تدهور الليرة التركية يحدث أضراراً معيشية في الشمال السوري

متجر في مدينة إدلب (الشرق الأوسط)
متجر في مدينة إدلب (الشرق الأوسط)
TT

تدهور الليرة التركية يحدث أضراراً معيشية في الشمال السوري

متجر في مدينة إدلب (الشرق الأوسط)
متجر في مدينة إدلب (الشرق الأوسط)

وضع انهيار سعر صرف الليرة التركية أمام الدولار مؤخراً، السوريين في مناطق النفوذ التركي والمعارضة السورية، شمال غربي سوريا، في مأزق اقتصادي ومعيشي جديد، وفي مواجهة مباشرة مع غلاء وتقلبات أسعار الأدوية والسلع الغذائية والصناعية والوقود، مع تراجع كبير في الحركة الشرائية وحركة العمل.

وفي يونيو (حزيران) 2020، بدأ السوريون في مناطق النفوذ التركي بريف حلب وإدلب شمال غربي سوريا، بالتعامل بالليرة التركية بدلاً من نظيرتها السورية التي شهدت حينها انهياراً كبيراً أمام الدولار، وتسبّب انهيارها في ذلك الوقت بخسائر كبيرة عند التجار ورؤوس الأموال والصناعيين في المنطقة والموظفين والعمال. وعلى ما يبدو، فإن اختيار السوريين للعملة التركية لم يكن بالموفق؛ إذ سرعان ما بدأت قيمتها بالتراجع والتهاوي على مراحل مقابل الدولار، حتى تراجعت قيمتها مؤخراً إلى نحو 40 في المائة، مسجلة في الأيام الأخيرة الماضية 26 ليرة مقابل الدولار الواحد، ما أدى إلى تردي الوضع الاقتصادي، الهش أصلاً، في مناطق شمال غربي سوريا وتراجع الحركة الشرائية في الأسواق وغلاء كبير في أسعار السلع والأدوية، فيما لم يطرأ أي تحسن على أجور ورواتب العمال والموظفين في القطاعين الخاص والعام.

وبينما تتهاوى قيمة الليرة التركية أمام الدولار، يتقاضى كل العاملين والموظفين في الدوائر الحكومية «الإنقاذ في إدلب» و«المؤقتة في ريف حلب» والأطباء والعسكريين، أجورهم ورواتبهم بالليرة التركية. فيما تجري عمليات بيع السلع بمختلف أنواعها في الأسواق والأدوية وحتى الألبسة بالدولار بخطة جريئة من قبل التجار وأصحاب المحال والشركات الدوائية للمحافظة على رأس المال من الخسارة، مما يشكل عائقاً كبيراً في تغطية المصاريف وتكاليف العيش ومتطلبات الحياة.

عملة تركية (أرشيفية: رويترز)

يقول الممرض سامر، الذي يعمل في أحد المشافي المدعومة من أنقرة بريف حلب: «منذ بدء الحملات الانتخابية التركية في مايو (أيار) والليرة التركية تشهد تقلبات غير مسبوقة في سعر صرفها أمام الدولار، وألقى تراجعها الأخير والقياسي انعكاساً سلبياً حاداً على حياة الموظفين الذين يتقاضون رواتبهم بالليرة التركية، في الوقت الذي لا يتجاوز راتب الموظف 2000 ليرة تركية أي ما يعادل 80 دولاراً. وفي مقارنة سريعة بين الراتب وتكاليف الحياة اليومية للموظف لا يكفي الراتب سوى بضعة أيام ثمن خبز وحليب الأطفال ومأكولات عادية جداً مثل الخضراوات المحلية. أما الأشياء المستوردة، فباتت محرمة علينا؛ نظراً لأسعارها المرتفعة والمرتبطة بالدولار الأميركي، مثل الفواكه والأدوية. وأمام هذه الحال، بدأت تظهر علامات الفقر والعوز عند عدد كبير من الموظفين لعدم قدرة رواتبهم في تغطية مصاريفهم العائلية، ويضطر البعض إلى الاستدانة من بعض زملائه لتغطية ثمن غرض تحتاجه عائلته. فسعر زجاجة مضاد السعال المستوردة وصل سعرها مؤخراً إلى 3 دولارات (أي ما يعادل 60 ليرة تركية)، بينما كانت سابقاً بسعر 45 ليرة تركية، وهذا ينطبق على كثير من السلع والأدوية».

وعند دوار مدينة الدانا شمال إدلب، يشكو عشرات العمال الذين يمتهنون العمل اليومي (نقل أحجار وبناء وقطاف ثمار وفلاحة وزراعة) من تردي أوضاعهم الاقتصادية، بعد تهاوي قيمة الليرة التركية، مع بقاء قيمة الأجور على حالها.

ويرى أبو محمد (58 عاماً)، وهو عامل ونازح من منطقة مهين بريف حمص، أن «الفئة المظلومة أكثر في شمال غربي سوريا أمام تقلبات سعر الليرة التركية وتراجعها هم العمال بالدرجة الأولى. فمتوسط دخل العامل بشكل يومي 50 ليرة تركية (أي ما يعادل دولارين)، وهذا المبلغ لم يعد يكفي سوى لشراء ربطتي خبز بوزن 2 كيلو وطبخة من الخضراوات العادية جداً دون أن يتجرأ أو ينظر إلى أي نوع من أنواع اللحوم حيث تجاوز سعر الكيلو 200 ليرة تركية، وكذلك الزيوت الأصلية». ويعزو السبب إلى ارتفاع أسعار السلع الغذائية مع ارتفاع أسعار الدولار مقابل الليرة التركية، وبقاء أجورهم على ما هي عليه سابقاً دون تحسن.

أسواق ومحال تجارية في مدينة إدلب (الشرق الأوسط)

ويأتي تراجع قيمة الليرة التركية وانعكاسها على الحياة المعيشية والاقتصادية عند سكان مناطق شمال غربي سوريا مع ارتفاع نسبة الفقر والعوز في شمال سوريا إلى قيمة 5018 ليرة تركية، في حين ارتفع حد الفقر المدقع، إلى قيمة 3790 ليرة تركية. كذلك وصل حد الفقر إلى مستويات جديدة، حيث تمثّل العائلات الواقعة تحت حد الفقر في الشمال السوري نحو 89.24 في المائة من عدد السكان، في حين بلغت نسبة العائلات التي وصلت إلى حد الجوع 39.64 في المائة، وفقاً لمنظمة «منسقو استجابة سوريا»، التي تهتم بتغطية الجانب الإنساني في المنطقة الشمالية والغربية من سوريا. وأشارت في تقريرها إلى أن «أكثر من 11 ألفاً و372 عائلة فقدت مصادر دخلها نتيجة الزلزال الأخير الذي تعرضت له المنطقة في السادس من فبراير (شباط)، ووصلت نسبة البطالة العامة إلى 87.3 في المائة بشكل وسطي (مع اعتبار أن عمال المياومة ضمن الفئات المذكورة)». وسجلت الليرة التركية أدنى هبوط تاريخي لها مؤخراً، مسجلة 26.02 ليرة للدولار و28.41 ليرة لليورو، لتخسر إجمالا منذ بداية العام ما نسبته 28 في المائة من قيمتها.



خدام يروي لقاء دمشق الأخير... بشار الأسد للحريري: «من يخالفني فسأكسر عظمه»

غلاف الكتاب
غلاف الكتاب
TT

خدام يروي لقاء دمشق الأخير... بشار الأسد للحريري: «من يخالفني فسأكسر عظمه»

غلاف الكتاب
غلاف الكتاب

يكشف نائب الرئيس السوري السابق عبد الحليم خدام، في مذكراته التي حررها وقدّمها إبراهيم حميدي، تفاصيل جديدة عن الاجتماع الذي جمع الرئيس السوري السابق بشار الأسد برئيس الوزراء اللبناني الراحل رفيق الحريري في دمشق صيف 2004، ويصفه بأنه كان الأقسى في المرحلة التي سبقت الاغتيال.

حسب المذكرات التي تصدر عن دار «رف»، التابعة لـ«المجموعة السعودية للأبحاث والإعلام» (SRMG)، مطلع سبتمبر (أيلول)، استدعى الأسد الحريري في يوليو (تموز) عند السابعة والنصف صباحاً، وجرى اللقاء بحضور اللواء غازي كنعان والعميد رستم غزالة والعقيد محمد خلوف، وقد أدت قسوة كلام الأسد إلى ارتفاع ضغط الحريري وإصابته بنزيف من أنفه.

وتعيد المذكرات جذور الأزمة إلى انتخاب قائد الجيش اللبناني العماد إميل لحود رئيساً للجمهورية عام 1998. ويروي خدام، في هذا الإطار، أن انتخاب لحود خلفاً للرئيس إلياس الهراوي كان قراراً فرضه بشار الأسد، بعدما أقنع والده بدعم قائد الجيش، رغم اعتراض معظم القيادات اللبنانية القريبة من دمشق، وبينهم وليد جنبلاط ونبيه بري ورفيق الحريري، وبعد ضغوط مارسها اللواء غازي كنعان على النواب. ويكشف خدام عن أنه طلب بعدها من الرئيس حافظ إعفاءه من الملف اللبناني، لأن موقفه من لحود كان معروفاً، فانتقل الملف إلى بشار، «وبذلك انتهت الإدارة السياسية لهذا الملف الشائك، وأصبحت في أيدي أجهزة الأمن السورية».

بشار الأسد مجتمعاً بإميل لحود ونبيه بري ورفيق الحريري (غيتي)

في صباح اليوم نفسه، يروي خدام أنه كان على موعد مع الأسد، فوجده «منفعلاً ومتوتراً»، وسمع منه رواية اللقاء مباشرة: «كان لديّ رفيق الحريري، وتحدثت معه بكلام واضح وصريح وبحضور الضباط. أبلغته أنه غير مسموح له بالعمل على مجيء رئيس جمهورية غير إميل لحود، فأنا الذي أختار من يحكم لبنان، ومن يخالفني فسأكسر عظمه». يقول خدام إنه فوجئ بهذا الكلام وردّ على الرئيس: «أنت تتحدث مع رئيس وزراء لبنان الذي يمثّل المسلمين السنّة في بلده. هل حسبت صدى كلامك إذا انتشر في وسائل الإعلام؟ كيف تخاطب رئيس وزراء لبنان بحضور هؤلاء الضباط؟». عندها هدأ الأسد، حسب الرواية، وطلب من نائبه دعوة الحريري إلى زيارته «لمسح ما ترتب» عن اللقاء.

من اليمين فارس بويز ورفيق الحريري وفاروق الشرع وإلياس الهراوي وعبد الحليم خدام وغازي كنعان خلال لقاء في قصر بعبدا (غيتي)

وتضيف المذكرات أن الحريري رفض في البداية، وقال لخدام هاتفياً: «بعد آخر زيارة، لن أزور دمشق». ثم قَبِل أن يلتقيه في بلودان (شمال غربي دمشق)، حيث بدا «مجروحاً» وقال: «لن أنسى لقائي مع بشار الأسد ما حييت».

ولا تقف الرواية عند العبارة، بل تتابع مسار التمديد نفسه. في 18 أغسطس (آب) 2004، يروي خدام أن الأسد أبلغه أنه قرر عدم التمديد للحود: «فلا أحد في العالم موافق على لحود. الدول العربية غير موافقة، وغالبية اللبنانيين معترضون»، مؤكداً أنه كان «حازماً» مع الرئيس اللبناني. لكن بعد ثلاثة أيام فقط، وفي حين كان خدام في فرنسا، اتصل به الحريري ليبلغه أن الأسد غيّر رأيه واستدعاه إلى دمشق في مقابلة قصيرة ومتوترة قال له فيها: «عليك أن تحدد موقفك. هل أنت مع سوريا أو ضدها؟». وينقل خدام عن الحريري أن وليد جنبلاط نصحه بالموافقة على التمديد ثم الاستقالة، وأنه هو نفسه أشار عليه بالموافقة ثم مغادرة لبنان وإعلان الاستقالة من الخارج. ويسجل خدام أن الحريري، الذي أبلغ العميد رستم غزالة موافقته وغادر إلى سردينيا للقاء عائلته، اتصل به بعد أيام سائلاً: «إذا عدت إلى لبنان فهل هناك خطر على حياتي؟»، فطمأنه بأنه وافق على كل ما طُلب منه، وأن الأسد «لا يزال بحاجة إليه، لأن تعديل الدستور لم يتم بعد».

عبد الحليم خدام (رويترز)

وتتوقف المذكرات عند محاولة اللحظة الأخيرة لتفادي جلسة مجلس الأمن عبر وساطة إسبانية: بعد خمس ساعات من الاتصالات وافقت واشنطن وباريس ولندن على إلغاء الجلسة مقابل التزام سوري بإلغاء التمديد، لكن وزير الخارجية فاروق الشرع أجاب نظيره الإسباني بأن «لبنان دولة مستقلة ولا علاقة لنا بالأمر»، ليجتمع مجلس الأمن في اليوم التالي ويصدر القرار «1559» وفق الفصل السابع، واضعاً النظام السوري -بتعبير المذكرات- تحت رقابة مجلس الأمن.

قيمة هذه الشهادة في موقع صاحبها: خدام كان لعقود المسؤول السوري عن الملف اللبناني، قبل أن ينتقل -كما يروي- إلى يد بشار الأسد والأجهزة الأمنية. وهكذا تتحول جملة واحدة من واقعة شخصية إلى مفتاح لفهم مرحلة الانهيار الكامل بين دمشق وشرائح واسعة من اللبنانيين. النص الكامل للقاء وما سبقه وما تلاه يرد في فصل «اغتيال رفيق الحريري» من الكتاب.

Your Premium trial has endedYour Premium trial has endedYour Premium trial has ended


مقترح إيراني بـ«إخفاء» سلاح الفصائل العراقية

رئيس الوزراء العراقي علي الزيدي مستقبلاً رئيس البرلمان الإيراني محمد باقر قاليباف يوم 19 أغسطس 2026 (إعلام حكومي)
رئيس الوزراء العراقي علي الزيدي مستقبلاً رئيس البرلمان الإيراني محمد باقر قاليباف يوم 19 أغسطس 2026 (إعلام حكومي)
TT

مقترح إيراني بـ«إخفاء» سلاح الفصائل العراقية

رئيس الوزراء العراقي علي الزيدي مستقبلاً رئيس البرلمان الإيراني محمد باقر قاليباف يوم 19 أغسطس 2026 (إعلام حكومي)
رئيس الوزراء العراقي علي الزيدي مستقبلاً رئيس البرلمان الإيراني محمد باقر قاليباف يوم 19 أغسطس 2026 (إعلام حكومي)

قالت مصادر متطابقة إن رئيس البرلمان الإيراني، محمد باقر قاليباف، بحث في بغداد مقترحات لتجنب مواجهة بين الحكومة والفصائل المسلحة، في مقدمتها «تجميد» أو إخفاء الأسلحة الثقيلة.

وأوضحت المصادر، لـ«الشرق الأوسط»، أن قاليباف الذي التقى، أمس (الأربعاء)، مسؤولين حكوميين وسياسيين في بغداد بحث أيضاً «احتمالية نقل جزء كبير من تلك الأسلحة إلى إيران مؤقتاً، إلى حين التوصل إلى تسوية بشأن مستقبل السلاح».

وجاءت زيارة قاليباف وسط أجواء متوترة بين الفصائل والحكومة، في أعقاب اعتقال قيادي بارز في «حركة النجباء» الموالية لإيران، قبل الإفراج عنه.

في المقابل، قالت مصادر حكومية، لـ«الشرق الأوسط»، إن رئيس الوزراء العراقي، علي الزيدي، «حريص على تنفيذ خطة حصر السلاح بيد الدولة، بحلول 30 سبتمبر (أيلول) المقبل، بالتزامن مع استكمال الانسحاب الأميركي وفق الجدول المتفَق عليه. وأضافت أن موقف الزيدي تأكَّد بعد عودته من واشنطن وخلال اجتماعات «ائتلاف إدارة الدولة» الحاكم، وسط دعم القضاء والحكومة لخطة حصر السلاح.


مذكرات خدام: قصة لقاء «كسر العظم» بين الأسد والحريري

غلاف الكتاب
غلاف الكتاب
TT

مذكرات خدام: قصة لقاء «كسر العظم» بين الأسد والحريري

غلاف الكتاب
غلاف الكتاب

كيف انتقل «ملف لبنان» من نائب الرئيس السوري السابق عبد الحليم خدام إلى بشار الأسد، نجل الرئيس السابق حافظ الأسد؟ وما قصة اللقاء الشهير بين بشار الأسد ورئيس الوزراء اللبناني الراحل رفيق الحريري، في صيف 2004، الذي تخللته تهديدات من الأول بـ«كسر عظم» من يخالفه؟

الأجوبة عن هذه الأسئلة، وغيرها الكثير، تأتي في مذكرات خدام التي حررها وقدّمها الزميل إبراهيم حميدي وتصدر عن دار «رف»، التابعة لـ«المجموعة السعودية للأبحاث والإعلام» (SRMG)، مطلع سبتمبر (أيلول).

يروي خدام كيف استدعى بشار الأسد، الحريري في يوليو (تموز)، إذ جرى اللقاء بحضور قادة أمنيين، وأدت قسوة كلام الأسد إلى ارتفاع ضغط الحريري وإصابته بنزف من أنفه. ينقل خدام عن بشار قوله: «أبلغته أنه غير مسموح له بالعمل على مجيء رئيس جمهورية غير إميل لحود، فأنا الذي أختار من يحكم لبنان، ومن يخالفني فسأكسر عظمه».

يتحدث خدام أيضاً عن طلبه من الأسد الأب إعفاءه من ملف لبنان بسبب موقفه من لحود، فانتقل هذا الملف إلى بشار.