ماذا لو أنك ترى العالم بنظرة واحدة لا تتغير، منذ أن كنت طفلاً ثم شاباً ثم رجلاً ناضجاً؟ يبدو هذا التساؤل أداة مفتاحية للولوج إلى رواية «أحلام سعيدة يا صغيري»، الصادرة عن دار «العربي» بالقاهرة للكاتب الإيطالي ماسيمو جارميلليني، ترجمة مينا شحاتة. نحن هنا إزاء ما يمكن اعتباره «رواية شخصية» ألقى بداخلها المؤلف أجزاء من سيرة حياته، ودمجها مع حياة بطلها الصغير الذي يحمل اسمه هو أيضاً «ماسيمو»، حيث بدأها بجنازة تذكّره بأمه وبحياته السابقة.
ماتت الأم وهو صغير، وتركته مع والده ليصبح الاثنان في مواجهة عالم جديد يحاولان فهمه والتعايش معه. والده الكتوم الذي لا يفصح عن مشاعره، والذي يخفي عنه سراً ربما يغير حياته كلها تماماً، وهو الطفل الصغير الذي يفتقد أمه وحنانها. يحلم بالمربية الجديدة التي ستحتضنه، وتحكي له القصص قبل أن ينام، لكنها لم تفعل، عاملته بجفاء، فكانت تلك هي الصدمة الثانية بعد وفاة والدته.
ينزوي ماسيمو إلى عالم بناه بنفسه، عالم ما زالت أمه فيه على قيد الحياة، ويعامله أبوه فيه بحنان ويبتسم له. وهكذا بين ماضيه وحاضره، ينتقل بنا المؤلف بين ماسيمو الطفل الذي ينمو وتتغير شخصيته، وماسيمو الشاب الذي يبحث في كل امرأة يقابلها عن أمه وحلمه المفقود.
وُلد ماسيمو جارميلليني في مدينة تورينو الإيطالية 1960، حيث ماتت ولدته وهو في التاسعة من عمره، عمل بالصحافة، ونُشر له عدد من المؤلفات التي تناقش المجتمع والسياسة في إيطاليا، كما كتب كذلك عن فريق كرة القدم المفضَّل لديه «تورينو إف سي». نُشرت أول رواية له عام 2010 تحت عنوان «آخر سطور الأسطورة»، وبِيع منها ربع مليون نسخة في إيطاليا، وتُرجمت إلى عدة لغات. أما رواية «أحلام سعيدة يا صغيري» فصدرت في طبعتها الأولى عام 2012، وكانت أكثر الروايات مبيعاً في ذلك العام بإيطاليا، حيث بيع منها أكثر من مليون نسخة.
من أجواء الرواية نقرأ:
«الحقيقة إنني كنت أودُّ أن أصبح رساماً عندما كنت في السادسة من عمري. رسمتُ آخر روائعي الفنية، أمي وهي تأكل عنقود العنب. كان العنقود أطول منها بكثير، وبَدَت حبات العنب ضخمة مثل كرات شجرة الميلاد، في حين أن وجهها بدا في حجم عنبة صغيرة. وضعت أمي تلك اللوحة في المطبخ، وكانت تُريها بفخر لأقاربي عند زيارتهم لنا. تلقيت من وجوههم الحائرة أول رسالة منطقية بأن الرسم لا يصلح أن يكون من هواياتي أبداً. أخذت قراراً حينها أنه إذا أردت رسم العالم بداخلي فسأرسمه بالكلمات.
كان مشهد العشاء في منزل (جورجو وجانيتا) هو المشهد الأكثر بؤساً في التاريخ، فعلى الرغم من محاولاتي البائسة للحديث معهما أرغماني أنا وابنهما البالغ من العمر ثلاثة عشر عاماً على النوم في الساعة التاسعة مساء. ذهبت برفقة ابنهما إلى محبسنا. أتذكر جيداً صوت ذلك الرفيق النائم على السرير الأعلى وهو يتنفس بشكل منتظم. أتذكر أيضاً بريق الألعاب النارية القادمة من خلف النوافذ المواربة، وهي تغمر ظلام الغرفة بأنوارها. اختبأت تحت الغطاء، وعيناي تلمعان، وفكري يدور في دوامات كألعاب الملاهي. ظللت أتساءل عن الجرم الخطير الذي ارتكبته في أثناء عطلة عيد الميلاد، حتى أنال مثل هذه العقوبة. حسناً، لقد كذبت مرتين، وتحدثت مع أمي في إحدى المرات بشكل غير لائق، وركلت (ريكاردو) مشجع نادي يوفنتوس الصغير، الذي كان في الطابق الثاني، لم أر أي جرم في هذه الخطايا، وخاصة الأخيرة!».

