مآسيهم تهز أوروبا.. أزمة لاجئين كبرى تلوح في الشرق الأوسط

سوريا أكبر مصدر لهم في العالم.. والجهود الإنسانية لإغاثتهم تتداعى

جنود مجريون يضبطون الأسلاك الشائكة فوق سور على الحدود لمنع تدفق اللاجئين الذين يشكل السوريون غالبيتهم (رويترز)
جنود مجريون يضبطون الأسلاك الشائكة فوق سور على الحدود لمنع تدفق اللاجئين الذين يشكل السوريون غالبيتهم (رويترز)
TT

مآسيهم تهز أوروبا.. أزمة لاجئين كبرى تلوح في الشرق الأوسط

جنود مجريون يضبطون الأسلاك الشائكة فوق سور على الحدود لمنع تدفق اللاجئين الذين يشكل السوريون غالبيتهم (رويترز)
جنود مجريون يضبطون الأسلاك الشائكة فوق سور على الحدود لمنع تدفق اللاجئين الذين يشكل السوريون غالبيتهم (رويترز)

في الوقت الذي تتركز فيه أنظار العالم على عشرات الآلاف من اللاجئين السوريين الذين يجتاحون أوروبا، فإن أزمة أخرى ربما أعمق بكثير بدأت تتكشف ملامحها في دول الشرق الأوسط التي تحملت الجزء الأكبر من تبعات الإخفاق في حسم الحرب السورية.
في الواقع، فإن من يصلون لأوروبا يشكلون نسبة ضئيلة من إجمالي 4 ملايين سوري فروا إلى لبنان والأردن وتركيا والعراق، مما جعل سوريا أكبر مصدر للاجئين في العالم وأسوأ أزمة إنسانية طارئة على امتداد أكثر من أربعة عقود.
ومع دخول القتال العام الخامس، تتزايد قناعة وكالات الإغاثة والدول المستضيفة للاجئين والسوريين أنفسهم بأن الجزء الأكبر من الأزمة الراهنة لن ينقشع قريبًا، مما يخلق أمام المجتمع الدولي أزمة طويلة الأمد لا يزال هو مفتقرًا إلى الأدوات المناسبة لتناولها، وهي أزمة قد تثير حالة عميقة من زعزعة الاستقرار بالمنطقة والعالم ككل.
ويعد هذا الإخفاق دبلوماسيًا بالأساس، حسبما يرى أنتونيو غوتيريس، المفوض السامي للأمم المتحدة لشؤون اللاجئين.
يذكر أن الصراع الدائر في سوريا خلف وراءه 250 ألف قتيل على الأقل في القلب الاستراتيجي للشرق الأوسط، وشرد أكثر من 11 مليون شخص. ومع ذلك، لم تظهر حتى الآن عملية سلام ولا يلوح في الأفق حل أو نهاية لهذا الصراع.
والآن، بدأت الجهود الإنسانية في التداعي أيضًا، جراء تراجع الاهتمام وانحسار التبرعات وتفاقم الاحتياجات. وقد تلقت الأمم المتحدة أقل من نصف المبلغ الذي أعلنت عن حاجتها إليه لرعاية اللاجئين على امتداد الأعوام الأربعة الماضية. وحاليًا، يجري خفض المساعدات وتجميد برامج، في اللحظة ذاتها التي تنفد فيها مدخرات أولئك الذين فروا من ديارهم على عجل، على أمل أن يعودوا إليها سريعًا، وكذلك المساعدات التي تلقوها لاحقًا.
وعن هذا الوضع، قال غوتيريس خلال مقابلة أجريت معه: «إنها مأساة لا نظير لها في الماضي الحديث»، محذرًا من أن الملايين قد ينتهي بهم الحال من دون مساعدة تعينهم على البقاء أحياء.
في الواقع، إنها مأساة لم تكشف عن ثمنها الحقيقي بعد.
في شتى أرجاء الشرق الأوسط، ينتشر اللاجئون العاجزون المعوزون حول المدن والمزارع، ليذكروا الجميع بإهمال العالم لهم. وينتشرون في شوارع بيروت وإسطنبول وعمان، وكذلك المدن والقرى فيما بينها، حيث يبيعون المناديل الورقية أو الزهور أو يتسولون للحصول على كسرة خبز.
عن هذا الوضع، قالت جميلة محمود، 53 عامًا، التي تعيش مع حفيدتها، 7 سنوات، على الإعانات في المنيا بالبقاع اللبناني: «هذه ليست حياة. إننا أحياء فقط لأننا لسنا موتى». يُذكر أن المنيا عبارة عن معسكر من الخيام على امتداد الطريق السريع الساحلي شمال لبنان.
وعليه، فإن من يستطيع الرحيل لا يتردد إزاءه، وتعتمد الأسر على مدخراتها وتقترض من أصدقاء ليدفعوا لمهربين كي يحشروهم في قوارب تعبر البحر المتوسط إلى أوروبا وفرصة أفضل للعيش.
يُذكر أن السوريين شكلوا النسبة الأكبر بين طالبي اللجوء السياسي لأوروبا على مدار العامين الماضيين، وترتفع أعدادهم بسرعة، وتحديدًا، شكل السوريون 63 في المائة من إجمالي 160 ألف شخص وصلوا إلى اليونان بحرًا هذا العام.
ومع ذلك، فإن أوروبا خيار قائم أمام اللاجئين القادرين على دفع ما بين 5000 و6000 دولار يطلبها المهربون.
وتوحي أدلة شفهية بناءً على مقابلات أجريت مع سوريين في تركيا ولبنان، بأن من أقدموا بالفعل على هذه الرحلة، عادة ممن كانوا ميسورين قبل اندلاع الحرب. وهناك آخرون يدخرون القليل الذي يحصلون عليه أو يكسبونه، ويبيعون أرضهم وممتلكاتهم، على أمل أن يتمكنوا أيضًا من القيام بهذه الرحلة.
وبالنسبة لغالبية اللاجئين، فإنه لا مفر من المخيمات المتردية أو مذلة الاستجداء، أو اليأس الصامت في الانتظار، في فقر مدقع داخل المخيمات التي أقامتها الحكومات أو مفوضية اللاجئين في لبنان والأردن حتى تضع الحرب أوزارها.
ومن الواضح حجم المخاطرة التي تحملها هذه المأساة الإنسانية بالنسبة للدول الإقليمية الهشة بالفعل. وتشير الإحصاءات إلى أن قرابة 750 ألف طفل لم يلتحقوا بمدارس، بينما يعاني آباؤهم من البطالة في سن الشباب، ويدخل المراهقون سن الشباب من دون أمل في إيجاد عمل لدوام كامل.
وقد استمرت هذه الأزمة لفترة طويلة لدرجة أنست بعض الأطفال من أين أتوا. من ناحيته، لا يزال رشيد حمادي، 9 سنوات، يتذكر منزله الذي كان يضم غرفا له ولأشقائه وبه حديقة مزدانة بالورود، لكنه لا يزال يتذكر أيضًا دبابات وأصوات رصاص وجريه خوفًا من القنابل. إلا أنه تردد في الإجابة عن سؤال حول اسمه بلدته، واكتفى بالقول: «لا أتذكر»، أما بشرى، 11 عامًا، فقد بدأت تنسى كيفية القراءة.
على الجانب الآخر، فإن عدم اندلاع اضطرابات خطيرة بسبب اللاجئين حتى الآن، فإنها حقيقة تعد بمثابة شهادة لصلابة كل من السوريين والدول التي تستضيفهم، حسبما قالت روشيل ديفيز، البروفسورة المساعدة بمركز الدراسات العربية المعاصرة بجامعة جورج تاون. إلا أنها استطردت بأنه «لا يمكن أن يعج 25 % من بلادك بمواطني دولة أخرى، من دون أن تصبح لديك مشكلات».
في تركيا، الدولة الوحيدة بالمنطقة التي رحبت باللاجئين، جرى السماح لبعض السوريين بالعمل وارتياد مدارس وتلقي رعاية طبية. وقد حذرت الحكومة التركية مواطنيها حيال ضرورة الاستعداد لحقيقة أن وجود 1.9 مليون سوري ببلادهم البالغ إجمالي تعدادها 75 مليون نسمة، قد يصبح دائمًا.
في لبنان، تسببت الذكريات حول الدور الذي لعبه لاجئون فلسطينيون في إشعال الحرب الأهلية بين عامي 1975 و1999، في ردع الحكومة عن تحسين حياة 1.1 مليون لاجئ سوري مسجلين لدى الأمم المتحدة.
وتشير الأرقام إلى أن واحدًا على الأقل من بين كل 4 يعيشون في لبنان، لاجئ سوري، وتنتمي غالبية اللاجئين السوريين إلى المسلمين السنة، لذا فإن وجودهم يحمل مخاطرة قلقلة التوازن الطائفي الحساس بالبلاد، مثلما فعل قدوم 100 ألف لاجئ فلسطيني سنِّي بعد قيام دولة إسرائيل عام 1948 في التوازن بين المسلمين والمسيحيين.
من ناحيتها، رفضت الحكومة اللبنانية السماح ببناء مخيمات للسوريين. وعليه، ترك اللاجئون لتولي أمور معيشتهم بأنفسهم. وغالبًا ما يتجهون لاستئجار شقق سكنية دون المستوى اللائق أو يعيشون داخل مئات المعسكرات غير الرسمية التي ظهرت بمختلف أرجاء البلاد، حيث يدفعون لأصحاب الأرض في المتوسط نحو 100 دولار شهريًا مقابل النوم في خيام.
وتسببت قيود حكومية جديدة في زيادة صعوبة إيجاد السوريين لعمل أو تجديد أوراق الإقامة، مما جعلهم خائفين من مغادرة معسكراتهم. كما فرضت بعض المدن اللبنانية حظر تجوال على السوريين.
وداخل المجتمعات التي يتركز بها لاجئون، تتجلى الصدوع والفجوات بصورة صارخة. على سبيل المثال، قال علي رحيمي، صاحب متجر بمدينة طالبية القريبة: «إنها معسكرات تفرز الإرهابيين والأمراض».
وأضاف رحيمي، وهو مسلم شيعي، أن «اللبنانيين يتعرضون لصعوبات في المعيشة بسببهم، حيث قل الطعام في أيدي اللبنانيين ولم تعد لديهم وظائف. وإذا استمر هذا الحال لفترة أطول، ستندلع حرب بين اللاجئين والسكان الأصليين للبلاد».
والملاحظ أن وكالات الإغاثة بدأت بصورة متزايدة في طرح مناشداتها للحصول على مزيد من المال، ليس في صورة احتياجات إنسانية، وإنما باعتبار ذلك ضرورة استراتيجية. وهذا العام، جرى أيضًا تخصيص أموال لأكثر المجتمعات التي تستضيف لاجئين، فقرًا.
وعن هذا، قال روس ماونتن، منسق مجمل الجهود الإنسانية للأمم المتحدة في لبنان الذي أوشكت فترة عمله على نهايتها: «إنها قضية إنسانية وأمنية في الوقت ذاته. إن وجود فقراء يائسين أمر لا يتماشى مع الأمن والاستقرار».
اللافت أن مجمل جهود الإغاثة تعاني بصورة متزايدة من نقص التمويل. وقد أنفق مكتب المفوض السامي لشؤون اللاجئين التابع للأمم المتحدة أكثر من 5.6 مليار دولار على إسكان وإطعام وإعاشة سوريين منذ اشتعال القتال، لكن هذا يقل عن نصف المبلغ الذي أعلن المكتب حاجته إليه. وحتى منتصف العام الحالي، قدم المانحون 37 % فقط من إجمالي 4.5 مليار دولار قالت الأمم المتحدة إنها لازمة لإعالة اللاجئين خلال عام 2015.
من جهة أخرى، قلص برنامج الغذاء العالمي باستمرار من حصة الغذاء الشهرية بالنسبة للفرد من 40 دولارًا العام الماضي إلى 13.50 دولار، وسيوقف المساعدات تمامًا الشهر المقبل لأكثر من 200 ألف من اللاجئين الأكثر احتياجًا بين إجمالي اللاجئين البالغ 1.6 مليون شخص، حسبما أعلن البرنامج.
وبعد تركيا، التي أعلنت إنفاقها 6 مليارات دولار على رعاية اللاجئين، تأتي الولايات المتحدة في المرتبة الثانية كأكبر متبرع للجهود الإنسانية السورية، حيث قدمت حتى الآن 4 مليارات دولار للاجئين وللمشردين داخل سوريا.
إلا أن هذه الأموال، تقل عن ثلث الـ10.5 مليون دولار التي يجري إنفاقها يوميًا على الحرب الجوية التي تقودها واشنطن ضد مسلحي «داعش» في سوريا والعراق، تبعًا لما توضحه الأرقام الصادرة عن الحكومة الأميركية.
في الوقت ذاته، تشهد التبرعات الخاصة تراجعًا هي الأخرى، حيث أعلنت وكالات الإغاثة أنه لأسباب عدة، فاقت الأزمة السورية في شدتها الجهود التي بذلها جامعو التبرعات لإثارة تعاطف المواطنين العاديين.
يُذكر أن منظمة «وورلد فيجين» الأميركية للإغاثة نجحت في جمع 8 ملايين دولار خلال أسبوعين لضحايا زلزال نيبال، الذي خلف وراءه 500 ألف مشرد. في المقابل، فإنه خلال أربع سنوات، لم تفلح المناشدات لصالح اللاجئين السوريين سوى في جمع 2.7 مليون دولار، تبعًا لما أعلنه رئيس المنظمة، ريتشارد ستيرنز. وقد عزا غياب اهتمام المواطن العادي إلى تعقيد الصراع الدائر في سوريا وتنامي مشاعر الريبة حيال المسلمين بوجه عام.
وقال: «لا يشعر الناس بمودة وتعاطف عندما يتعلق الأمر بمساعدة مسلمين، لوجود اعتقاد عام بأن المسلمين لا يحملون مشاعر ودية للولايات المتحدة».
علاوة على ذلك، فإن سوريا ليست الأزمة الوحيدة التي تستدعي اهتمام المتبرعين، حيث اشتعلت بمختلف أرجاء العالم مجموعة استثنائية من الحروب والكوارث دفعت أعداد المشردين من منازلهم إلى 59.5 مليون شخص بحلول نهاية عام 2014، وهو رقم قياسي منذ نهاية الحرب العالمية الثانية، تبعًا لما كشفته مفوضية اللاجئين.
من بين هؤلاء، أكثر من 13 مليونًا تشردوا خلال العام الماضي، جراء صراعات في دول مثل أوكرانيا واليمن ونيجيريا وجمهورية أفريقيا الوسطى وجنوب السودان والعراق. كما جاء انتشار وباء «إيبولا» في غرب أفريقيا ووقوع زلزال في نيبال ليزيد الوضع تعقيدًا أمام وكالات الإغاثة. ويقدر مكتب منسق الشؤون الإنسانية التابع للأمم المتحدة أنه سيحتاج إلى 52 مليار دولار عام 2015 للتوافق مع الأزمات الطارئة، علاوة على 6.2 مليار دولار تسعى مفوضية اللاجئين التابعة للأمم المتحدة لجمعها.
ومن بين المشكلات القائمة على هذا الصعيد أن منظومة التعامل مع اللجوء السياسي جرى تصميمها في أعقاب الحرب العالمية الثانية لاستيعاب بضعة آلاف من المواطنين الفارين من القمع في الكتلة السوفياتية، تواجه حاليًا سيلا من الملايين سنويًا، حسبما شرح مايكل دبليو دويل، الذي يترأس «مبادرة السياسة العالمية» التابعة لجامعة كولومبيا.
من ناحيتها، أعلنت ألمانيا في وقت سابق من هذا الشهر أنها ستمنح إقامة مؤقتة لجميع اللاجئين السوريين الذين يصلون إليها، وتتوقع أن يفد إليها أكثر من 800 ألف لاجئ بحلول نهاية 2015. من جهتها، تحث الأمم المتحدة الدول بمختلف أرجاء العالم على منح اللجوء إلى 130 ألف سوري العام المقبل.
من جهتها، قبلت الولايات المتحدة إعادة توطين 1500 سوري لديها منذ اندلاع الصراع عام 2011، لكنها تأمل في السماح للمزيد العام المقبل، حسبما أعلنت جوليا ستريكر، المتحدثة الرسمية باسم وزارة الخارجية.
ومع ذلك، يرى مسؤولو الإغاثة أن المشكلة الأكبر أمام اللاجئين السوريين هي الحرب ذاتها. وعن ذلك، قال ماونتن، منسق الأمم المتحدة: «ما نحتاجه بشدة هو السلام في سوريا، ليس فقط لوقف قتل السوريين، وإنما كذلك لتمكين السوريين من العودة لبلادهم».
وهذا تحديدًا ما يقول اللاجئون إنهم يرغبون فيه لكن تزداد مخاوفهم حيال إمكانية عدم تحققه.

* خدمة «واشنطن بوست»
خاص بـ«الشرق الأوسط»



بيان يمني يتهم ضباطاً إماراتيين بارتكاب انتهاكات جسيمة

لجنة يمنية حقوقية وثقت مراكز احتجاز غير قانونية في جزيرة سقطرى (إعلام حكومي)
لجنة يمنية حقوقية وثقت مراكز احتجاز غير قانونية في جزيرة سقطرى (إعلام حكومي)
TT

بيان يمني يتهم ضباطاً إماراتيين بارتكاب انتهاكات جسيمة

لجنة يمنية حقوقية وثقت مراكز احتجاز غير قانونية في جزيرة سقطرى (إعلام حكومي)
لجنة يمنية حقوقية وثقت مراكز احتجاز غير قانونية في جزيرة سقطرى (إعلام حكومي)

كشفت وزارة الشؤون القانونية وحقوق الإنسان في اليمن عن تلقيها عدداً كبيراً من الشكاوى والبلاغات من مواطنين ومنظمات مجتمع مدني، تتضمن اتهامات بارتكاب جرائم خطيرة وانتهاكات جسيمة لحقوق الإنسان، نُسبت إلى مسؤولين وضباط إماراتيين، وعناصر تابعة لدولة الإمارات من الجنسية اليمنية، إضافة إلى مرتزقة أجانب، في تطور وصفته الوزارة بأنه بالغ الخطورة، ويمس جوهر سيادة القانون وحقوق المواطنين.

وأوضحت الوزارة، في بيان رسمي أن الانتهاكات المبلغ عنها شملت الاغتيالات، والاختطاف، والإخفاء القسري، والاحتجاز في سجون سرية، إلى جانب ممارسات تعذيب قاسية، مؤكدة أنها تابعت هذه الوقائع «ببالغ الاستنكار والأسى»، لما تنطوي عليه من خروقات جسيمة للقانون الوطني والمواثيق الدولية.

الحكومة اليمنية اتهمت قوات «الانتقالي الجنوبي» المنحل بارتكاب انتهاكات جسيمة (إ.ب.أ)

وأكد البيان أن ما كُشف عنه من انتهاكات ارتُكب خلال الفترة الماضية من قبل دولة الإمارات وأفراد وقوات وأجهزة تابعة لها، في وقت «كان يُفترض بدولة الإمارات احترام التزاماتها، واحترام سيادة الدولة اليمنية وأمن وسلامة مواطنيها، والمبادئ التي قام عليها تحالف دعم الشرعية بقيادة السعودية، والتي كانت جزءاً منه».

وشدّدت الوزارة في الوقت ذاته على أن الجهات والأفراد اليمنيين المعنيين يتحملون مسؤولية مباشرة في حماية المواطنين وصون أمنهم وترسيخ النظام وسيادة القانون.

اغتيالات وسجون وتعذيب

وحسب البيان، تلقت الوزارة اليمنية شكاوى وبلاغات متعددة من مواطنين يمنيين ومنظمات محلية بشأن جرائم خطيرة، شملت الاغتيالات والاختطاف والإخفاء القسري والاحتجاز في سجون سرية والتعذيب، ارتكبها مسؤولون وضباط إماراتيون، إلى جانب عناصر يمنية تابعة للإمارات ومرتزقة أجانب.

كما أشارت الوزارة إلى أنها اطلعت على تقارير إعلامية وأخرى صادرة عن منظمات يمنية وإقليمية ودولية، كشفت جانباً من هذه الانتهاكات، بما في ذلك ما ورد في تقرير منظمة «هيومن رايتس ووتش» الصادر في 30 يناير (كانون الثاني) 2026، بشأن السجون ومراكز الاحتجاز السرية التي كانت تديرها الإمارات في اليمن.

وأفادت الوزارة بأنها باشرت عمليات الرصد والتوثيق والتحقيق في هذه الانتهاكات، والتقت عدداً من الضحايا وذويهم والشهود، كما قامت بزيارة مواقع وصفتها بأنها «سجون سرية»، قالت إنها تمثل معتقلات تعذيب قاسية لا توفر أبسط الاحتياجات الإنسانية، وتتعارض مع الأعراف والقوانين ومبادئ الأخلاق والدين.

جنود جنوبيون يقفون حراساً خلال مسيرة مؤيدة لانفصال جنوب اليمن في مدينة عدن (إ.ب.أ)

وقال البيان اليمني إن هذه الانتهاكات تشكل خرقاً صريحاً للدستور والقوانين الوطنية النافذة، فضلاً عن تعارضها مع الالتزامات الدولية في مجال حقوق الإنسان.

وشدّدت وزارة حقوق الإنسان في اليمن على أن دولة الإمارات ومسؤوليها وكل من تورط في ارتكاب هذه الجرائم «لا يمكن أن يكونوا فوق القانون أو بمنأى عن المساءلة»، مؤكدة عزمها استخدام جميع الأدوات والآليات التي يكفلها النظام القانوني اليمني.

وفي إطار مهامها، أعلنت الوزارة مواصلة جهودها في رصد وتوثيق الانتهاكات، واستقبال الشكاوى من الضحايا وذويهم عبر الآليات المعتمدة، بما في ذلك الخطوط الساخنة ومكاتبها في المحافظات، لتسهيل وصول المواطنين إلى العدالة.

وختمت بيانها بالتأكيد على أن الجرائم الجسيمة لا تسقط بالتقادم، وأن العدالة وحماية حقوق الإنسان وسيادة القانون مسؤولية وطنية لا تقبل المساومة أو التجزئة.


العليمي يؤكد التزام الدولة بحرية الصحافة وحمايتها

رئيس مجلس القيادة الرئاسي اليمني رشاد العليمي خلال استقباله رئيس تحرير «عدن الغد» (سبأ)
رئيس مجلس القيادة الرئاسي اليمني رشاد العليمي خلال استقباله رئيس تحرير «عدن الغد» (سبأ)
TT

العليمي يؤكد التزام الدولة بحرية الصحافة وحمايتها

رئيس مجلس القيادة الرئاسي اليمني رشاد العليمي خلال استقباله رئيس تحرير «عدن الغد» (سبأ)
رئيس مجلس القيادة الرئاسي اليمني رشاد العليمي خلال استقباله رئيس تحرير «عدن الغد» (سبأ)

أكد رئيس مجلس القيادة الرئاسي اليمني رشاد العليمي أن حرية الصحافة، وحماية الصحافيين ستظلان التزاماً أصيلاً لقيادة الدولة، والحكومة، وركيزة أساسية من ركائز سيادة القانون، وبناء المؤسسات الوطنية الحديثة التي يتطلع إليها اليمنيون، محذراً من محاولات استنساخ انتهاكات الحوثيين التي حولت أجزاء واسعة من البلاد إلى واحدة من أسوأ البيئات لعمل الصحافيين في العالم.

وشدد العليمي على أن الكلمة الحرة تمثل جزءاً لا يتجزأ من حق المجتمع في المعرفة، وعنصراً محورياً في أي مسار جاد نحو الاستقرار، والسلام، مؤكداً التزام الدولة بتوفير بيئة آمنة للعمل الصحافي، وحماية المؤسسات الإعلامية من أي تهديد، أو ابتزاز، وردع الممارسات التي تسعى إلى فرض الرأي بالقوة، أو تقويض الحريات العامة، بما يتعارض مع الدستور، والقوانين الوطنية، والدولية.

جاءت تصريحات العليمي خلال استقباله، الاثنين، رئيس تحرير صحيفة «عدن الغد» فتحي بن لزرق، عقب تعرض مقر الصحيفة في العاصمة المؤقتة عدن لاعتداء مسلح، واقتحام عنيف، في حادثة أثارت قلقاً واسعاً في الأوساط الإعلامية، وأعادت تسليط الضوء على التحديات الأمنية التي تواجه العمل الصحافي في المناطق اليمنية.

إحدى صالات التحرير في مقر مؤسسة «عدن الغد» بعد تعرضها للتخريب (فيسبوك)

واستمع العليمي -بحسب الإعلام الرسمي- إلى تفاصيل حادثة الاقتحام، وما رافقها من اعتداءات أسفرت عن إصابة عدد من العاملين، وتدمير ونهب محتويات المقر، فيما اعتُبر انتهاكاً صارخاً لحرية الصحافة، والعمل الإعلامي، واستهدافاً مباشراً لحق المجتمع في المعرفة، والحصول على المعلومات.

مطالب بالمحاسبة

وأشاد رئيس مجلس القيادة الرئاسي اليمني بالإجراءات الفورية التي اتخذها رئيس مجلس الوزراء وقيادة السلطة المحلية في عدن، مشدداً على ضرورة الإسراع في القبض على الجناة، وجميع المتورطين دون استثناء، وإحالتهم إلى القضاء لينالوا جزاءهم الرادع وفقاً للقانون، إلى جانب اتخاذ الترتيبات اللازمة لتوفير الحماية للمؤسسات الإعلامية والصحافيين، وجبر ضرر صحيفة «عدن الغد»، وتمكينها من استئناف نشاطها، وممارسة رسالتها المهنية بحرية، ومسؤولية.

وأكد العليمي أن احترام حرية الصحافة يمثل مؤشراً جوهرياً على جدية الدولة في استعادة الاستقرار، وبناء الثقة مع المجتمعات المحلية والدولية، مشيراً إلى أن الدولة ستظل منحازة للكلمة الحرة باعتبارها شريكاً في معركة استعادة مؤسساتها الوطنية، لا خصماً لها.

آثار من التخريب الذي تعرض له مقر مؤسسة إعلامية أهلية في عدن (فيسبوك)

وأشار إلى أن قيادة الدولة لم تصدر خلال السنوات الأخيرة أي إجراءات بحق الصحافيين، بل شددت على منع اعتقالهم، أو احتجازهم على خلفية الرأي، أو النشر، مؤكداً أن أي مساءلة قانونية يجب أن تتم حصراً عبر القضاء المستقل، ووفقاً للقانون، وضمانات المحاكمة العادلة، مع رفض قاطع لاستخدام السلاح أو القوة لإسكات الأصوات الإعلامية.

وكان مقر صحيفة «عدن الغد» في العاصمة اليمنية المؤقتة عدن قد تعرض، الأحد، لهجوم مسلح، واقتحام عنيف نُسب إلى عناصر تابعة للمجلس الانتقالي الجنوبي المنحل، حيث أفاد رئيس تحرير الصحيفة بأن ما بين 40 إلى 50 مسلحاً اقتحموا المبنى الواقع في حي التقنية بمديرية المنصورة.

وقام المهاجمون بتحطيم كامل محتويات المقر، بما في ذلك المكاتب، وأجهزة الحاسوب، والطابعات، والماسحات الضوئية، إلى جانب نهب معدات تقنية، وأرشيفية خاصة بالعمل الصحافي.

وأدانت نقابة الصحافيين اليمنيين ونقابة الصحافيين الجنوبيين الحادثة، ووصفتها بأنها «جريمة مكتملة الأركان»، وانتهاك صارخ لحرية الرأي والتعبير. كما وجّه رئيس الوزراء شائع محسن الزنداني وزارة الداخلية والأجهزة الأمنية بفتح تحقيق عاجل وشفاف لكشف الجناة، ومحاسبتهم، مؤكداً رفض الحكومة لأي محاولات لترهيب الكوادر الإعلامية.


نهب الأراضي يُشعل غضباً واسعاً بمناطق سيطرة الحوثيين

مرتفعات جبلية استولى عليها الحوثيون في صنعاء (الشرق الأوسط)
مرتفعات جبلية استولى عليها الحوثيون في صنعاء (الشرق الأوسط)
TT

نهب الأراضي يُشعل غضباً واسعاً بمناطق سيطرة الحوثيين

مرتفعات جبلية استولى عليها الحوثيون في صنعاء (الشرق الأوسط)
مرتفعات جبلية استولى عليها الحوثيون في صنعاء (الشرق الأوسط)

تشهد محافظات يمنية خاضعة لسيطرة الجماعة الحوثية موجة متصاعدة من الاستيلاء القسري على أراضي وممتلكات السكان، في سلوك ممنهج أشعل غضباً واسعاً ضد الجماعة الانقلابية وسط دعوات حقوقية لحماية الحقوق ومواجهة الانتهاكات ضد المدنيين.

وتتصدر صنعاء وإب وصعدة خريطة هذه الانتهاكات، وسط اتهامات للجماعة بتحويل الأراضي المنهوبة إلى مشروعات استثمارية تدر أرباحاً على قيادات نافذة ومشرفين محليين، مستغلين القوة المسلحة، ونفوذ القضاء المُسيّس لفرض الأمر الواقع.

مصادر مطلعة أفادت لـ«الشرق الأوسط» بأن نافذين حوثيين كثفوا خلال الأسابيع الماضية حملات منظمة لمصادرة أراضٍ تعود لمواطنين وأوقاف عامة وخاصة، مستخدمين آليات ثقيلة، ومرافقة مسلحة، وأوامر قضائية تُشرعن النهب، وتُغلق أي نافذة إنصاف أمام المتضررين.

وتؤكد المصادر أن هذه الحملات لا تقتصر على أراضٍ شاغرة، بل تمتد إلى منازل قائمة، ومزارع منتجة، ومواقع ذات طابع ديني واجتماعي.

الحوثيون يعتمدون سياسة البطش بالسكان لإجبارهم على التنازل عن ممتلكاتهم (إكس)

في صنعاء، فجّرت حادثة هدم منزل امرأة مسنّة في قرية «الظفير» بمديرية بني مطر غرب العاصمة المختطفة موجة غضب شعبي واسعة، حيث أقدم مشرف حوثي «أبو طارق» على تنفيذ عملية الهدم بالقوة، في خطوة وُصفت بأنها تمهيد مباشر لنزع ملكية الأرض والاستحواذ عليها.

وأظهرت مقاطع متداولة على منصات التواصل الاجتماعي صرخات المرأة في موقع الحادثة، في مشهد لخص حجم القهر الذي يعيشه السكان تحت وطأة هذه الممارسات.

وتزامنت الحادثة مع تركيز الجماعة على ما تُسميه «الأراضي البيضاء» في أطراف صنعاء ومحيطها، حيث يُمنع المالكون من التصرف بأراضيهم، أو يُطردون منها قسراً، قبل أن تُمنح لاحقاً لمستثمرين موالين، أو تُحوّل إلى مشاريع تجارية وسكنية.

ويقول حقوقيون إن هذا النمط يعكس سياسة ممنهجة لإعادة تشكيل الملكية العقارية بما يخدم شبكة المصالح الحوثية.

استهداف المقابر

وفي محافظة إب (193 كيلومتراً جنوب صنعاء) اتخذت الانتهاكات بُعداً صادماً باستهداف المقابر، إذ شرع مشرف حوثي، حسب مصادر محلية، في الاعتداء على مقبرة قرية «السايبة» بمديرية النادرة شرق المحافظة، مستخدماً معدات حفر، وباشر بناء قواعد أسمنتية تمهيداً لتشييد «قاعة أعراس».

واتهم الأهالي قيادات حوثية محلية بالتواطؤ وتسهيل عملية الاستيلاء، في ظل صمت سلطات الجماعة رغم البلاغات المتكررة.

وسبقت ذلك حادثة أخرى تمثلت بسطو القيادي عبد الكريم الشامي على أرضية مملوكة للمواطن بشير الدلالي في مديرية المشنة وسط المدينة. وأفاد بلاغ متداول بأن الشامي، مدعوماً بمسلحين وآليات، هدم غرفة حراسة ودفن الطابق الأرضي لمبنى تكلّف إنشاؤه ملايين الريالات اليمنية.

سكان في إب اليمنية يتهمون الجماعة الحوثية بمواصلة بنهب أراضيهم (فيسبوك)

وأكد الدلالي امتلاكه وثائق ملكية تعود لأكثر من 35 عاماً، غير أن النافذ الحوثي سعى إلى مصادرة الأرض بزعم وثيقة مزورة صادرة في 2018. وتحدثت المصادر عن اعتداء جسدي وتهديد بالقتل والسجن تعرض له المواطن أثناء محاولته الدفاع عن ملكيته.

تجريف شامل في صعدة

أما في صعدة، معقل الجماعة الرئيسي، فقد اتخذت عمليات الاستيلاء طابعاً أوسع وأشد قسوة، شمل ذلك أراضي زراعية وممتلكات خاصة، وترافق مع تهجير قسري وترهيب ممنهج يمنع أي اعتراض أو لجوء فعلي للقضاء.

وكان أحدث هذه الوقائع قيام المشرف حسين مسفر الشاعر باستقدام جرافات ومسلحين لتطويق مساحات أراضٍ تعود لقبائل «وائلة» شرق المدينة، سبق الاستيلاء على أجزاء منها.

وجاءت هذه الاعتداءات رغم شكاوى متكررة رفعها الأهالي إلى مكتب زعيم الجماعة عبد الملك الحوثي، الذي كان قد وجّه بتشكيل لجان للنظر في القضية دون أن تُسفر عن نتائج ملموسة. وعلى وقع ذلك، دعا المتضررون وجهاء القبائل إلى موقف موحد للضغط، ووقف ما يصفونه بـ«العبث المنظم» بأراضيهم.

جرافة بجوار مبنى مكتب الأشغال الخاضع لسيطرة الحوثيين في صعدة (فيسبوك)

وتشير تقارير حقوقية محلية إلى أن مصادرة الممتلكات في صعدة وما جاورها تتم بوتيرة متسارعة، وغالباً ما تُمنح لمشرفين أو تُستخدم في مشاريع استثمارية وأمنية، في ظل غياب تام لأي مساءلة.

ويرى حقوقيون أن هذه الانتهاكات تُعد خرقاً صارخاً لحق الملكية الخاصة، وتُعمّق الأزمة الإنسانية والاقتصادية، وتهدد السلم الاجتماعي عبر تكريس شعور واسع بالظلم والاحتقان.

ويطالب ناشطون ومنظمات حقوقية المجتمع الدولي بالتحرك الجاد للضغط من أجل وقف هذه الممارسات، وفتح تحقيقات مستقلة، وضمان حماية ممتلكات المدنيين، محذرين من أن تحويل الأراضي المنهوبة إلى مصادر تمويل للجماعة يزيد من إطالة أمد الانقلاب.