كيف رصدت أعمال عادل إمام التطورات الاجتماعية والسياسية بمصر؟

«وثائقي» جديد يكشف أسرار بقائه على القمة طويلاً

عادل إمام (حسابه على «فيسبوك»)
عادل إمام (حسابه على «فيسبوك»)
TT

كيف رصدت أعمال عادل إمام التطورات الاجتماعية والسياسية بمصر؟

عادل إمام (حسابه على «فيسبوك»)
عادل إمام (حسابه على «فيسبوك»)

لم يكن عادل إمام فناناً كوميدياً نجح في إضحاك الجمهور فقط، رغم أنها ليست مهمة سهلة وفق نقاد، لكنه ظل صاحب موقف سياسي عبّر عنه في أفلامه، لا سيما التي حملت رؤية سياسية في مواجهة أزمات المجتمع من الإرهاب، إلى الفتنة الطائفية، والفسادَين السياسي والاجتماعي، وهي الأفلام التي وضعته على قائمة المستهدف اغتيالهم من قبل الجماعات الإرهابية.

يتطرق الفيلم الوثائقي «عادل إمام... ذاكرة أمة»، الذي أنتجته قناة «العربية» وعرضته مساء (الجمعة)، لمسيرة عادل إمام الفنية، وكيف عكست أفلامه الواقع السياسي، مُسلطاً الضوء على الدور الذي لعبه الفنان الكبير في إيصال رسائله فيما يتعلق بالقضايا السياسية، والاجتماعية التي مرت بها مصر على مدى أكثر من 60 عاماً، التي جعلت من أفلامه ذاكرة مصر السياسية والاجتماعية، منذ ظهوره الأول بمسرحية «أنا وهو وهي» في عهد الرئيس جمال عبد الناصر عام 1962. وذاع صيته في حقبة السادات عام 1973 عبر مسرحية «مدرسة المشاغبين»، ثم تربعه على قمة الحياة الفنية في عهد مبارك، وكيف مكّنه فنه من البقاء على القمة طويلاً.

فاروق حسني وزير الثقافة الأسبق متحدثاً عن عادل إمام بالفيلم الوثائقي (العربية)

تتقاطع بالفيلم، الذي يتمتع بسرعة الإيقاع والانتقال السريع بين لقطة وأخرى، آراء شخصيات سياسية وفكرية وفنية، ترصد تأثير «الزعيم» في المواطن البسيط، وجرأة مواقفه السياسية، من بينهم وزير الثقافة الأسبق فاروق حسني، ومصطفى الفقي، والكاتب حلمي النمنم وزير الثقافة الأسبق، والإعلامي عماد الدين أديب، والفنانة يسرا، متضمناً حوارات للنجم الكبير أجرتها الإعلامية راندا أبو العزم، مدير مكتب قناة «العربية» بالقاهرة في توقيتات مختلفة، تم توظيفها بالفيلم، وجاءت زاخرة بآرائه التي تعكس إيمانه بمواقفه وبما يقدمه من أعمال، تجاوزت المحظور، واتسمت بجرأة وصدق التناول.

الإعلامي عماد الدين أديب تحدث عن إنتاجه 4 أفلام في مسيرة عادل إمام (العربية)

وكما تقول الإعلامية راندا أبو العزم، صاحبة فكرة الفيلم، التي وقفت وراء كل كبيرة وصغيرة في تفاصيل العمل: «اخترت التركيز على الدور السياسي لعادل إمام، في مواجهة الإرهاب والتطرف والجماعات الدينية المتشددة، مروراً بالإخوان والثورة، وكيف استطاع أن يعكسها في أفلامه، وأن يصل بفنه لرجل الشارع العادي، هذا هو محور الفيلم... السياسة في أفلامه، وتاريخ مصر، وكيف أصبح ذاكرة لمصر؟».

فكرة الفيلم طرحتها أبو العزم قبل 8 أشهر، وخاضت رحلة بحثية قبل الشروع في تنفيذه مثلما تقول: «بدأنا العمل منذ يناير (كانون الثاني) الماضي، وقد أنهيت الجزء الخاص بي، وحرصت على انتقاء ضيوفي، وأن أقوم بنفسي بالتسجيل معهم، وقد كانوا على وعي رائع، ومنحوني ما كنت أتطلع إليه، وبعدما أنهيت الجزء الخاص بي، قام زملائي بقسم (الوثائقيات) باستكمال العمليات الفنية».

يكشف الفيلم عن محاولة اغتيال الفنان الكبير، وأنه بدءاً من أفلامه «الإرهاب والكباب» و«الإرهابي» و«طيور الظلام» تم وضع اسمه على رأس الشخصيات المستهدفة بالاغتيال، وأن عادل إمام كان يعلم ذلك، لكنه لم يكن يعلم تفاصيل هذه الخطة، التي تحدث عنها بالفيلم محمد كروم العضو السابق بالجماعات الإسلامية، حيث كشف عن أنه جاءه تكليف مباشر من عبود الزمر - الذي حُكم عليه بالسجن لمشاركته باغتيال الرئيس السادات - باغتيال عادل إمام قائلاً: «اقتلوه ولا تسألوني عن شيء». وحسبما يقول كروم: «كانت الخطة أن يتم اغتياله خلال عرض مسرحية (الزعيم) بمسرح الهرم، لكن كانت المشكلة أنه كان يتمتع بحراسة شديدة». وترى أبو العزم أن كشف هذه المؤامرة جاء بعد 30 عاماً من التخطيط لتنفيذها عام 1994.

من فيلم «طيور الظلام»

يتوقف الفيلم عند توجهات عادل إمام تجاه القضايا العربية، بدءاً من القضية الفلسطينية التي قدمها في أكثر من عمل فني، و«مذبحة قانا» حينما وقف خلال عرض مسرحية «بودي جارد» وأوقد الشموع، وهجومه على الموقف الأميركي خلال غزو العراق، ليؤكد على نحو عملي أن الفنان الحقيقي يعكس بفنه قضايا مجتمعه.

وقال إمام ضمن تصريحات سابقة له: «أعلنت الحرب على التطرف والإرهاب بالفن، ووقفنا ضد دعاة التفرقة الذين أرادوا إشاعة الفرقة بيننا (مسلمين ومسيحيين)، الفن عموماً هو مرآة تعكس ضمير الأمة».

وتضيف الإعلامية: «التقيت النجم الكبير منذ اختياره سفيراً لشؤون اللاجئين عام 2000 ولدينا رصيد كبير من اللقاءات معه، وحضرنا خلال تصويته في مختلف الانتخابات، ومعرفتي به قديمة وتنطوي على ثقة واحترام».

لقطة من مسرحية «الزعيم» (أرشيفية)

لا تظهر أسرة عادل إمام بالفيلم، بينما يظهر نجله المخرج رامي إمام في تسجيل قديم، وتقول أبو العزم: «كنت أتمنى أن ألتقي الفنان مجدداً، لكنني أعلم أن ظروفه الصحية لا تسمح، لكنه علم بعرض الفيلم أمس، وأتمنى أن يشاهده، ويسعد به، والفيلم أعدّه رسالة مهمة للأجيال الجديدة التي لا تعرف أن لهذا الفنان مواقف سياسية ساندت قضايا مصر والعالم العربي».

من جانبه أعرب الدكتور مصطفى الفقي، مدير مكتبة الإسكندرية السابق، عن سعادته بالمشاركة في «وثائقي عادل إمام»، قائلاً في تصريحات خاصة لـ«الشرق الأوسط»: «تربطني علاقة صداقة وطيدة بـ(الزعيم) منذ كنا طلبة في جامعة القاهرة، حيث كان عادل يدرس في كلية الزراعة، ويسبقني بعامين أو ثلاثة، بينما كنت أدرس أنا في كلية الاقتصاد والعلوم السياسية».

وأشار الفقي إلى أن «ميول إمام الفنية بدأت في السطوع على مستوى الإخراج والتمثيل بشكل كبير خلال الجامعة، وقد تابعت مسيرته من خلال الفنان صلاح السعدني زميل عمره، بحكم صلتي وقربي من الكاتب محمود السعدني، شقيق صلاح السعدني، وكانت أخباره تصلني ومتاحة لي، بجانب تواصلنا معاً بشكل دائم وشخصي».

وأوضح الفقي: «عندما عملت في مؤسسة (الرئاسة المصرية) كنت ألتقي إمام بشكل مستمر، وكنت أحترم كبرياءه بوصفه فناناً، وتفرده وذكاءه، فهو لم يكن فناناً كوميدياً فقط، بل شخصية عامة تحظى بالاحترام... شخصية مثقفة ومتعلمة وثرية تعي جيداً ما يدور حولها».

وعدّ الفقي عادل إمام «علامة مصرية» لم يأتِ مثيل لها، مضيفاً: «لم يتربع على عرش دولة في الفن مثلما فعل عادل إمام من خلال مسيرة امتدت لأكثر من 60 عاماً، فهو فنان فريد من نوعه، وعطاؤه متجدد، فقد أسهم من خلال أعماله في محاربة الإرهاب والوقوف ضد المشكلات الكبرى في بلادنا، حتى عندما نذهب لأي دولة عربية، يحدثوننا عن عادل إمام؛ لأنه علم مصري».


مقالات ذات صلة

تداعيات الطلاق حاضرة بمسلسلات رمضانية في مصر

يوميات الشرق الملصق الترويجي لمسلسل «وننسى اللي كان» (الشركة المنتجة)

تداعيات الطلاق حاضرة بمسلسلات رمضانية في مصر

يناقش عدد من الأعمال الدرامية المصرية المقرر عرضها في شهر رمضان المقبل على الشاشات والمنصات المختلفة تداعيات الطلاق على الأسر وتضرر الأبناء.

أحمد عدلي (القاهرة)
يوميات الشرق الدكتور أشرف زكي نقيب المهن التمثيلية (المركز الإعلامي للنقابة)

مصر: «الأعلى لتنظيم الإعلام» يبحث شكوى نقيب «المهن التمثيلية» ضد «تيك توكر»

أكدت النقابة في بيانها أن قرار إيقاف المسلسل جاء بعد توجيه أكثر من تنبيه وتحذير للمنتج بلال صبري بضرورة الالتزام بلوائح النقابة والقوانين المنظمة للعمل الفني.

داليا ماهر (القاهرة )
يوميات الشرق حنان مطاوع في أكثر من إطلالة خلال رمضان المقبل («فيسبوك» الفنانة)

فنانون مصريون يرفعون شعار «عمل واحد لا يكفي» في رمضان

يتّجه عدد من الفنانين المصريين إلى خوض أكثر من تجربة درامية في موسم رمضان 2026، رافعين شعار: «عمل واحد لا يكفي».

أحمد عدلي (القاهرة )
يوميات الشرق الملصق الترويجي لمسلسل «منّاعة» بعد تعديله (الشركة المنتجة)

مصر: أزمات تحاصر مسلسل «منّاعة» لهند صبري

يتعرض المسلسل المصري «مناعة»، بطولة الفنانة هند صبري، لأزمات عدة قبيل انطلاق ماراثون دراما رمضان؛ إذ شهد مشادات بين بطلاته في الكواليس.

داليا ماهر (القاهرة)
يوميات الشرق الملصق الترويجي للمسلسل الإذاعي «الفهلوي» (فيسبوك)

فنانون مصريون يعوّضون غيابهم التلفزيوني بالحضور الإذاعي في رمضان

الإذاعة تتحوّل إلى مساحة حقيقية للفن في رمضان، تجمع بين نجوم الفن والجمهور بعيداً عن شاشات التلفزيون.

داليا ماهر (القاهرة )

إعلان 2029 عاماً ثقافياً مشتركاً بين بريطانيا والسعودية

ولي العهد البريطاني ووزير الثقافة السعودي في العلا أمس (رويترز)
ولي العهد البريطاني ووزير الثقافة السعودي في العلا أمس (رويترز)
TT

إعلان 2029 عاماً ثقافياً مشتركاً بين بريطانيا والسعودية

ولي العهد البريطاني ووزير الثقافة السعودي في العلا أمس (رويترز)
ولي العهد البريطاني ووزير الثقافة السعودي في العلا أمس (رويترز)

أنهى ولي العهد البريطاني الأمير ويليام جولة له في العلا التاريخية، أمس، في إطار زيارته للمملكة العربية السعودية، وذلك بعد إعلان السعودية والمملكة المتحدة 2029 عاماً ثقافياً مشتركاً لتعزيز التبادل الثقافي والفني والتعليمي بين البلدين الصديقين.

وكان وزير الثقافة السعودي الأمير بدر بن عبد الله بن فرحان قد استقبل الأمير ويليام، واصطحبه في جولة شملت أبرز المعالم الأثرية، إضافة إلى البلدة القديمة بالعلا ومحمية شرعان الطبيعية.

ورحّب وزير الثقافة السعودي بالأمير ويليام في تغريدة على حسابه على موقع «إكس»، قائلاً: «أهلاً بسمو الأمير ويليام، أمير ويلز، في العلا، حيث يعزز التعاون بين الهيئة الملكية لمحافظة العلا والمؤسسات الثقافية البريطانية الشراكة الاستراتيجية والتاريخية بين البلدين الصديقين».


نبيل نحاس يمثل لبنان في بينالي البندقية بتجهيزه «تعددٌ بلا حدود»

نيكولا فياض والفنان نبيل نحاس وندى غندور والوزير غسان سلامة وشارل كتانة (جمعية الفنون البصرية اللبنانية)
نيكولا فياض والفنان نبيل نحاس وندى غندور والوزير غسان سلامة وشارل كتانة (جمعية الفنون البصرية اللبنانية)
TT

نبيل نحاس يمثل لبنان في بينالي البندقية بتجهيزه «تعددٌ بلا حدود»

نيكولا فياض والفنان نبيل نحاس وندى غندور والوزير غسان سلامة وشارل كتانة (جمعية الفنون البصرية اللبنانية)
نيكولا فياض والفنان نبيل نحاس وندى غندور والوزير غسان سلامة وشارل كتانة (جمعية الفنون البصرية اللبنانية)

عُقد مؤتمرٌ صحافي في المكتبة الوطنية اللبنانية، بحضور وزير الثقافة غسان سلامة، حيث قدّمت المفوّضة العامّة ومنسّقة جناح لبنان ندى غندور، تجهيزاً ضخماً للفنان نبيل نحاس بعنوان «تعدّدٌ بلا حدود»، الذي سيمثل لبنان في الدورة الـ61 من المعرض الدولي للفنون – بينالي البندقية.

ويُقام جناح لبنان لهذه السنة في بينالي البندقيّة تحت رعاية وزارة الثقافة، ومن تنظيم «الجمعية اللبنانية للفنون البصرية»، وذلك من 9 مايو (أيار) إلى 22 نوفمبر (تشرين الثاني) 2026.

خلال كلمته في المؤتمر، هنأ الوزير غسان سلامة الفنان نبيل نحّاس على اختياره ليمثّل لبنان في المعرض الدولي للفنون - بينالي البندقيّة. وهو خيار يعكس اهتماماً بالمبدعين اللبنانيين الذين يتنقّلون بين الداخل والخارج، فيما يبقى تعلّقهم ببلدهم ثابتاً. وقال سلامة: «نحن اليوم في مرحلة إعادة بناء ثقة العالم بلبنان، وأعتقد أن للمبدعين دوراً أساسياً في استعادة هذه الثقة، إذ تعود أيضاً من خلال إبراز صفة لبنان الأساسية بوصفه نبعاً لا ينضب للإبداع والخلق والإنجازات».

وشكر الوزير سلامة الجمعية اللبنانية للفنون البصرية على ما قامت به هذا العام وفي الأعوام السابقة لتأكيد وجود لبنان في المنطقة.

منسّقة جناح لبنان ندى غندور (جمعية الفنون البصرية اللبنانية)

وفي كلمتها، قالت ندى غندور إن «الجناح اللبناني في عام 2026 يمثل احتفاءً بالإبداع والأُخُوة. وفي وقت يتزعزع فيه العالم ويزداد اضطراباً، من الضروري أن ترفع البلدان صوتاً آخر غير صوت العنف».

وأضافت: «إذ لا بدَّ من إتاحة المجال لقدرة الخيال والمهادنة التي يقدمها الفنانون الذين يحملون لغة مشتركة ومنفتحة وحرة؛ لأن الفن قادر على خلق روابط تتجاوز الحدود الجغرافية والثقافية والتاريخية والآيديولوجية».

ويستكشف الفنّان نبيل نحاس في تجهيزه «تعدّدٌ بلا حدود»، الرابطَ القائم بين الإنسان والطبيعة والكون، فيطرح تجربة بصريّة وروحانيّة، موظِّفاً المشهدية اللافتة في خدمة التأمل الذاتي.

يشكّل هذا العمل مرآة الهويّة المرنة والمتعددة ثقافياً التي يتميّز بها لبنان، كما يحتفي بثيمة الوحدة في التنوّع وجمال الأضداد؛ وذلك في امتداد للبحث الفني الذي يعمل نبيل نحاس على تطويره منذ عقود متنقلاً بين لبنان والولايات المتّحدة الأميركيّة.

يتألّف التجهيز الفني الممتد على طول 45 متراً والمعرض في موقع «آرسنال»، من 26 لوحة أكريليك على قماش بارتفاع 3 أمتار. تشكل هذه الأعمال المتلاصقة جنباً إلى جنب، إفريزاً ضخماً يطوِّق زوّاره ويدعوهم إلى الانغماس فيه.

التجهيز مستوحى من المنمنمات الفارسيّة، ويتحرَّر من قيود السرد الخطي والقراءة الأحادية المسار، ليقدم تجربة مصممة لتُعاش وتتنفس بدلاً من أن تكون صُوراً يجب تفسيرها.

وتتميّز اللوحات بلغة فنية كثيفة وثرية، حيث تتلاقى تجريدات هندسية مستوحاة من الفن الإسلامي والغربي في الوقت نفسه مع التجسيد، وبنى متوهّجة تجتمع لتخلق استمرارية مُباغتة غير متوقّعة.

تستحضر الأشكال الهندسية البنية الرياضية الدقيقة للنظام الكوني: كوحدة واحدة، فالكون متألّف من اللامتناهي الصِغَر واللامتناهي الكِبَر. هكذا تتكرَّر بعض الموتيفات على مختلف المقاييس في عالم الحيوان وفي الطبيعة لتذكِّرنا بأن الإنسان إنما ينتمي إلى كلٍّ لا متناه. علاوة على ذلك، يأتي شكل اللولب وهو رديف اللانهاية المأخوذة عن الطقوس الصوفيّة، ليشكل قوة منوّمة تؤثر في العقل في إيماءة إلى البحث الداخلي والحميم.

الفنان نبيل نحّاس إلى جانب أحد أعماله الفنية (الشرق الأوسط)

أما حضور الشجرة المركزي في أعمال نبيل نحّاس، فيجسد التوتر القائم بين التجذّر والتسامي، وذلك من خلال الأشجار التوراتيّة التي يوظّفها، على غرار الأرزة. هذه الشجرة الأسطوريّة من جبال لبنان رديفة الصمود والصلابة، وكذلك شجرة الزيتون رمز الحياة.

ويحتفي نبيل نحّاس في هذا التجهيز بلبنان كأرض تلاقٍ، تجتمع فيها الثقافات المتجذّرة منذ قرون لتشكل هوية متعددة. وبدلاً من أن تكون هذه الهويّة مجرّد تراكم لشرذمات غير متناسقة، باتت ممثّلة هنا في العمل على أنها مادّة حية ومتماسكة وفي حركة دائمة.

يأخذ الفنان، الذي نشأ في مدينة جبيل وتأثر بطبقاتها الأثرية المتراكمة، بعين الاعتبار أن تاريخ لبنان، ملتقى طرق استثنائي شهد على نشوء حضارات عظمى ومن ثمَّ تعاقبها وتلاقيها. على هذا المنوال، فإنّ التأثيرات اليونانية - الرومانية، واليهودية - المسيحية، والبيزنطية والإسلامية الحاضرة في أعمال نبيل نحّاس تشير إلى مواريث البلاد العائدة إلى قرون غابرة والمتكدّسة في طبقات.

ويمكن قراءة «تعدّدٌ بلا حدود» على أنّه تصوير دقيق لتضاريس البلاد. فبالنسبة إلى الفنان، تُقدم ذاكرة الأرض الأم تعددية صوتية تصوغها رجعات وترددات تصل بأصدائها حتى حياته نفسها: فبعد نشوئه بين لبنان والقاهرة، استقر نبيل نحّاس في نيويورك. وعقِب 18 عاماً من الغياب، ومع انتهاء الحرب الأهليّة، عاد إلى لبنان في زيارة قصيرة كانت بداية عودات لاحقة متزايدة.

نبيل نحّاس هو أحد أبرز الفاعلين في المشهد الفني المعاصر. هو رسام لبناني - أميركي، ولد في بيروت عام 1949 واستقر في الولايات المتّحدة الأميركيّة منذ 1969، حيث حاز البكالوريوس في الفنون الجميلة من جامعة ولاية لويزيانا ثمّ الماجستير من جامعة ييل عام 1972. يقيم ويعمل حالياً بين بيروت ونيويورك.

تدخل أعمال نبيل نحّاس ضمن مجموعات مؤسّسات رئيسية على غرار: المتحف البريطاني (لندن)، ومتحف «تيت للفنّ الحديث والمعاصر» (لندن)، والمتحف العالي للفنون (أتلانتا، الولايات المتّحدة الأميركية)، ومتحف «المتروبوليتان» للفنون (نيويورك)، ومتحف «زيميرلي» للفنون في جامعة روتجرز (ولاية نيوجيرسي، أميركا)، ومتاحف أميركية كثيرة أخرى، إضافة إلى مؤسّسة «بارجيل» للفنون (الشارقة)، والمتحف العربي للفن الحديث (الدوحة)، ومؤسّسة «رمزي وسعيدة دلّول» للفنون (بيروت)، ومتحف غوغنهايم (أبوظبي).


رحيل سعيد السريحي بعد رحلة لقلم أثرى الحركة الأدبية والثقافية

الناقد والأديب السعودي سعيد السريحي (قناة الشرق)
الناقد والأديب السعودي سعيد السريحي (قناة الشرق)
TT

رحيل سعيد السريحي بعد رحلة لقلم أثرى الحركة الأدبية والثقافية

الناقد والأديب السعودي سعيد السريحي (قناة الشرق)
الناقد والأديب السعودي سعيد السريحي (قناة الشرق)

رحل الأديب والناقد السعودي الدكتور سعيد السريحي عن عمر ناهز 73 عاماً، تاركاً خلفه إرثاً فكرياً ونقدياً أسهم من خلاله في إثراء ملامح المشهد الثقافي العربي.

ونعت الأوساط الثقافية والأدبية السعودية والعربية، الدكتور سعيد السريحي عقب إعلان خبر وفاته الأربعاء، وذلك بعد أن تعرض لحالة مرضية قبل بضعة أشهر دخل على أثرها العناية المركزة.

ووجَّه الأمير بدر بن عبد الله بن فرحان، وزير الثقافة السعودي، التعازي في وفاة الناقد سعيد السريحي لعائلته وذويه، وذلك عبر منشور على حسابه بمنصة «إكس» للتواصل الاجتماعي.

واستذكر المعزون رحلة السريحي الذي بذل عمره ووقته وجهده في إثراء الحركة الثقافية والأدبية في الوطن العربي، وقدم الكثير من العطاءات والإنتاج الذي سجله واحد من رواد الثقافة والأدب في العالم العربي.

ولد السريحي بمدينة جدة عام 1953، وتأثر منذ صغره ببيئتها الثقافية المتنوعة، وحصل على درجة الدكتوراه من جامعة أم القرى، وهو صاحب الأطروحة الشهيرة «حركة التجديد في لغة الشعر العربي الحديث»، التي أحدثت جدلاً واسعاً في الأوساط الأكاديمية آنذاك، وأصبحت مرجعاً أساسياً في نقد الحداثة.

وارتبط اسم الراحل بتجربته في أروقة الصحافة، والأندية الأدبية، حيث عمل مشرفاً على القسم الثقافي لصحيفة «عكاظ» السعودية، ولسنوات طويلة رعى حراكاً صحافياً لم تهدأ وتيرته، وتبلور فيها قلمه النقدي الذي جمع بين الفلسفة والأدب والاجتماع.

وفي فترتي الثمانينات والتسعينات، كان للسريحي وجيل من المثقفين والأدباء من مجايليه صولات في حقبة الأندية الأدبية، وأسهم من خلال دوره وحضوره في نادي جدة الأدبي، في صياغة ملامح الحراك الثقافي السعودي الذي ازدهر بجدال الأفكار والاتجاهات.

وتحولت قصة نيل السريحي لدرجة «الدكتوراه» رمزاً للصراع بين تيار الحداثة والتيار التقليدي في الثمانينات، عندما توجَّه إلى جامعة أم القرى بمكة المكرمة بأطروحته «حركة التجديد في لغة الشعر العربي الحديث»، التي قدم فيها تشريحاً نقدياً عميقاً للغة الشعرية، مستخدماً أدوات نقدية حديثة. لكن قرار إدارة الجامعة المفاجئ بسحب الدرجة العلمية أو حجبها، تسبَّب في اندلاع جدل واسع وتضامن من كبار المثقفين العرب والسعوديين.

وقدَّم السريحي مجموعة إصدارات مهمة عكست قدرته على تفكيك النصوص وإعادة قراءتها بعيداً عن القوالب الجاهزة، ومن أهم مؤلفاته «تقليب الحطب على النار» وهو دراسات في السرد، و«حجاب العادة» أركولوجيا الكرم من الخطاب إلى التجربة، و«غواية الاسم» في سيرة القهوة وخطاب التحريم، و«الحياة خارج الأقواس» التي سجل فيها سيرة ذاتية وفكرية سرد فيها محطات من حياته بأسلوب أدبي رفيع.