في مجموعته القصصية «أيام عادية»، الصادرة أخيراً عن دار «الكتب خان» للنشر بالقاهرة، يضعنا الكاتب والروائي المصري عادل عصمت أمام ومضات من الحياة «العادية» لأبطاله ومُفارقاتها «غير العادية»، ما بين حنين ودهشة، وضعف ومأساة، معتمداً في سرد حكايات أبطاله على لسان راوٍ عليم، ولغة سهلة مُكثفة تتناسب وإيقاع اللغة اليومية التي تخلو من التعاريج والرموز؛ حيث أبطاله يسلكون أقصر الطرق لمرافئ ذاكرتهم البعيدة، في سرد يسعى لاستكشاف جوهر الحياة، فبطلة قصة «ظل مرور الأيام» تحتفظ في دولابها بأجندات تحمل كلٌّ منها تاريخ العام الذي تدل عليه، حتى يبدو أن دولابها قد تحوّل إلى أرشيف يحفظ 25 سنة من العمر.
وفي لحظة تُقرر البطلة، مُدرسة اللغة العربية، أن تُعيد قراءة تلك الأجندات المُلونة ويومياتها: «الليلة وهي تمد يدها وتُمسك بالزرقاء الخاصة بهذا العام، خُيّل إليها أنها كتاكيت محبوسة في الدولاب، تنتظر أن تفتح باب القفص، عندما تنتشر على منضدة صغيرة تستعملها لتحضير الدروس ولضم خرز السبحة، وقراءة الصحيفة».
باب القفص
تفتح البطلة «باب القفص»، مجازاً، وهي تُطالع دفاتر سنواتها تباعاً، ومعها ترتشف «عصير الحياة» منذ بدأت رحلتها مع التدوين في مطلع شبابها، وهي الرحلة التي تعيدها إلى ذكرى ثقيلة، مع ترتيب عمتها للقائها بشاب يبحث عن عروس، فترتاب البطلة من هذا الطلب «فمن سيقبل بها زوجة، وذراعها مصابة بضمور في العضلات، وأثر شلل الأطفال يظهر في مشيتها»، تأمل أن يحدث ما يُخالف توقعاتها وتستسلم لتدليل عمتها لها وهي تُزينها، إلا أن ما توقعته حدث بمجرد أن دخلت غرفة الصالون تحمل للشاب صينية القهوة وهي تزُك في مشيتها: «غام وجه الشاب ولم ينظر تجاهها طوال الجلسة»، منذ تلك الواقعة المُحبطة، تؤول دفاتر التدوين للبطلة إلى دفاتر تسجيلات تقريرية جافة: تسليم الإيجار، ومصاريف البيت، ومرض أبيها، وزيارات عمتها، وبعض الخواطر، ونزاعات الميراث، وهي الموضوعات التي شغلت سنوات «الدفاتر» التي خلت من تدوينات عن الحُب، ولكنها مع ذلك كانت تستأنس بمطالعة زمنها وهي تطالعها: «تعيش مرة أخرى تلك اللحظات التي سجلتها، وتشعر بالرضا لأنها بنت خزانة تلك السنوات».
وفي الكتاب، الذي يقع في 177 صفحة، تبدو الوجوه التي يُصادفها الأبطال على مدار حياتهم قادرة على اجترار مشاعر نوستالجيا لديهم، وقادرة كذلك على جعلهم يؤسسون صلات لها مع واقعهم الجديد، فبطل قصة «حب قديم» يجد نفسه مُنجذباً بشكل كبير لفتاة عابرة تسير مع زميلاتها، ويدرك أن وجهها يشبه وجهاً قديماً يعرفه، حتى يصل إلى أنها تُشبه سناء زميلة طفولته: «جاءت البهجة القديمة ورافقتها دهشة عن مدى الحب الذي أحببته لهذا الوجه، دون أن أدرك وقتها كلمة الحب».
أم كلثوم
وتستدعي بطلة قصة «أم كلثوم» وهي تستمع في شرفتها لصوت «الست» وهي تشدو بـ«هذه ليلتي» و«أقبل الليل» طيفاً من ذكرى عذبة قديمة، حينما كانت طفلة في عمر السابعة، فوجدت جمهرة من الناس أمام ملجأ بشارعها، فأخذها الفضول ودسّت رأسها بينهم وعرفت أن هذا التجمع بسبب وصول السيدة أم كلثوم للملجأ الذي اعتادت التبرع له، تتذكر صورة أم كلثوم في هذا اليوم بكثير من الصعوبة «ما تبقى في ذهنها بعد كل تلك السنين: تايير رمادي ونظارة سوداء، وحذاء لامع مُدبب من الأمام، وابتسامة خافتة، ووجه مستغرق في التفكير».
تظل البطلة تستدعي تلك الصورة العابرة لأم كلثوم على مدار حياتها، تشعر كثيراً بهذا التباعد بين صوتها وصورتها التي كانت عليها، وبأن ثمة فجوة بينهما، وظلت أسيرة تلك المُفارقة التي جعلتها مع تقدمها في العمر يُخيّل إليها أن تعبيرات وجهها أصبحت تُشبه تعبيرات وجه «الست» في ذلك اليوم البعيد الذي رأتها فيه وهي تقف على رصيف الملجأ «بابتسامة خافتة ووجه مستغرق في التفكير».
وفي قصص المجموعة تحتفظ الروائح ببصمة لا يُخطئها شخوصها، حتى إنهم يتسولون بها المعاني أحياناً كما يفعل بطل قصة «رائحة الجوافة» الذي يقترب بأنفه من طبق جوافة ليترجم تلك الرائحة إلى كلمة، يجد الأمر صعباً تماماً كما يصعب ترجمة اللون الأحمر إلى كلمة بديلة.
ولكن الرائحة أخذته إلى صورة بعيدة، لحديقة قديمة أمام بيته كانت مزروعة بقراريط عدة من الجوافة تهب المكان رائحة نفاذة في مطلع الخريف. ومع تلك الصورة تتزاحم لديه الصور والحكايات، منذ توسلت صاحبة الحديقة العجوز لجده أن تبيع له قراريط الجوافة بأي سعر لاحتياجها في هذا الوقت للمال، بدأت الرائحة تتراكم في ذهنه كفكرة غائمة «تتحول الرائحة إلى شيء آخر غير كونها رائحة»، ومعها تفوح بذكريات صغيرة باهتة تمنح الحياة قُوامها.
أما في قصة «موت عادي» يُداهم ملاك الموت مدرس التاريخ محمد جابر وهو جالس تحت شجرة نبق في مدرسة البنات الإعدادية، يموت وهو يجلس على مقعد من مقاعد التلاميذ المُتكسرة، تشاهد لحظة موته زميلته مدرسة التربية الرياضية التي تطلق صرخة تشل بها حركة المدرسة.
وبلسان راوٍ عليم يتأمل الكاتب مفارقات الموت الذي تشتد فجيعته كلما كان «عادياً» مفاجئاً: «قد يكون من غير المناسب أن يموت الإنسان في فناء المدرسة، عليه أن يموت في مكان يليق بالموت، في فراشه محاطاً بالعائلة مثلاً، أما عندما يموت بهذه الطريقة فإنه يخرب قدسية الموت في أذهان البنات الصغار ويرعبهن، ويعطي إحساساً بأن الموت يعيش بيننا، يتجوّل في المناطق العادية، في الشارع، وفي المحال التجارية، وعلى مقعد خشبي تحت شجرة نبق في ساحة مدرسة».
