قانون الإنصاف والمصالحة في تونس يهدد آلاف الشركات.. وكوادر الدولة في خطر

المعارضة تعده مصالحة مع رؤوس الفساد.. ورئيس ديوان رئيس الوزراء: غالبية نواب البرلمان معه

قانون الإنصاف والمصالحة في تونس يهدد آلاف الشركات.. وكوادر الدولة في خطر
TT

قانون الإنصاف والمصالحة في تونس يهدد آلاف الشركات.. وكوادر الدولة في خطر

قانون الإنصاف والمصالحة في تونس يهدد آلاف الشركات.. وكوادر الدولة في خطر

رغم إعلان الرئيس التونسي الباجي قائد السبسي خلال اجتماع طارئ لمجلس الوزراء خلال شهر رمضان الماضي عن مشروع شامل «للمصالحة الاقتصادية» يهدف إلى تسوية وضعيات آلاف الشركات وكبار كوادر الدولة في عهد الرئيس السابق بن علي، لا يزال هذا المشروع يقسم النخب ورجال المال والأعمال من جهة والنقابات والأحزاب ووسائل الإعلام من جهة أخرى.
وفي الوقت الذي ينتقد فيه رجال الأعمال وآلاف المسؤولين القدامى «تباطؤ البرلمان في المصادقة على هذا المشروع الذي يهدف إلى تحقيق شعارات الإنصاف والمصالحة» تعالت أصوات معادية له متهمة الحزب الحاكم وشركاءه بـ«الالتفاف على الدستور وعلى هيئة الحقيقة والكرامة» التي ترأسها الحقوقية المثيرة للجدل سهام بن سدرين. ويطالب المعارضون لهذا المشروع بسحبه من البرلمان وإعادة صياغته فيما يتمسك به قادة الحزب الحاكم وحلفاؤه ويتهمون خصومهم بمحاولة جر البلاد إلى صيغ جديدة من «القطيعة والصدام» قد تجر تونس إلى وضع شبيه بما جرى في ليبيا والعراق.
رضا بالحاج، الوزير مدير ديوان الرئيس التونسي والقيادي البارز في حزب نداء تونس قال في تصريح لـ«الشرق الأوسط» إنه يتوقع أن يتجاوب غالبية أعضاء البرلمان مع مبادرة المصالحة الاقتصادية والمالية التي تقدم بها الرئيس الباجي قائد السبسي والتي صادق عليها مجلس الوزراء الممثل لـ4 أحزاب بالإجماع.
لكن قياديين في «ائتلاف قوى المجتمع المدني» مثل رئيس «شبكة العدالة الانتقالية» كمال الغربي قال في تصريحات لـ«الشرق الأوسط» إنهم يعارضون بقوة هذا المشروع المعروض على البرلمان لأنه يؤدي في نظرهم إلى «المصالحة المزيفة مع رموز الفساد والاستبداد ورجال الأعمال والسياسيين الفاسدين». وقد سار في نفس التوجه رموز «المعارضة اليسارية الراديكالية» مثل حسين الرحيلي عن «الجبهة الشعبية» التي يتزعمها الناشط اليساري حمه الهمامي. الرحيلي أورد في تصريح لـ«الشرق الأوسط» أنه لا يستبعد «انتفاضة شعبية جديدة من الفقراء والعاطلين عن العمل وشباب الجهات المهمشة احتجاجا على المصالحة مع رموز النظام السابق من رجال أعمال فاسدين وسياسيين وإداريين متورطين في الرشوة والفساد ضمن مسار مكافأة بعض الأحزاب لهم بسبب مشاركتهم في تمويل الحملات الانتخابية لمرشحيهم العام الماضي».
مخالفات مالية لا تستوجب السجن
لكن نقابة رجال الأعمال - مثل نائب رئيسها البشير بوجدي - تضغط على الرئيس التونسي الباجي قائد السبسي ورئيس حكومته الحبيب الصيد وعلى قادة أحزاب الائتلاف الحاكم - وخاصة النداء والنهضة - وتطالبهما بالتعجيل بإقرار المصالحة الوطنية التي سبق أن تعهدوا بها في خطاباتهم الانتخابية. ويلفت هؤلاء النظر إلى «حاجة البلاد الملحة لإنجاز المصالحة الاقتصادية حتى يتحسن الادخار والاستثمار الوطني والأجنبي ويسود مناخ الثقة المتبادل بين رجال الأعمال ونقابات العمال والحكومة والبرلمان». ويؤكد البشير بوجدي وزميله طارق الشريف - رئيس منظمة مستقلة للتجار والصناعيين والمستثمرين - على ضرورة «عدم الخلط بين المتورطين في الرشاوى والفساد والتهريب من جهة ورجال الأعمال الذين قد ارتكبوا إجرائية وقانونية والذين يمكن أن تفرض عليهم صيغ للمصالحة الاقتصادية تتضمن دفع أموال دون إيداعهم السجن لأن من يرتكب مخالفة مالية ليس مجرما وإن أخطا وخالف القوانين».
* الطريق الثالث
في الأثناء دعت أطراف سياسية وحقوقية كثيرة - مثل عبد الحميد الجلاصي نائب رئيس حركة النهضة والنقابي محمد القاسمي القيادي في اتحاد الشغل - إلى «اعتماد طريق ثالث» إلى حل وسط ينطلق من منطق «تعديل مشروع قانون المصالحة الذي قدمه رئيس الجمهورية وحكومته» دون سحبه. ويلتقي قياديون في بقية ائتلاف الأحزاب الحاكمة - مثل محسن حسن نائب رئيس الحزب الوطني الحر - في الدفاع عن قانون المصالحة رغم اعتراضات جمعيات حقوقية كثيرة عليه.
وأوضح مدير مكتب الرئيس التونسي رضا بالحاج أن من بين مبررات إعداد هذا المشروع القانوني عن المصالحة في القضايا ذات الصبغة المالية والاقتصادية والإدارية «طول إجراءات التقاضي والبت في الملفات والنقائص والثغرات التي لوحظت خلال التعامل مع ملفات مئات - وربما الآلاف - من قضايا المشتبه بارتكابهم مخالفات إجرائية إدارية وقانونية - ومن بينها مخالفة قانون الصرف للعملة وفتح حسابات غير معلنة في الخارج - أو بالحصول على بعض المكاسب غير القانونية».
* إعادة أموال هائلة إلى تونس
وأعلن الوزير رضا بالحاج أن نص المشروع القانوني الذي وقعت المصادقة عليه من قبل الحكومة سبق أن عرض على أهم الأحزاب والأطراف الاجتماعية وممثلين عن المجتمع المدني وبصفة خاصة على الأحزاب المشاركة في الائتلاف الحاكم أي النداء والنهضة والوطني الحر وآفاق. وأورد بالحاج أن رئاسة الجمهورية والحكومة تتوقعان أن يساهم «قانون الإنصاف والمصالحة» في «تشجيع آلاف الموظفين السامين وأرباب الشركات والمواطنين على تسوية قضاياهم المالية وعلى جلب مدخراتهم من العملة الأجنبية إلى تونس وهو ما سوف يساهم في عودة كمية هائلة من أموال التونسيين في الخارج بما يضمن مصالح كل الأطراف مع تحسين السيولة في تونس والتشجيع على الادخار والاستثمار».
وأوضح بالحاج كون الأمر لا يتعلق بـ«قضايا الأصهار وعائلات الرئيس الأسبق ولا بد بقائمة الأملاك المصادرة والأموال المهربية ولكن بقضايا الموظفين السامين والوزراء من جهة ورجال الأعمال من جهة ثانية».
وتعليقا على سؤال حول ردود فعل تلك الأطراف عند اطلاعها على مسودة مشروع قانون المصالحة أورد الوزير مدير الديوان الرئاسي أنها رحبت عموما به، لكنه سجل أن بعض الساسة وممثلي المجتمع المدني قدموا ملاحظات ويمكن لمجلس النواب أن يدخل تعديلات لا تمس روح المشروع وأن يقوم بإضافات على النص الذي اقترحه رئيس الجمهورية وصادق عليه مجلس الوزراء. وأورد بالحاج أن المقصود بـ«روح المشروع» كون «الأمر يتعلق باختيار سياسي وطني وبالتزامات سابقة من قبل الرئيس الباجي قائد السبسي مع ناخبيه ومع الرأي العام الوطني فيما يتعلق بالمصالحة الوطنية وطي صفحة الماضي والتفرغ لبناء تونس المستقبل والانفتاح على كل النخب والكفاءات والمستثمرين التونسيين والعرب والأجانب»..
وسجل بالحاج أن «الإجراءات الطويلة والمعقدة المنصوص عليها في قانون عدد 53 لعام 2013 الخاص بإحداث هيئة الحقيقة والكرامة (هيئة الحقوقية سهام بن سدرين) بالنسبة للملفات الاقتصادية والمالية والإدارية تجعل البت في مئات بل آلاف الملفات قد يستمر ما لا يقل عن 4 أو 5 أعوام. لذلك جاء القانون الجديد للتعجيل بمعالجة المشاكل العالقة في عالمي المال والأعمال بعد أن نجحت تونس في قطع خطوات مهمة في مجال الإصلاح القانوني والدستوري وتكريس التوافق السياسي». فهل تكسب تونس هذا الرهان الجديد فتنجح في تسوية معضلات آلاف رجال الأعمال والموظفين السامين في الدولة أم تبقى ضحية مسار «الدوران في حلق مفرغة».. ومنهج «خطوة إلى الأمام خطوتان إلى الوراء»؟



حكومة الزنداني تؤدي اليمين وفي انتظارها ملفات مثقلة بالتحديات

وزراء حكومة الزنداني مع رئيس مجلس القيادة الرئاسي رشاد العليمي بعد أدائهم اليمين (سبأ)
وزراء حكومة الزنداني مع رئيس مجلس القيادة الرئاسي رشاد العليمي بعد أدائهم اليمين (سبأ)
TT

حكومة الزنداني تؤدي اليمين وفي انتظارها ملفات مثقلة بالتحديات

وزراء حكومة الزنداني مع رئيس مجلس القيادة الرئاسي رشاد العليمي بعد أدائهم اليمين (سبأ)
وزراء حكومة الزنداني مع رئيس مجلس القيادة الرئاسي رشاد العليمي بعد أدائهم اليمين (سبأ)

في مراسم بروتوكولية رسمية احتضنها مقر السفارة اليمنية في العاصمة السعودية الرياض، أدت الحكومة اليمنية الجديدة، برئاسة الدكتور شائع محسن الزنداني، الاثنين، اليمين الدستورية أمام رئيس مجلس القيادة الرئاسي رشاد العليمي، إيذاناً ببدء مهامها المثقلة بالتحديات المتشابكة أمنياً واقتصادياً وخدمياً.

وجاءت مراسم أداء اليمين تتويجاً لمسار مشاورات سياسية معقدة استغرقت نحو 3 أسابيع، عقب تكليف العليمي الزندانيَّ تشكيل الحكومة، وسط تجاذبات بين القوى السياسية والمكونات المنضوية في إطار مجلس القيادة الرئاسي.

واعتمد التشكيل الحكومي الجديد على معادلة «التوازنات الدقيقة»، التي فرضتها تعقيدات الواقع اليمني، حيث ضمت الحكومة 35 وزيراً، توزعوا وفق حسابات المحاصصة المناطقية والتمثيل السياسي. وسجلت المحافظات الجنوبية حضوراً لافتاً بـ20 حقيبة وزارية، مقابل 15 حقيبة للمحافظات الشمالية، في توزيع يعكس التحولات السياسية والواقع الميداني القائم.

رئيس الحكومة اليمنية شائع الزنداني يؤدي اليمين الدستورية (سبأ)

وبرزت محافظة حضرموت بوصفها ثقلاً اقتصادياً وجغرافياً مؤثراً في التشكيل، بحصولها على 6 حقائب وزارية؛ مما يعكس الرهان على دورها المحوري في دعم الاستقرار الاقتصادي والمالي خلال المرحلة المقبلة.

وعلى الصعيد السياسي، حافظت الحكومة على إشراك مختلف القوى الممثلة في مجلس القيادة الرئاسي، بمن فيهم محسوبون على المجلس الانتقالي الجنوبي المنحل، في مسعى لتعزيز وحدة القرار وتخفيف حدة الاستقطاب داخل معسكر الشرعية.

وفي حين ضم التشكيل 8 وزراء دولة، فإنه سجل حضوراً نسوياً بتكليف 3 نساء حقائب؛ هي: الشؤون القانونية، والتخطيط والتعاون الدولي، وشؤون المرأة، في خطوة لاقت ترحيباً محلياً ودولياً، بوصفها مؤشراً على التزام الحكومة تعزيز الحكم الشامل.

تحديات الداخل

وضمن مشهد التعقيدات والتوازنات التي واجهت التشكيل الحكومي، احتفظ رئيس الوزراء شائع الزنداني بحقيبة الخارجية وشؤون المغتربين، في محاولة لضمان استمرارية التحرك الدبلوماسي اليمني والحفاظ على زخم التواصل مع المجتمع الدولي والشركاء الإقليميين.

وفي حين غاب عن مراسم أداء اليمين وزير التعليم العالي والبحث العلمي، وهو محسوب على «التنظيم الوحدوي الشعبي الناصري»؛ لأسباب غير معلنة، يرى مراقبون أن التحدي الأول أمام الحكومة يتمثل في ضرورة مباشرة مهامها من الداخل، في ظل مطالب شعبية متصاعدة بعودة مؤسسات الدولة إلى عدن وتفعيل حضورها على الأرض.

الحكومة اليمنية الجديدة ضمت 3 حقائب للنساء بعد سنوات من التهميش (سبأ)

وتواجه حكومة الزنداني تركة ثقيلة من الأزمات المتراكمة، يتصدرها الملف الاقتصادي، في ظل تدهور سعر الصرف، وتوقف تصدير النفط، وتراجع الإيرادات العامة، إضافة إلى أزمات الخدمات الأساسية، وعلى رأسها الكهرباء والمياه، التي باتت تمس الحياة اليومية للمواطنين.

ولا يقل الملف الأمني أهمية؛ إذ تتطلع الأوساط السياسية إلى توحيد الأجهزة العسكرية والأمنية تحت مظلتَيْ وزارتَيْ الدفاع والداخلية، بما يعزز الاستقرار ويحد من مظاهر الانفلات والتعددية الأمنية.

وتُوصف حكومة الزنداني بأنها «حكومة الفرصة الأخيرة» لوقف التدهور المعيشي، في ظل آمال معلقة على انتقالها من سياسة إدارة الأزمات إلى معالجتها جذرياً، وهو ما يتطلب انسجاماً سياسياً داخلياً ودعماً إقليمياً ودولياً مستداماً.

ترحيب دولي

وفي هذا السياق، رحب المبعوث الخاص للأمم المتحدة إلى اليمن، هانس غروندبرغ، بتشكيل الحكومة اليمنية الجديدة برئاسة رئيس الوزراء شائع الزنداني، مشيراً إلى أن هذا التطور يأتي في وقت تشتد فيه الحاجة إلى بذل جهود متجددة للنهوض بعملية سياسية شاملة بقيادة اليمنيين، ولمعالجة التحديات السياسية والاقتصادية والأمنية التي تواجه اليمن، والاستجابة لأولويات الشعب اليمني.

كما رحب المبعوث الخاص غروندبرغ أيضاً بعودة النساء إلى مجلس الوزراء اليمني، بوصفها خطوة مهمة نحو تعزيز الحكم الشامل ودعم عملية صنع القرار.

وقال المبعوث الأممي في بيان: «من المهم أن يُسمح للحكومة المشكّلة حديثاً بأداء عملها في بيئة بنّاءة لتحقيق الاستقرار، وتخفيف معاناة الشعب اليمني، والمساعدة في تهيئة الظروف المواتية لسلام دائم».

وأفاد غروندبرغ بأنه سيواصل انخراطه مع الأطراف اليمنية والإقليمية لدعم الجهود الرامية إلى تعزيز الحوار وخفض التصعيد.

من جهتها، هنأت السفارة الأميركية لدى اليمن بتشكيل الحكومة الجديدة، وقالت في بيان إن «هذا التحول يعدّ فرصةً سانحة لتعزيز الاستقرار وتثبيت دعائم الحوكمة الفاعلة».

وأكد البيان تطلع واشنطن للتعاون مع حكومة ذات كفاءة وشاملة للتنوع الجغرافي، تُشرك النساء والشباب بفاعلية، بوصفهم عنصراً أساسياً في بناء الدولة وتلبية احتياجات المجتمع.

وأضاف: «أصبح الفرق بين نهج الدولة الذي تمثله الحكومة وبين جماعة الحوثي الإرهابية واضحاً تماماً اليوم. نجدد تأكيدنا على الوقوف بجانب الشعب اليمني في سعيه نحو غد أكثر أمناً وازدهاراً».

من جانبه، رحب «الاتحاد الأوروبي» بإعلان تشكيل الحكومة اليمنية الجديدة في خطوة نحو العمل على استقرار الوضع وتحسين تقديم الخدمات والمضي في الإصلاحات المطلوبة، وقال في تغريدة على منصة «إكس»: «يُعدّ (إشمال) المرأة وشخصيات شابة عنصراً أساسياً يظهر الالتزام الواضح بالشمول والتنوع».

في السياق نفسه، أكدت السفيرة البريطانية لدى اليمن، عبدَة شريف، التزام لندن الراسخ العمل مع الحكومة اليمنية لتعزيز الأمن والاستقرار والازدهار للشعب اليمني. كما رحبت بـ«شدة» بتقلد كفاءات نسائية مناصب وزارية رفيعة؛ وقالت إن «الحكومة الشاملة هي الركيزة الأساسية لسلام واستقرار مستدام».

Cannot check text—confirm privacy policy first


الحوثيون حوّلوا رمضان المبارك ضيفاً ثقيلاً على اليمنيين

مشاهد الفقر والكساد تطغى على الأسواق في مناطق سيطرة الحوثيين قبيل حلول رمضان المبارك (إعلام محلي)
مشاهد الفقر والكساد تطغى على الأسواق في مناطق سيطرة الحوثيين قبيل حلول رمضان المبارك (إعلام محلي)
TT

الحوثيون حوّلوا رمضان المبارك ضيفاً ثقيلاً على اليمنيين

مشاهد الفقر والكساد تطغى على الأسواق في مناطق سيطرة الحوثيين قبيل حلول رمضان المبارك (إعلام محلي)
مشاهد الفقر والكساد تطغى على الأسواق في مناطق سيطرة الحوثيين قبيل حلول رمضان المبارك (إعلام محلي)

في واقعٍ مثقل بالفقر والعوز، يستقبل ملايين اليمنيين في مناطق سيطرة الجماعة الحوثية شهر رمضان هذا العام وهم عاجزون عن توفير أبسط متطلبات هذه المناسبة الدينية، التي لطالما تميزت بطقوسها الخاصة ومأكولاتها المتنوعة.

وحوّل الحوثيون رمضانَ ضيفاً ثقيلاً على غالبية الأسر، في ظل انعدام الأمن الغذائي، وتوقف المرتبات، وغياب المساعدات الإنسانية التي كانت تمثل شريان حياة لملايين السكان.

وتفاقمت هذه المعاناة مع مغادرة عدد من منظمات الأمم المتحدة المناطق الخاضعة لسيطرة الحوثيين، وتوقف برامجها الإغاثية، عقب مداهمة الجماعة مكاتبها واعتقال العشرات من العاملين فيها. ووفق تقديرات منظمات إغاثية، فإن نحو 13 مليون شخص في تلك المناطق يعيشون اليوم على حافة الجوع، في واحدة من أسوأ الأزمات الإنسانية التي يشهدها اليمن منذ سنوات.

الحوثيون متهمون برعاية الانفلات الأمني في إب لمنع أي انتفاضة شعبية (إعلام محلي)

عبد الرحمن، وهو موظف في شركة محلية بمحافظة إب (193 كيلومتراً جنوب صنعاء)، يصف لـ«الشرق الأوسط» الأوضاع؛ قبل أيام من دخول شهر رمضان المبارك، بأنها «مأساوية بكل المقاييس». ويؤكد أن الغالبية المطلقة من سكان المحافظة باتت عاجزة عن توفير الاحتياجات الغذائية الأساسية، واضطرت إلى تقليص عدد الوجبات اليومية إلى الحد الأدنى.

ويعزو عبد الرحمن هذا الوضع إلى «قطع الحوثيين مرتبات عشرات آلاف الموظفين منذ 8 أعوام، إضافة إلى توقف الأنشطة الاقتصادية وشلل سوق العمل، إلى جانب انقطاع المساعدات الإنسانية التي كانت تقدمها الأمم المتحدة خلال السنوات الماضية». ويقول إن «البؤس يعلو وجوه المتسوقين في أسواق عاصمة المحافظة، في مشهد يناقض تماماً أجواء الفرح التي اعتادها اليمنيون مع قدوم رمضان».

أسواق خالية

ولا تختلف الحال كثيراً في العاصمة اليمنية المختطفة صنعاء، حيث أعلنت الجماعة الحوثية قبل أيام صرف نصف راتب عن نهاية العام الماضي لبعض الموظفين العموميين، وبواقع نحو 50 دولاراً فقط، بمناسبة حلول الشهر الفضيل. إلا إن هذا المبلغ، وفق شكاوى الموظفين، لا يغطي حتى جزءاً يسيراً من متطلبات المعيشة.

وتبدو أسواق صنعاء خالية من الزحام المعتاد الذي كانت تشهده في مثل هذه الأيام من كل عام؛ إذ انعكست حالة الفقر والعوز على القدرة الشرائية للسكان، ودفع ذلك بهم إلى الاكتفاء بشراء الضرورات القصوى، في ظل ارتفاع الأسعار وتراجع الدخل إلى مستويات غير مسبوقة.

منصور، وهو معلم يقيم في صنعاء، يقول إنه تسلم نصف راتب، لكنه لا يكفي حتى لتسديد إيجار المنزل. ويضيف في حديثه لـ«الشرق الأوسط»: «الحديث عن شراء احتياجات رمضان أصبح نوعاً من الترف لا يعرفه إلا القليل من الميسورين. نحن وغالبية الناس نبحث فقط عما يسد جوعنا وجوع أطفالنا».

ملايين اليمنيين في مناطق سيطرة الحوثيين يعانون انعدام الأمن الغذائي (إعلام محلي)

ويشير منصور إلى أن «المساعدات الغذائية التي كانت تقدمها الأمم المتحدة والمنظمات الدولية خلال الأعوام الماضية، كانت توفر الحد الأدنى من الأمن الغذائي لكثير من الأسر، وتمنحها فرصة شراء بعض متطلبات رمضان، بما فيها الحلويات التقليدية».

ازدياد الفقراء

ومع انقطاع هذه المساعدات الأممية بشكل كامل، انضم آلاف الأسر إلى قوائم الفقراء الباحثين عمّا يسد رمقهم، فيما باتت أسر أخرى تعيش على الخبز والشاي، أو اضطرت إلى التسول في الشوارع وأمام المطاعم ومحال البقالة.

وفي سياق متصل، شكا الصحافي حسن الوريث، الذي كان في السابق من مؤيدي الحوثيين، من تعرضه لمضايقات وضغوط متواصلة بسبب مواقفه المنتقدة للفساد. واتهم جهات نافذة بالسعي إلى إسكاته ومنعه من أداء دوره المهني، مشيراً إلى أن تلك الضغوط تنوعت بين التهديد المباشر، والإقصاء، ومحاربته في مصدر رزقه.

وأكد الوريث عزمه على الاستمرار في الكشف عن الفساد، محذراً من انهيار شامل في حال عدم التصدي لما وصفها بـ«منظومة الفساد ومراكز النفوذ»، داعياً إلى «حماية الصحافيين والإعلاميين في مناطق سيطرة الحوثيين الذين يؤدون واجبهم المهني بصدق، رغم المخاطر».

Cannot check text—confirm privacy policy first


إهمال حوثي يهدد حياة السكان في صنعاء

شارع في صنعاء تغمره مياه المجاري جراء انسداد شبكة التصريف (الشرق الأوسط)
شارع في صنعاء تغمره مياه المجاري جراء انسداد شبكة التصريف (الشرق الأوسط)
TT

إهمال حوثي يهدد حياة السكان في صنعاء

شارع في صنعاء تغمره مياه المجاري جراء انسداد شبكة التصريف (الشرق الأوسط)
شارع في صنعاء تغمره مياه المجاري جراء انسداد شبكة التصريف (الشرق الأوسط)

تعيش العاصمة اليمنية المختطَفة صنعاء، ومدن أخرى خاضعة لسيطرة الجماعة الحوثية، على وقع تدهور خِدمي متسارع يُهدد حياة السكان بشكل مباشر، مع تفاقم أخطار أعمدة الكهرباء المُتهالكة، واستمرار طفح مياه الصرف الصحي في الأحياء السكنية، في مشهد يعكس حجم الإهمال المزمن وتقاعس الجهات المعنية عن القيام بأبسط واجباتها تجاه السلامة العامة، خصوصاً مع اقتراب شهر رمضان.

مصادر محلية مُطلعة كشفت، لـ«الشرق الأوسط»، عن وجود مئات من أعمدة الكهرباء الخشبية المتهالكة في صنعاء وضواحيها، يعود تركيب بعضها إلى عقود مضت، وهي، اليوم، مائلة أو متشققة القواعد، وتتدلى منها أسلاك مكشوفة، ما يُشكل تهديداً مباشراً للمارّة، ولا سيما الأطفال وطلبة المدارس، في ظل غياب أي أعمال صيانة أو استبدال حقيقية.

وأوضحت المصادر أن معظم هذه الأعمدة تُستخدم حالياً في شبكات توزيع الكهرباء التجارية، في ظل الانقطاع شبه الكامل للكهرباء الحكومية منذ سنوات، ما أدى إلى زيادة الأحمال الكهربائية بصورة تفوق قدرتها على التحمل، وسط تمديدات عشوائية وأسلاك مُتشابكة تُنذر بكوارث وشيكة.

عمود كهرباء سقط في حي بصنعاء وسارع السكان إلى إعادة إصلاحه (الشرق الأوسط)

ورغم البلاغات المتكررة التي تقدَّم بها مواطنون للسلطات الحوثية، فإن الجماعة، وفق المصادر، تُواصل تجاهلها المتعمد لهذه الشكاوى، مكتفية بطلب تبرعات من السكان لإجراء إصلاحات محدودة، دون أي تحرك رسمي لمعالجة الخطر أو وضع حلول إسعافية تقلل حجم المخاطر.

يقول أحمد الهمداني، وهو صاحب محل تجاري في حي التحرير، إن سقوط أي عمود كهرباء بات «مسألة وقت لا أكثر»، مؤكداً أن الأعمدة لم تخضع، منذ سنوات، لأي صيانة، وأن انهيار أحدها قد يؤدي إلى كارثة إنسانية، خاصة في الأحياء ذات الكثافة السكانية العالية.

المياه الآسنة

بالتوازي مع هذا الخطر، يعيش سكان صنعاء في ظل أوضاع بيئية وصحية متدهورة، مع تصاعد ظاهرة طفح مياه الصرف الصحي في عدد من المديريات، وتجمعات المياه الآسنة، ما حوّل شوارع وأزقّة كاملة إلى بؤر للتلوث، وسط روائح كريهة وانتشار للحشرات، وتهديد مباشر للصحة العامة.

صورة تُظهر تردي شبكة الصرف الصحي في صنعاء (الشرق الأوسط)

سياسة ممنهجة

ويرى مراقبون أن هذا التدهور يعكس سياسة حوثية ممنهجة لإهمال البنية التحتية، مقابل توجيه الموارد والإيرادات العامة نحو المجهود الحربي والمصالح الخاصة، في ظل غياب الرقابة والمحاسبة، وافتقار المؤسسات الخاضعة لسيطرة الحوثيين لأدنى معايير السلامة والمسؤولية.

ويُحذر مختصون في السلامة العامة من أن استمرار تهالك أعمدة الكهرباء قد يؤدي إلى حوادث صعق أو انهيارات مُميتة، بينما يؤكد أطباء ومختصون صحيون أن طفح مياه الصرف الصحي يُشكل بيئة خصبة لانتشار الأوبئة، مثل الكوليرا والإسهالات المائية الحادة وأمراض الجلد والجهاز التنفسي.

عنصر حوثي أثناء تفقُّده عداداً كهربائياً في صنعاء (إعلام حوثي)

وتشير تقديرات محلية إلى أن أكثر من 68 في المائة من أعمدة الكهرباء في صنعاء، خصوصاً في الأحياء القديمة، باتت متهالكة، في حين سجلت صنعاء وضواحيها، خلال الفترة الأخيرة، أكثر من 23 حادثة سقوط أو انكسار أعمدة، تسببت بوقوع وفيات وإصابات.

ويُجمع خبراء بيئيون وإداريون على أن استمرار هذا الإهمال ينذر بمضاعفة الكلفة الإنسانية والصحية مستقبلاً، مؤكدين أن معالجة هذه الأزمات تتطلب تحركاً عاجلاً ومسؤولاً، يضع سلامة المواطنين وحقهم في بيئة صحية وحياة كريمة في صدارة الأولويات.