الفلسفة والإرهاب: بحث في روحه وجذوره

لا يعتبر صراعًا بين الحضارات أو الأديان بل صراع العولمة مع ذاتها

الفلسفة والإرهاب: بحث في روحه وجذوره
TT

الفلسفة والإرهاب: بحث في روحه وجذوره

الفلسفة والإرهاب: بحث في روحه وجذوره

ما زالت مسألة الإرهاب تفرض إحراجا كبيرا على الباحثين من مختلف التخصصات، في الوقت الذي أصبح فيه الإرهاب قضية عالمية تأثرت بها كل بقاع المعمورة، مما يفرض علينا ضرورة التحلي بالمسؤولية والحس الفلسفي الكبير ونحن نقارب هذه القضية، حتى لا ننساق وراء التحليلات التبسيطية للمسألة، والتي قد تخفي داخلها حمولات آيديولوجية أو براغماتية، خاصة في عالم إسلامي ينعش بالإرهاب ويكتوي بناره ويخسر بسببه الكثير.
اخترت أن نعود إلى فيلسوفين كبيرين استوقفتهما مسألة الإرهاب، وهما الفيلسوفان الفرنسيان جاك دريدا 1930 - 2004 وجون بودريار 2007 - 1929. لأن ما قدماه حول القضية ليس بقليل، حيث تميزا برؤية متبصرة وناقدة عملت على تفكيك خطاب الإرهاب والبحث في جذوره الأساسية. ينضاف لهذا أنهما فيلسوفان عرفا بمواقفهما السياسية العادلة تجاه قضايا الوطن العربي.
الإرهاب مفهوم ملتبس يحتاج إلى تدقيق وتحليل
في الحوار الذي أجرته الصحافية والكاتبة الأميركية جيوفانا بورادوري مع جاك دريدا بعيد أحداث الحادي عشر من سبتمبر (أيلول)، يتساءل دريدا حول المعنى الحقيقي لمفهوم الإرهاب، فإذا كان الإرهاب يدل على جريمة ضد الحياة البشرية، فلا يمكن أن نستثني من هذا التعريف إرهاب الدولة، والإرهاب الذي تمارسه الولايات المتحدة الأميركية، وكذا الإرهاب الذي مارسته الجماعات الإرهابية المسلحة لتأسيس دولة إسرائيل، وإذا كان الإرهاب كترهيب يرتبط دائما بالقتل فيمكن أن نرهب حتى من دون قتل، ففي بعض الأحيان يكون القتل كبيرا ولكن التأثيرات تكون أقل. هكذا يمكن اتهام أميركا وإسرائيل والقوى الاستعمارية والسلطات ذات الأشكال الإمبريالية بممارسة إرهاب الدولة، وبكونها أكثر إرهابا من الإرهابيين الذين تعمل على محاربتهم، إذا أردنا قبول المعنى الحقيقي للإرهاب.
يمضي جاك دريدا ليبين على أن الإرهاب قد عرف توظيفات متعددة ومتناقضة على مر التاريخ، فقد اعتبرت فرنسا الاستعمارية الجزائريين المناضلين إرهابيين، في الوقت الذي كانوا يعتبرون مناضلين شرفاء في وطنهم، ثم اعتبر الفرنسيون إرهابيين في نظر ألمانيا، هذا دون أن ننسى إرهاب الفرنسيين أنفسهم ضد الجزائر، أما اليوم فظاهرة الإرهاب قد جرى تشويهها انطلاقا من رؤية من الطرف المسيطر والذي هو الولايات المتحدة الأميركية، حارسة العولمة وزعيمة العالم. لقد عملت الولايات المتحدة الأميركية على صنع هذا المفهوم، وحملته بالمعاني التي تريد، لتقوم بتسويقه مشوها مبعثرا عن طريق وسائل الإعلام.
أما عندما نتحدث عن الحرب على الإرهاب فالأمر يزداد سوءا، فإذا كان الفيلسوف الألماني «شميت» يؤكد أن الحرب هي صراع بين دولتين تتبادلان العداء، فإن مفهوم الحرب لا يستقيم والحال هذه، ففي الوقت الذي يتحدث فيه جورج بوش عن الحرب على الإرهاب، لا يحدد من هو هذا الإرهابي الذي يجب محاربته، فالدول التي توصف بكونها مأوى للإرهاب ليست كلها إرهابية، بل حتى أميركا وبريطانيا تؤويان الإرهاب، يتساءل جاك دريدا، كيف يمكن أن نحارب عدوا غير محدد؟ عدوا ينافس الجراثيم والبكتيريا على المناطق الصغيرة والمنافذ المستحيلة؟
إذا كان الأمر هكذا بالنسبة لدريدا فإن جان بودريار ينطلق هو الآخر من موقع الشاهد على أحداث الحادي عشر من سبتمبر، ما دام هذا التاريخ هو نقطة الانطلاق الحقيقي لإشكالية الإرهاب، ففي مقالة منشورة له في الجريدة الفرنسية لوموند بعنوان روح الإرهاب، يحلل دريدا هذا الحدث، ليدعونا إلى ضرورة التأني، وعدم الوقوع في فخ التسرع المضلل، ما دام أن كل شيء في نظره وهمي ومفترى، حيث يتوارى الواقع الحقيقي للإرهاب خلف الافتراضي، فالصور التي نراها في وسائل الإعلام أشبه بتلك التي تنتجها هوليوود، وتنقلب الأمور لما يصبح الخبر المشاع عن الإرهاب هو الذي يصنع الحدث عوض أن يكون الحدث هو الذي يصنع الخبر، لقد جرى تكثيف أحداث الحادي عشر من سبتمبر بشكل كبير، حتى انعدم الواقعي في الاصطناعي، بطريقة خيالية، جعلت الإرهاب الأسود فلما سينمائيا سحريا، اختفت حقيقته في متاهة الصور، وعمل كل طرف سواء الذين يوصفون بالإرهابيين أو الولايات المتحدة الأميركية، على استغلالها بطريقته الخاصة، على الرغم أن انفجار البرجين حدث هام في حد ذاته.
الإرهاب ليس صراعا بين الحضارات أو الأديان وإنما الإرهاب صراع العولمة مع ذاتها.
حول الجذور الحقيقية للإرهاب يقدم دريدا وبودريار تصورا يخرج تماما من الدين الإسلامي، وإشكالاته، بل أكثر من ذلك يعتبران أن الإرهاب بعيد عن الإسلام تماما، وأن ربط الإرهاب بالإسلام أمر غير صحيح.
الإرهاب في نظر دريدا من مسؤولية الغرب الذي عمل على احتضانه وتسويقه، وهو رد فعل وملجأ أخير ضد الولايات المتحدة الأميركية التي تحمي العولمة. لقد عملت العولمة في نظر دريدا على خلق عوالم محظوظة وأخرى مهزومة، منسية لتموت بسبب الأمراض والجوع والحروب وهي ترى الشركات متعددة الجنسيات وأصحاب رؤوس الأموال ينهبون خيراتها، ويعطلون إمكاناتها عن طريق تحالفهم مع حكومات بلدانهم، حيث تعمل هذه الحكومات على توطيد سلطتها غير الديمقراطية عبر تحالف دبلوماسي اقتصادي عسكري مع الولايات المتحدة الأميركية. ماذا يبقى أمام هذه الشعوب المحرومة المعذبة التي ترى النموذج الأميركي في شاشات التلفزيون إذن إلا أن تثور وهي محملة بكل ما هو ضد أميركا، ومثقلة بعواقب الحقبة الاستعمارية والبؤس والاضطهاد، والتلقين الآيديولوجي والديني؟ لا يبقى أمامها إلا العنف بطواعية وقصدية أو حتى دون قصد، العنف بوصفه البديل الوحيد ضد سياسة الآذان الصماء.
نبدأ مع بودريار من حيث انتهى دريدا، يؤكد بودريار على أن الإرهاب ليس صدمة حضارات كما يشير إلى ذلك هنتنغتون، ولا صراعا بين الغرب والإسلام، بل الإرهاب هو مؤشر على العولمة في صراعها مع ذاتها، باعتبارها نموذجا منحرفا قائما على تشوهات كبيرة، ولكن الإسلام متهم لأنه الجبهة الوحيدة المتحركة لتبلور هذا العداء، ولو كان الإسلام يسيطر على العالم لوقف الإرهاب ضد الإسلام.
يمضي بودريار في تحديد جذور الإرهاب باعتباره رد فعل، ضد قوة تذل المرء، ولذلك ينبغي إذلالها، ومن الواجب التضحية في سبيل ذلك عن طريق الموت، مقابل مكان في الجنة ورغبة في الحصول على نصر معنوي كبير، تحت شعار لا أهمية للقصف الأميركي فرجالنا يتمنون الموت بقدر ما يتمنى الأميركيون الحياة. إنه منطق جديد ضد منطق اللامبالاة، حيث يواجه الشر بالشر. وهو ما يوضحه بودريار أكثر في كتابه المصطنع والاصطناع لما يعتبر بأن الوضع لما يصبح محتكرا من قبل قوة معينة ومحددة مستحوذة على كل شيء، لا يبقى من طريق سوى التحويل الإرهابي للوضع كل طرف يرغم الآخر على تغيير اللعبة، في نهاية الوضع نصبح في إرهاب ضد إرهاب آخر. فصحيح أن الإرهاب غير أخلاقي إلا أن العولمة هي الأخرى غير أخلاقية.
ولأن موازين القوى غير متكافئة فالصراع بين الإرهابيين والولايات المتحدة الأميركية يتحول من صراع مادي إلى صراع رمزي بالأساس، فضرب برجي التجارة العالمية، تحدٍ رمزي في الجوهر، ضد الثوابت من الزجاج، والفولاذ والإسمنت، ضد تصميمهما المعلوماتي، والمالي، والحسابي، والرقمي، ضد النظام الذي يسود مدينة نيويورك، بضربهما جرى مس المركز العصبي للنظام الأميركي، وبانهيارهما ينهار رمزيا كل شيء، تنهار قوة عظمى متعجرفة مهيمنة، كما أوضح في مقال له بعنوان السلطة الجهنمية.
في مقال آخر بعنوان بورنوغرافيا الحرب، يقول دريدا بأن الإرهاب قد نجح في زعزعة عدو أصبح هشا بسبب الكمال، وصار حساسا لأقل شرارة، فكافة الاستراتيجيات الأمنية ليست إلا امتدادا للإرهاب الذي نجح في أن يغرق الغرب كله في هوس أمني، أي في شكل مموه من الإرهاب المستمر.
تبقى إشكالية الإرهاب إشكالية معقدة جدا يتداخل فيها الديني بالسياسي بالسوسيولوجي بالاقتصادي، مما يفرض علينا مزيدا من البحث وتطوير المناهج والدراسات، حتى لا نبقى حبيسي الرؤى الأحادية التي تنظر إلى الموضوع بطريقة قطاعية تجزيئية تعطل التفكير في الموضوع أكثر مما تخدمه، إن تفكيرا من هذا النوع هو الذي بإمكانه أن يجنبنا ويلات القادم، ويمهد الطريق للحياة، ولبناء المستقبل.



هل البشر أعداء ما يعلمون؟

تمثال لسقراط
تمثال لسقراط
TT

هل البشر أعداء ما يعلمون؟

تمثال لسقراط
تمثال لسقراط

هناك سلوكٌ ثقافي نسقي يشير إلى أن عقول البشر تسكن، وتطمئن حين تجهل، وتتوتر حين تعرف. وأكرر هنا تعبير «ألاّ تعرف فأنت آمن»، وقد استخدمته من قبل في توريقةٍ سابقة مع نظرة مختلفة. وهذه حالٌ تتكشف مع ردود الفعل على ما يستجد من نظريات ومن مخترعات.

وفي سيرة المعرفة يقع أي جديد معرفي في ردود فعلٍ تدخله في مواجهات حية. ومن أهم وأقوى أسباب حياة النظرية هي في المواقف ضدها، بينما تموت أي نظرية إن هي مرت بسلامٍ وقبول، وبقدر ما يكون الرفض تكون النظرية أصلب، وهذا يعني أول ما يعني أنها جديدةٌ ومختلفةٌ. ومن شرط أي نظرية جديدة أن تعطي تفسيراً مختلفاً لظاهرة ما أو لنصوص ما، سواء كانت نظرية علمية أو فلسفية أو نقدية. وأبرز علامات الاختلاف عما استقرّ هو ظهور الخلاف على ما استجد. وكلما زادت درجات الخلاف تقوت درجات الاختلاف أكثر وأكثر. وعادة يتناسل الخلاف في تداعي أصحاب المهنة ضد المستجد وكأنهم يتآمرون عليه، والحقيقة المخفية هي أنهم يشعرون بأن الجديد هو المتآمر عليهم وعلى مقامهم. ذلك لأنهم يخافون من فقدان ما استقرت عليه معارفهم، وكل تغير معرفي هو تحول من الراحة إلى الشك، ولا يقف التغيّر عند تحول النظر والمفاهيم فحسب بل هو أيضاً تغيرٌ في السلوك الذهني وفي نظام الخطاب.

وهنا تتكشف حالات الاستجابة من صاحب النظرية، وكيف يتعامل مع ردود الفعل هذه. وهي لحظة ميلاد المعارك الكبرى في تواريخ الثقافات، وأولها وأقساها تاريخياً رد الفعل على مقولات سقراط الذي انتهى بالحكم عليه بالإعدام حين صدقت الجماهير تهم الخصوم وبلغت بهم حد السخط المطلق وانتهت بعقد محكمة خضعت لضغط الشارع. ثم توالت سير ردود الفعل ولم تسلم منه أي نظرية قوية في تحولها وطرحها، وفي ثقافتنا القريبة من ذاكرتنا حدثت المعارك الأدبية الكبرى، وهي التي اختصت بوصفها بالأدبية لأنها وقعت بين أدباء ولم يسلم أديب في عقود منتصف القرن العشرين من معارك وقعت ما بين هجومٍ ومنافحة، ونتج عن ذلك أدبيات كثيرة بمثل ما نتج عنها من عدوات واستقطابات، وتطورت هذه الظاهرة مع انفتاح وسائل التواصل، حيث أصبح التعارك ملمحاً ثقافياً بارزاً في كل أمر العلاقات الثقافية بكافة صيغها السياسية والشعبوية والشخصية، فتغريدة واحدة قد تفجر براكين الغضب الذي يخرج كل مخازن الذواكر في امتحان جماهيري بين أخلاقيات اللغة وأخلاقيات السلوك اللساني، وإذا سكنت الحروب دخلت في النسيان لتخلي الفضاء لمعارك تنتظر دورها للانبثاق ثم لتحفيز الذواكر للانفجار.

وكل هذا شرط معرفي بمثل ما هو من صفات السلوك الثقافي، وهي مزودة أصلاً برصيد وافر من العتاد اللفظي والصيغ الماكرة ومن الاستعداد البشري للصراع اللغوي كما الصراعات الحربية، ولن يكون الإنسان كائناً حياً ما لم يدخل في تصارع مع غيره كما هي صفة كل كائن حي حيواناً كان أو إنساناً.

على أن المعرفة والرأي والفتوى كلها صيغٌ لغوية، ودوماً ما يكون سبب المعارك نابعاً من حالات الأسلوب ذاته، والطريقة التي قيل فيها الرأي أو بنيت عليه المقولة، وهنا ندرك أن اللغة سلاحٌ ليس ذا وجهين فحسب، بل ذو وجوه لا تقف عند حصر. ولا تتكشف وجوه اللغة بكاملها إلا للمشاهد المحايد الذي يقرأ دون حس بالتوتر أو الشخصانية. وقد يجد المحايد أن الأمر لا يستحق ذلك الضجيج، لكن الحقيقة هي أن كل شأن لغوي هو حالة رد فعل ابتداءً واستمراراً. فالطفل الوليد يصرخ لحظة خروجه من الرحم الذي كان يحميه ويطعمه ويعتني به، وإذا خرج أحس أنه تعرض لعنفٍ خارجي أخرجه من مأمنه إلى عالم يجهله ويجهل شروط العيش فيه. ويظل عمره كله يتعلم كيف يعيش خارج رحمه الأول الذي فقده فيصرخ محتجاً على إخراجه منه لكنه لن يعود ولذا يظل في توجس مستمر لن يلين إلا حين يدخل في رحم ختامي ويغادر الحياة لحياة لن يعرفها إلا إذا دخل فيها. وهنا تحضر كلمة حمزة شحاتة «لا يعطي تفسيراً تاماً للحياة إلا الموت»، وأول أسرار الموت أن الثقافة علمتنا أن نتذكر محاسن موتانا، لأننا في حياتهم نمعن فقط في تذكر سيئاتهم، وهذا سر المعرفة التي تتأبى التحقق دون ولادات قيصرية وصرخات احتجاجية.

أخيراً فإن البشر يجمعون بين رغبتين متناقضتين، فالجهل راحةٌ واطمئنان، وأن تكشف غطاء المحجوب عنك شقاءٌ وصرخة ميلاد، ولكننا لسنا بخيارٍ بينهما. ونحن نتطلب الكشوفات المعرفية ولكن راحتنا في البقاء على ما عهدنا، غير أنها راحةٌ مشاغبة، إذ ما يلبث الفضول أن يتحرك لكشف المخفي ليظل على قلق كأن الريح تحته (حسب كلمة المتنبي).

* كاتب وناقد سعودي


«بوكر العربية» تعلن عن قائمتها القصيرة

أغلفة الروايات المرشحة
أغلفة الروايات المرشحة
TT

«بوكر العربية» تعلن عن قائمتها القصيرة

أغلفة الروايات المرشحة
أغلفة الروايات المرشحة

أعلنت الجائزة العالمية للرواية العربية (البوكر العربية)، عن قائمتها القصيرة للدورة التاسعة عشرة، وتضم 6 روايات. وجاء الإعلان في مؤتمر صحافي عُقد بهيئة البحرين للثقافة والآثار، في المنامة.

وضمّت القائمة القصيرة ست روايات هي: «غيبة مَي» للبنانية نجوى بركات، و«أصل الأنواع» للمصري أحمد عبد اللطيف، و«منام القيلولة» للجزائري أمين الزاوي، و«فوق رأسي سحابة» للمصرية دعاء إبراهيم، و«أغالب مجرى النهر» للجزائري سعيد خطيبي، و«الرائي» للعراقي ضياء جبيلي.

ترأس لجنة تحكيم دورة هذا العام الناقد والباحث التونسي محمد القاضي، وضمّت في عضويتها الكاتب والمترجم العراقي شاكر نوري، والأكاديمية والناقدة البحرينية ضياء الكعبي، والكاتبة والمترجمة الفلسطينية مايا أبو الحيات، إضافة إلى ليلى هي وون بيك، وهي أكاديمية من كوريا الجنوبية.

وجاء في بيان اللجنة: «تتوفر القائمة القصيرة على نصوص روائية متنوّعة تجمع بين الحفر العميق في أعماق النفس البشرية، وسبر الواقع العربي الراهن بمختلف التيارات الفكرية التي تعصف به، والسفر عبر الزمن إلى العصور الماضية التي يُعاد استحضارها وقراءتها، لتكشف للقارئ عن جوانب خفية من هويتنا المتحوّلة».

وأضاف البيان: «تمثل هذه الروايات المستوى الرفيع الذي بلغته الرواية العربية، ومدى نزوعها إلى الانفتاح على قضايا العصر وإلى تنويع الأساليب التي تنأى بها عن المباشرة والتعليم، وتجعلها خطاباً يتوجه إلى ذائقة متحولة لقارئ يطمح إلى أن يكون شريكاً في عملية الإبداع لا مجرد مستهلك للنصوص».

من جانبه، قال ياسر سليمان، رئيس مجلس الأمناء: «تطوّرت الرواية العربية تطوّراً لافتاً خلال العقود القليلة الماضية، متقدّمة بخطى واثقة اعتماداً على ديناميتها الذاتية، من دون أن تغفل ارتباطها بالأدب العالمي من حيث الشكل والقضايا التي تنشغل بها. وتلتقط الروايات المرشّحة في هذه الدورة عالماً من التقاطعات المتعدّدة، فتربط أحياناً بين الحاضر والعالم القديم، أو بين المألوف ثقافياً وعوالم غير مألوفة، بما يكشف في الحالتين عن الاستمرارية أكثر مما يكشف عن القطيعة.

وتستدعي الأصوات الداخلية القارئ بوصفه شريكاً فاعلاً في إنتاج المعنى، من دون أن تُثقله بسرد كابح. كما أنّ تنوّع الموضوعات واتّساعها، واختلاف الرؤى السردية في هذه الروايات، من شأنه أن يلقى صدى لدى طيف واسع من القرّاء، سواء قُرئت الأعمال بلغتها العربية الأصلية أم في ترجماتها إلى لغات أخرى».


«ربيع الصحارى الكبرى»... تاريخ ليبيا من الاستعمار إلى الثورة

«ربيع الصحارى الكبرى»... تاريخ ليبيا من الاستعمار إلى الثورة
TT

«ربيع الصحارى الكبرى»... تاريخ ليبيا من الاستعمار إلى الثورة

«ربيع الصحارى الكبرى»... تاريخ ليبيا من الاستعمار إلى الثورة

في روايته «ربيع الصحارى الكبرى»، دار «بتانة» للنشر (القاهرة)، يمزج الروائي الليبي أحمد الفيتوري، المتخيل بالواقعي، والسرد الروائي بسرد السيرة الذاتية، ففي بنية النص تمتزج حكاية البطلة المروي عنها، وهي صحافية فرنسية تزور ليبيا أثناء الثورة على الزعيم الليبي السابق معمر القذافي، بحكاية الراوي والسارد، وهو المؤلف نفسه، إذ يحضر الفيتوري بتاريخه وسيرته ومحطات حياته منذ كان طفلاً. وفي الرواية أيضاً مراوحة واضحة بين الماضي البعيد في بدايات القرن العشرين، حيث الاحتلال الإيطالي والفرنسي، ومعاناة الليبيين مع الاستعمار والحروب العالمية، والماضي القريب في مطلع القرن الحالي، ومعاناتهم في الثورة من اللجان الثورية، والقتال الذي انتشر في طول البلاد وعرضها بين الثوار وأعوان النظام السابق، وصولاً إلى الضربات التي وجهتها قوى دولية لمعسكرات النظام، مستهدفة أسلحته لتقليم أظافره، ومنعه من العسف بشعبه.

يرسم الكاتب خريطة ليبيا، عبر رحلة الفتاة الفرنسية، التي قيل إنها اختطفت. يرتحل السرد معها، متجولاً في صحارى ليبيا ومدنها، من شرقها لغربها، من مخابئ الثوار إلى سجون النظام، وبين الطبيعة الغناء الفسيحة الغنية، وغرف الفنادق التي تتحول إلى سجن، تقبع فيه الفتاة قسرياً، بأوامر من رجال أمن النظام، بعد أن أطلقوا سراحها من سجن «بوسليم»، ليفرضوا عليها إقامة جبرية في غرفة الفندق، لتغرق في كوابيسها، من فرط رعبها كلما سمعت صوت انفجار القنابل، فتستدعي تحولات مسخ «كافكا»، وتخشى أن تتحول إلى «صرصار» كما حدث مع بطل رواية «المسخ». وطوال الوقت، وفي المقابل، تستدعي الفتاة حكايات جدها، الذي سبق ووقع في غرام ليبيا، وفتنته صحاريها، لتكون هذه الحكايات زاداً لها ودافعاً للبقاء واستكشاف هذه الصحارى، والوصول إلى مكمن السحر المختبئ تحت طبقات الكثبان الرملية.

تبدأ الرواية بخبر صحافي عن اختطاف فتاة فرنسية في ليبيا، وتتعدد الروايات حول ملابسات اختطافها أو اختفائها، واجتهادات الصحف والمواقع الإلكترونية والقنوات التلفزيونية في تفسير الخبر وما آل إليه مصير الفتاة، وتتبع خط سيرها، بما يمنح الرواية فاتحة شبه بوليسية، تجعل هذه الفتاة بؤرة مركزية للحدث. وبعيداً عن اجتهادات الصحافة، يروي السارد مسيرة الفتاة قبل هذا الاختفاء، وخلاله، وبعده، بدءاً من مرافقتها للثوار، ثم وقوعها في يد قوات أمن القذافي ولجانه الثورية، مروراً بسجنها، ورؤيتها لما يعانيه الليبيون من عذاب وعسف على يد رجال القذافي. فهذا المفتتح البوليسي يعطي السرد قدراً من التشويق في تتبع مصير الفتاة الغامض، الذي يظل غامضاً مع نهاية الرواية أيضاً، في حالة من اللا حسم، فسرديتها تنتهي بسرد الكوابيس التي تراها في منامها داخل غرفة الفندق.

في مقابل حكاية الفتاة وسرديتها، تبرز سردية الراوي، أو للدقة سردية المؤلف أحمد الفيتوري نفسه، الذي ينتقل من سرد حكاية الفتاة إلى سرد جوانب من سيرته، منذ أن كان طفلاً، لنرى الواقع والتاريخ والجغرافية الليبية بعيون محلية، عيون ابن المكان والمنتمي له، والمنغمس في تاريخه ووقائعه منذ مطلع السبعينات، حتى لا تكون الحكاية بعيون الفتاة وحدها؛ عيون السائحة المنبهرة أو المصدومة فقط. هكذا يضع الروائي سرديتها في ضفيرة مع سرديته لا لتنقضها أو تفككها، وإنما لتكملها، وتتضافر معها، لتكون السرديتان معاً بنهاية المطاف رؤيةً بانوراميةً تجمع بين العين الغربية والعين الليبية، وبين الخيالي والسيري، بين حكايات جدها الفرنسي وحكايات جدته التي «ولدت وعاشت في العهد الإيطالي، ثم واكبت مرحلة الإدارة الإنجليزية، فالعهد الملكي، فالانقلاب العسكري»، بما يجعل من هذه الجدة تجسيداً حياً للتاريخ الليبي في العصر الحديث.

يعمد الفيتوري في كثير من مواضع الرواية، سواء في الجزء المتخيل أو في الجزء الذي يمتح من السيرة الذاتية، إلى توثيق تواريخ وأحداث شتى، متكئاً على كثير من الاقتباسات، سواء من خطابات رسمية أو من كتب، فيقول مثلاً: «في يناير من سنة 1707م، كتب شارل لامار، القنصل الفرنسي، إلى وزيره، حول هذه المدينة الحجرية...»، ثم يورد جزءاً من نص الخطاب. كما يورد في مقطع آخر جانباً توثيقياً مختلفاً، يقول فيه: «قام القذافي خلال الخطاب الذي ألقاه في 23 سبتمبر (أيلول) 2009، في مقر الأمم المتحدة، بتمزيق ميثاق الأم المتحدة، ورماه وراء ظهره، متعللاً بعدم احترام المجتمع الدولي للميثاق، وعدم صلاحيته، لأن عهده ولى مع نهاية الحرب العالمية الثانية، على حد تعبيره». هذه الاقتباسات تجعل من النص الروائي، فضلاً عن طابعه الجمالي، مدخلاً للولوج إلى التاريخ بشكل موثق، أقرب إلى تيار الواقعية التوثيقية، وهو ما يتكرر كثيراً في ذكر تفاصيل صراع الثوار مع قوات النظام، بما يجعل أحد أهداف النص الروائي التوثيق لأحداث الثورة الليبية، جنباً إلى جنب مع توثيق السيرة الذاتية للفيتوري، لتندغم سيرة الوطن وثورته بسيرة الإنسان الفرد في لحمة واحدة، لا يمكن فيها فصل إحدى السيرتين عن الأخرى.

يقسم الكاتب الجزء السيري إلى مقاطع سردية، يحمل كل منها عنواناً دالاً على الأحداث التي سيحكيها فيها، ليكون العنوان هو مركز التبئر داخل المقطع، مثلما يعنون أحد هذه المقاطع بعنوان «أبي»، وآخر بعنوان «جدتي»، وثالث «مدرسة الصابري»، ورابع «الصحافة»، وخامس «السجن»، وهكذا... ليكون كل مقطع مخصصاً للحكي حول ما جاء في العنوان، دون أن يكون هذا حداً فاصلاً، فحكايات الأب مثلاً تنسرب في غيره من الفصول والمقاطع كثيراً، وكذا حكاية الجدة، أما حكاية الصحافة فتكاد تكون ممتدة على مدار الرواية كلها، وكذا حكايات السجون التي تفرض حضورها في كل صفحات الرواية، إذ تبدو ليبيا في عهد الاستبداد بمثابة سجن كبير للجميع، مواطنين وأجانب.

وفي أحد هذه المقاطع يروي علاقته بمصر، وهروبه إليها منذ كان مراهقاً، حين سافر دون علم والده.

كما يحكي كثيراً من كواليس العمل الصحافي في ليبيا، وكواليس سجنه طوال عشر سنوات، أثناء حقبة السبعينات، والحياة داخل سجن «بوسليم»، السجن نفسه الذي قبعت فيه الفتاة الفرنسية المروي عنها بعد ذلك، لنرى معاناة الراوي والمروي عنها في السجن نفسه، وعلى يد القذافي نفسه، الذي التقى الكاتب واستقبله مع مجموعة من المفكرين عقب الإفراج عنهم وقتها، فتقترب العدسة الروائية من هذا الشبح الذي سجن كل أبطال الرواية وعسف بهم، فتقدمه كشخصية آدمية من لحم ودم، وليس مجرد طيف مخيف، كاشفة عن جوانب من طبيعة شخصيته.

جانب آخر تعتمد عليه الرواية جمالياً، وهو تضمين السرد جوانب من فنون أخرى، خصوصاً الشعر، إذ يورد الكاتب قصائد كاملة لأبي نواس والمتنبي، كما نرى حضوراً لرواية فرانز كافكا «المسخ»، كما يقتبس مقاطع مطولة من «صلاة تشيرنوبل» للكاتبة الحاصلة على نوبل، سفيتلانا أليكساندروفنا أليكسيفيتش، لتكون الرواية خريطة لتاريخ من الجمال الأدبي، تماماً كما هي خريطة للحياة في ليبيا، ولصحاريها، وللتاريخ المضني الذي عاشه الليبيون، وخريطة لتاريخ الجنون والعسف والقتل، سواء على يد زعيم وطني، أو على يد الاستعمار.