انفتاح على ثقافة الآخر أم غزو ثقافي؟

النوادي الأدبية الأجنبية تكتسح الجامعات في الكويت

من فعاليات نادي الأدب الياباني
من فعاليات نادي الأدب الياباني
TT

انفتاح على ثقافة الآخر أم غزو ثقافي؟

من فعاليات نادي الأدب الياباني
من فعاليات نادي الأدب الياباني

من حيث المبدأ، يتوجب علينا أن نبارك الفكرة، ولكن موضوعيًا، لا يمنع من أن نوجه الأسئلة الفضولية إلى مجموعات من طلبة الجامعات في دولة الكويت أسس أصحابها عددًا من النوادي الأدبية الأجنبية، أي التي تهتم بالآداب الأجنبية كالإنجليزية وحتى اليابانية وغيرها. يحدث ذلك في جامعات عربية، وبالمقابل، هناك نادٍ للأدب العربي في جامعة أميركية.
يأتي ذلك في الوقت الذي بدأت فيه الجامعات في مختلف أرجاء الوطن العربي بفقدان دورها التثقيفي، والاكتفاء بالدور التعليمي، ولكن أعداد من الطلبة ومنذ السنوات الأولى في الجامعة أدخلوا ظاهرة جديدة ومهمة على الحرم الجامعي في الكويت، تتمثل في تأسيس نوادٍ أدبية.
طبيعة هذه النوادي أنها تتألف من الجنسين معًا، وإن كان للذكور النصيب الأوفر فيها، بحكم أن هناك جلسات ثقافية تعقد خارج نطاق المنهج التعليمي، وقد يضطر الطلبة المشاركون في هذه النوادي الأدبية أن يمضوا فيها وقتًا خارج أوقات المحاضرات ولكن في داخل الحرم الجامعي الرصين، وهذا قد لا يناسب الكثير من أهالي الفتيات.
في الجامعة العربية المفتوحة، بدا الاهتمام كبيرًا بالنوادي الأدبية، فهناك ثلاثة منها، واحد يعنى بالأدب الإنجليزي، والثاني بالأدب الياباني، والثالث اسمه نادي «ضاد» وهو يعنى بشتى أنواع الأدب، وفي الجامعة الأميركية يوجد نادي الأدب العربي، وبذلك يتحقق نوع من التوازن.
ولكن الأسئلة الفضولية التي أثرناها حول النوادي المعنية بالآداب الأجنبية: «هل هو انبهار بثقافة الآخر وبالتالي فقدان الثقة والدهشة بالآداب العربية؟ وهل لوسائل الاتصال الحديثة أثر ودور في اتجاه الشباب من طلبة الجامعة لفضاءات الآخر وإهمال أدبهم العربي الذي ربما يكون أولى بالمناقشة قبل الانطلاق إلى ثقافة الآخر، على مبدأ أعرف نفسك أولاً، أم أن الأمر طبيعي من قبل هؤلاء الشباب الذين يرون أن ثقافة العصر هي نوافذ غير مغلقة ومن حقهم الاطلاع ومناقشة أي أدب بغض النظر عن جنسيته؟».
هذه الأسئلة توجهت بها إلى عدد من طلبة الجامعة الذين أسسوا نوادي أجنبية، وطلبت منهم ألا يضعوا وشاحًا على إجاباتهم، بل أن يكونوا صرحاء بما يكفي لسبر غور هذه التساؤلات.

نقاش ثقافي

رانية النص، طالبة من مؤسسي نادي الأدب الياباني، وهو أدب نادر تداوله في الوطن العربي بأسره، فكيف لطلبة جامعيين أن يلتفتوا إليه في الوقت الذي يفتقده كبار المثقفين، تقول رانية: المقصد - في رأيي - من تأسيس النوادي الأجنبية هو جمع المهتمين بها ليشاركوا بمعرفاتهم ويطرحوا وجهات نظرهم مع زملائهم في النادي، والنتيجة المتوقعة هي نقاش متوازن حيادي يفحص ويحلل الثقافة المدروسة. ومن أفضل النقاشات التي يمكن عقدها في نادٍ أجنبي هي تلك التي تعقد مع أبناء الثقافة تلك ومقارنتها مباشرة مع ثقافتنا نحن (العربية والإسلامية).
وتضيف رانية التي تتكلم بعض اللغة اليابانية وترجمت القليل منها: الأمر هو أنه بهذه الطريقة يمكن للغريب أن يطرح سؤالا أو وجهًا للمقارنة قد يدفعني لتساؤلاتٍ وبحوثات متعمقة في ثقافتي لأقارنها بالثقافة المناظرة وهذا الأمر عن تجربة قد فتحت عيني وعرفتني إلى كلتا الثقافتين وجعلت مني أكثر مسؤولية في جمع وتحليل المعلومات والحقائق بدقة وحيادية لاستنباط الدروس المستفادة من الثقافة الجديدة أو تسليط الضوء وتقدير الجيد في ثقافتي.
وعما إذا كان لوسائل الاتصالات الحديثة والإنترنت بشكل عام دور في هذا الإقبال على تأسيس النوادي الأجنبية، توافق رانية النص: «لا شك في ذلك، فوسائل التواصل الحديثة سهلت الوصول إلى الكثير من الإجابات التي يوفرها أبناء الثقافات الأخرى، رغم ذلك تجب الإشارة إلى أن المعلومات يجب أن تناقش وتحلل فمن الخطأ تقبلها كما هي».
وتختتم رأيها بأنها تعتبر وسائل الاتصال الحديثة غيرت نمطية الإعلام الذي كان مهيمنًا، فتقول: عموما الدلائل كثيرة في دور وسائل التواصل التي أتاحت للأفراد أن يخالفوا الإعلام وما يبثه من صور نمطية نسبها إلى شعوب وثقافات معينة، والتي مكنت أبناء هذه الشعوب من حل عقد كثيرة وإزالة اللبس والشبهات حولهم ومن ثم خلق الفرصة للطرف الآخر (الشعوب الأخرى) لكي يرى ويقارن ما كان معتقدا به وما يسرد ويشرح له على لسان أبناء الشعب أنفسهم.

الكتاب الأجنبي

أما زميلها محمود منير عبد الرحمن، فيرى أن بعضهم يرى فعلاً بالآداب الأجنبية أنها الأفضل، ويقول إن وجود نادٍ أجنبي ثقافي في أي جامعة أصبح أمرًا أساسيا، وهناك نسبة كبيرة من الشباب يرون حاليا أن الثقافة الأدبية الأجنبية أفضل من العربية والعكس صحيح.
ولكنه يستدرك: الموضوع هنا ليس انبهارا بثقافة جديدة ولا خطوة جديدة على الانفتاح حيث إننا منذ زمن الاحتلالات والاستقلالات العربية أصبح هنالك انفتاح ثقافي واسع. وفقد عدد منهم حب القراءة للكتب العربية بحجة شبابية صريحة ألا وهي «الكتاب لا يحمسني على قراءته». ويضيف بجرأة: الكتاب العربي فقد مكانته عند الشباب العرب، فالكتاب الأجنبي يتم تجسيده في أفلام سينمائية، ويتم تغيير شكله كل فترة، ما يساعد على نشره على أوسع نطاق في معارض عربية حتى.
وفيما يخص دور التكنولوجيا بالنسبة للتكنولوجيا والإنترنت، يقول: أنا كطالب جامعي أرى أن وسائل التواصل الحديثة لها دور في قلة الاهتمام بالكتب وذلك للأسباب الآتية: خلاصة الكتاب تجدها في محركات البحث والمواقع الإلكترونية، وثانيا، الكتاب غير الكامل ككتب pdf file تجدها بنسبة كبيرة في بعض الأحيان غير كاملة وهي قابلة للتحميل على الأجهزة وهذا الشيء مفيد وسيئ بنفس الوقت. مفيد في توفير الوقت وسيئ أنك قد تحصل على الكتاب غير كامل وتأخذ منه معلومات غير كاملة لعدم وجود الصفحات كاملة.

تساؤلات

أما ياسمين يوسف عمران إحدى المؤسسات لنادي الأدب الإنجليزي، فهي تجيب بتساؤل يخامره حماس الشباب وشكّه أيضًا، فتتساءل أولاً: «هل تشكل الثقافات الأجنبية خطرا على جيل الشباب في وقتنا الحالي؟ فنحن شباب اليوم ولَبِنات الغد وصناع المستقبل. هل بتنا منقادين حقا نحو الثقافات الأخرى متناسين هويتنا الأصلية؟ تلك التساؤلات راودتني، خصوصا أنني طالبة جامعية أنتمي لأكثر من ثلاثة نوادٍ تتحدث لغة دون العربية، بالإضافة لمحور دراستي في الثقافة واللغة والأدب الإنجليزي»!
وتجيب ياسمين بنفسها عن هذا التساؤل: بعد تفكير عميق وجدت أنني لا أنقاد كل الانقياد لتلك الثقافات فأنا لم أفقد يوما ثقتي بثقافتي العربية. بل إنني أرى في عضويتي هدفا أسمى وهو الانفتاح لغرض أعمق، وهو تحسين صورتي كطالبة عربية مثقفة تمثل وتحمل الهوية العربية كتاج مرصع بالأحجار الكريمة من لغة وتاريخ وحضارة وأدب وشعر. فكيف السبيل لذلك إن لم نحاول الوصول للآخر لنفهمه ومن ثم تسخير وسائل الاتصال الحديثة لتؤدي دورها في الاتصال والتواصل فقد خلقنا شعوبا وقبائل لنتعارف.
وتضيف ياسمين: ربما الأغلبية حولوا وتحولوا ثم انساقوا في ثقافة الآخر دون تفكر أو تعقل؛ لذلك أعتبر نفسي شمعة تضيء الطريق نحو حوار ثقافي متحضر وتعاون بين الحضارات لنسمو بكل ما هو خير ونحقق غاية خلقنا وهي إعمار الأرض.
وتختتم برأي ترى في الضد إيجابية: كلما اطلعت أكثر على ثقافة الآخر كلما تعلقت وأحببت أكثر هويتي العربية فهي كانت وما زالت مهد الحضارات والأديان وأتمنى من كل شباب الغد أن يحافظوا على كنزهم الثمين.



حماقات ميشيل فوكو في إيران

حماقات ميشيل فوكو في إيران
TT

حماقات ميشيل فوكو في إيران

حماقات ميشيل فوكو في إيران

لزم فوكو الصمت وهو يتحسر ويتمزق بعدما شاهد مجزرة المعارضين على يد نظام الخميني إنه لشيء من أعجب العجائب وأغرب الغرائب: ميشيل فوكو فيلسوف الحداثة وما بعد الحداثة راح يصفق بكلتا يديه لثورة الخميني الظلامية المندلعة عام 1978. كان فوكو في ذلك الوقت أشهر مثقف فرنسي على الإطلاق. وذلك لأن سارتر كان على وشك الرحيل بعد أن عمي تماماً، ولم تبقَ له سنتان أو أقل لكي يموت. علاوة على ذلك، فقد كان فوكو أستاذ الفلسفة في الكوليج دو فرانس (أعلى من السوربون) ، ومعلوم أنه كان قد اتفق مع صديقه جان دانييل رئيس تحرير أهم مجلة أسبوعية فرنسية وأكثرها استنارة «النوفيل أوبسرفاتور» على الذهاب إلى طهران لتغطية الأحداث المشتعلة هناك. وهكذا ركب فيلسوفنا الكبير الطائرة وذهب إلى طهران لكتابة تقارير صحافية عن الأحداث في وقت كان فيه الخميني ذاته لا يزال في ضواحي باريس. وهي تقارير نشرتها المجلة المذكورة، بالإضافة إلى الجريدة الإيطالية الشهيرة «كوريير ديلا سيرا». وقد سافر مرتين إلى طهران من 16 إلى 24 سبتمبر (أيلول) 1978، ومن 9 إلى 15 نوفمبر (تشرين الثاني): أي أقام ثمانية أيام وستة أيام في العاصمة الإيرانية. وقد قابل في كلتا الرحلتين ضباط الشاه الكبار، وقادة المعارضة العلمانيين. ثم قابل بشكل خاص كبار رجال الدين، ومن بينهم آية الله شريعة مداري. هذا ناهيك عن ممثلي المتظاهرين المليونيين، إلخ. يقول عنه أحد العارفين ما يلي:

كان فوكو شخصياً معجباً جداً بالعنف، ومبهوراً به. وكان يكره كل مجتمع مستقر. وكان معجباً جداً أيضاً بالجماهير الهائجة المائجة، وبالزلازل، والبراكين. وكانت عدميته النيتشوية قد وجدت إشباعاً لها في هذه الثورة العارمة التدميرية المدمرة. ولذلك رأى في هذه الثورة المتفجرة بالملايين نوعاً من الإنعاش الروحي في عالم دنيوي إلحادي فقد كلياً معنى القداسة الدينية، والتعالي الرباني. المقصود بذلك عالم الغرب الذي ينتمي إليه، لأنه هو شخصياً كان ملحداً عدمياً نيتشوياً.

لاحظوا المفارقة الكبرى هنا: هذا الرجل الملحد الذي يحارب الدين المسيحي بكل ضراوة في بلده إذا به يركع وينحني أمام متدينين آخرين، وفي بلد آخر. كيف يمكن تفسير هذا التناقض؟ الله أعلم. وهنا يحق لنا أن نطرح هذا السؤال: ماذا فعل فوكو في إيران؟ لقد انتصر للقدامة ضد الحداثة، وللثيوقراطية ضد الديمقراطية، وللنزعة اللاهوتية الكهنوتية ضد الفلسفة العلمانية التنويرية. لقد أبدى إعجابه الشديد بكيفية سيطرة رجل واحد على الملايين رغم أنه رجل دين قروسطي ظلامي. كان يسحرهم سحراً. فالخميني بشريط تسجيل واحد كان قادراً على تهييج إيران كلها عن بكرة أبيها. هذا ما أذهل فوكو، وأعجبه كل الإعجاب، وأخرجه عن طوره، بل وأفقده كل ملكاته العقلية، والنقلية. ثم أبدى إعجابه الشديد باستعداد هؤلاء المتظاهرين المليونيين للتضحية بأرواحهم ودمائهم من أجله. واعتقد فوكو أن ذلك أفضل من كل برلمانات العالم، وكل ديمقراطيات الغرب. وهذا فيلسوف الحداثة، وما بعد الحداثة.

لقد نشر فوكو مقالة بعنوان: «الشاه متأخر عن عصره مائة عام». لا حظوا المفارقة: الشاه الذي حدث إيران هو المتأخر عن عصر الحداثة، وليس الخميني. وراح فوكو يستخدم كل براعته السفسطائية لإقناعنا بأن حداثة الغرب العلمانية الديمقراطية هي المشكلة، وهي المتخلفة عقلياً، وسياسياً، وليس الخميني الذي يعيش كلياً في غياهب العصور الوسطى، وظلماتها. الشاه الذي أراد تحديث بلاده وتطويرها هو الرجعي، والخميني الذي أراد إعادتها إلى القرون الوسطى هو التقدمي.

لا ريب في أن فوكو كان على حق في إدانة الفساد الذي كان ينخر في نظام الشاه البائد، ومعلوم أن جماعته -بل وعائلته- كانت تسيطر على الصناعة الإيرانية، والموارد البترولية، ومعلوم أن فقر الشعب المدقع في عهده كان قد أصبح مقلقاً. والمقلق أكثر ميل الشاه إلى البذخ في الصرف على الأمجاد الساسانية الغابرة السابقة على الإسلام. وكل هذا استفز الشعب الإيراني المسلم المتدين أيما استفزاز. هذا ناهيك عن القمع السياسي للسافاك، إلخ. كل هذا صحيح. ولكن لماذا لا ترى نواقص الطرف الآخر المتمثل في الخميني؟ في الواقع أن فوكو كان يكره الغرب، ويكره الحداثة الرأسمالية. وبما أن الأصوليين الإيرانيين كانوا يكرهون الغرب، ويكرهون الحداثة الرأسمالية أيضاً، فإنهم نالوا إعجاب فوكو الشديد. لقد نالوا إعجابه إلى درجة أنه راح يقيم التضاد بين ملك طاغية مستبد من جهة وإنسان «قديس» ومنفي فقير من جهة أخرى. لاحظوا الأمر: الخميني تحول إلى قديس، أو ولي من أولياء الله الصالحين في نظر فوكو الملحد! وراح أستاذ الفلسفة في الكوليج دو فرانس يمجد الخميني ويقول: ما أروع هذا الرجل الروحاني المؤمن الذي يقود شعباً بأسره، ويتصدى بيدٍ عارية للطغيان المدجج بالسلاح... كلام فارغ سوف يدفع ثمنه غالياً لاحقاً. هكذا نلاحظ أنه في نظر هذا الفيلسوف العتيد فإن الشر أصبح كله في جهة، والخير كله في جهة أخرى. ثم بلغ العمى الفكري بميشيل فوكو مبلغه عندما راح يقول: هناك حقيقة ينبغي أن تكون واضحة للجميع هي: إن مفهوم الحكومة الإسلامية الذي ينادي به الخميني لا يعني أن رجال الدين هم الذين سيحكمون إيران. عندما كتب فوكو هذا الكلام كان الخميني لا يزال في ضواحي باريس، وفوكو يسرح ويمرح في طهران. ولكن كيف يمكن أن تصدق أن رجال الدين لن يلعبوا أي دور في النظام اللاهوتي الكهنوتي المقبل؟ فوكو يعتقد أنه يمكن للإيرانيين في ظل الخميني أن يصنعوا مستقبلهم الزاهر عن طريق العودة ألف سنة إلى الوراء...

يقول أحد العارفين أيضاً معلقاً:

الشيء الذي كان يسحر ميشيل فوكو في الثورة الإيرانية هو تشكيل مجتمع مستلهم من قبل التعالي الرباني، والقداسة الدينية. الشيء الذي كان يسحره هو الروحانية السياسية التي نسيناها نحن في الغرب منذ عصر النهضة، والأزمات الكبرى للمسيحية. ثم يردف فوكو قائلاً: أكاد أسمع الفرنسيين يقهقهون إذ يسمعون مني هذا الكلام. ولكنهم مخطئون. وراح يتوهم أن الحكومة الإسلامية سوف تجسد في السياسة شيئاً جديداً نسيه الغرب كلياً: ألا وهو الطابع الروحاني -بل والرباني- العالي المتعالي للسياسة. ما هذا الهراء؟ فوكو يريد العودة إلى ما قبل عصر النهضة، بل إلى ما قبل عصر التنوير. إنه يريد العودة إلى عصر الأصولية المسيحية، والظلامية الدينية السابقة على النهضة، والأنوار. باختصار شديد، إنه يريد العودة إلى القرون الوسطى الثيوقراطية الكهنوتية. وهذا فيلسوف الحداثة، وما بعد الحداثة في الكوليج دو فرانس... أين نحن؟

ثم بلغ الضلال بفوكو مبلغه عندما كتب قائلاً:

الخميني ليس رجل سياسة. إنه رجل دين فقط. لن يوجد حزب سياسي خميني بعد سقوط الشاه، ولا حكومة خمينية في إيران بعد الانتصار عليه. ولكن الأحداث اللاحقة كذبته كلياً. ففي الأول من فبراير (شباط) 1979 عاد الخميني إلى طهران، وشكل نظاماً ثيوقراطياً يتحكم رجال الدين بكل مفاصله. وراحوا يقطعون الرؤوس بالآلاف... والنتيجة معروفة للجميع.

هكذا نلاحظ أن فوكو أخطأ على طول الخط في تقييمه للثورة الإيرانية. ولهذا السبب، فإن صديقه جان دانييل الذي أرسله إلى هناك راح يعتذر بشدة عن الخطأ الذي ارتكبه كلا الاثنين معاً. وهو خطأ لا يغتفر في رأيه. وأما فوكو الذي شاهد مجزرة المعارضين على يد آية الله الخلخالي، وسواه، فقد لزم الصمت وهو يتحسر، ويتمزق. وربما بصق على كل ما كتب، وفعل. ويقال إنه لزم بيته بضعة أسابيع قبل أن يتجرأ على الخروج في شوارع باريس خجلاً من نفسه، ومن الناس... كيف يمكن أن تخطئ إلى مثل هذا الحد يا رجل وأنت الفيلسوف الشهير؟ لقد عض على أصابعه ندماً، ولكن بعد فوات الأوان. وهذا درس لكل المثقفين الذين يناصرون قضية أخرى غير قضيتهم، بل ومضادة لقضيتهم: نقصد قضية الأصولية الظلامية. نقول ذلك ونحن نعلم أن المثقفين اليساريين والشيوعيين -بل وحتى الليبراليين الإيرانيين- انضموا كلهم إلى صف الخميني، وساهموا في إنجاح حركته. ثم سرعان ما قطع رؤوسهم بعد أن وصل إلى السلطة، واستتب له الأمر. لا يريد مثقفين تقدميين متنورين في إيران الجديدة. يريد فقط مثقفين أصوليين من أشكاله.

أخيراً ابتدأ الشعب الإيراني يدفع الثمن الباهظ لهذه الثورة المتخلفة التي تحمس لها بالملايين قبل نصف قرن تقريباً. كل الثورات الكبرى التي صنعت الحداثة والازدهار والتقدم كانت مضادة للأصولية، ما عدا الثورة الخمينية... كلها من الثورة الإنجليزية المجيدة عام 1688 إلى الثورة الأميركية عام 1776 إلى الثورة الفرنسية عام 1789 كانت ضد الأصولية المسيحية، والظلامية الدينية. وحدها الثورة الإيرانية كانت الاستثناء. لقد كانت مضادة لحركة التاريخ. ولذلك لم ينتج عنها أي شيء مفيد، ولم تتقدم إلى الأمام، وإنما أعادتنا قروناً إلى الوراء. إنها ثورة معكوسة بالمقلوب كما قال المجدد الأكبر للفكر الإسلامي محمد أركون يوماً ما. والأنكى من ذلك أن أصحابها يريدون تصديرها إلى الشعوب المجاورة؟ ماذا يصدرون؟ هل يصدرون فكر العصور الوسطى وظلامياتها؟ هل يصدرون التخلف الفكري؟ هنا يكمن مقتل الثورة الإيرانية.


فيروز... الأغنية حين تصبح بيتاً والجبل حين يتكلم

فيروز... الأغنية حين تصبح بيتاً والجبل حين يتكلم
TT

فيروز... الأغنية حين تصبح بيتاً والجبل حين يتكلم

فيروز... الأغنية حين تصبح بيتاً والجبل حين يتكلم

تحمل فيروز معاني كثيرة داخل كل منا، فهي جمال الصوت المبهر وروعة الإحساس وذكريات الصبا ونسمة عذبة باردة تصفع وجوهنا برقة في صباحات رائقة ونحن نحتسي القهوة، لكنها ليست كذلك لدى الروائي السوري نبيل الملحم، إنها بالأساس طريقة لفهم الضوء حين يهبط على البحر، وطريقة لسماع الجبل وهو يتكلم، وطريقة لتصديق أن اللغة تستطيع أن تصبح بيتاً.

في كتابه «السيدة – تمرين على النجاة»، الصادر في نسخة إلكترونية حرة بعيداً عن دور النشر، يتساءل الملحم: هل من مغنية في تاريخ الإنسان تحمل كل هذه الأثقال؟ ويجيب بتأكيد قاطع: نعم، إنها السيدة فيروز، ثم يشرح فكرته مستعيناً بأدوات التشريح الفلسفي والرؤى الشاعرية والتحليل اللغوي والتأملات العميقة التي تمزج بين روح الشعر وبصمة النقد الموسيقي.

يشير الملحم إلى أنه ابن سوريا التي كانت تبحث منذ أزلها، عن نافذة تطل على البحر، فكانت فيروز ذلك البحر، حدث ذلك قبل أن تعرف الحدود السياسية طريقها إلى الأغنيات، حيث كان صوتها يعبرها كما يعبر الضوء زجاج النافذة.

في البيوت السورية، كما في البيوت اللبنانية، لم تكن فيروز ضيفة، كانت من أثاث الصباح، ومن رائحة القهوة، ومن برودة الماء في الجرار، ومن ذلك الحنين الذي يسبق الإنسان حتى قبل أن يعرف كيف يترجم مفردة «حنين» في طوايا نفسه.

يقول: «... كلما سمعت صوتها، شعرت أن المتوسط يغني نفسه، ليس البحر بوصفه ماءً، بل بوصفه ذاكرة، ذلك البحر الذي مر عليه الفينيقيون، والإغريق، والرومان، والعرب، والصليبيون، والعثمانيون، وكل من ظن أنه امتلكه، بينما كان البحر يحتفظ بسره كله في أغنية».

من هنا، يضيف: لم يصنع الرحابنة مدرسة موسيقية فحسب، بل أعادوا اختراع المكان، قبلهم كانت القرية مكاناً جغرافياً، وبعدهم أصبحت حالة روحية. لم تعد «بكفيا» أو «أنطلياس» أو «بشري» أو «زحلة» أو «بحيرية»، مجرد أسماء على الخرائط، صارت استعارات للإنسان نفسه، حتى الذين لم يزوروا لبنان قط، كانوا يعرفونه من خلال موسيقى الأخوين رحباني، كما يعرف المؤمن مدينته المقدسة من كتاب لم يزر أرضه.

ويذكر المؤلف أنه «حين يقول الرحابنة، لا يتحدث عن ملحنين فقط، بل عن فلاسفة أخفوا فلسفتهم داخل الأغنية، كانوا يعرفون أن الأفكار الثقيلة تموت سريعاً، بينما تعيش الفكرة إذا مشت حافية داخل لحن، ثم جاءت اللغة، ذاك الاكتشاف اللبناني العظيم، حين خرجت من المحكية كونها لغة البيوت إلى كونها لغة الشعر، فمن ميشال طراد مروراً بجوزيف حرب، وصولاً إلى طلال حيدر، لم تعد العامية لهجة، بل أصبحت وطناً آخر للقصيدة».

لقد كان هؤلاء، كما يضيف، يكتبون كما لو أنهم ينقذون الكلمات من عزلتها، ويعيدونها إلى فم الأم، وإلى رائحة التراب بعد المطر، وإلى الحجر الذي جلس عليه عاشقان على «صخرة الروشة»، وقد استبدلا بالانتحار العناق بعد أن استبدت بهما الأغنية. كانت فيروز الجسد الموسيقي لتلك اللغة، وبالتالي فإن الكتابة عنها ليست كتابة عن السيدة المطربة، بل عن الحضارة حين تنجو من الخراب.

إنه لهذا بالضبط تتجاوز فيروز التاريخ الرسمي، ذلك الذي يروي أسماء المنتصرين، أما الأغاني، فتروي أسماء الناجين، التاريخ الرسمي يشبه الجنرالات، يمشي وينظر إلى الأمام فقط، أما الثقافة، فإنها تمشي وهي تنظر في كل الاتجاهات، ولعل هذا ما جعل نبيل الملحم يشعر دائماً بأن الرحابنة لم يكونوا يكتبون للبنان وحده، كانوا يكتبون للمشرق الذي لم تستطع السياسة أن تصنعه، وأن هناك فرقاً هائلاً بين أن تؤسس دولة، وأن تؤسس خيالاً... الدولة تحتاج إلى حدود، أما الخيال، فيحتاج إلى نافذة.

الرحابنة فتحوا نافذة، دخل منها السوري، والفلسطيني، والأردني، والعراقي، والمصري، وربما اليوناني أيضاً، دون أن يسأل أحد عن جواز سفره، فهم لا يعترفون بالحدود إلا بوصفها سوء تفاهم مؤقتاً بين البشر.

المدهش أن الملحم كلما فكر في «فيروز»، اكتشف أنه لا يتذكر صوتها أولاً، بل صمتها. قد يبدو هذا تناقضاً، لكنه ليس كذلك، فهناك أصوات تملأ الفراغ، وهناك أصوات تكشفه. الأصوات الأولى تخيف الصمت وتضاده، أما الثانية فتتصالح معه، والفرق الحقيقي بين مغنٍّ عظيم ومغنٍّ خالد، هو أن الأول يملك صوته، أما الثاني فيملكه الصمت الذي يحيط بصوته.

ربما لهذا السبب لم تكن «فيروز» تغني كما يغني الآخرون. كانت تبدو في كثير من الأحيان، كأنها لا تؤدي الأغنية، بل تنصت إليها، بل تتكون في مكان لا تراه العين. لم تكن تفرض صوتها على الكلمات، بل كانت الكلمات هي التي تستدعي ذلك الصوت، كما تستدعي الأرض المطر حين تبلغ عطشها الأخير، ولعل هذه هي أول علامة على أن الفن تجاوز صاحبه، حين يتوقف الفنان عن قيادة العمل، ويصبح العمل هو الذي يقوده.

ويخلص المؤلف في كتابه الشيق قائلاً: «إنه من هذه الزاوية، تبدو (فيروز) أقرب إلى اختراع حضاري منها إلى موهبة فردية، الموهبة تفسر شيئاً واحداً: لماذا استطاعت أن تغني؟ لكنها لا تفسر لماذا أصغى إليها هذا العدد الهائل من البشر، على امتداد أكثر من نصف قرن، من دون أن يملوا؟».

هناك شيء آخر كان يعمل في الخفاء، شيء يتجاوز الصوت، وربما يتجاوز الموسيقى نفسها.

السر لم يكن في الحنجرة، بل في الثقة، ذاك الصوت كان يثق بالعالم، حتى حين كان العالم يفقد ثقته بنفسه، وهذه ليست صفة فنية، إنها صفة أخلاقية، ولهذا بقيت «فيروز» في أكثر اللحظات دموية في المشرق، تبدو وكأنها تتحدث من مكان لم تصله الحرب بعد.

ليس لأنها تجاهلت الحرب، بل لأنها كانت تعرف أن الحروب، مهما طالت، لا تملك المستقبل... الحرب تعيش في الزمن، أما الجمال، فيعيش خارجه، ولعل هذا هو السبب الذي يجعلنا، بعد كل هذه العقود، نتذكر أغنية، وننسى بياناً عسكرياً.


«على هامش الحياة»... قصص تحمل ذاكرة جيلٍ

«على هامش الحياة»... قصص تحمل ذاكرة جيلٍ
TT

«على هامش الحياة»... قصص تحمل ذاكرة جيلٍ

«على هامش الحياة»... قصص تحمل ذاكرة جيلٍ

في المجموعة القصصية «على هامش الحياة» للكاتب مصعب البدور الصادرة عن «الآن ناشرون وموزّعون» بالأردن (2026)، نشهد استحضاراً للذاكرة الجمعية لجيلٍ أردني عاش حياةً بسيطة وقيماً أصيلة تتجسد في التعاون والرضا والقدرة على التكيّف مع قلة الإمكانات.

والقصص الواردة في المجموعة، كما كتب الناشر، «ليست تسجيلاً لأحداثٍ وقعت لأشخاص بعينهم، وإنما هي صور فنية مستوحاة من الواقع الاجتماعي والذاكرة المشترَكة لذلك الجيل، تمتزج فيها الحقيقة بالخيال لتجسّد تحولات الحياة من الماضي البسيط إلى الحاضر المعقّد، وتحافظ على تفاصيل وتجارب إنسانية تثير الحنين وتعبّر عن هوية المجتمع وقيمه».

يرى البدور الحياة بأكملها هي المتن الأساسي، ويعدّ كل القصص الواردة في مجموعته هوامشَ لهذا المتن الكبير، فتلك حكايات «على هامش الحياة»، حكايات أكثر إبانةً وكشفاً عن المكنون والذاكرة والنَّفس. انتظمت المجموعة في تسع حواشٍ، «تتّفق جميعها في التعبير عن ذاكرة الطفولة لجيل كامل».

يربط بين نصوص المجموعة حضور الطفل الذي يكبر جسده في حين تظلّ طفولته حاضرة في ذاكرته، فالخيال الطفولي يتحوّل وسيلةً لمقاومة الفقر والحرمان، ثم ينقلب مع الزمن تأمّلاً في آثار التربية والعائلة والمجتمع على النفس الإنسانية. وتظهر العلاقات الأسرية بوصفها المحور الأكثر تأثيراً؛ فالأب والأم والإخوة هم القوى التي تصنع الشخصية أو تجرحها أو تنقذها.

كما تشترك القصص في إبراز المفارقة بين براءة الطفولة وعنف الواقع، فألعاب الأطفال تتحوّل حروباً، والمنافسة رغبةً في الانتقام، والبرد رمزاً للقسوة، في حين يصبح الدفء رمزاً للأسرة والأمان. وفي المقابل، تحضر لحظات إنسانية مضيئة، مثل التعاون بين الجيران، والتضامن في مواجهة الأزمات، والصداقة العابرة للاختلافات الدينية والاجتماعية.