّ التدخل الاستباقي الفوري من الجهات الأمنية «تدخلاً مشروعاً ومطلوباً، ومتسقاً مع الفلسفة الحديثة للتجريم الوقائي، التي لا تنتظر وقوع الضرر أو الجريمة، وإنما تستهدف منع الخطر قبل تحققه متى توافرت مؤشرات جدية على تهديد السلم المجتمعي أو تعريض فئات للخطر»، وفق الخبيرة القانونية.

وحظيت قضية جيفري إبستين باهتمام واسع على مستوى العالم، بعد إفراج وزارة العدل الأميركية عن ملايين الوثائق ومقاطع الفيديو والصور الخاصة بقضية الملياردير الأميركي الذي أدين باتهامات منها الاستغلال الجنسي للقاصرات، في جزيرة كان يمتلكها، واستضاف فيها شخصيات عالمية بارزة، ووُجد ميتاً في محبسه وسط حالة من الغموض.

وحظيت القضية التي عُرفت إعلامياً و«سوشيالياً» بقضية «جزيرة إبستين» باهتمام واسع وتصدر التريند في دول عدة من بينها مصر، وهو «على ما يبدو ما استغله منظم الحفل في الإعلان عنه»، وفق ما يقول الخبير «السوشيالي» معتز نادي، مضيفاً لـ«الشرق الأوسط» أن «منظم الحفل اعتمد على (التريند الصادم) من خلال الاسم وما أثارته قضية جزيرة إبستين من جدل، واستغلال الصدمة للترويج لحدث أو حفل من الأمور الخاطئة، فهو (تريند سلبي) حاولوا استغلاله بنظرية خالف تُعرف، ومن ثم جاء رد الفعل مناسباً تماماً بتدخل الجهات الأمنية».

وسبق أن تم وقف حفلات وصفها البعض بـ«المريبة» في مصر، من بينها حفل لفرقة الروك الألمانية «سكوربيونز»، العام الماضي، بعد حكم قضائي من مجلس الدولة بمصر، لدعم الفرقة دولة الاحتلال الصهيوني، وفي عام 2023 تم إلغاء حفل المطرب الأميركي ترافيس سكوت الذي كان مقرراً إقامته تحت سفح الأهرامات بعد شائعة قيامه بـ«طقوس غريبة»، وهو ما رد عليه المطرب وقتها قائلاً: «ليست لديَّ أي طقوس غريبة غير لائقة، إنما هي مجرد احتفالات أقدمها برفقة جمهوري».

ويرى الناقد الفني المصري أحمد السماحي أن «الدعوات لحفلات غامضة على (السوشيال ميديا) معظمها أصبح مشبوهاً، ولها أغراض غير مفهومة وبها اختبار للذوق العام في مصر، هل يقبل مثل هذه الحفلات التي تطرح أفكاراً غامضة وأحياناً تروج لأفعال مرفوضة أم لا؟».

وأشار إلى أن «هناك قوى عالمية تقف وراء مثل هذه الحفلات ومحاولة ترويجها في مصر، عبر (السوشيال ميديا) ووسائل إعلام متنوعة، وأعتقد أن الجهات الأمنية في مصر واعية تماماً لمثل هذه الأمور التي تستهدف مصر».