خطة أميركية تبقي المهاجرين ينتظرون بعيداً من الحدود

واشنطن أطلقت مبادرة «التنقل الآمن» في أميركا الوسطى

فرز مهاجرين بعد عبورهم الحدود المكسيكية إلى أريزونا في 11 مايو (أ.ف.ب)
فرز مهاجرين بعد عبورهم الحدود المكسيكية إلى أريزونا في 11 مايو (أ.ف.ب)
TT

خطة أميركية تبقي المهاجرين ينتظرون بعيداً من الحدود

فرز مهاجرين بعد عبورهم الحدود المكسيكية إلى أريزونا في 11 مايو (أ.ف.ب)
فرز مهاجرين بعد عبورهم الحدود المكسيكية إلى أريزونا في 11 مايو (أ.ف.ب)

يضمن افتتاح الولايات المتحدة مراكز مراجعة لمتابعة طلبات الهجرة في كولومبيا وكوستاريكا وغواتيمالا، أن تصبح هذه البلدان غرف انتظار بعيدة لطالبي اللجوء، في انتظار تأشيرات أميركية.

وتسعى مبادرة «التنقل الآمن» التي أطلقتها واشنطن في أميركا الوسطى (الممر الرئيسي لعشرات الآلاف الذين يأملون الوصول إلى الولايات المتحدة)، إلى توسيع الطرق القانونية أمام طالبي اللجوء، مع إبقائهم في دول بعيدة من الحدود الأميركية. بدأ البرنامج الجديد في 11 مايو (أيار) مع نهاية الإجراء المعروف باسم «المادة 42» الذي يمنع تقديم طلب لجوء في الولايات المتحدة، ويسمح بترحيل المهاجرين إلى المكسيك فوراً، بحجة مكافحة «كوفيد- 19».

ويتوجب على المهاجرين الآن تحديد موعد إلكتروني عبر استخدام موقع إلكتروني خاص، تدعمه وكالة اللاجئين التابعة للأمم المتحدة ومنظمة الهجرة الدولية.

وستجري مراكز المراجعة الجديدة في كولومبيا وغواتيمالا مقابلات مع المهاجرين الذين يرغبون في التوجه إلى الولايات المتحدة وكندا وإسبانيا. في كوستاريكا، ستسهل مكاتب «التنقل الآمن» السبل أمام النيكاراغويين والفنزويليين للهجرة بشكل قانوني، إن كانوا في البلاد قبل حلول 12 من يونيو (حزيران).

يعتبر مسؤولون أميركيون أن البرنامج الجديد ناجح. وأوضح مسؤول في الخارجية الأميركية أن البرنامج يوسع السبل القانونية أمام المهاجرين للحصول على تأشيرات «بدلاً من القيام بالرحلة الخطرة في مسعى للدخول بشكل غير قانوني».

حارسا حدود أميركيان يعاينان سلماً خلَّفه مهاجرون وراءهم عند معبر هيدالغو بالمكسيك في 4 مايو الحالي (أ.ب)

وازداد تدفق المهاجرين إلى الولايات المتحدة من أميركا الجنوبية -خصوصاً فنزويلا والإكوادور- عبر ثغرة دارين المؤلفة من أدغال بين كولومبيا وبنما. وأكد بيان صادر مؤخراً عن الأمم المتحدة أن أكثر من 100 ألف شخص عبروا عبر دارين في عام 2023، في زيادة 6 أضعاف عن الفترة نفسها العام الماضي.

«غرفة انتظار»

يعتقد المسؤولون الأميركيون أن مراكز المراجعة الجديدة ستسهل أمام المهاجرين معرفة إن كانوا يملكون طريقاً قانونياً للتوجه إلى الولايات المتحدة، بدلاً من المخاطرة بحياتهم على أيدي مهربي البشر.

أما الأكاديمي في جامعة كوستاريكا، كارلوس ساندوفال، فقال لوكالة «الصحافة الفرنسية»، إن هذه المبادرة تستجيب لاستراتيجية نقل مراقبة الهجرة جنوباً، لتطبيق ما وصفه بـ«مزيد من مراقبة الحدود قبل الحدود الحقيقية». وتابع: «المكسيك هي الحدود الأولى». وأشار إلى أن المسؤولين الأميركيين سعوا أيضاً لمراقبة الحدود «في غواتيمالا، والآن يشمل ذلك الجنوب».

وفي مارس (آذار) فقط، سعى أكثر من 160 ألف شخص للعبور إلى الولايات المتحدة من المكسيك، حسب وزارة الخارجية. وأورد ساندوفال أن هناك 3 أنواع من المهاجرين يتلاقون على الطريق إلى الولايات المتحدة؛ هناك من يأتي من أميركا الوسطى، ومن أميركا الجنوبية خصوصاً فنزويلا، وأخيراً أشخاص من أماكن أخرى في العالم. وأضاف: «لطالما كانت أميركا الوسطى وستبقى غرفة انتظار».

ولاحظت غابرييلا أوفييدو التي تعمل منسقة لمشروع التنقل البشري في مركز العدالة والقانون الدولي، أن غواتيمالا وكوستاريكا وكولومبيا ستكون دولاً استراتيجية لـ«احتواء تدفقات الهجرة هذه».

مهاجرون يعبرون نهر ريو غراندي في ولاية تاموليباس المكسيكية (أ.ف.ب)

«لا وضوح»

تقترح الولايات المتحدة على المهاجرين الانتظار في البلد الذي هم فيه لحين الانتهاء من النظر في طلب التأشيرات، مع أنه لا ضمانات لحصولهم عليها. وأكد المسؤول الأميركي أنه يتوجب على الدول الثلاث «مساعدة اللاجئين المعرضين للخطر في تلقي المساعدات التي يحتاجون إليها» للحصول على وضع قانوني، بينما ينتظرون «مسارات قانونية لدول أخرى بينها الولايات المتحدة».

لكن في العاصمة غواتيمالا، يطلب الفنزويلي دييغو بيريوس (23 عاماً) المال ليتمكن من مواصلة رحلته شمالاً، على الرغم من بدء برنامج الهجرة. وصل الشاب إلى غواتيمالا قبل عدة أيام، ويأمل الوصول إلى الحدود الأميركية- المكسيكية مع زوجته وابنتيه في أسرع وقت. وقال لوكالة «الصحافة الفرنسية»: «غواتيمالا مجرد نقطة عبور». وحذرت أوفييدو من أنه «لا وضوح» حول كيفية عمل هذه المراكز أو ماهية الإجراءات. وقالت: «لا نعلم كم من الوقت سيستغرق الأمر، وماذا سيحدث للأشخاص الذين سيحرمون من التصاريح العادية. هناك عدم يقين كبير».


مقالات ذات صلة

عدد قياسي من المهاجرين المفقودين في البحر الأحمر خلال 2025

أفريقيا مهاجرون إثيوبيون يسيرون على شواطئ رأس العارة في اليمن بعد نزولهم من قارب... 26 يوليو 2019 (أرشيفية - أ.ب)

عدد قياسي من المهاجرين المفقودين في البحر الأحمر خلال 2025

أفادت «المنظمة الدولية للهجرة» التابعة للأمم المتحدة اليوم (الأربعاء) بمقتل أو فقدان أكثر من 900 مهاجر في البحر الأحمر خلال عام 2025.

«الشرق الأوسط» (أديس أبابا)
شمال افريقيا النائب العام الليبي الصديق الصور (المكتب الإعلامي للنائب العام)

«الدولية للحقوقيين» تطالب السلطات الليبية بوقف «الانتهاكات ضد الأجانب»

عبّرت «اللجنة الدولية للحقوقيين» عن «قلقها لتقاعس السلطات الليبية عن قبول كثير من التوصيات المتعلقة بحقوق الإنسان للمهاجرين بما في ذلك إنهاء احتجازهم التعسفي»

«الشرق الأوسط» (القاهرة)
الولايات المتحدة​ الرئيس الأميركي دونالد ترمب (أ.ب)

«العليا» الأميركية تنظر في طلب ترمب رفض لجوء المهاجرين

بدأت المحكمة العليا الأميركية النظر بقضية تمس جوهر سياسة الهجرة في عهد الرئيس دونالد ترمب وما إذا كانت الحكومة تملك صلاحية إغلاق أبواب اللجوء.

علي بردى (واشنطن)
شمال افريقيا الرئيس التونسي طالب بدعم أكبر لترحيل المهاجرين العالقين بتونس طوعاً إلى بلدانهم (موقع الرئاسة)

الرئيس التونسي يدعو لـ«مراجعة الشراكة» مع الاتحاد الأوروبي

دعا الرئيس التونسي قيس سعيد إلى مراجعة اتفاق الشراكة مع الاتحاد الأوروبي، ودعم أكبر لترحيل المهاجرين العالقين بتونس طوعاً إلى بلدانهم.

«الشرق الأوسط» (تونس)
أوروبا رئيسة المفوضية الأوروبية أورسولا فون دير لاين تتحدث بينما يستمع رئيس المجلس الأوروبي أنطونيو كوستا خلال مؤتمر صحافي في نهاية اجتماع رسمي لأعضاء المجلس الأوروبي في بروكسل بلجيكا 20 مارس 2026 (إ.ب.أ)

الاتحاد الأوروبي يستعد لمواجهة أزمة هجرة مع استمرار الحرب في إيران

مع تصاعد الحرب في الشرق الأوسط، صرّح زعماء الاتحاد الأوروبي بأنهم لا يريدون التعرّض لمفاجأة بواسطة أزمة هجرة محتملة.

«الشرق الأوسط» (بروكسل)

بعد التأجيل بسبب حرب إيران... ترمب يزور الصين منتصف مايو

الرئيس الأميركي دونالد ترمب (رويترز)
الرئيس الأميركي دونالد ترمب (رويترز)
TT

بعد التأجيل بسبب حرب إيران... ترمب يزور الصين منتصف مايو

الرئيس الأميركي دونالد ترمب (رويترز)
الرئيس الأميركي دونالد ترمب (رويترز)

أعلن البيت الأبيض، اليوم (الأربعاء)، أن الرئيس الأميركي دونالد ترمب سيزور الصين في زيارة دولة يومي 14 و15 مايو (أيار)، حيث سيلتقي الرئيس الصيني شي جينبينغ، على أن يقوم الأخير بزيارة متبادلة إلى واشنطن في موعد لاحق، وفق ما أفادت المتحدثة باسم البيت الأبيض كارولاين ليفيت للصحافيين يوم الأربعاء.

وكان من المقرر أن تُجرى الزيارة الأسبوع المقبل، لكنها تأجلت في ظل الحرب المستمرة التي تخوضها الولايات المتحدة وإسرائيل ضد إيران.


استطلاعات الرأي الأميركية تكشف انقساماً حاداً حول حرب إيران

الرئيس الأميركي دونالد ترمب يتحدث في البيت الأبيض يوم 24 مارس 2026 (أ.ف.ب)
الرئيس الأميركي دونالد ترمب يتحدث في البيت الأبيض يوم 24 مارس 2026 (أ.ف.ب)
TT

استطلاعات الرأي الأميركية تكشف انقساماً حاداً حول حرب إيران

الرئيس الأميركي دونالد ترمب يتحدث في البيت الأبيض يوم 24 مارس 2026 (أ.ف.ب)
الرئيس الأميركي دونالد ترمب يتحدث في البيت الأبيض يوم 24 مارس 2026 (أ.ف.ب)

في الوقت الذي دخل فيه الصراع الأميركي - الإسرائيلي مع إيران أسبوعه الرابع، أظهرت استطلاعات جديدة للرأي العام الأميركي صورة واضحة لانقسام سياسي واجتماعي عميق داخل الولايات المتحدة. وكشفت عن واقع معقّد: فالأميركيون يريدون منع إيران من امتلاك سلاح نووي، لكنهم يرفضون الانخراط في حرب طويلة ترفع أسعار البنزين وتُعرّض قواتهم للخطر.

وتُظهر النتائج أن الرئيس ترمب لا يزال يحظى بدعم مستقر داخل قاعدته من حركة «ماغا»، لكن الغالبية ترى أن التصعيد العسكري ضد إيران مفرط، وتدعو إلى إشراك الحلفاء أو العودة إلى المسار الدبلوماسي. ويرى محللو الاستطلاعات أن مهلة الأيام الخمسة التي أعلنها ترمب للمحادثات قد تكون حاسمة: إما أن تُحوّل القلق الشعبي إلى دعم لتسوية، وإما تُعيد التصعيد وتُفاقم الاستياء الذي بدأ يتحوّل إلى «عبء سياسي» حقيقي على الإدارة الجمهورية قبل الانتخابات النصفية في نوفمبر (تشرين الثاني) المقبل.

ويشير استطلاع «إيكونوميست - يوغوف» الذي أُجري هذا الأسبوع، واستطلاع «أسوشييتد برس - نورك» الذي أُجري بين 19 و23 مارس (آذار) 2026، إلى توافق في النتائج؛ إذ يربط معظم الأميركيين الحرب مباشرة بارتفاع أسعار البنزين، ويعدون التصعيد العسكري «مفرطاً»، فيما يظل الرئيس دونالد ترمب يحظى بدعم محدود لكنه مستقر نسبياً.

ويُظهر استطلاع «إيكونوميست - يوغوف» أن 55 في المائة من الأميركيين يرفضون تعامل ترمب مع الصراع مع إيران (مقابل دعم 36 في المائة)، وهي نسبة قريبة جداً من نتائج الأسبوع الماضي التي بلغت 56 في المائة. أما النتيجة الأبرز فهي أن «تقريباً جميع الأميركيين» يرون أن الصراع يرفع أسعار البنزين: 69 في المائة يعتقدون بوجود ارتفاع «كبير جداً»، و20 في المائة يرون ارتفاعاً «قليلاً»، فيما لا يتوقع أحد تقريباً انخفاض الأسعار.

هل يتراجع ترمب عن أهدافه؟

في الاستطلاع نفسه، يتوقع 49 في المائة من الأميركيين أن ترمب «لن يتراجع مبكراً» عن تحقيق أهداف الولايات المتحدة، مقابل 21 في المائة فقط يتوقعون تراجعه. ويظهر الانقسام الحزبي بوضوح: 71 في المائة من الجمهوريين يعتقدون أنه لن يتراجع، بينما ينقسم الديمقراطيون (36 في المائة مقابل 31 في المائة).

أما استطلاع «أسوشييتد برس - نورك» فيؤكد هذه الصورة ويُعمّقها، مشيراً إلى أن 59 في المائة من الأميركيين يقولون إن «التصعيد العسكري الأميركي ضد إيران قد تجاوز الحد». كما ارتفع القلق بشأن قدرة الأسر الأميركية على شراء البنزين إلى 45 في المائة (مقابل 30 في المائة باستطلاع سابق بعد فوز ترمب).

ومع ذلك، يحظى هدف «منع إيران من الحصول على سلاح نووي» بتأييد واسع، إذ يرى ثلثا الأميركيين أنه هدف «مهم جداً» أو «مهم». لكن الهدف المقابل، وهو الحفاظ على انخفاض أسعار النفط والغاز، يحظى بتأييد مماثل، ما يضع البيت الأبيض أمام معادلة صعبة، وفقاً للمحللين.

الحلفاء ومضيق هرمز

ويبرز الاستطلاعان أيضاً موقفاً واضحاً تجاه حلفاء الولايات المتحدة؛ ففي استطلاع «إيكونوميست - يوغوف»، يقول 56 في المائة من الأميركيين إن الولايات المتحدة «تحتاج إلى مساعدة الحلفاء» (60 في المائة من الديمقراطيين و57 في المائة من الجمهوريين)، وأنه لا ينبغي لها التحرك بمفردها في ملف إيران. كما يرى كثيرون أن على الدول الأخرى تحمّل مسؤولية المساعدة في إبقاء مضيق هرمز مفتوحاً، إذ يعتقد 40 في المائة أن «الدول الأخرى مسؤولة عن مساعدة الولايات المتحدة في منع إيران من إغلاق المضيق»، مقابل 15 في المائة فقط يرون أن المسؤولية تقع على واشنطن وحدها.

لكن عند السؤال عمّا إذا كان ينبغي للحلفاء الاستجابة لطلب أميركي، ينخفض التأييد إلى 47 في المائة، ويرتفع الرفض إلى 26 في المائة، خصوصاً بين الديمقراطيين (44 في المائة) والمستقلين (30 في المائة).

ويُظهر الاستطلاع أيضاً انقساماً لافتاً داخل الجمهوريين؛ إذ يؤيد نحو 90 في المائة من أنصار «ماغا» مطالبة الحلفاء بالمساعدة، مقابل 62 في المائة فقط من الجمهوريين غير المنتمين للحركة. وفي المقابل، يؤيد 61 في المائة من الأميركيين أن «تساعد الولايات المتحدة حلفاءها إذا طلبوا»، وترتفع هذه النسبة بين الجمهوريين (76 في المائة) وتصل إلى 81 في المائة بين مؤيدي «ماغا».

من يستفيد من الحرب؟

أما بشأن من «يستفيد» من الحرب، فيُظهر استطلاع «إيكونوميست - يوغوف» أن غالبية الأميركيين (55 في المائة) يرون أن إسرائيل هي المستفيد الأكبر، بينما يعتقد 48 في المائة أن ترمب سيستغلّ الوضع لصالحه. في المقابل، يرى 59 في المائة أن الولايات المتحدة «ستتضرّر» من الحرب، و66 في المائة أن «الشعب الإيراني سيتضرّر»، و80 في المائة أن إيران ستتضرر. كما يؤكد 81 في المائة من الأميركيين أن «الشعب الإيراني يجب أن يقرر من يحكمه».

وتنقسم الآراء حول ما إذا كانت الولايات المتحدة ستجني نفعاً أم ستتضرر من الحرب بشكل حاد وفق الانتماء الحزبي؛ إذ يرى غالبية الديمقراطيين (83 في المائة) ومن المستقلين (64 في المائة) أن الولايات المتحدة ستتضرر، مقابل 29 في المائة فقط من الجمهوريين. وعلى الجانب الآخر، يرى نحو نصف الجمهوريين (52 في المائة) أن الولايات المتحدة ستجني نفعاً من الحرب، بينهم 65 في المائة من مؤيدي «ماغا»، مقابل 27 في المائة فقط من الجمهوريين غير المؤيدين للحركة.


بعد «هدنة الانشغال» بإيران... روسيا تُصعّد في أوكرانيا

أوكرانيون يتجمعون أمام الكنيسة التاريخية بمدينة لفيف غرب أوكرانيا خلال عمليات إطفاء الحرائق بعد استهدافها بهجوم روسي يوم 24 مارس 2026 (إ.ب.أ)
أوكرانيون يتجمعون أمام الكنيسة التاريخية بمدينة لفيف غرب أوكرانيا خلال عمليات إطفاء الحرائق بعد استهدافها بهجوم روسي يوم 24 مارس 2026 (إ.ب.أ)
TT

بعد «هدنة الانشغال» بإيران... روسيا تُصعّد في أوكرانيا

أوكرانيون يتجمعون أمام الكنيسة التاريخية بمدينة لفيف غرب أوكرانيا خلال عمليات إطفاء الحرائق بعد استهدافها بهجوم روسي يوم 24 مارس 2026 (إ.ب.أ)
أوكرانيون يتجمعون أمام الكنيسة التاريخية بمدينة لفيف غرب أوكرانيا خلال عمليات إطفاء الحرائق بعد استهدافها بهجوم روسي يوم 24 مارس 2026 (إ.ب.أ)

بعد نحو 3 أسابيع بدت فيها الحرب الأوكرانية كأنها تراجعت إلى المرتبة الثانية في سُلّم الاهتمام الأميركي والدولي بسبب حرب إيران، عادت الجبهة لتفرض نفسها مجدداً، ولكن في ظروف معقّدة بالنسبة إلى كييف.

فروسيا لم تتعامل مع انشغال واشنطن بوصفه فراغاً عابراً فقط، بل على أنه نافذة لزيادة الضغط العسكري وتثبيت منطق تفاوضي أكبر تشدداً: تصعيد واسع بالطائرات المسيّرة والصواريخ، ومحاولة انتزاع مكاسب ميدانية في دونيتسك وزابوريجيا، مع الإيحاء في الوقت نفسه بأنها ما زالت «منفتحة» على التفاوض مع الولايات المتحدة، ولكن وفق شروطها.

هذا التزامن بين التصعيد العسكري والمرونة الدبلوماسية الشكلية هو ما يفسر دعوات الرئيس الأوكراني، فولوديمير زيلينسكي، مواطنيه إلى الاستعداد لحرب قد تمتد سنوات أخرى، في وقت تخشى فيه كييف أن تتحول حرب الاستنزاف إلى واقع ثابت لا مجرد احتمال نظري. وفي هذا السياق، يكتسب حديث جون هاردي، الباحث بالشأن الروسي في «مؤسسة الدفاع عن الديمقراطيات»، لـ«الشرق الأوسط»، أهمية خاصة؛ إذ يقول إن الرئيس الروسي، فلاديمير بوتين، «أظهر باستمرار عدم استعداده لتسوية ذات مغزى، ومع انتقال اهتمام الولايات المتحدة ومواردها الآن إلى الشرق الأوسط، ومع جني روسيا مزيداً من الأموال من مبيعات النفط، فقد يصبح بوتين أشد تصلباً».

موسكو تستثمر انشغال واشنطن

المؤشرات الميدانية خلال الأيام الأخيرة توحي بأن موسكو قرّرت استئناف المبادرة بعد فترة جمود نسبي. فالتقارير الغربية تتحدث عن هجوم روسي ربيعي جديد يركز على ما يسمى «حزام القلاع» في شرق دونيتسك، مع ضغط قرب سلوفيانسك وبوكروفسك وكوستيانتينيفكا، فيما بدا أن الكرملين يستثمر تباطؤ الدبلوماسية الأميركية وانشغال واشنطن بحرب إيران. ويرى خبراء أن موسكو جمّدت مسار التفاوض حتى تعود الولايات المتحدة إلى التركيز على الملف الأوكراني، لا من أجل تقديم تنازلات، بل من أجل استئناف التفاوض من موقع قوة أكبر.

عناصر إنقاذ يعملون على إخماد حرائق جراء هجوم روسي على مدينة خاركيف الأوكرانية يوم 25 مارس 2026 (أ.ب)

والأهم أن الكرملين لم يبدل مطالبه الأساسية، فما زالت موسكو تتمسك بمنع انضمام أوكرانيا إلى «حلف شمال الأطلسي (ناتو)»، وبانسحاب كييف من 4 مناطق تسيطر عليها قوات موالية لموسكو، وهما شرطان ضمن شروط تراها أوكرانيا أقرب إلى إملاءات استسلام منها إلى صيغة تسوية. وحتى حين يُكرّر المتحدث باسم الكرملين، ديميتري بيسكوف، أن بلاده ما زالت على اتصال بالولايات المتحدة بشأن التسوية، فإن ذلك لا يقترن بأي خفض للسقف السياسي أو العسكري. لذلك؛ يبدو أن «الانفتاح» الروسي على التفاوض ليس بديلاً للتصعيد، بل امتداد له بوسائل أخرى.

ومن هنا، يمكن فهم القلق الأوكراني من أن تكون حرب إيران قد منحت موسكو امتيازات سياسية ومالية وعسكرية معاً. فارتفاع عائدات النفط، وتباطؤ تدفق بعض الأسلحة، وتراجع التركيز الغربي على الجبهة الأوكرانية... كلها عوامل تصب في مصلحة روسيا. وهذا ما التقطه جون هاردي في حديثه لـ«الشرق الأوسط»، حين ربط بين انشغال الولايات المتحدة بمنطقة الشرق الأوسط، وازدياد تصلب بوتين، بما يوحي بأن الكرملين يرى في اللحظة الحالية فرصة لتشديد الشروط لا تليينها.

المسيّرات في قلب المعركة

الحدث الأبرز في عودة الحرب إلى الواجهة كان الهجوم الروسي الكثيف هذا الأسبوع. فقد شنّت روسيا إحدى أضخم موجات الهجمات بالطائرات المسيّرة منذ بدء الحرب، مُستخدمة مئات المسيّرات خلال أقل من 24 ساعة، في رسالة تتجاوز البُعد العسكري البحت إلى الضغط النفسي والسياسي. فاستهداف المدن والمستشفيات والمباني السكنية ومواقع ثقافية، وفق كييف، يهدف أيضاً إلى تكريس فكرة أنه لا تهدئة مجانية، وأن لا موقع آمناً إطلاقاً داخل أوكرانيا.

فني من شركة أوكرانية مختصة بإنتاج المسيرات خلال عرضها داخل موقع غير محدد في أوكرانيا يوم 19 مارس 2026 (أ.ف.ب)

وهنا تظهر وظيفة المُسيّرات في الحرب الحالية بوصفها أكثر من مجرد أداة مساندة. فروسيا تستخدمها على مستويين متوازيين: استنزاف الدفاعات الجوية الأوكرانية، وفرض ضغط يومي على المجتمع والاقتصاد والبنية التحتية. وحتى إذا تمكّنت كييف من اعتراض نسبة كبيرة منها، فإن مجرد إطلاق هذا الكم يخلق معركة استنزاف في الذخائر والاعتراض والجاهزية. بهذا المعنى، تحولت المسيّرات إلى أداة منخفضة التكلفة نسبياً وعالية التأثير في حرب طويلة النفس.

في المقابل، تسرّع أوكرانيا من إجراءات إنتاج وتوظيف المسيرات. وفق صحيفة «نيويورك تايمز»، فقد طورت ما تشبه «سوقاً إلكترونية» عسكرية تسمح للوحدات باختيار المسيّرات التي تحتاجها مباشرة، في خروج واضح على البيروقراطية التقليدية المركزية في التسليح. غير أن هذا الابتكار، على أهميته، لا يلغي المشكلة الأعمق: نقص المال، والذخائر، والدفاعات الجوية، والمقاتلين. أي إن أوكرانيا تحاول تعويض الاختلال في الموارد بالمرونة والتكيّف، لكن قدرتها على فعل ذلك تبقى مرتبطة باستمرار الدعم الغربي.

لا سلام قريباً

في التعليقات السياسية والإعلامية، تتشكّل صورة تكاد تكون شبه جامعة: لا أحد يرى اختراقاً قريباً. زيلينسكي شدد على أن الحرب في إيران تشجع روسيا، وأن حجم القصف الروسي يؤكد غياب أي نية حقيقية لإنهاء الحرب. هذا الخطاب لا يعكس مجرد تعبئة معنوية داخلية، بل قناعة متصاعدة في كييف بأن الدبلوماسية من دون ضغطٍ عسكري ودعم غربي فعليٍ قد تتحول مظلة تتيح لموسكو إعادة التموضع فقط.

أقارب وأصدقاء جنود أوكرانيين خلال وقفة احتجاجية في كييف يوم 25 مارس 2026 (رويترز)

ومن الجانب الأميركي، فقد نقلت «رويترز» عن مديرة الاستخبارات الوطنية، تولسي غابارد، قولها أمام المشرعين إن روسيا تملك اليد العليا حالياً، وإن حرب الاستنزاف تبقى استراتيجيتها المرجحة ما لم يُتوصل إلى اتفاق. لكن المشكلة أن أي اتفاق يبدو بعيداً في ضوء الشروط الروسية الحالية، وفي ضوء اقتناع بوتين بأنه يستطيع الصمود أطول والاستفادة من عامل الوقت.

وهنا يرى جون هاردي أن بوتين غير مستعد لتسوية جدية، «بل يربط تشدده الإضافي بتحول الأولويات الأميركية وارتفاع مداخيل روسيا النفطية». وهذا يعني أن المسار الأرجح الآن ليس سلاماً وشيكاً، بل جولة أشد قسوة من الحرب الطويلة: مفاوضات متقطعة، وشروط روسية قاسية، ومسيّرات تملأ السماء، فيما يراهن كل طرف على إنهاك الآخر قبل أن يقتنع بتقديم التنازل.