«موسم الكرز» في لبنان مهرجان ومتعة القطاف للجميع

حمّانا مددت استقبالها للزوار

القطاف للصغار كما الكبار (الشرق الأوسط)
القطاف للصغار كما الكبار (الشرق الأوسط)
TT

«موسم الكرز» في لبنان مهرجان ومتعة القطاف للجميع

القطاف للصغار كما الكبار (الشرق الأوسط)
القطاف للصغار كما الكبار (الشرق الأوسط)

يبدأ موسم الكرز في لبنان، أواخر شهر مايو (أيار)، ويستمر حتى نهاية يونيو (حزيران) على الأقل، تبعاً لارتفاع المنطقة وبرودة طقسها. وقد بات لهذه الفاكهة عيدها ومهرجانها، ومشاركة في قطافها، ليس فقط لعذوبة طعمها بل لجمال شكلها ولونها.

ومنذ منتصف الشهر الحالي، وحمّانا البلدة اللبنانية الجبلية الجميلة، في قضاء بعبدا، التي ترتفع نحو 1100 كيلومتر عن سطح البحر، تستقبل الزوار، وتحتفي بكرزها على أنواعه. بدأت هذه الاحتفالات بمهرجان الكرز الذي اجتمع حوله اللبنانيون للسنة الثالثة عشرة على التوالي، حيث زحف الآلاف إلى حمّانا، وسط ازدحام شديد، وحركة غير مسبوقة. تنظم بلدية البلدة، هذا اليوم بعرض الكرز على أنواعه وبيعه في السوق الحمّانية إلى جانب مئات البسطات التي تعرض مختلف المنتجات المنزلية، والقطع الحرفية، والعسل كما الزهور والمربيات، والعصائر كما الزعتر والمنحوتات واللوحات. كل ما يصنعه أهالي حمّانا والمنطقة يعرض بهذه المناسبة، ويباع وتصبح السوق مناسبة لتبادل الخبرات، وشرح فوائد المنتوجات، وكيفية صناعتها وميزتها.

لبنان يحتفي بموسم الكرز (الشرق الأوسط)

لكن الأهم والعنوان الرئيسي الذي يعقد حوله العيد، وتجوب الفرق الموسيقية السوق، وتعقد حلقات الدبكة من أجله هو مشاركة الزوار بقطاف الكرز. وهي مناسبة تجارية، سياحية، ترفيهية، لها أكثر من بعد. ولهذا لم يتوقف قطاف الكرز على يوم المهرجان هذه السنة، بل هو مستمر نهاية كل أسبوع، حتى انتهاء الموسم وإتمام القطاف. والكرز في لبنان ليس حكراً على حمّانا بطبيعة الحال؛ إذ لا بد أن تتذوق كرز بسكنتا، الذي بدأ بالنضوج هذه الأيام، وكذلك كرز إهدن السكري الرائع؛ فالارتفاع والبرودة يسهمان في تجويد نوعية الثمر.

ويستمر موعد القطاف في حمّانا حتى نهاية الشهر الحالي، حيث تتوافد الحافلات من مختلف المناطق اللبنانية، إلى البلدة في نهاية كل أسبوع للمشاركة في هذا القطاف الذي حوله أهالي حمّانا إلى تقليد خاص، علماً أن البلدات الأخرى المعروفة بكرزها بدأت تحذو حذوها. ويقول لنا جوزف حاتم، وهو من اللجنة المنظمة لقطاف الكرز: «لا نعطي لزوارنا مواعيد مسبقة، لأننا عرفنا بحكم الخبرة، أن لا أحد يلتزم بالوقت المحدد له؛ لهذا يصل الراغبون في القطاف إلى البلدة، ويجري نقلهم بحافلات خاصة إلى بساتين الكرز؛ حيث يوجد نحو تسع حدائق كبيرة في حمانا. يحصل كل واصل على بطاقة مقابل عشرة دولارات، وهي تكلفة النقليات وأتعاب المرافقين الذين يساعدون الوافدين، ويرافقونهم إلى الحدائق، ويزودون كل زائر بكيس يتسع لكيلوغرامين من الكرز، وحين يصل الشخص إلى الحديقة، له حرية البقاء نصف ساعة لإتمام قطاف الكمية المسموح له بها». ويستدرك حاتم بالقول: «كنا نتمنى أن نترك لزورنا حرية البقاء للفترة التي يتمنونها، لكن عدد الراغبين في القطاف كبير جداً، لهذا لا بد من تحديد الوقت، وتنظيم العملية، كي نتيح فرصة عيش هذه التجربة لكل من يرغب بها».

في يوم واحد يؤكد حاتم أن حمّانا باعت ما بين أربعة إلى خمسة أطنان من الكرز، بين ما جرى قطفه وما بيع في السوق لمن أرادوا الشراء فقط دون قطف، وهي كمية كبيرة، خصوصاً أن أهالي حمانا في هذه الحالة يبيعون ثمرهم في أرضه دون تحمل تكاليف نقله وإعداده. هكذا نجح الحمّانيون، بذكاء وحيلة، ليس فقط في إراحة أنفسهم من عناء النقليات وتكاليفها المرتفعة، ولكن أيضاً تحويل كرزهم إلى نوع من الأطايب المشتهاة نظراً لحسن تسويقه، وجمالية عرضه، وبراعة الترويج له.

الكرز في مهرجانه الثالث عشر (الشرق الأوسط)

وتحدثنا لورا البيرة، وهي من اللجنة المنظمة أيضاً، عن أنواع كثيرة من الكرز تنتجها حمانا، لكن غالبية المنتج يدعى الفرعوني وهو الأحمر القاني، فيما الكرز المكحّل ذو اللون الأحمر الفاتح يتأخر نضوجه، ولا يصبح صالحاً للأكل إلا في نهاية الموسم.

وتتحدث لورا عن 1200 شخص قصدوا الحدائق للقطاف في يوم واحد، بمناسبة المهرجان، حيث يستمر هذا النشاط من العاشرة صباحاً وحتى الرابعة بعد الظهر، فيما تعمل الحافلات على نقل الراغبين في القطاف جيئة وذهاباً، طوال النهار. وترى السوق وقد اكتظت، والمطاعم وقد امتلأت، حتى إنها عجزت عن استقبال كل الزوار، فاكتفى البعض بتناول السندويتشات، نظراً لعدم وجود ما يكفي من الأماكن في المطاعم على وفرتها في البلدة.

أما ما يجعل الكرز يتميز بالطعم والنكهة المميزين، فهو رطوبة المنطقة وغناها بالمياه، وارتفاعها عن سطح البحر كما برودة الجو التي تجعل الكرزة متماسكة قاسية، هذا عدا غنى التربة.

في هذه الفترة من السنة، يمكن لمحبي الكرز الاستمتاع به طازجاً نيئاً، بعنقه الأخضر الطري، مقطوفاً للتو من الشجر، أو معقوداً بالسكر على شكل مربى، أو عصيراً طيباً بعد أن تضاف إليه كمية صغيرة من السكر، وهناك من يستخدمه في الطبخ لتطييب الطعام بدبس الكرز، هذا ما يشرحه لك أهالي حمّانا في أثناء احتفالاتهم. كذلك لا يزال تقليداً قديماً وطريفاً، استخدام الكرز الطازج لتزيين القبعات، أو تعليقه في الأذنين بدل الأقراط أو على الصدر، وربما متدلياً من سلسلة.

موسم الكرز لم ينته في لبنان بعد، لكنه في حمّانا سجل نجاحاً فاق كل السنوات السابقة، ما دفع بالبلدية واللجنة المنظمة إلى النظر في تطوير التجربة، وتقييمها للمضي بها إلى الأمام. كما أن هذا النجاح الذي يذيع صيته، يدفع بمناطق أخرى لها كرزها هي الأخرى، للاستفادة مما فعلته حمّانا وتبني عليه.



وليد خيري: ركزت على الجانب العاطفي في تناول سيرة داليدا

خيري بشارة مع فرح الديباني والسفير الفرنسي بالقاهرة خلال الإعلان عن المشروع (فيسبوك)
خيري بشارة مع فرح الديباني والسفير الفرنسي بالقاهرة خلال الإعلان عن المشروع (فيسبوك)
TT

وليد خيري: ركزت على الجانب العاطفي في تناول سيرة داليدا

خيري بشارة مع فرح الديباني والسفير الفرنسي بالقاهرة خلال الإعلان عن المشروع (فيسبوك)
خيري بشارة مع فرح الديباني والسفير الفرنسي بالقاهرة خلال الإعلان عن المشروع (فيسبوك)

قال المؤلف المصري وليد خيري، مؤلف العرض المسرحي الغنائي «داليدا... الأغنية التي لا تنتهي»، إن فكرة العمل بدأت عام 2024، عندما اقترح عليه المخرج خيري بشارة الكتابة عن المطربة داليدا. وأوضح أنه بدأ منذ ذلك الوقت رحلة بحث واسعة شملت مشاهدة أفلام ووثائقيات عنها، وقراءة كتب باللغة الإنجليزية، والاطلاع على شهادات ومواد كتبها أشخاص كانوا قريبين منها، قبل أن يخرج بمعالجة اختار فيها تناول جانب محدد من حياتها، بدلاً من تقديم سيرة شاملة.

وأضاف خيري، في حوار مع «الشرق الأوسط»، أن الجانب الذي جذبه في شخصية داليدا هو حياتها العاطفية وما تركته من أثر في استقرارها الإنساني، بالتوازي مع نجاح فني استثنائي أوصلها إلى مستويات غير مسبوقة من المبيعات والشهرة العالمية. ولفت إلى أن وجودها في مصر خلال سنوات نشأتها ترك أثراً واضحاً في شخصيتها، مشيراً إلى اهتمامه بتقديمها من منظور إنساني وعاطفي، لا بصفتها نجمة عالمية فحسب.

وليد خيري مؤلف عرض «داليدا» (الشرق الأوسط)

ويقدم العرض المسرحي «داليدا... الأغنية التي لا تنتهي» معالجة موسيقية تتناول جانباً من حياة داليدا ومحطاتها الإنسانية والفنية، من خلال مزيج من التمثيل والرقص والغناء باللغتين العربية والفرنسية، مع توظيف أغانيها داخل النسيج الدرامي.

ومن المقرر تقديم العرض في ختام فعاليات «موسم البحر المتوسط» في مكتبة الإسكندرية، يوم 31 أكتوبر (تشرين الأول)، برعاية السفارة الفرنسية في مصر، على أن تتواصل عروضه لاحقاً في مسارح باريس. والعمل من بطولة الفنانة فرح الديباني.

وأوضح خيري أن كتابة العمل لم تتطلب اللجوء إلى مساحة واسعة من الخيال، لأن حياة داليدا نفسها مليئة بالأحداث والتحولات الدرامية، لكنه احتاج إلى خيال فني لتحويل هذه التفاصيل إلى عرض مسرحي موسيقي. وأشار إلى أن التحدي الأساسي تمثل في إيجاد طريقة تجعل أغانيها جزءاً من الدراما، لا مجرد فواصل غنائية بين المشاهد.

وأشار إلى أن طبيعة المسرح الموسيقي تقوم على فكرة «حين يعجز الكلام تبدأ الأغنية»، وهو ما حاول تطبيقه على أغاني داليدا، خصوصاً أنها تمتلك رصيداً متنوعاً من الأغنيات التي تحمل أبعاداً درامية وتتصل بتجارب إنسانية مختلفة. وأوضح أنه لم يستعن بأغنيات أو مواد موسيقية من خارج عالمها الفني، بل حاول بناء العرض انطلاقاً من هذا العالم نفسه.

فرح الديباني (حسابها على «فيسبوك»)

وقال خيري إن اختياره المعالجة الدرامية لم يكن قائماً على تقديم قراءة خارجية لحياة داليدا، بل على محاولة الكتابة من داخل الشخصية، مؤكداً رغبته في الاقتراب من مشاعرها وتجاربها وعلاقاتها وأزماتها، بدلاً من الاكتفاء باستعراض محطات حياتها المعروفة.

ولفت إلى أن اختيار فرح الديباني لبطولة العرض ارتبط بالفكرة منذ بدايتها، إذ كان المخرج خيري بشارة يفكر في مشروع يمنح السوبرانو المصرية العالمية فرصة تجسيد شخصية داليدا. وأشار إلى أن ارتباط الديباني بالشخصية يعود إلى سنوات، سواء من خلال غنائها أعمالها في حفلاتها أو حديثها المستمر عنها.

وأضاف أن العمل لم يُكتب بطريقة تستهدف إجراء تعديلات كبيرة ليتناسب مع الديباني، موضحاً أنه منذ اللحظات الأولى لمعرفته بها، لاحظ أوجه التشابه بينها وبين داليدا. وأكد أن قربها من عالم الشخصية وثقافتها الموسيقية ساعداه على الوصول إلى تفاصيل دقيقة خلال الكتابة، خصوصاً عند التعامل مع معاني بعض الأغنيات الفرنسية.

وكشف خيري عن أن تعدد اللغات كان أحد أصعب تحديات المشروع، موضحاً أن العرض صُمم منذ البداية ليُقدَّم بالعربية المصرية والفرنسية، مع حضور لغات أخرى في بعض المواضع، لأن داليدا نفسها كانت شخصية متعددة الثقافات واللغات. وأكد أن الهدف لم يكن إنتاج عرض مصري عن نجمة عالمية، بل تقديم عمل يمكن أن ينتقل من مصر إلى فرنسا، ثم يصل إلى جمهور دولي.

وبيَّن أن فريق العمل اختير على أساس القدرة على تقديم العرض نفسه في مصر وفرنسا وأماكن أخرى، وهو ما فرض شروطاً خاصة عند اختيار الممثلين والراقصين. ولفت إلى أن جمع فريق قادر على التعامل مع هذا التنوع اللغوي والفني كان من أكثر مراحل المشروع تحدياً، لكنه أتاح في المقابل تكوين مجموعة تعكس التعدد الثقافي الذي ميّز حياة داليدا.

وأكد خيري أن المشروع دفعه إلى دراسة المسرح الموسيقي بصورة متخصصة، بعدما كان أكثر ارتباطاً بكتابة السيناريو والرواية. ولفت إلى أنه لم يكتفِ بالبحث في حياة داليدا، بل درس كيفية كتابة هذا النوع من الأعمال، وبناء العلاقة بين الحوار والغناء والموسيقى والحركة.


أحمد البحراني يستعيد ذاكرة الطفولة بـ«ضفاف الفرات»

يهدي الفنان معرضه إلى الأطفال ذوي الاحتياجات الخاصة (الشرق الأوسط)
يهدي الفنان معرضه إلى الأطفال ذوي الاحتياجات الخاصة (الشرق الأوسط)
TT

أحمد البحراني يستعيد ذاكرة الطفولة بـ«ضفاف الفرات»

يهدي الفنان معرضه إلى الأطفال ذوي الاحتياجات الخاصة (الشرق الأوسط)
يهدي الفنان معرضه إلى الأطفال ذوي الاحتياجات الخاصة (الشرق الأوسط)

كيف يمكن لقطعة خشب أنهت رحلتها في البحر أن تبدأ حياة جديدة؟ وأي ذاكرة تختبئ في طائر صغير، لا يحاكي الطبيعة بقدر ما يستعيد بيتاً بعيداً وطفولة لا تزال تسكن صاحبه؟

في معرضه «العصفور... ما تبقّى»، المقام في «غاليري ياسين» بالزمالك، يحوّل الفنان العراقي البحراني بقايا سفن أنهكها البحر إلى عصافير تحمل حكايات الذاكرة والاغتراب، مستلهماً تجربته مع الأطفال ذوي الاحتياجات الخاصة، وما تعلّمه منهم عن المحبة والسلام وحرية التعبير.

ومن خلال هذه الأعمال، يدعونا الفنان إلى تأمّل العلاقة بين الذاكرة والفقد، وبين ما ينكسر في الحياة وما يستطيع الفن إعادة بنائه.

فتبدو العصافير التي يقدمها البحراني كائنات تحمل آثار رحلات طويلة، بعضها حملتها سفن قديمة عبر البحار قبل أن تصل إلى نهايتها، وبعضها الآخر اختزنتها ذاكرة فنان ابتعد طويلاً عن وطنه، فظل يبحث عن طريق يعيده إليه.

تتَّخذ عصافير البحراني من البساطة لغة للتعبير عن الحنين والاغتراب (الشرق الأوسط)

وبين الخشب والطين ومكعبات البناء، تتشكل تجربة فنية تتجاوز حدود المادة لتطرح سؤالاً أكثر إنسانية: كيف نمنح ما تبقّى فرصة أخرى للحياة؟

يقول البحراني لـ«الشرق الأوسط»: «بدأت الحكاية في الهند، حين قادتني المصادفة إلى مكان يُعرف باسم مقبرة السفن، حيث تنتهي رحلات السفن التي أمضت عقوداً في البحر، وتبدأ عملية تفكيكها».

هناك، لفتت انتباهه الأخشاب التي حملت آثار الزمن والملح والرحلات الطويلة، فاختار منها قطعاً بعناية، مستشعراً أن هذه المادة التي تبدو وكأنها بلغت نهايتها لا تزال تختزن حكايات تستحق أن تُروى.

ويستعيد الفنان تلك اللحظة، قائلاً: «استشعرت كم تحمل الأخشاب بين ثناياها من آثار البحر والغياب، ومن قصص البشر الذين عبروا على متن السفن، وما واجهوه خلال رحلاتهم».

من هنا، نشأت فكرة تحويل البقايا الثقيلة إلى عصافير خفيفة، تنتقل من ثقل البحر إلى خفة الهواء، ومن النهاية إلى بداية جديدة.

لم يكن البحراني معنياً، في هذه التجربة، بصنع طيور مكتملة وفق مقاييس تشريحية، بقدر ما كان يبحث عن شكل بسيط قادر على استثارة العاطفة وإيقاظ الذاكرة. فالعصفور، بالنسبة إليه، هو «استعارة للحرية، وللإنسان الذي يحاول أن يحتفظ بجزء من عالمه الأول، حتى عندما تتغير الأمكنة وتتباعد المسافات».

ومع تطور المشروع، انتقل الفنان من استخدام أخشاب السفن القديمة إلى الطين، المادة الأقرب إلى روحه، والأقدر على الاحتفاظ بأثر اليد.

وخلال هذا التحول، لم يتخلَّ البحراني عن فكرته الأولى، بل وسّع آفاقها لتصبح مساحة أرحب للتعبير عن الذاكرة والتجربة الإنسانية، بما تنطويان عليه من نقص ومحاولات متكررة للبدء من جديد.

وكان لتعاونه الفني مع أطفال التوحد والأطفال ذوي الاحتياجات الخاصة دور بارز في تشكيل رؤيته الإنسانية والفنية. ويقول عن هذه التجربة: «غيّرت سنوات عملي معهم فهمي للفن على نحو عميق».

ويتابع: «علّمتني هذه التجربة أن الإبداع لا يحتاج دائماً إلى البحث عن الكمال، بل إلى مساحة حرة يستطيع الإنسان فيها التعبير عن نفسه من دون خوف».

جانب من المعرض (الشرق الأوسط)

وحين عجزت الذاكرة عن استعادة صورة بيته الأول، صنع البحراني عصفوراً أعاد إليه الأطفال ذوو الهمم ملامحه المنسية، فأحياه بيديه، في حين أعاده هو إلى بيته البعيد على ضفاف نهر الفرات.

وهكذا، غدا العصفور وسيلة للعودة إلى مكان لا تستطيع المسافات وحدها محوه. وفي هذه العودة الرمزية، تتجاور ذاكرة الطفولة مع تجربة الفنان، وتلتقي براءة البدايات بسنوات من العمل والبحث والتجريب.

كما منح هؤلاء الأطفال الفنان فهماً مختلفاً لفعل البناء؛ إذ استطاعوا، من خلال مكعبات اللعب البسيطة، ابتكار عوالمهم الخاصة، وترتيب القطع وفق رؤيتهم، وتحويلها إلى أشكال تنطوي على كثير من الخيال والصدق والجمال.

تتواصل رحلة العصفور في تجربة البحراني لتتحول النهايات إلى بدايات مشرقة (الشرق الأوسط)

لكن مكاسبه من العمل مع هؤلاء الأطفال لم تقتصر على ذلك؛ إذ كان أكثر ما بقي معه، على حد قوله، هو «المحبة والسلام والصدق في المشاعر».

ومن هنا جاء اختيار عنوان المعرض «العصفور... ما تبقَّى»، ثم إهداؤه إليهم، تقديراً لما أضافوه إلى تجربته، وما فتحوه أمامه من آفاق جديدة لفهم الفن والإنسان.

ولم تخلُ تجربة الفنان العراقي من لمسة عفوية طريفة؛ فداخل قاعة المعرض، لاحظ بعض الحضور أنه يرتدي جوربين بلونين مختلفين. وعن ذلك، يقول ضاحكاً: «نعم، وقد همس أحد الأصدقاء في أذني بخجل لينبِّهني إلى ذلك».

الفنان العراقي أحمد البحراني في معرضه بالقاهرة (الشرق الأوسط)

ويتابع: «كانت تلك فرصة لأوضح له، ولكل المحبين، أنني عاهدت نفسي على ارتداء جوربين بلونين مختلفين في كل مناسبة مهمة تشهد حضوراً كبيراً، لتكون رسالة واضحة إلى العالم تعبِّر عن حبي للأطفال ذوي متلازمة داون ودعمي لهم».

واللافت أن الأعمال الخمسين التي يضمها معرض البحراني، والمستمر حتى 5 نوفمبر (تشرين الثاني) المقبل، لا تسعى إلى محاكاة الطيور كما تبدو في الطبيعة. فعند تأمل منحوتاته ورسوماته على السواء، نكتشف أننا أمام أوعية تحتضن الذاكرة والتحوّل معاً، أو كائنات تتأرجح بين النهايات وإمكانات البدء من جديد.

ومن هذه الزاوية، تبدو مكعبات الليغو والطين والخشب أجزاءً من حكاية واحدة تتمحور حول إعادة التكوين. وهنا تتجاوز دلالة المعرض تجربة البحراني الشخصية، لتلامس واقعاً إنسانياً يختبر فيه كثيرون مشاعر الفقد والاغتراب، ويتأرجحون بين اليأس والأمل، محاولين التمسك بما تبقّى من ذاكرتهم وسط عالم هشّ ومضطرب.


البندقية كانت يابسة قبل 10 آلاف عام... كيف غمرها البحر؟

البحر الذي نراه اليوم كان غياباً في خرائط الأمس (بيكسلز)
البحر الذي نراه اليوم كان غياباً في خرائط الأمس (بيكسلز)
TT

البندقية كانت يابسة قبل 10 آلاف عام... كيف غمرها البحر؟

البحر الذي نراه اليوم كان غياباً في خرائط الأمس (بيكسلز)
البحر الذي نراه اليوم كان غياباً في خرائط الأمس (بيكسلز)

تشتهر البندقية بأنها مدينة عائمة، وإنما البحوث تُظهر أنّ الأرض التي تقوم عليها كانت في الماضي تقع على بُعد أميال عدّة في عمق اليابسة. فقد أعادت التغيّرات الكبيرة في منسوب سطح البحر، على مدى 10 آلاف عام، تشكيل خط الساحل في شمال البحر الأدرياتيكي، وبات جزء كبير من الأراضي التي جابها أسلافنا يقبع اليوم تحت الأمواج.

وجمع صامويل أونغارو، من جامعة ساوثهامبتون، وزملاؤه، بين البيانات الزلزالية والرواسب المستخرجة من الأحواض الساحلية في شمال إيطاليا وسلوفينيا وشمال كرواتيا، بغية وضع نموذج للتغيّرات في منسوب سطح البحر في المنطقة، وإعادة بناء المشاهد الطبيعية القديمة على مدى الأعوام الـ10 آلاف الماضية.

وتُظهر نتائج دراستهم التي نقلتها «الغارديان» عن مجلة «مراجعات علوم الحقب الرباعي»، أنّ بحيرة البندقية الحالية كانت يابسة تمتدّ لأكثر من 30 ميلاً عن الساحل، وأنّ مدينة تريستي كانت في السابق منطقة تلال تطلّ على مستنقعات وبحيرات ساحلية.

للبندقية ماضٍ لم تكن المياه جزءاً منه (بيكسلز)

وبدءاً من أكثر بقليل من 10 آلاف عام مضت، ارتفع منسوب سطح البحر على نحو متقطّع، بلغ في بعض الأحيان 25 ملّيمتراً في السنة، ممّا أجبر جماعات الصيّادين وجامعي الثمار في العصر الحجري الوسيط على تغيير أنشطتها في الصيد وصيد الأسماك، حتى تتكيّف مع بيئة سريعة التغيّر.

وحدثت أشدّ التغيّرات وطأةً على 3 مراحل متمايزة، أعقبتها مرحلة من الاستقرار النسبي طوال الأعوام الـ6 آلاف الماضية، أسهمت في نشوء المستوطنات وبداية الزراعة في المشهد الطبيعي الذي نعرفه اليوم.