مواقع تراثية وعناصر ثقافية قادت السعودية جهود تسجيلها في «اليونيسكو»

تنطوي على قيمة ورمزية وإرث الإنسان في البلاد

يبلغ عدد المواقع المسجلة في السجل الوطني السعودي للآثار نحو 8788 موقعاً أثرياً في مختلف المناطق (وزارة الثقافة)
يبلغ عدد المواقع المسجلة في السجل الوطني السعودي للآثار نحو 8788 موقعاً أثرياً في مختلف المناطق (وزارة الثقافة)
TT

مواقع تراثية وعناصر ثقافية قادت السعودية جهود تسجيلها في «اليونيسكو»

يبلغ عدد المواقع المسجلة في السجل الوطني السعودي للآثار نحو 8788 موقعاً أثرياً في مختلف المناطق (وزارة الثقافة)
يبلغ عدد المواقع المسجلة في السجل الوطني السعودي للآثار نحو 8788 موقعاً أثرياً في مختلف المناطق (وزارة الثقافة)

أرض واسعة مترامية الأطراف، وموقع استراتيجي كان ملتقى تاريخياً وجغرافياً لقارات وحضارات ورثت تاريخاً عريقاً للإنسان، وشواهد قائمة وباقية من ماضي الزمان، حصلت أخيراً على فرصة الظهور وتسليط الضوء، عبر مبادرات نوعية تتفحص في تاريخها، وتنقّب عن كنوزها، وتستعيد طرفاً من تراثها، لتسفر تلك الجهود عن إعادة تأهيل المواقع التاريخية والعناصر الثقافية، التي تصِل الحاضر بالماضي، وتفتح نوافذ إلى الإنسان القديم وإرثه.

ورغم الوقت المتأخر في تسجيل العناصر الثقافة السعودية والمواقع التراثية في القوائم الدولية لحماية التراث العالمي الثقافي والطبيعي، ومنحها الاهتمام العالمي وتأكيد الحفاظ عليها كوديعة للأجيال القادمة، فإن السعودية تمكنت من زيادة عدد عناصرها الخاصة والمشتركة المدرجة ضمن قوائم منظمة الأمم المتحدة للتربية والعلم والثقافة «اليونيسكو» للتراث الإنساني المادي، إلى 6 مواقع، وغير المادي إلى 11 عنصراً.

ويعكس هذا التقدمُ جهودَ القطاع الثقافي السعودي في الحفاظ على التراث الإنساني الثقافي المادي وغير المادي، وصون الكثير من المواقع التراثية المهمة في تاريخ البشرية، حيث كانت الجغرافيا السعودية مسرحاً للكثير من الأحداث، وللتراث غير المادي الذي تتمتع به مناطق السعودية في تنوع وثراء وغِنى.

6 مواقع أثرية و 11 عنصراً ثقافياً في قائمة «اليونيسكو»

6 مواقع أثرية تنطوي على قيمة ورمزية وإرث إنسان الجزيرة العربية وهو يتكيّف مع الظروف ويرسم ملامح تعايشه العبقري مع البيئة والمحيط من حوله. في عام 2008 أصبحت مدائن صالح أول موقع في السعودية ينضم إلى قائمة مواقع التراث العالمي، وهي مدينة الحجر، التي تقع في محافظة العـلا التابعة لمنطقة المدينة المنورة. تبعها حي الطريف في الدرعية، ثاني المواقع السعودية عام 2010، الذي تحمل آثاره تاريخاً عمرانياً وقصة إنسانية منذ القرن الـ15 وسط شبه الجزيرة العربية. وفي عام 2014 حصلت منطقة جدة التاريخية على موافقة لجنة ‏التراث العالمي بمنظمة «اليونيسكو» باعتمادها ضمن القائمة، وتسليط الضوء عالمياً على موقعها في كبد التاريخ.

بعد ذلك، انضمّت مواقع جبة وراطا والمنجور «الشويمس» في منطقة حائل، بتاريخها الذي يعود عمره إلى أكثر من 10 آلاف سنة قبل الميلاد، إلى قائمة التراث العالمي من قبل منظمة «اليونيسكو» في عام 2015، ولمعت رسومها الصخرية من جديد على واجهات الجبال في الموقع. وكانت واحة الأحساء، أكبر وأشهر واحات النخيل الطبيعية في العالم، بأكثر من 3 ملايين نخلة، الموقع السعودي الخامس في قائمة التراث العالمي، فيما سجلت آبار حمى في نجران جنوب البلاد، سادس المواقع وآخر المنضمين إلى القائمة.

نجحت السعودية في تسجيل 11 عنصراً ثقافياً محلياً وعربياً في قائمة التراث غير المادي لتأكيد قيمتها التاريخية ورمزيتها الثقافية (وزارة الثقافة)

كما نجحت السعودية في تسجيل 11 عنصراً ثقافياً محلياً وعربياً في قائمة التراث غير المادي، لتأكيد قيمتها التاريخية ورمزيتها الثقافية وتقديمها إلى العالم.

بدأ ذلك عام 2015 عندما أدرجت «المجالس» ضمن قائمة التراث العالمي اللامادي في السعودية كمكان ثقافي ولأداء الواجبات الاجتماعية، وذلك بالتشارك مع الإمارات، وسلطنة عُمان، وقطر.

ثم إدراج القهوة العربية رمزاً للكرم في العام نفسه، وعُدّت أحد التقاليد المألوفة عربياً في حسن الضيافة والوفادة وإكرام الضيف. ثم سُجلت «العرضة النجدية» ضمن التراث العالمي اللامادي تحت عنوان «العرضة النجدية - رقص شعبي ودق على الطبول وأهازيج شعرية من المملكة العربية السعودية» عام 2015، وفي العام التالي أُدرجت «رقصة المزمار» في القائمة، وهي رقصة تؤدّى باستخدام العصيّ على إيقاع الطبول في السعودية خلال المناسبات العائليّة أو الوطنيّة.

وايضاً في عام 2016 سُجلت «الصقارة» كتراث إنساني حي، حيث لا تزال الصقارة (تربية الصقور والصيد بها) تستهوي الكثير في السعودية وعدد من الدول العربية الأخرى، وأصبحت جزءاً من الإرث الثقافي للشعوب. وانضم القط أو النقش أو الزَّيان، وهو أحد الفنون التجريدية التي نشأت في منطقة عسير وتقوم به النساء لتزيين بيوتهن، إلى القائمة عام 2017. ثم نخيل التمر عام 2019، وما يتعلق به من المعارف والمهارات والتقاليد والممارسات، نجح تسجيله بالتشارك مع الكثير من الدول، التي يعد النخيل جزءاً من تاريخها، ومصدر دخل للكثير من المزارعين والحرفيين وأصحاب المهن اليدوية والتجار وأصحاب المصانع والشركات الغذائية فيها.

وفي عام 2020، سُجلت الصناعة التقليدية لحرفة السدو، وهو أحد أنواع النسيج المُطرز البدوي التقليدي الذي ينتشر في التقاليد البدوية في المملكة، ضمن القائمة التمثيلية للتراث الثقافي غير المادي في «اليونيسكو». ثم الخط العربي كرمز للهوية العربية، تثميناً لمساهمته في نقل الثقافة والنصوص الدينية على مر التاريخ.

وقد سُجل الخط العربي على القائمة التمثيلية للتراث الثقافي غير المادي لمنظمة «اليونيسكو»، في ديسمبر 2021، بعد أن قادت السعودية بالتعاون مع 15 دولة عربية تحت إشراف منظمة «الألكسو»، الجهود المشتركة في تسجيل عنصر «الخط العربي: المعارف والمهارات والممارسات» على القائمة.

وفي العام التالي 2022، سُجل حداء الإبل، وهو أحد التعابير الشفهية في تراث السعودية، ضمن القائمة التمثيلية للتراث الثقافي غير المادي لمنظمة الأمم المتحدة للتربية والعلم الثقافة «اليونيسكو»، بعد أن قادت المملكة بالتعاون مع سلطنة عُمان، ودولة الإمارات العربية المتحدة، الملف المشترك لتسجيله. ومؤخراً، نجحت السعودية في تسجيل «البن الخولاني السعودي»، والمهارات والمعارف المرتبطة بزراعته، في نوفمبر 2022، ضمن القائمة التمثيلية للتراث الثقافي غير المادي لمنظمة الأمم المتحدة للتربية والعلم الثقافة «اليونيسكو».

تحثّ هيئة التراث باستمرار المواطنين والمهتمين إلى الإبلاغ عن المواقع الأثرية المكتشفة لتتمكن الهيئة من الوصول إليها وتسجيلها (وزارة الثقافة)

التفاتة سعودية إلى مقومات السياحة والتراث

في يوليو 2021، وخلال مناسبة تسجيل منطقة حمى الثقافية كأحد مواقع التراث العالمي وأكبر متحف مفتوح وحيّ للنقوش الصخرية، أكد وزير الثقافة السعودي الأمير بدر بن فرحان، أن التراث الوطني السعودي يحظى بدعم واهتمام كبيرين من خادم الحرمين الشريفين الملك سلمان بن عبد العزيز آل سعود، وولي العهد الأمير محمد بن سلمان بن عبد العزيز، وأن المواقع السعودية المسجلة في قائمة التراث العالمي بـ«اليونيسكو»، إلى جانب العناصر المسجلة في قائمة التراث الثقافي غير المادي، تؤكد المدى غير المحدود الذي يمكن أن تُسهم به السعودية في خدمة التراث الإنساني العالمي المشترك، انطلاقاً من عمقها التاريخي الغني، وتحت مظلة «رؤية السعودية 2030» التي أكدت أهمية الاعتزاز بالهوية الوطنية التي يعد التراث الوطني بكل قوالبه المادية وغير المادية واحداً من مكوناتها الرئيسية. ولفت الأمير بدر بن فرحان إلى أن السعودية غنيّة بمواقع التراث المهمة على خريطة الحضارات الإنسانية، وأن الجهود تتكامل لتعريف العالم عليها، ولتسجيلها في جميع السجلات الوطنية والدولية، كونها ثروة حضارية وعمقاً ثقافياً للمملكة.

«رؤية 2030»: بداية التحول

بدأ التحول مع إطلاق «رؤية 2030» عام 2016، التي رسمت خريطة طريق استراتيجية للسعودية، وأطلقت العنان لإمكانات البلاد الثقافية والسياحية، والاستثمار في مقوماتها غير المستغلة بشكل كافٍ يعادل قيمتها التاريخية والثقافية.

وكان البُعد السياحي، وجعل السعودية وجهة سياحية على مستوى عالمي، ومشاركة التقاليد والرموز والعناصر الثقافية المحلية مع المجتمع العالمي، في قلب معادلة رسم الهوية الفريدة للبلاد، مع حماية وتطوير وتعزيز المواقع السياحية الرائعة والتجارب داخل البلد.

في حين كان البُعد الثقافي ميزة يمكن الرهان عليها، وتشجيع المجتمع الدولي على اكتشافها والتعرف على تفاصيلها وملامحها. ومع إطلاق وزارة الثقافة عام 2018، عملت جاهدة على تطوير المشهد الثقافي للمملكة، وتتفرع عنها 11 هيئة مخصصة تم إنشاؤها في عام 2020 لتتناول مختلف التخصصات، وعلى رأسها هيئة التراث التي تتولى مسؤولية تطوير قطاع التراث والحفاظ عليه.

وتنطلق هيئة التراث من مبدأ أن السعودية أرضٌ زاخرة بتراثٍ غني ومتنوع، وأن هذا التراث هو مرآة للحضارات التي ازدهرت على أراضيها، وانعكاس لمسيرة الإنسان في اكتشاف هويته الوطنية المميزة، ومن منطلق الاحتفاء بهذا الإرث الثري، تهدف هيئة التراث إلى تنمية الجهود المتعلقة بالتراث الوطني وتعزيز أساليب حمايته، ورفع مستوى الوعي والاهتمام به، إلى جانب تطوير القطاع ودعم ممارسيه.

السعودية غنية بمواقع التراث المهمة على خريطة الحضارات الإنسانية والسعي مستمر لتعريف العالم عليها (وزارة الثقافة)

8788 موقعاً أثرياً في السعودية

يبلغ عدد المواقع المسجلة في السجل الوطني السعودي للآثار نحو 8788 موقعاً أثرياً في مختلف المناطق، تُمثل في مجملها إرثاً وطنياً يعكس الثراء التاريخي للسعودية، حيث تعلن هيئة التراث بين وقت وآخر عن اعتماد تسجيل وتوثيق عدد جديد من المواقع الأثرية في السجل الوطني للآثار.

يأتي ذلك في إطار جهود هيئة التراث في اكتشاف المواقع الأثرية والتاريخية بالمملكة، وتسجيلها بشكلٍ رسمي في السجل الوطني للآثار، ومن ثم إسقاطها على خرائط رقمية تُمكّن من سهولة إدارتها وحمايتها والمحافظة عليها، وبناء قاعدة بيانات مكانية للمواقع الأثرية المسجلة، وحفظ وتوثيق الأعمال التي تجري عليها، وأرشفة وثائق وصور مواقع التراث بالمملكة. كما تحثّ هيئة التراث باستمرار، المواطنين والمهتمين على الإبلاغ عن المواقع الأثرية المكتشفة لتتمكن الهيئة من الوصول إليها ومن ثم تسجيلها، من خلال منصة متخصصة على شبكة الإنترنت، أو عبر فروع الهيئة على مستوى مناطق المملكة، منوهةً بوعي المواطن ودوره بوصفه شريكاً أساسياً في المحافظة على تراث وطنه وتنميته، وذلك في إطار مرحلة مهمة يشهدها التراث الثقافي في السعودية، من جهة صونه والاهتمام به وإعادة الاعتبار للكثير من الإرث الثقافي السعودي المادي وغير المادي، المتنوع والمتوزع بين مناطق السعودية الشاسعة، الأمر الذي يزيد من التوجه إلى إشراك المجتمعات المحلية، بوصفها الحاضن الطبيعي للتراث الثقافي السعودي في جهود إدارة التراث والاهتمام به وصونه، كشواهد تاريخية باقية على ثراء المجتمع السعودي عبر التاريخ وعلى إرثه العريق.

وقال خالد الحميدي، الباحث في التراث و الموروث الثقافي، إن دوراً مهماً يمكن أن يضطلع به المجتمع المحلي في إدارة الموروث الثقافي في مختلف المناطق السعودية، مشيراً إلى أن أفراد المجتمع من المهتمين ممن عاصروا وهج تلك المواقع التراثية والثقافية، ملمّون بقيمتها وعارفون بتفاصيل جميلة وشيقة حول هذا التراث، ويستطيع الكثير منهم وباقتدار نقل ملامح الجمال الحقيقي والمتفرد للتراث الثقافي كلٌّ في منطقته، وإبرازه كعمل إنساني ثقافي ينافس نظيره في المناطق الأخرى سواء خارج الوطن أم داخله.

عززت السعودية أخيراً من حضورها الثقافي والتعليمي ضمن أنشطة «اليونيسكو» العالمية سيما في دعم التراث وتوثيق الإرث الإنساني المشترك (وزارة الثقافة)

السعودية و«اليونيسكو»: علاقة مزدهرة

عززت السعودية أخيراً، من حضورها الثقافي والتعليمي ضمن أنشطة «اليونيسكو» العالمية، لا سيما في أعمال دعم التراث، ومساعي السعودية الممتدّة نحو توثيق الإرث الإنساني المشترك، إلى جانب الدول الأعضاء في اللجنة، وتحقيق أهداف منظمة «اليونيسكو» بشكلٍ عام، وأهداف لجنة التراث العالمي بشكل خاص. وتوّج ذلك باعتماد السعودية رئيساً للجنة التراث العالمي، برئاسة الأميرة هيفاء آل مقرن، المندوبة الدائمة للمملكة لدى «اليونيسكو»، وقيادة فريق مؤلف من ممثلي 21 دولة منتخبة من الجمعية العمومية، لدراسة اقتراحات الدول الراغبة في إدراج مواقعها على قائمة التراث العالمي، ومساعدة الخبراء على رفع التقارير، وتقديم التقييم النهائي بشأن إدراجها ضمن قائمة التراث العالمي.

وإلى جانب ذلك تقدمت السعودية بمشاريع، حصلت على إجماع الأعضاء، لبناء قدرات العاملين في مجال التراث للسنوات العشر القادمة، الأمر الذي من شأنه أن ينعكس على تعزيز التنوّع الجغرافي للخبراء، وتمكين الكفاءات الإقليمية، ووضع خطط وتدابير لحماية مواقع التراث الثقافي المهدّدة بالخطر، إلى جانب رفع الكفاءات التقنية والمهنية للشباب والخبراء في مجال التراث العالمي على حدّ سواء.

وازدهرت الشراكة القائمة بين «اليونيسكو» والسعودية في السنوات الأخيرة، بما يُثري حياة الناس ويعزز قدرات الاتصال، وقد دعمت السعودية مختلف المبادرات لـ«اليونيسكو» لمعالجة عدد من الأزمات العالمية، لا سيما في المنطقة العربية، والمتعلقة بشؤون التعليم وضمانه للشعوب والأجيال المحرومة والمتضررة من تحديات سياسية وظروف صعبة. كما دعمت وأطلقت برامج ابتكارية من شأنها منع التطرف العنيف وتعزيز المواطنة العالمية، وتعزيز الصحة النفسية والاجتماعية للاجئين في المنطقة العربية، وترويج رسائل السلام والحوار.

ويمثل استمرار الشراكة مع اللجنة السعودية من خلال «مركز الملك سلمان للإغاثة والأعمال الإنسانية»، الذي أُسس حديثاً، فرصةً لدعم ومؤازرة الكثير من الدول مثل لبنان وفلسطين واليمن والصومال، لا سيما على صعيد التعليم والشؤون الإنسانية المختلفة.



ألف زهرة تتفتح تطريزاً على الأوشحة وفساتين السهرة

ساعات من شغل الخيط والإبرة تتحوّل لوحات مزهرة على الفساتين (دليل المعرض)
ساعات من شغل الخيط والإبرة تتحوّل لوحات مزهرة على الفساتين (دليل المعرض)
TT

ألف زهرة تتفتح تطريزاً على الأوشحة وفساتين السهرة

ساعات من شغل الخيط والإبرة تتحوّل لوحات مزهرة على الفساتين (دليل المعرض)
ساعات من شغل الخيط والإبرة تتحوّل لوحات مزهرة على الفساتين (دليل المعرض)

بين التطريز وأناقة النساء علاقة حب قديمة. وكانت هذه المهارة، أي الغرز بالخيوط الملونة على القماش، من الأمور التي لا بدّ للفتاة أن تتقنها منذ الصغر ليكتمل تأهيلها وتستحق صفة ربّة بيت. وإلى جانب التطريز يحضر النسيج «التريكو»، وشغل الإبرة «الكروشيه»، و«الدانتيلا». فإذا كان التطريز قد توارى في فترة من الفترات، فإنه يشهد عودة قوية مع فساتين السهرة، وكذلك مع العباءات والقفاطين والجلابيات التي أصبحت مرغوبة ومطلوبة، لا سيما في شهر الصيام.

مطرّزات تاريخية شاهدة على أناقة الزمن (دليل المعرض)

من هنا تأتي أهمية هذا المعرض، الموجود حالياً وحتى أواخر الخريف المقبل، في متحف الموضة في باريس، المعروف باسم «قصر غالييرا».

يتنقل الزوار بين نماذج من الأزياء المطرزة بفخامة عبر العصور. كل شيء هنا يدعوك لأن تشهق من روعة ما ترى: أزاهير، وشجيرات، وبلابل تتفتح على صدور الفساتين وأذيالها وأكمامها. تتجول بين الصالات وكأنك تتنزه في حديقة فردوسية الألوان: ورد، وخشخاش، وقرنفل، وعناقيد عنب، وفراشات. معرض يقدِّم لك الطبيعة على الحرير، والقطيفة، والتافتا، والكتان، ويروي لك تاريخ فنٍّ من الفنون الجميلة الذي يترك إبداعاته على قماش الفستان المتنقّل، والوشاح، والحقيبة، والقبعة، بدل أن يسجنها على خامة اللوحة حبيسة المتاحف.

فساتين بتطريزات الأمس (دليل المعرض)

يعرض متحف أزياء مدينة باريس تقنيات التزيين وإبداعات المصممين القدامى والصاعدين، وقطعاً من مجموعته أو مستعارة من دور الأزياء الكبرى. ويهيب بنا عنوان المعرض: «دعوا ألف زهرة تتفتح!». وهي مناسبة للاحتفاء بالمهارات النسيجية الثلاث الرئيسية التي تُشكّل جوهر الموضة الباريسية: النسيج، والتطريز، والطباعة. وهي تقنيات يستلهم المصممون إبداعاتهم مما تتيحه من إمكانات. ففي عشرينات القرن الماضي تجرأ بول بواريه على نثر أنماط تُذكِّر بأسلوب الرسام بوتيتشيلي على سترة خضراء. وبعد عقود، غطّى نيكولا غيسكيير، مصمم دار «بالنسياغا»، هيكلاً مرناً من مادة «النيوبرين» بأكمام من الورد. وإذا اقتربنا أكثر من عصرنا الحالي، نجد المصممة اليابانية ري كاواكوبو تجرؤ على ابتكار فستان على هيئة سلة زهور عملاقة.

تطريز أحذية السهرة (دليل المعرض)

ومنذ العام الماضي، أدرج المتحف في منهاجه تنظيم سلسلة من المعارض المخصصة للحِرف اليدوية، تستكشف من زوايا مختلفة المهارات والتقنيات التي ارتبطت بعالم الأزياء. والهدف هو تسليط الضوء على ثراء مجموعاته ومقتنياته، وكذلك إلقاء نظرة جديدة على تاريخ الموضة منذ القرن الـ18 حتى يومنا الحالي. وهذا هو المعرض الأول في السلسلة؛ إذ يضم أكثر من 350 عملاً ما بين الملابس والإكسسوارات والصور الفوتوغرافية وفنون الغرافيك وعُدّة العمل وأدواته.

أوشحة مطرّزة من شرق أوروبا (دليل المعرض)

كما يكرِّم قصر غالييرا الحرفيين الذين طوّروا هذه المهارات، والذين غالباً ما تغيب أسماؤهم حين يطغى عليها اسم مصمم الأزياء المرموق. ومن هؤلاء من صنعت أناملهم شهرة المصممين المرموقين؛ فقد ظهرت بيوت تاريخية تخصصت في التطريز مثل «لوساج» و«موريل». وبهذا فإن المعرض يعيد الاعتبار إلى مهن غالباً ما يتم تجاهلها في عالم الموضة: مصمِّم النسيج، والمُطرِّز، وصانع الريش، وفنان الزخارف الزهرية. إن هؤلاء ساهموا في تكريس باريس عاصمة للموضة ومنطقة متميزة بالتجديد والاستمرار.


السعودية تُعيد تعريف رعاية الموهوبين

40 دولة تشارك في صياغة مستقبل المبدعين عبر 350 ورقة عمل في المؤتمر الآسيوي الـ19 للموهبة والإبداع (جامعة الأعمال والتكنولوجيا)
40 دولة تشارك في صياغة مستقبل المبدعين عبر 350 ورقة عمل في المؤتمر الآسيوي الـ19 للموهبة والإبداع (جامعة الأعمال والتكنولوجيا)
TT

السعودية تُعيد تعريف رعاية الموهوبين

40 دولة تشارك في صياغة مستقبل المبدعين عبر 350 ورقة عمل في المؤتمر الآسيوي الـ19 للموهبة والإبداع (جامعة الأعمال والتكنولوجيا)
40 دولة تشارك في صياغة مستقبل المبدعين عبر 350 ورقة عمل في المؤتمر الآسيوي الـ19 للموهبة والإبداع (جامعة الأعمال والتكنولوجيا)

لم يكن الحديث عن الموهبة في «المؤتمر الآسيوي التاسع عشر للموهبة والإبداع» نقاشاً تقنياً حول أدوات تعليمية بقدر ما كان عرضاً لتجربة وطنية متكاملة، نضجت عبر عقود، وانتقلت من مبادرات تعليمية مبكرة إلى منظومة مؤسسية باتت اليوم محل اهتمام دولي، وتُعرض من جدة بوصفها نموذجاً قابلاً للنقاش والتطوير.

وفي قلب هذا المشهد، برزت تجربة «مؤسسة الملك عبد العزيز ورجاله للموهبة والإبداع»، بوصفها نموذجاً وطنياً ينظر إلى الموهبة لا بكونها استثناءً، بل طاقة كامنة تستدعي الاكتشاف والرعاية والاستدامة.

«الموهبة»... من المفهوم إلى المنظومة

الأمير فيصل بن مشاري آل سعود مستشار أمين عام «مؤسسة الملك عبد العزيز ورجاله للموهبة والإبداع» (جامعة الأعمال والتكنولوجيا)

مستشار أمين عام «مؤسسة الملك عبد العزيز ورجاله للموهبة والإبداع»، الأمير الدكتور فيصل بن مشاري آل سعود، قدّم خلال كلمته في المؤتمر قراءة معمّقة لمسار رعاية الموهوبين في المملكة، وأكد أن «الموهبة» ليست مجرد اسم لمؤسسة، بل كلمة عربية تعني الهبة والقدرة الفطرية، وتُشكل جوهر الفلسفة التي قامت عليها التجربة السعودية.

واستعاد الأمير فيصل البدايات المبكرة للتعليم النظامي في المملكة، متوقفاً عند تأسيس مدرسة «دار التوحيد» في الطائف عام 1945، بوصفها تجربة انتقائية هدفت إلى جمع الطلاب المتميزين من مختلف المناطق وتوفير بيئة تعليمية متكاملة لهم، في وقت كانت فيه المدارس محدودة.

وأوضح الأمير فيصل أن مرحلة التحول الأبرز جاءت في نهاية التسعينات، مع تنفيذ مشروع وطني بحثي لدراسة الموهبة ورعايتها، مهّد لتأسيس «موهبة» عام 1999 بوصفها جهة غير ربحية تُعنى باكتشاف الموهوبين وتمكينهم. ومع إنشاء الوقف الداعم للمؤسسة في عام 2011، انتقلت التجربة من منطق المبادرات إلى منطق الاستدامة، ضمن رؤية طويلة المدى لرعاية الموهبة بوصفها استثماراً وطنياً.

رحلة تمتد من المدرسة إلى سوق العمل

طلاب وطالبات «موهبة» على المسرح أثناء افتتاح أعمال «المؤتمر الآسيوي الـ19 للموهبة والإبداع» (جامعة الأعمال والتكنولوجيا)

ما يُميّز النموذج السعودي، كما عُرض في المؤتمر، أنه لا يتوقف عند الاكتشاف المبكر. تبدأ الرحلة من التعليم العام، عبر أدوات علمية مقننة للتعرف على الموهوبين من الصف الثالث حتى المرحلة الثانوية، لكنها تمتد لاحقاً إلى برامج إثراء وبحث علمي، ومسارات جامعية، وربط مبكر بالصناعة وريادة الأعمال.

وشدد الأمير فيصل على أن التحدي الحقيقي لا يكمن في اكتشاف الموهبة فقط، بل في استدامة رعايتها وبناء بيئة تعليمية ومجتمعية تسمح لها بالنمو وتحقيق الأثر عبر مراحل الحياة المختلفة، مؤكداً أن نجاح هذه المنظومة يتطلب تكامل أدوار المؤسسات التعليمية والجامعات والقطاع الخاص.

وشهد حفل الافتتاح لحظة رمزية لافتة مع صعود 19 طالباً وطالبة من «موهبة» إلى المسرح، ضمن فقرة حملت عنوان «ثمرة التمكين»، عكست بصورة مباشرة نتائج الاستثمار الوطني في اكتشاف الموهبة ورعايتها.

وفي هذا السياق، جاء انعقاد «المؤتمر الآسيوي التاسع عشر للموهبة والإبداع» في جامعة الأعمال والتكنولوجيا بجدة بوصفه امتداداً طبيعياً لتجربة وصلت إلى مرحلة العرض والمساءلة الدولية.

المؤتمر، الذي انطلق برعاية وزير التعليم، وبمشاركة أكثر من 40 دولة، وبحضور أكثر من 1000 شخصية من الخبراء وصنّاع القرار، أصبح منصة لتبادل النماذج والخبرات، ومناقشة مستقبل تعليم الموهوبين في عالم سريع التحول.

دكتور عبد الله صادق دحلان رئيس مجلس أمناء جامعة الأعمال والتكنولوجيا بجدة (جامعة الأعمال والتكنولوجيا)

وأكد رئيس مجلس أمناء جامعة الأعمال والتكنولوجيا، الدكتور عبد الله دحلان، في كلمته أن الاستثمار في الموهبة يُمثل الاستثمار الأسمى في مستقبل الأوطان، مشدداً على أن قوة الدول باتت تُقاس بما تستثمره في عقول أبنائها وبناتها، لا بما تمتلكه من موارد فقط.

من جانبها، أشارت رئيسة الاتحاد الآسيوي للموهبة، الدكتورة كيونجبين بارك، إلى أن التحولات المتسارعة في مجالات الذكاء الاصطناعي والتعلم الرقمي تفرض إعادة التفكير في تعليم الموهوبين، ليس من حيث التسريع الأكاديمي فحسب، بل من حيث بناء الحكمة والمسؤولية والقدرة على التعامل مع التحديات العالمية المعقدة.

من الرعاية إلى القياس

وجاء الإعلان خلال المؤتمر عن إطلاق أول مؤشر عالمي لتقييم رعاية الموهوبين ليُشكّل محطة مفصلية في هذا المسار، ناقلاً النقاش من «كيف نرعى الموهبة؟» إلى «كيف نقيس أثر هذه الرعاية؟»، ومؤكداً انتقال التجربة السعودية من التطبيق المحلي إلى الإسهام في صياغة أدوات تقييم عالمية.

وبين تجربة وطنية تبلورت عبر الزمن، ومؤتمر دولي جمع الخبرات والتجارب في جدة، تتضح ملامح قصة واحدة: قصة بلد اختار أن يجعل من الموهبة ركيزة للتنمية، لا عبر مبادرة عابرة، بل عبر منظومة تُبنى، وتُراجع، وتُقدَّم للعالم اليوم بوصفها نموذجاً مفتوحاً على المستقبل.

Your Premium trial has ended


معرض مصري يُعيد تشكيل النمط الاستهلاكي فنياً

أوجه متعددة للاستهلاك في المعرض (الشرق الأوسط)
أوجه متعددة للاستهلاك في المعرض (الشرق الأوسط)
TT

معرض مصري يُعيد تشكيل النمط الاستهلاكي فنياً

أوجه متعددة للاستهلاك في المعرض (الشرق الأوسط)
أوجه متعددة للاستهلاك في المعرض (الشرق الأوسط)

في معرضه «استهلاكي»، يطرح الفنان التشكيلي المصري ياسر جعيصة رؤية بصرية تسعى إلى تفكيك مفهوم الاستهلاك، لا بوصفه فعلاً اقتصادياً وحسب، بل نظام يومي متأصل في ثقافة الحياة المعاصرة، وسلوك مكرّس يُعيد تشكيل علاقتنا بالأشياء وبأنفسنا، وذلك ضمن المعرض الذي يستضيفه غاليري «ياسين» بالقاهرة حتى 19 فبراير (شباط) الحالي.

يعتمد جعيصة في أعماله على الأثر بوصفه مدخلاً جمالياً لطرح مفهومه الفني، معتمداً على ما يخلّفه الإنسان وراءه من بقايا، ما يجعلها تتحوّل داخل اللوحات إلى ما يُشبه مروّية بصرية تشهد على تراكمية استهلاكية متنامية، فالإنسان لا يظهر هنا باعتباره فاعلاً مرئياً، بل من خلال نتاج سلوكه، وما يخلّفه من مفردات استهلاكية تتكدّس وتفرض حضورها.

تزاحم عناصر الطعام داخل اللوحة (الشرق الأوسط)

ويُكثّف الفنان من هذا الأثر عبر الاشتغال على الحشد والتكرار، أو ما يصفه هو نفسه بـ«الزخم المقصود بوصفه أداة تعبيرية تنقل حالة الاستهلاك داخل المساحة التصويرية، كما في استهلاك مواد مثل الكاميرات والأحذية والصحف وغيرها من المفردات»، كما يقول لـ«الشرق الأوسط».

لا يعمل الزخم داخل اللوحات بوصفه ازدحاماً شكلياً فحسب، بل حالة بصرية ضاغطة تعكس منطق الاستهلاك ذاته، فالتداخل الكثيف للعناصر المادية ينتج عنه ثقل بصري ودلالي، ويجعل العين في مواجهة مباشرة مع فائض لا يُتيح مسافة للراحة أو التأمل، ويتجلّى ذلك بوضوح في اللوحات التي ترصد تكدّس الكراتين، في إحالة مباشرة إلى تصاعد معدلات الشراء عبر الإنترنت وشركات الشحن، في حين تتخذ أعمال أخرى منحى أكثر إدهاشاً، بفعل الكم الفانتازي لاستهلاك الطعام والحلوى، وأكواب القهوة، والمشروبات الغازية؛ حيث تتحول الوفرة إلى مشهد إشكالي، لا إلى علامة رخاء.

الاعتماد على الزخم والتكدس في تناول موضوع المعرض (الشرق الأوسط)

وعبر 28 لوحة، تتحوَّل السلعة المستهلكة إلى بطل للمشهد، فلا يحضر الإنسان بجسده بقدر ما يحضر بسلوكه، ويبدو اختيار الفنان لأحجام لوحات كبيرة مقصوداً، ليصبح المنتج المستهلك هو صاحب السطوة والسيطرة في مقابل الإنسان، وكأن اللوحة تعكس انقلاب الأدوار بين الفاعل والمنتَج، فلا يعمل التكديس عنصراً شكلياً، بل استراتيجية فنية تكشف تحوّل الاستهلاك من فعل مؤقت إلى نظام ضاغط، يحوّل الكثرة إلى عبء بصري ودلالي.

ورغم هذا الغياب شبه الكامل للجسد البشري في اللوحات، فإن العنصر الإنساني يتصدّر عدداً محدوداً من الأعمال، كما في لوحة «استهلاكي من الأصدقاء»، ويُشير جعيصة إلى هذه اللوحة بوصفها تعبيراً عن «حالة من الاستهلاك العكسي، عن أصدقاء يدخلون حياتنا ثم لا يلبثون أن يختفوا»، وهو ما يوسّع أفق قراءة الاستهلاك، بحيث لا يعود محصوراً في بُعده المادي، بل يمتد إلى علاقاتنا الإنسانية نفسها، وإلى منطق الاستبدال والتخلّي الذي يحكمها أحياناً.

ظهور العنصر البشري في لوحة «استهلاكي من الأصدقاء» (الشرق الأوسط)

ويلعب اللون دوراً أساسياً في تعميق هذا المعنى، فاختيارات الفنان اللونية عبر خامتي الزيت والأكريليك تعزّز من الإحساس بالزخم، وتتدرّج اللوحات بين ألوان داكنة ومحايدة تحيط بمفردات مثل الأحذية والقهوة، وألوان زاهية ومشبعة تطغى على لوحات استهلاك الأغذية والألعاب، في تدرّج بصري يعكس تفاوت أنماط الاستهلاك وحدّتها، وما تحمله من إغواء بصري متعمّد.

أما مفردات مثل «البيوت» و«السيارات»، فتفتح مسارات دلالية إضافية داخل المعرض؛ تحيل البيوت إلى فكرة البدايات والحميمية التي تتآكل مع كثافة التنقل والاستهلاك، في حين تشير السيارات إلى الاقتناء بوصفه نمطاً اجتماعياً وربما وجاهة رمزية، ولا تسعى الأعمال إلى تقديم إجابات مغلقة بقدر ما تترك للمتلقي مساحة للتفاعل مع قصته الشخصية مع الاستهلاك، بوصفه «كائناً استهلاكياً» قد يشترك مع غيره أو يختلف في طبيعة هذا النمط ومستواه.

جانب من معرض «استهلاكي» (الشرق الأوسط)

وفي هذا السياق، تتحول لوحات المعرض إلى مساحة مساءلة بصرية، تضع المتلقي أمام مفارقة أساسية: «أصبح الشخص الواحد يستهلك اليوم ما كانت تستهلكه أسرة كاملة في السابق؛ فهل صار الاقتناء رغبة أم غريزة أم شرهاً؟»، وهو السؤال الذي يطرحه جعيصة لا بوصفه إدانة، بل دعوة مفتوحة لإعادة التفكير في علاقتنا بالأشياء، وبما نكدسه أو نتخلص منه، وبما يكشفه ذلك عنا.