تطوير ثقافة التعامل مع العجائز وكبار السن بهدف استعادة الإنسانية المفقودة هو الهدف الرئيسي الذي أعلنه الباحث الهولندي الشاب تون توبس، في مذكراته الصادرة بعنوان «دار الرعاية - الحياة كما يجب أن تكون» عن دار «العربي» بالقاهرة، ترجمة: محمد عبد العزيز.
تستند المذكرات إلى تجربة حقيقية خاضها الباحث كمتطوع لتقديم الرعاية في عدد من هذه الدور، معترفاً بأنه أحياناً تبدو تجربته كما لو كان يطالب بـ«المدينة الفاضلة» أو «يوتوبيا» التي لطالما راودت مخيلة الفلاسفة عبر التاريخ، لكنه يؤكد أن الحلم يمكن أن يتحقق بكثير من الجهد وإعادة النظر.
جهود الباحث الشاب أتت بثمارها، حيث احتفى الإعلام الأوربي بمبادرته التي حملت عنوان «نحو عالم أكثر إنسانية» وعدّها نموذجاً ملهماً، واكتسب الكثير من المتابعين حول العالم ونال أكثر من جائزة في هذا السياق.
يتساءل تون توبس في بداية كتابه: «بعد حياة من الحرية والانطلاق، مَن سيوافق على أن ينتهي به المطاف وسط ظروف تشوبها الإهانة والانعزال؟ مَن قد يرغب في قضاء سنواته الأخيرة على هذا النحو، شخصاً لم يعد يُنظر إليه على أنه فرد بل بوصفه واحداً من مجموعة من المرضى الذين أصابهم الجنون؟ مَن يمكن أن يتطلع إلى العيش في منزل تكون العلامة الوحيدة على الحياة فيه هي الممرات الطويلة التي يتردد عبرها صدى الوحدة والتلفزيون الصاخب في الصالة؟ هل تتخيل مثل هذا المستقبل لنفسك؟ بالطبع لا، ولا أنا أيضاً».
ويؤكد أنه يجب أن تتغير تلك الأمور، وأنه لهذا السبب أنجز هذا الكتاب، لافتاً الى أنه اتهام صادق ليس ضد قطاع الرعاية الصحية بل ضد الطريقة التي ينظر بها مجتمعنا إلى الأشخاص المصابين بالخرف.
ويستطرد: «هل هو اتهام قاسٍ؟ بالتأكيد لأن الحياة في دار الرعاية مدمِّرة، إنه شيء أواجهه كل يوم، هذه ليست الحقيقة وإنما هي حقيقتي، وأعترف بأنها يمكن أن تكون صادمة في بعض الأحيان لكنني آمل أن تؤدي قصتي إلى حوار ورؤى جديدة حتى نتمكن معاً من إجراء بعض التحسينات الضرورية للرعاية التي نقدمها للأشخاص المصابين بخرف الشيخوخة ومن أشهر أنواعه ألزهايمر».
ومن خلال إقامته كمتطوع يقدم خدمة لا كممرض محترف في إحدى دور رعاية المسنين بهولندا، يؤكد أن كثيراً ما تبدو تلك الدور أشبه بالدول ذات الأنظمة الشمولية القمعية، حيث أُنشئت بطريقة تفرض سيطرة كاملة على حياة المتطوعين والممرضين و نزلاء المكان. يشبه تصميم الكثير من دور الرعاية إلى حد كبير كومة من مكعبات «الليغو» حيث كل شيء مستقيم وذو زوايا حادة مما يُضعف معنوياتك، فمن الواضح أن هذا التصميم لا يفضي إلى جو دافئ ومريح. هناك الأسوار العالية وخط أفقي من اللون الرمادي.
ليس من ضروري أن يقوم بتصميم دور الرعاية المعماري الهولندي الشهير ريم كولهاس، لكن من الضروري ألا تكون محبطة بتلك الطريقة! أليس من المؤكد أن شكلها الخارجي يجب أن يكون مختلفاً باستخدام مواد بناء جذابة أو مساحات خضراء أو حتى دفقة من الألوان، تماماً كما تفعل في منزلك، بحيث يكون المظهر الخارجي بأكمله أكثر جاذبية؟
النقطة الثانية هي الموقع، فكما نعلم جميعاً أن القاعدة الذهبية للممتلكات العقارية والبيوت تتمثل في الموقع ثم الموقع، فلماذا يتم تجاهل تلك القاعدة عند بناء دور الرعاية؟ «الجواب بسيط؛ إنه المال، إذ لا يمكن تحمل سعر المتر المربع في موقع متميز... دعونا ننظر إلى دار الرعاية على أنها ملك للأشخاص الذين يعيشون هناك ونتأكد من أنهم يشعرون بأنهم في نزلهم، وهذا يعني أيضاً التحاور والتشاور مع المقيمين وليس الاكتفاء بالتحدث بشأنهم. ألا تعتقد أنه من الأفضل لو يسألك الناس عن أشياء ويتشاورون معك، رغبة المرء في السيطرة على مقاليد حياته لا تزول بعد تشخيصه بالخرف».
بعد حياة من الحرية والانطلاق مَن سيوافق على أن ينتهي به المطاف وسط ظروف تشوبها الإهانة والانعزال؟
ويدعو المؤلف إلى جعل حياة هؤلاء المصابين بالخرف ذات مغزى، من خلال إعادة دمجهم في المجتمع، قائلاً: «فلنفتح أبواب دار الرعاية قليلاً حتى لا يشعر الناس بالحصار بعد الآن. فلنتخلص من الأسوار الشاهقة والسياجات التي تُحيط بدور الرعاية ولنُظهر أنه لا يوجد ما نخفيه، وأن هذه الأماكن مليئة بأشخاص جملاء ومهذبين لا يزالون يتمتعون بالأهمية. وهم مثلي ومثلك يحبون أن يروا ما يفعله الجيران، دعونا نبنِ المعسكرات والمقاهي والمطاعم وحمامات السباحة والملاعب في نفس الموقع أو بالقرب منه لتعزيز التفاعل الاجتماعي.
ويقترح الباحث الهولندي كذلك بعض الأفكار العملية في هذا السياق مثل تنظيم حفل شواء صيفي في الحديقة أو تنظيم حفلات اجتماعية أو عشاء في عيد ميلاد أحدهم مع المدرسة المحلية، أو زرع الزهور معاً، أو تناول القهوة والاسترخاء، بهدف القضاء على الشعور بالوحدة وخلق إحساس بالانتماء إلى المجتمع.



