أزمة اللاجئين تسمم العلاقات الأوروبية.. وتكتسح شبكات قطاراتها

المجر ترفض الانتقادات الفرنسية.. وبرلين تحذر من الفشل في معالجة المشكلة

مهاجرة مقعدة ترفع على كرسي إلى قطار متجه من النمسا إلى ميونيخ الألمانية أمس (إ.ب.أ)
مهاجرة مقعدة ترفع على كرسي إلى قطار متجه من النمسا إلى ميونيخ الألمانية أمس (إ.ب.أ)
TT

أزمة اللاجئين تسمم العلاقات الأوروبية.. وتكتسح شبكات قطاراتها

مهاجرة مقعدة ترفع على كرسي إلى قطار متجه من النمسا إلى ميونيخ الألمانية أمس (إ.ب.أ)
مهاجرة مقعدة ترفع على كرسي إلى قطار متجه من النمسا إلى ميونيخ الألمانية أمس (إ.ب.أ)

شهدت الحدود بين المجر والنمسا أمس ازدحاما خانقا، حيث عززت عمليات التفتيش بحثا عن المهربين، لكن المهاجرين نجحوا في الصعود بالمئات إلى القطارات في بودابست أملا منهم في الوصول إلى ألمانيا. في الوقت نفسه أظهرت الدول الأوروبية التي دعتها بروكسل إلى احترام «قيمها الإنسانية» انقساماتها بشأن إدارة أزمة المهاجرين واللاجئين الذين يتدفقون إلى القارة الأوروبية.
واضطر الأشخاص الذين كانوا يتوجهون بالسيارة من المجر إلى النمسا إلى الانتظار أمس في طوابير طويلة امتدت إلى 50 كيلومترا قرب الحدود بعد أن شددت النمسا المراقبة على الحدود بحثا عن مهربي المهاجرين، حسب وكالة الصحافة الفرنسية. واتخذت هذه التدابير مساء أول من أمس بعد العثور الأسبوع الماضي على شاحنة مركونة بجانب الطريق في ولاية برغنلاند قرب الحدود مع النمسا وبداخلها جثث 71 مهاجرا.
وفي إطار عمليات المراقبة التي أجريت بالتعاون الوثيق مع السلطات المجرية والسلوفاكية والألمانية، فتشت الشرطة كل شاحنة أو سيارة بحثا عن مهربين. وعثرت الشرطة على 12 مهاجرا بينهم ثلاثة أطفال مكدسين في شاحنة صغيرة تحمل لوحة تسجيل فرنسية.
من جهتها، سمحت السلطات المجرية لمئات المهاجرين بالصعود إلى قطارات متجهة إلى النمسا وألمانيا بعد أن أمضوا أياما في محطات بودابست التي تحولت إلى مخيمات عشوائية للاجئين. وكانت الشرطة المجرية منعت حتى الآن المهاجرين من الرحيل لأنهم لم يكونوا يحملون وثائق رسمية. ولم تكن قوات الأمن موجودة أمس عندما اندفع مهاجرون، بينهم كثير من السوريين، للصعود إلى قطارات متجهة إلى فيينا وميونيخ وبرلين. وصرح شرطي نمساوي كان في محطة القطارات أنه سيتم توقيف المهاجرين لدى دخولهم النمسا وسيمنعون من مواصلة رحلتهم لعدم حيازتهم الوثائق اللازمة.
وأكد نائب رئيس المفوضية الأوروبية فرنس تيمرمانس خلال زيارته لمرفأ كاليه شمال فرنسا أمس: «إنها أزمة عالمية تستلزم معالجة أوروبية مشتركة (...) علينا أولا أن نكون مخلصين لقيمنا؛ القيم الإنسانية». وأضاف أن أوروبا «لن تعيد من يحتاجون للحماية إلى بلدانهم (...) عدد الوافدين هائل. إنها أزمة عالمية، لكن يمكن استيعاب هذه الأرقام وسط مجموع سكاني يقدر بـ500 مليون نسمة».
إلى جانبه، قال رئيس الوزراء الفرنسي مانويل فالس إنه «تحد تواجهه كل دولة من دول الاتحاد الأوروبي يضع مجتمعاتها أمام اختبار».
وفي أحد أبرز المواقع لأزمة المهاجرين من حيث يحاول آلاف الأجانب الوصول إلى بريطانيا، التقى المسؤولان مهاجرين ولاجئين مع المفوض المكلف قضايا الهجرة ديمتريس أفراموبولوس.
وتسمم الأزمة العلاقات بين الأوروبيين؛ فقد دعت وزيرة الداخلية النمساوية يوهانا ميكل ليتنر أمس إلى «خفض» أو حتى «إلغاء» المساعدات المالية التي تخصصها بروكسل لدول الاتحاد الأوروبي التي ترفض استقبال مزيد من اللاجئين.
بدوره، قال رئيس الوزراء الفرنسي: «يرفض كثير من الدول أن تأخذ حصصها. كل أوروبا معنية بهذه الأزمة الخطيرة جدا، وبالتالي عليها التحرك».
من جهتها، قالت المستشارة الألمانية أنجيلا ميركل خلال مؤتمر صحافي إن «الحقوق المدنية العالمية كانت حتى الآن مرتبطة بشكل وثيق بأوروبا وتاريخها، بوصفها مبدأ مؤسسا للاتحاد الأوروبي. وإذا فشلت أوروبا في معالجة أزمة اللاجئين، فإن هذا الرابط مع الحقوق المدنية العالمية سينقطع». ودعت المستشارة الألمانية مرة جديدة إلى وضع حصص تتضمن عدد اللاجئين الواجب على كل دولة أوروبية أن تستقبلهم، الأمر الذي رفضه كثير من الدول الأوروبية.
وفي إشارة إلى المجر أمس، عدّ وزير الخارجية الفرنسي لوران فابيوس موقف بعض الدول الأوروبية «معيبا»، ودعا إلى إزالة الحواجز التي يتم بناؤها بين الدول الأعضاء في الاتحاد. ورد وزير الخارجية المجري بيتر سيجارتو بالقول إن هذه الانتقادات «تثير صدمة»، واستدعى أمس السفير الفرنسي في بودابست.
وفي براغ، أعلن رئيس وزراء تشيكيا، أمس، بوهوميل سوبوتكا، أن رؤساء حكومات «مجموعة فيسغراد»، وهي المجر وبولندا وسلوفاكيا وجمهورية تشيكيا، سيعقدون في براغ خلال الأيام المقبلة «قمة استثنائية» حول الهجرة يتوقع أن يؤكدوا خلالها رفضهم مبدأ الحصص في توزيع المهاجرين على دول الاتحاد الأوروبي. وقال للصحافيين: «آمل أن نؤكد موقفنا المشترك الرافض للحصص». وكان قال في وقت سابق إنه لا يتوقع «قرب انتهاء أزمة المهاجرين» وإن «أيا من أعضاء الاتحاد الأوروبي لا يمكنه حل المشكلة بمفرده، وينبغي البحث عن حل على المستوى الأوروبي».
بدوره، أكد رئيس حكومة سلوفاكيا روبرت فيكو، في لوبليانا، أمس، أن بلاده «لن توافق بتاتا» على مبدأ الحصص، وأنه لا يقبل «الانتقادات من دول ترفض ضم بلغاريا ورومانيا إلى فضاء (شينغن)» في إشارة إلى فرنسا وألمانيا اللتين بررتا موقفهما في 2010 بالفساد والجريمة المنظمة في البلدين.
إلى ذلك، أكدت رئيسة وزراء بولندا أيوا كوباش، أنه سيتعين على المفوضية الأوروبية الاتفاق على حصص جديدة لاستقبال اللاجئين بين الدول الأعضاء مع تخطي أرقام الوافدين منهم إلى أوروبا التوقعات.
ووافقت بولندا في يوليو (تموز) الماضي على استقبال ألفي لاجئ من سوريا وشمال أفريقيا بحلول عام 2017 في إطار خطة أوروبية لإعادة توزيع اللاجئين في أرجاء الاتحاد وتخفيف حدة الأزمة التي تواجه دولها الجنوبية. وقالت كوباش في مؤتمر صحافي أمس: «أنا أتفهم أننا اليوم لا نتكلم عن نحو 2200 لاجئ وسط توافد عدد أكبر من اللاجئين، وأن هذا التوزيع سيعاد النظر فيه. سيكون على بولندا أن تعلن موقفها الجديد بهذا الشأن». ولم توضح رقم اللاجئين الأكبر من ذلك الذي اتفق عليه في يوليو. وأضافت: «سنقيم إمكاناتنا، لكننا سنتعامل مع المسألة بشعور بالمسؤولية».
وجلس اللاجئون الذين فر كثير منهم من الحروب في الشرق الأوسط، في الشمس الحارقة في الممرات المكتظة للقطارات، أو راحوا يتابعون في حيرة إعلانات القطارات المتوقع وصولها بالمحطة الرئيسة في فيينا. وتلقي محنتهم الضوء على التحديات الإنسانية والدبلوماسية التي يواجهها الاتحاد الأوروبي الذي ألغى قيود الرقابة على الحدود بين 26 دولة في «منطقة شينغن»، لكنه يلزم طالبي اللجوء بالتقدم بطلبات اللجوء في أول دولة عضو يدخلونها، وهي في هذه الحالة المجر.
وأطلع سامي، وهو سوري عمره 35 عاما، مراسلا لوكالة «رويترز» على تذكرة بقيمة 120 يورو (134 دولارا) اشتريت حديثا لركوب قطار الساعة 1.10 بعد الظهر إلى ميونيخ. وقال: «كنت أنام هنا على الأرض مثل الكلب مع ولدي الاثنين منذ ستة أيام. واليوم نترك هذا البلد وراء ظهرنا ونلحق بأخواتي في ميونيخ إن شاء الله». وكان نحو ألف لاجئ آخر ينتظرون على بطاطين خارج محطة السكة الحديد يحدوهم الأمل في أن يلحقوا بهم في وقت لاحق.
ويحاول مئات الآلاف من المهاجرين الوصول إلى الاتحاد الأوروبي هربا من العنف والفقر في الشرق الأوسط وأفريقيا. وضبطت الشرطة المجرية أكثر من 140 ألف شخص على الجانب الصربي حتى الآن هذا العام. وخلال الأيام الثلاثة الماضية قالت الشرطة المجرية إنها ضبطت 8792 مهاجرا يعبرون الحدود إلى البلاد معظمهم من صربيا. وقال رجل من أفغانستان يدعى سعيد وعمره 22 عاما، إنه كان في المجر منذ أسبوعين ولم يستطع الانتظار حتى يركب قطار ريلجت إلى ميونيخ. وكان قد اشترى تذكرة لركوب القطار.. لكنه أضاف أنه تساوره شكوك في أنه سيستطيع القيام بالرحلة إلى هناك. وقال: «الشرطة المجرية خدعتنا مرات كثيرة ولن أصدق هذا إلا في النمسا».
وفي برلين، نفت الحكومة الألمانية أنه توجد «قطارات خاصة» تحمل المهاجرين إلى ألمانيا من المجر. وقالت إنه بموجب قوانين الاتحاد الأوروبي، يجب على طالبي اللجوء الذين يصلون إلى المجر أن يتم تسجيلهم هناك أولا. وتتوقع ألمانيا استقبال نحو 800 ألف مهاجر هذا العام، وهو عدد أكبر مما يتوقعه أي بلد في الاتحاد الأوروبي.
وفي وقت لاحق أمس، أعلنت الشرطة السلوفاكية أنها اعتقلت عند الحدود مع المجر سائقين صربيين كانا يحاولان نقل 26 مهاجرا سوريا أو عراقيا في شاحنتيهما. وقال مارتن والدل، المتحدث باسم الشرطة، إنه تم العثور على المهاجرين عند مركز حدودي قرب براتيسلافا. وذكرت قناة «تي إيه 3» التلفزيونية أن المهاجرين، وبينهم امرأة وطفل في الرابعة، كانوا يأملون في بلوغ ألمانيا، وقد دفع كل منهم للمهربين 400 يورو. وأضافت أن إحدى الشاحنتين تحمل لوحة صربية، فيما الأخرى لوحتها سويسرية.



«اليونيسيف»: أطفال السودان في قلب أكبر كارثة إنسانية في العالم

«اليونيسيف» تقول إن أطفال السودان في قلب أكبر كارثة إنسانية في العالم (رويترز)
«اليونيسيف» تقول إن أطفال السودان في قلب أكبر كارثة إنسانية في العالم (رويترز)
TT

«اليونيسيف»: أطفال السودان في قلب أكبر كارثة إنسانية في العالم

«اليونيسيف» تقول إن أطفال السودان في قلب أكبر كارثة إنسانية في العالم (رويترز)
«اليونيسيف» تقول إن أطفال السودان في قلب أكبر كارثة إنسانية في العالم (رويترز)

قال ريكاردو بيريس، المتحدث باسم منظمة الأمم المتحدة للطفولة (اليونيسيف)، الثلاثاء، إن أطفال السودان «في قلب أكبر كارثة إنسانية في العالم» حالياً، محذراً من أن الوضع يزداد سوءاً يوماً بعد يوم.

وخلال المؤتمر الصحافي نصف الأسبوعي لوكالات الأمم المتحدة في جنيف، قال المسؤول الأممي إن 33.7 مليون شخص في جميع أنحاء السودان حالياً يحتاجون إلى مساعدات إنسانية، نصفهم من الأطفال، مضيفاً أنه من المتوقع أن يعاني 825 ألف طفل من الهزال الشديد خلال هذا العام، بينما أصبحت أكثر من 70في المائة من المرافق الصحية معطلة.

وتابع بيريس قائلاً: «يجب على العالم أن يكف عن غض الطرف عن أطفال السودان».

وأشار إلى بيانات التصنيف المتكامل لمراحل الأمن الغذائي التي صدرت، يوم الجمعة الماضي، من 3 مناطق في ولاية شمال دارفور، والتي أظهرت «معدلات كارثية لسوء التغذية»، محذراً من أن الجوع الشديد وسوء التغذية يصيبان الأطفال أولاً. وأوضح أن هؤلاء أطفال تتراوح أعمارهم بين 6 أشهر و5 سنوات.

وقال إن أكثر من نصف الأطفال في مناطق شمال دارفور يعانون من سوء التغذية الحاد، مضيفاً: «لم يكن هذا مجرد توقعات أو نماذج، بل حقيقة مؤكدة».

وحذّر بيريس من أن الحرارة والإسهال وإصابات الجهاز التنفّسي والتغطية المحدودة لعمليات التطعيم ومياه الشرب غير الآمنة والأنظمة الصحيّة المنهارة، تحوّل أمراضاً قابلة للعلاج إلى «أحكام بالإعدام لأطفال يعانون بالأساس من سوء التغذية».

وتابع أن «القدرة على الوصول تتضاءل والتمويل شحيح إلى حد يصيب باليأس والقتال يشتد... يجب السماح بالوصول الإنساني، وعلى العالم أن يتوقف عن غضّ الطرف عن أطفال السودان».

في السياق نفسه، حذّرت الأمم المتحدة من أن الوقت ينفد أمام الأطفال الذين يعانون سوء التغذية في السودان داعية العالم إلى «التوقف عن غض الطرف» عن المأساة.

وتنتشر المجاعة في إقليم دارفور بغرب السودان، وفق ما حذّر خبراء مدعومون من الأمم المتحدة، الأسبوع الماضي، في وقت خلّفت الحرب المتواصلة بين الجيش و«قوات الدعم السريع» ملايين الجياع والنازحين المحرومين من المساعدات.

ويفيد خبراء الأمن الغذائي العالمي بأنه تم تجاوز عتبة المجاعة التي تشير إلى سوء التغذية الحاد في منطقتين إضافيتين في شمال دارفور هما أم برو وكرنوي

ومن جانبه، قال ممثّل منظمة الصحة العالمية في السودان شبل صهباني إن البلاد «تواجه تفشي عدة أوبئة بينها الكوليرا والملاريا وحمى الضنك والحصبة، إضافة إلى سوء التغذية».

وأضاف متحدثاً إلى الصحافيين أن العاملين في قطاع الصحة والبنية التحتية الصحية باتوا في مرمى النيران بشكل متزايد.

ومنذ اندلاع الحرب، تحققت منظمة الصحة العالمية من وقوع 205 هجمات على قطاع الرعاية الصحية، ما تسبب بمقتل 1924 شخصاً.

وتزداد الهجمات دموية كل عام. في 2025، تسبب 65 هجوماً بسقوط 1620 قتيلاً. وفي أول 40 يوماً من هذا العام، تسببت 4 هجمات بمقتل 66 شخصاً.

وتزداد حدة القتال في منطقة كردفان (جنوب).

وقال صهباني: «علينا أن نتحرّك بشكل استباقي، وأن نُخزّن الإمدادات مسبقاً، وأن ننشر فرقنا على الأرض لنكون مستعدين لأي طارئ».

وأضاف: «لكن كل هذا التخطيط للطوارئ... ليس سوى قطرة في بحر».


بعد 15 عاماً على تنحيه... أي إرث بقي من حكم مبارك في مصر؟

الرئيس المصري السابق الراحل حسني مبارك (رويترز)
الرئيس المصري السابق الراحل حسني مبارك (رويترز)
TT

بعد 15 عاماً على تنحيه... أي إرث بقي من حكم مبارك في مصر؟

الرئيس المصري السابق الراحل حسني مبارك (رويترز)
الرئيس المصري السابق الراحل حسني مبارك (رويترز)

«له ما له وعليه ما عليه»... كلمات باتت تلازم ذكر اسم الرئيس المصري السابق الراحل حسني مبارك، حتى بعد مرور 15 عاماً على تنحيه من منصبه رئيساً للجمهورية إثر «أحداث 25 يناير» (كانون الثاني) عام 2011.

وعلى الرغم من مرور سنوات طوال، فلا يزال إرثه السياسي والاجتماعي والاقتصادي قائماً، سواء من خلال «دولة المؤسسات»، أم عبر عودة رموز من نظامه إلى المشهد العام.

كان يوم 11 فبراير (شباط) عام 2011 يوماً تاريخياً في مصر حين خرج نائب رئيس الجمهورية آنذاك اللواء عمر سليمان ليعلن في بيان متلفز مقتضب قرار مبارك «تنحيه عن منصب رئيس الجمهورية، وتكليف المجلس الأعلى للقوات المسلحة بإدارة شؤون البلاد»، عقب ما وصفه بـ«الظروف العصيبة» التي تمر بها البلاد.

جنازة رسمية للرئيس السابق حسني مبارك في فبراير 2020 (الشرق الأوسط)

وجاء قرار مبارك في أعقاب احتجاجات شعبية اندلعت في 25 يناير 2011، وأشاع تنحيه «فرحة» بين الجموع المحتشدة في الشوارع، والذين عدُّوه يلبي مطالبهم آنذاك بـ«إسقاط النظام».

لكن السنوات التي تلت ذلك وما صاحبها من أحداث سياسية واقتصادية محلية وإقليمية دفعت نحو إعادة قراءة فترة حكم مبارك التي استمرت 30 عاماً، وسط تداول مقاطع فيديو على وسائل التواصل تعكس مواقف الرئيس المصري السابق الذي توفي عام 2020.

«دولة المؤسسات»

حملت تجربة مبارك في الحكم «إيجابيات وسلبيات»، بحسب مستشار «مركز الأهرام للدراسات السياسية والاستراتيجية» عمرو الشوبكي، الذي يرى أن تنحيه عن الحكم «كان يمكن أن يدفع لتغيرات إيجابية لو تم التعامل معه بوعي من جانب المحتجين».

وأضاف الشوبكي لـ«الشرق الأوسط»: «نظام مبارك كان يحمل فرصاً للإصلاح من داخله عبر مؤسسات راسخة ومسار دستوري قانوني واضح»، مشيراً إلى أنه «يختلف عن النظم في دول مجاورة شهدت احتجاجات».

وقال: «المحتجون، لا سيما تنظيم (الإخوان) أهدروا فرصة إصلاح النظام من الداخل؛ ما أحدث خللاً أربك المشهد السياسي في مصر مدة من الوقت».

وشهدت المرحلة التالية لتنحي مبارك استفتاءً على الدستور وانتخابات رئاسية أوصلت تنظيم «الإخوان» إلى الحكم، قبل أن يُطاح به عقب احتجاجات عام 2013، وتدخل مصر حرباً ضد «الإرهاب» وضد التنظيم الذي تصنّفه السلطات «إرهابياً».

وتُعد «دولة المؤسسات» أبرز إرث باقٍ من عهد مبارك، بحسب مساعد وزير الخارجية المصري الأسبق السفير حسين هريدي الذي قال لـ«الشرق الأوسط» إن مبارك «بنى دولة مؤسسات، ولم يختزل الحكم في شخصه، وهو ما حمى مصر من مصير دول مجاورة شهدت سقوط نظام الحكم».

ويرى هريدي، الذي عاصر مدة حكم مبارك عن قرب بحكم عمله في وزارة الخارجية، أن إرثه باقٍ في مجالات عدة «بدءاً من مؤسسات دولة راسخة وعميقة، مروراً بمشروعات بنية تحتية لا تزال فاعلة وموجودة، وخطوات إصلاح اقتصادي جنت مصر عوائدها، وأسس واضحة لعلاقات مصر الدولية والعربية ما زالت قائمة».

مبارك على نقالة طبية عقب حصوله عام 2017 على حكم البراءة في اتهامه بقتل المتظاهرين (رويترز)

وكانت «دولة المؤسسات» تلك وصناعة «رجل دولة» من أهم أسباب عودة كثير من رموز نظام مبارك إلى المشهد السياسي رغم حالة الاحتقان ضدهم التي ميزت المرحلة التي تلت تنحي مبارك عن السلطة، وامتدت طوال مدة محاكمته ونجليه جمال وعلاء، ليتحول الرفض والنقد إلى احتفاء واضح بظهور نجلي الرئيس الأسبق في أماكن ومناسبات عامة.

وأثار افتتاح «المتحف المصري الكبير» في نوفمبر (تشرين الثاني) الماضي جدلاً عقب تصدر رموز نظام مبارك للمشهد بوصفهم «رعاة للحفل»، وعلى رأسهم رجل الأعمال هشام طلعت مصطفى، ورجل الأعمال أحمد عز الذي كان عضواً بلجنة سياسات «الحزب الوطني» إبان حكم مبارك.

وفي أغسطس (آب) 2024، عاد يوسف بطرس غالي وزير المالية الأسبق إلى المشهد السياسي بعد إدراج اسمه في تشكيل «المجلس التخصصي للتنمية الاقتصادية». ولا يزال كثيرون آخرون من رموز نظام مبارك يشكلون جزءاً رئيسياً في المشهدين السياسي والاقتصادي، سواء رجال أعمال أم أعضاء برلمان أو حكومة.

محطات فارقة

وُلد محمد حسني مبارك في الرابع من مايو (أيار) عام 1928 في كفر مصيلحة بمحافظة المنوفية في دلتا مصر، وتولى رئاسة البلاد عقب اغتيال الرئيس محمد أنور السادات عام 1981؛ لكن إرثه السياسي يسبق مدة رئاسته.

ويبرز هريدي محطات فارقة في حياة الرئيس الراحل، من بينها «دوره العسكري في إعداد جيل من الطيارين المهرة بصفته مديراً للأكاديمية الجوية بعد حرب عام 1967، إضافة إلى دوره في حرب أكتوبر (تشرين الأول) عام 1973 قائداً للقوات الجوية».

ويشير هريدي إلى «دوره السياسي نائباً للرئيس، ثم رئيساً تولى شؤون البلاد في فترة عصيبة، واستطاع ضبط الأحوال عربياً وإقليمياً وداخلياً». وقال: «هذه الأدوار باقية كإرث عسكري وسياسي لرئيس حاول كثيرون التقليل من إنجازاته، لكن التاريخ أنصفه».

ويقول عمرو الشوبكي: «بعد 15 عاماً يتذكر مصريون مبارك بالخير، لا سيما مواقفه الوطنية في دعم القضية الفلسطينية، وحرصه على المواطن البسيط».

وتبرز هذه الرؤية بين الحين والآخر عبر تعليقات ومنشورات يجري تداولها عبر منصات التواصل الاجتماعي «تعيد قدراً من الاعتبار لنظام مبارك الذي كان يحمل داخله عناصر الإصلاح»، وفق الشوبكي.


مصر تطالب بتسوية سلمية وتوافقية بين أميركا وإيران

وزير الخارجية المصري بدر عبد العاطي يستقبل نظيره الإيراني عباس عراقجي في القاهرة العام الماضي (الخارجية المصرية)
وزير الخارجية المصري بدر عبد العاطي يستقبل نظيره الإيراني عباس عراقجي في القاهرة العام الماضي (الخارجية المصرية)
TT

مصر تطالب بتسوية سلمية وتوافقية بين أميركا وإيران

وزير الخارجية المصري بدر عبد العاطي يستقبل نظيره الإيراني عباس عراقجي في القاهرة العام الماضي (الخارجية المصرية)
وزير الخارجية المصري بدر عبد العاطي يستقبل نظيره الإيراني عباس عراقجي في القاهرة العام الماضي (الخارجية المصرية)

في وقت تعوِّل فيه أطراف إقليمية على إمكان إحراز تقدم ملموس في المفاوضات الأميركية - الإيرانية عقب جولة استكشافية عُقدت، الجمعة الماضي، شددت مصر على أهمية التوصل إلى تسوية سلمية توافقية بين واشنطن وطهران، بما يمنع اندلاع حرب جديدة في المنطقة.

وجاء ذلك خلال اتصال هاتفي تلقّاه وزير الخارجية المصري بدر عبد العاطي من نظيره الإيراني عباس عراقجي، مساء الاثنين، في إطار اتصالات مكثفة تجريها القاهرة بصورة شبه يومية مع الأطراف المعنية بالمسار التفاوضي بين الولايات المتحدة وإيران.

وأكد عبد العاطي أهمية «مواصلة مسار المفاوضات بين الجانبين الأميركي والإيراني، وصولاً إلى تسوية سلمية وتوافقية تعالج شواغل جميع الأطراف، على أساس الاحترام المتبادل والمنفعة المشتركة»، مشدداً على «ضرورة تجاوز أي خلافات خلال هذه المرحلة الدقيقة»، وعلى أن «الحوار يظل الخيار الأساسي لتفادي أي تصعيد في المنطقة»، وفق بيان لوزارة الخارجية المصرية.

وكان دبلوماسيون أميركيون وإيرانيون قد عقدوا محادثات غير مباشرة بوساطة عُمانية في مسقط، الأسبوع الماضي، في محاولة لإحياء المسار الدبلوماسي، بعد أن أرسل الرئيس الأميركي دونالد ترمب تعزيزات بحرية إلى المنطقة؛ ما أثار مخاوف من عمل عسكري جديد. وأطلع عراقجي نظيره المصري، خلال الاتصال، على تطورات جولة المفاوضات الأخيرة.

ويرى الخبير في الشؤون الإيرانية بمركز الأهرام للدراسات السياسية والاستراتيجية، محمد عباس ناجي، أن تعدد الاتصالات بين مسؤولين مصريين وإيرانيين خلال الأيام الماضية يهدف إلى «تقديم أفكار يمكن أن تسهم في الوصول إلى نقاط تلاقٍ مشتركة بين طهران وواشنطن»، مضيفاً أن «القاهرة تسعى لمنع اندلاع حرب جديدة في المنطقة ستكون إسرائيل المستفيد الأول منها، ومن ثم ستتضرر منها بقية الأطراف الفاعلة في المنطقة، وستقود كذلك إلى أزمات اقتصادية وتهديدات للملاحة في البحر الأحمر والمناطق التي لدى إيران نفوذ فيها».

وأضاف ناجي في تصريح لـ«الشرق الأوسط»: «تستفيد مصر من وجود علاقات جيدة مع الأطراف الرئيسية في الأزمة خصوصاً مع تحسُّن العلاقات مع إيران، إلى جانب المشاورات المستمرة بين الوزير عبد العاطي ومبعوث الرئيس الأميركي ستيف ويتكوف، إلى جانب العلاقة القوية مع الوكالة الدولية للطاقة الذرية، والتنسيق مع الأطراف الإقليمية والعربية الفاعلة بشأن منع الارتدادات السلبية للتصعيد الراهن».

اتصالات مصرية تستهدف إنجاح الجهود الدبلوماسية بين إيران والولايات المتحدة (الخارجية المصرية)

وفي السياق نفسه، أجرى الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي اتصالاً هاتفياً مع نظيره الإيراني مسعود بزشكيان، الأسبوع الماضي، بالتزامن مع انطلاق المفاوضات، مؤكداً دعم مصر الكامل لها، ومشدداً على أنه «لا توجد حلول عسكرية لهذا الملف، وأن السبيل الوحيد يتمثل في الحوار والتفاوض بما يراعي مصالح جميع الأطراف».

كما حرص وزير الخارجية العُماني بدر البوسعيدي على إطلاع عبد العاطي على مجريات المفاوضات، بالتوازي مع اتصالات أجرتها القاهرة مع المدير العام للوكالة الدولية للطاقة الذرية رافائيل غروسي.

وكان التصعيد الأميركي - الإيراني حاضراً أيضاً في مؤتمر صحافي عقده عبد العاطي مع نظيره السنغالي شيخ نيانغ، حيث كشف عن «توجيهات يومية ومستمرة من الرئيس السيسي بشأن الملف الإيراني»، في إطار العمل على منع أي تصعيد جديد.

وأكد عبد العاطي أن هذه التحركات تتم «بتنسيق كامل مع السعودية وقطر والإمارات وتركيا وسلطنة عمان»، في سياق حرص مصر على دعم الأمن والاستقرار الإقليمي.

وأوضح ناجي أن القاهرة تستهدف البناء على أجواء أكثر إيجابية بعد استئناف المفاوضات، مع التعويل على إمكان عقد جولات جديدة قريباً، لا سيما مع زيارة أمين المجلس الأعلى للأمن القومي الإيراني علي لاريجاني إلى مسقط، مرجحاً أن تحمل الزيارة رداً إيرانياً على أفكار أميركية طُرحت في الجولة الأولى، لكنه في الوقت نفسه وصف المشهد الحالي بأنه «تخفيض حذر للتصعيد»، في ظل استمرار الحشد العسكري الأميركي، ومساعي إسرائيل للتأثير في المسار التفاوضي، مع بقاء فجوات واسعة بين واشنطن وطهران.

وأشار ناجي إلى أن العودة إلى «اتفاق القاهرة» الموقَّع، العام الماضي، بين إيران والوكالة الدولية للطاقة الذرية قد تبقى خياراً مطروحاً إذا جرى التوصل إلى صفقة حول البرنامج النووي الإيراني، بما يتيح تطوير آليات التفتيش بما يتلاءم مع التطورات الحالية.