تساؤلات وتحديات بعد الفوز الكبير لأحزاب المعارضة التايلاندية

تعايش صعب بين المؤسسة العسكرية والتقاليد ونبض الشارع

بيتا ليمجارونرات... زعيم حزب «التحرك نحو الأمام» يحيي مناصريه (رويترز)
بيتا ليمجارونرات... زعيم حزب «التحرك نحو الأمام» يحيي مناصريه (رويترز)
TT

تساؤلات وتحديات بعد الفوز الكبير لأحزاب المعارضة التايلاندية

بيتا ليمجارونرات... زعيم حزب «التحرك نحو الأمام» يحيي مناصريه (رويترز)
بيتا ليمجارونرات... زعيم حزب «التحرك نحو الأمام» يحيي مناصريه (رويترز)

تشكّل نتائج الانتخابات الأخيرة في تايلاند بداية حقبة جديدة، وقد جاءت بمثابة حكم صادم وقوي من جانب قرابة 40 مليون ناخب تايلاندي ضد هيمنة العسكريين على المشهد السياسي بالبلاد. المؤسسة العسكرية سيطرت على حكم تايلاند معظم الفترة منذ عام 1947، وإن تخللت هذه السنوات فترات قليلة تولت خلالها السلطة حكومات منتخبة ديمقراطياً. ولكن في السنوات الأخيرة، واجهت المملكة الواقعة في جنوب شرقي آسيا اضطرابات سياسية ومشكلات اقتصادية، في حين تعرّض النظام لتحديات كبيرة، في الوقت الذي تراجعت فيه شعبية رئيس الوزراء. يقدر عدد سكان تايلاند بـ70 مليون نسمة، وعُرفت تاريخياً باسم سيام، وتعيش تحت نظام حكم ملكي دستوري، وتعد البلد الوحيد في جنوب شرقي آسيا الذي نجا من الحكم الاستعماري. وجرى إعلان ماها فاجيرالونغكورن، الملك التايلاندي العاشر من سلالة تشاكري، ملكاً على البلاد في ديسمبر (كانون الأول) 2016. وتولّى الملك الحالي العرش خلفاً لوالده الملك بوميبول أدولياديغ، أطول ملوك العالم حكماً في ذلك الوقت، الذي توفي في أكتوبر (تشرين الأول) من ذلك العام.

ثمة احتمال لأن تصبح الانتخابات العامة التي شهدتها تايلاند يوم 14 مايو (أيار) الماضي الحدث السياسي الأبرز في تاريخها منذ منتصف السبعينات، حين أطاحت حركة مؤيدة للديمقراطية لأول مرة بالنظام العسكري الحاكم.

حصيلة الانتخابات الأخيرة كانت أشبه بزلزال سياسي، إذ اختار الناخبون التايلانديون بغالبية كاسحة اثنين من الأحزاب الديمقراطية هما «التحرك نحو الأمام» و«بويا تاي». وحصد الحزبان معاً أكثر من ثلاثة أخماس مقاعد مجلس النواب، جامعَين نحو 25 مليون صوت.

نجم حزب «التحرك نحو الأمام» لمع بوصفه أكبر كتلة سياسية في تايلاند، باستحواذه على 152 مقعداً، تلاه «بويا تاي» بـ141 مقعداً، داخل البرلمان البالغ إجمالي مقاعده 500. ولم يقترب أي حزب آخر من الإنجاز المزدوج الذي حققه هذا الحزبان.

بيتا ليمجارونرات (42 سنة) الذي تلقى تعليمه بجامعتي هارفارد والـ«إم آي تي» الأميركيتين العريقتين، هو زعيم حزب «التحرك نحو الأمام»، الذي يتبع أفكاراً تقدمية، ولقد نجح في استغلال شعبيته في صفوف الناخبين الشباب الساخطين والراغبين في التغيير.

بايتونغتارن شيناواترا (أ.ف.ب - غيتي)

أما «بويا تاي»، فإنه حزب شعبوي تقوده بايتونغتارن شيناواترا (36 سنة)، وهي ابنة رئيس الوزراء السابق والملياردير الشعبوي ثاكسين شيناواترا. ويستقي هذا الحزب دعمه من الطبقة العاملة في الريف والحضر، خصوصاً بالمناطق الواقعة شمال وشمال شرقي البلاد. وكانت شعبية هذين الزعيمين قد تصاعدت كثيراً في مواجهة المؤسسة العسكرية خلال العقدين الماضيين.

في المقابل، حصل الجنرال برايوت تشان أوتشا (69 سنة)، الذي أطاح عام 2014 بالحكومة المدنية المنتخبة ديمقراطياً بقيادة زعيمة «بويا تاي»، ينغلوك شيناواترا (وهي أخت ثاكسين) على نسبة هزيلة بلغت 7 في المائة من الأصوات، وحصل الائتلاف الحاكم المؤلف من أحزاب عسكرية على 77 مقعداً فقط. وهو ما يشكل تراجعاً كبيراً عن الـ116 مقعداً التي كان فاز بها الائتلاف في انتخابات 2019. ويذكر أن ينغلوك شيناواترا كانت أول امرأة تتولى رئاسة الحكومة، قبل الانقلاب العسكري الذي نفذه الجنرال برايوت وبعده عيّن نفسه رئيساً للوزراء. وهنا نشير إلى أن برايوت حرص باستمرار على تأكيد دعمه للعائلة المالكة التايلاندية، بينما اتخذت المؤسسة العسكرية إجراءات قمعية صارمة ضد أي تحرك ضد «حكومتها».

هل ستشكَّل حكومة؟

عادة ما تستغرق الإجراءات البرلمانية في تايلاند أشهراً عدة قبل أن تتشكل الحكومة الجديدة وتتولى السلطة. وأمام لجنة الانتخابات في تايلاند ما يصل إلى 60 يوماً للمصادقة رسمياً على نتائج الانتخابات العامة هذا العام. وبعد ذلك، يجتمع البرلمان بدوره للمصادقة على الحكومة الجديدة.

وينص الدستور على ضرورة انعقاد الجلسة الأولى لمجلس النواب في غضون 15 يوماً بعد إعلان لجنة الانتخابات نتائج الانتخابات الرسمية، وذلك لانتخاب رئيس مجلس النواب الجديد، الذي سيكون أيضاً رئيساً للبرلمان التايلاندي، ومن المعتقد أن يوافق ذلك 13 يوليو (تموز) المقبل. ويعني هذا أن جلسة مشتركة لمجلس النواب المكون من 500 مقعد، ومجلس الشيوخ المؤلف من 250 مقعداً، ستُعقد في يوليو؛ لاختيار رئيس الوزراء الجديد.

يضم مجلس النواب (الغرفة الأدنى من البرلمان) إجمالي 500 مقعد، منها 400 مقعد متاحة أمام الدوائر الانتخابية و100 مقعد بنظام «القائمة الحزبية» (مقاعد تفوز بها الأحزاب على أساس نصيبها من الأصوات الوطنية). ولقد أعلن بيتا، زعيم حزب «التحرك نحو الأمام»، جاهزيته لتولي منصب رئيس الوزراء الثلاثين لتايلاند، وتشكيل حكومة ائتلافية من 8 أحزاب حليفة داعمة للديمقراطية هي: «بويا تاي» و«براشاشات» و«ثاي سانغ ثاي» و«سيري روام ثاي» (ثاي الليبرالي) و«فير» و«بلونغ سونغكوم ماي» (القوة الجديدة) و«بيو ثاي رومفلانغ».

داخل مجلس النواب، لدى هذا الائتلاف الآن 313 صوتاً من 500 صوت. ولقد وافق أعضاء الائتلاف رسمياً على العمل معاً من خلال توقيع مذكرة تفاهم، تتضمن سياسات مكوناته الجديدة، وأعربوا عن رغبتهم في قيادة الحكومة القادمة. كذلك أعربت أحزاب الائتلاف رفضها السلطة المطلقة في البلاد، ووعدت بإجراء إصلاحات حال وصولها للسلطة.

أثناء التوقيع على مذكرة التفاهم، قال بيتا: «يتعلق اليوم بإقرار بداية جيدة، وعلينا أن نعمل معاً للمضي قدماً نحو إعلان سياساتنا بعد أن أتولى منصب رئيس الوزراء. لذا، فإن اليوم ليس سوى الخطوة الأولى». وأضاف أمام حشد من الصحافيين: «هناك كثير من الخطوات التالية الفورية التي تتبع ذلك، ومن المحتمل أن يفسر ذلك بشكل أفضل قليلاً كيفية إحداث التغيير».

ولكن على الرغم من الدعم الساحق، فإن معلقين سياسيين يشيرون لوجود مخاوف في صفوف مؤيدي الائتلاف، من إمكانية استغلال المعارضين المتحالفين مع الجيش مجلس الشيوخ، غير المنتخب، لمنع أعضاء الائتلاف من تولي مناصب. ويذكر أنه بموجب دستور تايلاند لعام 2017 الذي صيغ في ظل الحكم العسكري بعد انقلاب عام 2014، يتوجب على مجلسي البرلمان التصويت لاختيار رئيس وزراء جديد.

دستور 2017

تبعاً للدستور الذي أقره المجلس العسكري عام 2017، يجب انتخاب رئيس الوزراء، إضافة إلى 250 من أعضاء مجلس الشيوخ المعينين من قبل المجلس العسكري الملكي. ولتجاوز مجلس الشيوخ، سيحتاج بيتا إلى دعم 376 نائباً بالبرلمان. وهو أمر متعذّر من دون ضم حزب «بهومغايتاي»، الصديق للمجلس العسكري وصاحب التوجهات المحافظة.

هذا يعني أنه لا يزال بإمكان المؤسسة العسكرية الاضطلاع بدور رئيسي في تحديد الحكومة، مع فشل الائتلاف بالفوز بالغالبية المطلوبة وهي 376 مقعداً. وعلى الرغم من أن الائتلاف الجديد يأمل في أن تضغط المقاعد المشتركة في الحكومة على مجلس الشيوخ للتصويت لصالحه، فإن محللين يرون أن بيتا (المرشح الأبرز لتولي رئاسة الوزراء إذا شكّل الائتلاف الذي يقوده حزبه الحكومة) قد يصار إلى استهدافه، بل وإبعاده إذا قبلت «لجنة الانتخابات» شكوى بأنه لم يبع أسهماً يمتلكها في شركة إعلامية قبل إطلاق حملته الانتخابية، وهو ما يشكل خرقاً للقواعد ـ المصير ذاته الذي لقيه مؤسس حزبه عام 2019. ولقد تقدم بالفعل مرشح لحزب «فالانغ براشاراث»، المدعوم من المؤسسة العسكرية، بشكوى إلى لجنة الانتخابات واللجنة الوطنية لمكافحة الفساد، متهماً بيتا بأنه لم يدرج الأسهم التي يملكها في الشركة المذكورة في البيان الرسمي الذي قدمه بخصوص الأصول المملوكة له. لكن بيتا أنكر اقتراف أية مخالفة، وقال إن الاتهام الموجه له يقوم على نقطة فنية صغيرة.

من ناحية ثانية، رغم توجيه حزب «بويا تاي» الشعبوي دعوات قوية لتشكيل حكومة بقيادة حزب «التحرك نحو الأمام»، يرى محللون أن الحزب قد يتحالف مع حزب «بهومغايتاي»، الذي جاء في المركز الثالث، بجانب المؤسسة العسكرية والحزب الحاكم المدعوم من العائلة المالكة، «فالانغ براشاراث»، والذي بمقدوره بسهولة الحصول على دعم 270 من أعضاء مجلس الشيوخ.

ومع ذلك، يعتقد محللون بأن الجيش لن يعجبه عودة العائلة السياسية لرئيس الوزراء السابق ثاكسين شيناواترا، عبر حزبها «بويا تاي»، بعدما تحولت لشبح يطارد المؤسسة العسكرية والنخب الموالية للملكية منذ عام 2001. وبالتالي، في غياب حل وسط، قد تعاني تايلاند من مأزق غياب حكومة عاملة على امتداد شهور، خصوصاً أن الدستور لا ينص على موعد نهائي لتشكيل الحكومة.

الاضطرابات والجيش والعرش

على مدى عقود، لجأ حكام تايلاند العسكريون إلى الانقلابات والأحكام القضائية لإبقاء المعارضين المنتخبين بعيداً عن السلطة. وعلى الرغم من إقرار الحكم المدني رسمياً في تايلاند عام 1992، فإن الجيش التايلاندي ما زال مؤسسة مؤثرة وقادرة على تأجيل الإصلاح السياسي.

ما يستحق الإشارة إليه أنه في عام 1932 انتهت المَلَكية المطلقة بعد الثورة السيامية. ولكن، مع ذلك احتفظ العرش التايلاندي بمكانة مميزة في المجتمع، وبنفوذ هائل في الحكومة، ولطالما بقيت المؤسسة الملكية محصنة ضد النقد العام، من خلال نص القانون. ولكن، منذ ذلك الحين، دبر الجيش التايلاندي 22 انقلاباً، نجح 13 منها، وأجرى 20 تعديلاً دستورياً منذ قيام الدولة.

وعلى مدار سنوات، شكلت المواجهة بين الجنرالات العسكريين، والسياسيين والنشطاء المدنيين، السبب الجذري وراء غياب الاستقرار باستمرار عن البلاد.

أول حكومة منتخبة

عام 2001، أصبحت لدى تايلاند أول حكومة منتخبة استكملت فترة ولاية مدتها 4 سنوات، تحت قيادة ثاكسين شيناواترا، رجل الشرطة الذي تحوّل إلى رجل أعمال عملاق بمجال الاتصالات، الذي قاد موجة شعبوية للفوز مع حزبه «تاي راك تاي» (التايلانديون يحبون التايلانديين). ووعد حزبه بتحقيق استقرار في الاقتصاد، وتقديم رعاية صحية شاملة، وتخفيف ديون المزارعين، وتوفير تمويل لتحقيق تنمية بالقرى.

مع ذلك، أشعلت حرب ثاكسين المثيرة للجدل على المخدرات بجنوب البلاد ذي الغالبية المسلمة، جولة جديدة من أعمال التمرد. وعلى الرغم من اكتساح ثاكسين انتخابات عام 2005، سرعان ما هزت حكومته فضيحة مالية واحتجاجات لاحقة، فاضطر للدعوة إلى انتخابات جديدة. ومن ثم أُطيح به بعد أشهر في انقلاب مرّ دون إراقة للدماء.

الجنرال برايوت تشان أوتشا (أ.ف.ب - غيتي)

فترة ما بعد عام 2006 توصف عادةً بأنها «العقد الضائع» في تايلاند. ومع وجود ثاكسين في المنفى الذاتي وعزل خلفائه من قبل المحاكم، شهدت تايلاند عام 2010 أعنف حملة قمع ضد المتظاهرين، أُطلق عليها حملة «القمصان الحمر»، بقيادة رئيس الوزراء الحالي - الذي كان جنرالاً حينها - برايوت تشان أوتشا. وسلطت سنوات الاحتجاج الضوء على الانقسام الاجتماعي العميق بين فقراء الريف والطبقات الوسطى والعليا الأكثر ثراءً في العاصمة (بانكوك).

بعدها، عام 2011، أصبحت ينغلوك، شقيقة ثاكسين الصغرى، أول امرأة تتولى رئاسة الوزراء في تايلاند، لكن حكومتها واجهت هي الأخرى احتجاجات في خضم مساعيها لاستصدار عفو عن أخيها المنفي يومذاك. وأدى ذلك إلى انقلاب عسكري آخر وإعلان الأحكام العرفية عام 2014 لحجة إحلال الاستقرار. وعام 2017، أقر الجيش دستوراً جديداً يسمح له بتعيين 250 عضواً في مجلس الشيوخ الذي سيلعب دوراً في اختيار رئيس الوزراء.

تجربة... وسخط

انتخابات 14 مايو 2019 التي نُظر إليها في البداية بوصفها «تدريباً على نقل السلطة» من المجلس العسكري إلى حكومة منتخبة، أسفرت عن احتفاظ برايوت بالسلطة بعد انتخابات متنازع عليها، ما جدد مشاعر السخط والاستياء. أما الانتخابات الأخيرة، فيصفها أنيل وادوا، السفير الهندي السابق لدى تايلاند، بـ«الحدث السياسي الأكثر أهمية في البلاد منذ منتصف السبعينات، عندما نجحت للمرة الأولى حركة داعمة للديمقراطية في الإطاحة بنظام عسكري حاكم. ومع ذلك، شهدت هذه الانتخابات استخدام الجماهير التايلاندية الوسائل المتاحة للتعبير عن رفضها... وهو رفض تحول إلى حركات احتجاجية كبرى في السنوات الأخيرة. وأكدت نتيجة التصويت رغبة الناخبين في تعزيز المؤسسات الديمقراطية، وفرض مزيد من المساءلة على الجيش والخدمة المدنية، إلى جانب مزيد من المساواة في الفرص الاقتصادية».

=========================

شيخوخة السكان... بين التحديات الكبرى

* تعد تايلاند من أسرع الدول شيخوخة في العالم. ومن بين سكانها البالغ عددهم 70 مليون نسمة، هناك 12 مليون تايلاندي من كبار السن، طبقاً لأحدث تقرير إحصائي وطني. ومنذ عام 2005، جرى تصنيف تايلاند بوصفها «مجتمعاً مسناً»، حيث يمثل الأشخاص الذين تبلغ أعمارهم 60 سنة فما فوق 10 في المائة من السكان. ومن المتوقع أن يرتفع عدد السكان المسنين في البلاد إلى 28 في المائة، وأن تصبح تايلاند «مجتمعاً مسناً للغاية» بحلول العقد المقبل.

ومع التقدم في نظام الرعاية الصحية، يتضح أن أعداد ونسبة الأشخاص الذين تبلغ أعمارهم 60 سنة فما فوق آخذ في الارتفاع في تايلاند والعالم. وما يجدر ذكره أنه عام 2019، كان أكثر من مليار من سكان العالم فوق سن الـ60. ومن المتوقع أن يرتفع هذا العدد إلى 1.4 مليار بحلول عام 2030 و2.1 مليار بحلول عام 2050.

في حين أن هذا التحول الديموغرافي يعكس أوجه التقدم في التنمية الاجتماعية والاقتصادية والصحة، فإنه - في المقابل - يطرح كذلك تحديات جديدة. وإدراكاً منهم لهذه التحولات والتحديات الديموغرافية، عمل صناع السياسات والجهات المعنية في جنوب شرقي آسيا على مدار سنوات على إصلاح السياسات والمبادرات لمواجهة التحديات التي تواجه رفاه كبار السن.

=========================

تداعيات جيوسياسية محتملة لانتخابات 2023

* لا يستبعد مراقبون متابعون للشأن السياسي في تايلاند أن تخلف نتائج الانتخابات الأخيرة تداعيات جيوسياسية مهمة للبلاد وللإقليم المحيط بها. ذلك أن تايلاند، التي كانت شريكاً سابقاً للولايات المتحدة طوال سنوات «الحرب الباردة»، هي الدولة الديمقراطية الوحيدة المتعددة الأحزاب في البر الرئيسي لجنوب شرقي آسيا، والتي تخضع في الوقت ذاته لنفوذ الصين.

من جهته، نفى حزب «التحرك نحو الأمام» بشدة تأييده السماح للولايات المتحدة بإنشاء قاعدة عسكرية في تايلاند. ويأتي هذا الجدل في خضم تصاعد التوتر بين الولايات المتحدة والصين، مع وجود مؤشرات على أن كمبوديا المجاورة لتايلاند تعزز روابطها مع الجيش الصيني. ويتضمن هذا التعزيز، تبعاً لمسؤولين أميركيين، بناء قاعدة بحرية صينية في خليج تايلاند.

في هذا الصدد، أعرب أنيل وادوا عن اعتقاده بأن «الولايات المتحدة لعبت دوراً في الانتخابات العامة في 14 مايو، التي يُنظر إليها بوصفها زلزالاً هزّ أركان المشهد السياسي التايلاندي، ما ترك حزب (التحرك نحو الأمام) في وضع يسمح له بتأسيس ائتلاف يمثل 62 في المائة من أعضاء البرلمان».

ويأتي نفي حزب «التحرك نحو الأمام» في وقت تراجعت فيه الفلبين في عهد رئيسها الحالي فرديناند ماركوس «الابن»، عن سياسة استمرت لعقود سمحت في إطارها للجيش الأميركي بإنشاء قواعد في البلاد، الأمر الذي لا بد من أن يُنظر إليه في إطار تصاعد التوترات العسكرية بين الصين وأميركا ببحر الصين الجنوبي وسياقاته.


مقالات ذات صلة

ترمب: سأكون قد أنفقت 400 مليون دولار بحلول نوفمبر لدعم الجمهوريين

الولايات المتحدة​ الرئيس الأميركي دونالد ترمب (أ.ب)

ترمب: سأكون قد أنفقت 400 مليون دولار بحلول نوفمبر لدعم الجمهوريين

كشف الرئيس الأميركي ​دونالد ترمب، الثلاثاء، أنه سيكون قد أنفق أكثر من 400 ‌مليون ‌دولار ​لدعم ‌المرشحين ⁠الجمهوريين ​بحلول انتخابات التجديد النصفي.

«الشرق الأوسط» (واشنطن)
أوروبا رئيس الوزراء الإسباني بيدرو سانشيز (رويترز)

إسبانيا توافق على تسهيلات اجتماعية جديدة قبل انتخابات مبكرة

وافقت الحكومة الإسبانية اليسارية، اليوم الثلاثاء، على تسهيلات اجتماعية جديدة، تشمل زيادة الدعم للأسر التي ترعى أطفالاً يعانون من أمراض خطيرة.

«الشرق الأوسط» (مدريد)
المشرق العربي أرشيفية تظهر الشرطة الإسرائيلية خلال اشتباكات مع حريديم في القدس (رويترز) p-circle

اعتقال 40 «حريدياً» متهربين من التجنيد يشعل خلافات انتخابية إسرائيلية

اعتقال حريديم متهربين من الخدمة يشعل الجدل حول الملف الذي يثير كثيراً من الانقسامات قبل الانتخابات.

كفاح زبون (رام الله)
شمال افريقيا الزعيم الليبي الراحل معمر القذافي (أرشيفية من رويترز)

15 عاماً على مقتل القذافي... تركة سياسية ثقيلة ما زالت تبحث عن «وريث»

في وقت تحل فيه الذكرى الخامسة عشرة لمقتل الزعيم الليبي الراحل معمر القذافي، يعيش أنصاره رحلة بحث شاقة عن «وريث» سياسي يملأ الفراغ الذي خلّفه غياب سيف الإسلام.

علاء حموده (القاهرة)
شؤون إقليمية غادي آيزنكوت رئيس الأركان الإسرائيلي السابق ورئيس حزب «يشار» (رويترز)

هل يكسر آيزنكوت هيمنة الأشكنازية ويطيح بنتنياهو بأصوات المزراحيين؟

غادي آيزنكوت، زعيم حزب «يشار» ذو الأصول المغربية، يهدد عرش نتنياهو في انتخابات 2026، ساعياً لكسر الهيمنة الأشكنازية التاريخية على رئاسة وزراء إسرائيل.

كوثر وكيل (لندن)

«حزب الله» يرمي أعباء حربه على الدولة اللبنانية

دمار في جنوب لبنان (أ.ف.ب)
دمار في جنوب لبنان (أ.ف.ب)
TT

«حزب الله» يرمي أعباء حربه على الدولة اللبنانية

دمار في جنوب لبنان (أ.ف.ب)
دمار في جنوب لبنان (أ.ف.ب)

فتح ملف إعادة إعمار المناطق المتضرّرة في لبنان سجالاً سياسياً حول الجهة التي يفترض أن تتحمّل التكلفة، بعدما حمّل «حزب الله» الحكومة مسؤولية أساسية عن الإيواء وإعادة الإعمار ودعم النازحين. وفي حين أكد الحزب أنه «يعمل على برنامج خاص بهذا الملف متى توافرت الإمكانات المالية»، برزت في المقابل مواقف نيابية معارضة رأت في هذا الطرح إقراراً بعجز الحزب عن تحمّل الأعباء، وربطت أي معالجة مستدامة بإعادة الملف كاملاً إلى الدولة وحصر السلاح بيدها. يأتي هذا السجال في ظل استمرار معاناة متضررين ونازحين من الحرب، وفي وقت لم تتبلور فيه بعد آلية شاملة لتمويل إعادة الإعمار، وسط نقاش سياسي يتجاوز مسألة تأمين الأموال إلى تحديد المسؤوليات وشروط مساهمة الدولة والجهات المانحة.

النائب عن «حزب الله» حسن فضل الله يغادر البرلمان اللبناني وسط بيروت 14 يونيو 2023 (رويترز)

تكشف أرقام جمعتها «ستاتيستكس ليبانون» عن أن ملف إعادة الإعمار والإيواء في لبنان لا يرتبط بأضرار حرب 2026 وحدها، بل يأتي فوق خسائر حرب 2024 التي لم يكن لبنان قد انتهى من معالجتها. ففي عام 2024، بلغت الأضرار المادية المباشرة نحو 6.8 مليار دولار أميركي، بينها 4.6 مليار دولار في قطاع السكن، في حين قُدِّرت احتياجات التعافي وإعادة الإعمار بنحو 11 مليار دولار، قبل أن تضيف الحرب الجديدة أضراراً واسعة إلى المباني والمساكن والبنى التحتية.

في الواقع، لا تتوافر حتى الآن حصيلة وطنية نهائية لتكلفة أضرار حرب 2026 أو احتياجات إعادة الإعمار، في ظل استمرار العمليات وتأخر اكتمال التقييمات. غير أن الأرقام المرحلية التي جمعتها «ستاتيستكس ليبانون» تُظهِر أن الأضرار المباشرة في المباني تجاوزت، حتى شهر أبريل (نيسان) 2026، نحو 1.745 مليار دولار في جنوب لبنان وبيروت وجبل لبنان، بينها أكثر من 1.38 مليار دولار في الجنوب وحده، وأكثر من 365 مليون دولار في بيروت وجبل لبنان. وهذه أرقام جزئية لا تمثل التكلفة النهائية للحرب، ومن ثم، لا يمكن مقارنتها مباشرة بالتقييم الوطني الشامل لأضرار 2024.

أكثر من 21 ألف وحدة سكنية مُدمَّرة

تتبيّن خطورة الأزمة بصورة أوضح في القطاع السكني. إذ بلغ عدد المباني المدمّرة بالكامل 11 ألفاً و95 مبنى في المنطقة جنوبي نهر الليطاني، إضافة إلى 146 مبنى في بيروت وجبل لبنان. كذلك أظهرت التقييمات تدمير 17 ألفاً و891 وحدة سكنية بالكامل في جنوب لبنان، و3168 وحدة في بيروت وجبل لبنان، بما يزيد على 21 ألف وحدة سكنية مدمّرة بالكامل ضمن المناطق التي شملتها التقييمات حتى تلك المرحلة.

وتترافق هذه الخسائر مع كمّيات ضخمة من الرّكام، بلغت نحو 3.1 مليون متر مكعب في جنوب لبنان ونحو 649 ألف متر مكعب في بيروت وجبل لبنان. ويعني ذلك أن العودة لا ترتبط بإعادة بناء المنازل فحسب؛ إذ ستحتاج مناطق واسعة أولاً إلى إزالة الركام وتأهيل الطرق وشبكات المياه والكهرباء والخدمات الأساسية، قبل أن يصبح من الممكن إعادة السكان إليها بصورة مستقرة.

النزوح يوسّع أزمة الإيواء

ويتقاطع الدمار السكني هذا مع أزمة إيواء ونزوح واسعة. إذ وفق البيانات الدولية، نزح نحو مليون شخص داخلياً في بداية التصعيد، في حين عبر نحو 100 ألف شخص إلى سوريا. وحتى الأول من شهر سبتمبر (أيلول) 2026، بقي 329 ألفاً و240 شخصاً في حالة نزوح داخلي؛ الأمر الذي يعكس استمرار الحاجة إلى حلول إيواء مؤقتة ومتوسطة الأجل، ولا سيما للعائلات التي دمّرت منازلها أو باتت بلداتها تفتقر إلى الحد الأدنى من مقومات العودة.

بلغ عدد المباني المُدمّرة بالكامل

11 ألفاً و95 مبنى

في المنطقة جنوبي نهر الليطاني

عودة إلى الأصل أي... الدولة

في هذا السياق، طرح الأمين العام لـ«حزب الله» نعيم قاسم التزام الحزب بالمساهمة في تأمين الإيواء والإعمار للمتضرّرين في الجنوب، إلى جانب حثّ الدولة على القيام بدورها، وقال إن الحزب «سيعلن قريباً عن مساهمته في مشروع للإيواء».

إلا أن النائب إبراهيم منيمنة قال في لقاء مع «الشرق الأوسط» معلّقاً إن «(حزب الله)، على مدى سنوات، كان يأخذ رصيد الحكومة ويجيّره لنفسه». وأشار إلى أنه «في عام 2006 كانت الدول العربية تؤمّن القسم الأكبر من التمويل، لكن (حزب الله) استغل بعض الثغرات في أداء الدولة وحاول أن يحوّل هذا الرصيد لنفسه». وأردف منيمنة: «أما الآن، فيعود إلى الأصل، وهو الدولة. الدولة هي التي ستقوم بإعادة الإعمار... وهذا اعتراف من الحزب بأنه لن يقدر على الاستغلال».

منيمنة، وهو من نواب بيروت، توقّف أيضاً عند كلام النائب حسن فضل الله - أحد نواب «حزب الله» ومنطقة الجنوب - عن أن الدولة لديها الأموال، فقال: «المفارقة عندما يقول (فضل الله) إن الدولة لديها المال، وكأنه يحاول أن يتّهم هذه الدولة بأنها لا تقوم بواجباتها في هذا الموضوع، فيما هو يعلم أن هذا الكلام ليس صحيحاً، وهم أي الحزب ممثلون في الحكومة، وبالتالي فإن كلام الحزب غير دقيق وشعبوي».

وتابع منيمنة: «مَن يريد اليوم أن يضع ملف إعادة الإعمار، فعليه أن يدخل أولاً إلى الحكومة ويناقشه فيها، وأن ينفّذ قرارات الحكومة، أو الدولة، المتعلّقة بحصر السلاح. هذه أول خطوة حتى تكون مدخلاً إلى إعادة الإعمار».

جدير بالذكر، أن النائب فضل الله، كان في وقت سابق قد شدّد على أنه «عندما يكون هناك حكومة في لبنان، فهي المسؤولة عن شعبها وعن كل مواطن على أرضها مهما كانت أسباب الحرب، سواء كنّا معها أو معارضة لها، علماً أن لديها الإمكانات والقدرات المالية والاقتصادية».

وأضاف: «وبدل أن تصرف هذه الإمكانات في مواضع في غير أماكنها، يمكنها أن تُسخّر جزءاً من الإمكانات لموضوع إعادة الإعمار والإيواء ولدعم النازحين. وهذه مسؤولية أساسية على الحكومة، ومهما كان الخلاف معها، سنحمّلها المسؤولية، ونحن نعمل من خلالها والمجلس النيابي، لتوفير ما أمكن من موارد مالية لأجل هذا الملف».

في المقابل، أوضح منيمنة أن «التردّد في إعادة الإعمار ليس لأن الدولة لا تقوم بواجباتها»، واستطرد: «أولاً، الدول المانحة التي ستساعد على الإعمار ليست مستعدة لأن تضع أموالاً ثم تحصل حرب جديدة. ومن ناحية ثانية، النقاش حول حصر السلاح لم ينتهِ ولم يُحسم هذا الموضوع... بالتالي، هذا الكلام، ولو أن فيه اعترافاً ضمنياً بدور الدولة، فهو في الدرجة الأساسية كلام منقوص»، موضحاً أن «هناك مسؤولية على (حزب الله) بأن يدخل فعلاً إلى الدولة من خلال ملف حصر السلاح».

وعن مسؤولية «حزب الله» تجاه تعويض المتضررين، قال منيمنة: «برأيي، هو أساساً في هذا المجال لم يفِ بوعوده، والناس في حالة تذمّر لأنه لا يوجد تمويل، حتى لأعمال الإيواء، خصوصاً للناس الذين ما زالوا مهجرين... وواضح أن (حزب الله) غير قادر اليوم على القيام بهذا الملف، وبما أنه لم يعد قادراً، فقد تخلّى عنه».

الحكومة مسؤولة عن شعبها

وفي موازاة ذلك، يتردد في أوساط داخل بيئة «حزب الله» أن الحزب يعد خلال الفترة القريبة المقبلة لتقديم مساعدة نقدية للمتضرّرين، تُطرح على أنها «هدية تعويض»، من دون أن يصدر حتى الآن إعلان رسمي يحدد قيمتها أو الفئات التي ستشملها أو موعد بدء توزيعها.

وكان واضحاً في تصريح نعيم قاسم الأخير أن الحزب «سيسهِم»؛ ما يعني أنه لن يكون المموّل، بل ينتظر الدولة التي قاله إنه لن يتوقّف عن حثّها على إعادة الإعمار.

في سياق متصل، يتقاطع موقف النائب مارك ضو، النائب عن جبل لبنان، مع قراءة منيمنة لانتقال الحزب إلى التعويل على الدولة؛ إذ قال لـ«الشرق الأوسط» إن تحميل «حزب الله» الحكومة مسؤولية ملف إعادة الإعمار «يشكّل تأكيداً على عجزه»، معتبراً أن انتقاله إلى التعويل الكامل على الدولة يعكس عجزه عن تحمّل تبعات ما حصل.

وأضاف ضو: «عندما يصبح كل الاتكال على الحكومة، ويقال إن الاعتماد الآن عليها، فهذا تأكيد واضح على العجز». وتابع: «هو (أي حزب الله) يطالب الدولة والحكومة بتحمّل مسؤولية إعادة الإعمار، في حين أنه لا يتعامل معهما على هذا الأساس في ممارسته السياسية... والنتيجة، أنه يريد من الدولة أن تتولّى إعادة إعمار ما نتج عن أخطائه وأفعاله».

مسارات أخرى قبل تحميل الخزينة التكلفة

بدوره، قال النائب أديب عبد المسيح لـ«الشرق الأوسط» إن «(حزب الله) يتنصّل من مسؤوليته في ملف إعادة الإعمار، ويحاول تحميل الدولة واللبنانيين تبعات حرب كان هو سببا أساسياً في اندلاعها»، معتبراً أن أمام الحزب أكثر من مسار لمعالجة هذا الملف بدلاً من مطالبة الدولة بتحمل التكلفة كاملة.

وقال عبد المسيح، وهو من نواب شمال لبنان: «(حزب الله) ممثل في الحكومة بوزيرين، فليتفضّل وزيراه ويطالبا بقرار حكومي لإعادة الإعمار، وليحاولا تأمين إجماع حكومي على هذا الموضوع. إذا كانا قادرين على ذلك، فليفعلا».

ثم أضاف: «إذا لم يتمكّن الحزب من تأمين إجماع الحكومة على إعادة الإعمار، فهناك مسارات أخرى. أولاً، عليه أن يتحمّل مسؤوليته؛ لأنه هو من ورّط لبنان وفتح النار على إسرائيل وتسبب بهذه الحرب. وثانياً، لديه الإيرانيون، ويمكن لوزير الخارجية أن يتحرّك للمطالبة بتعويضات من الدولة الإيرانية عن الأضرار، باعتبار أن (الحرس الثوري) الإيراني حاضر على الأراضي اللبنانية عبر دعمه للحزب».

وتابع عبد المسيح: «هناك أيضاً إسرائيل، وهي المسبّب المباشر للدمار. يمكن اللجوء إلى المسارات والمحاكم الدولية للمطالبة بالحقوق والتعويضات، وعند تحصيلها تُستخدم في إعادة إعمار الجنوب. هذه حلول عملية يمكن العمل عليها».

وشدّد النائب عبد المسيح على رفضه أن تتحمّل الخزينة اللبنانية وحدها تكلفة إعادة الإعمار، قائلاً: «أما أن تتحمّل الدولة اللبنانية المسؤولية في النهاية، وأن تأخذ الضرائب من الناس، فأنا أدفع وأنت لإعادة إعمار الجنوب، فهذا لن يحدث أبداً».

ورأى أن الحزب «يتنصّل» من مسؤوليته؛ إذ «يبدأ اليوم بالمطالبات والتحركات، وقد تتحول غداً تحركات في الشارع ضد الحكومة أو ضد الجيش، بحيث يحاول، بدلاً من أن يتحمل المسؤولية، أن يحملها لغيره... هذا أمر واضح مائة في المائة. يبدأ الأمر بهذه المطالبات، ثم يجري تنظيم التحرّكات على الموجة نفسها، في محاولة للظهور كجزء من المعارضة والمطالبة بحقوق شبيهة بحقوق موظفي الدولة أو سائر اللبنانيين، في حين كان الحزب أساسياً في هذه الحرب، وليس مجرد طرف عادي فيها».

الحرب تقوّض الاقتصاد اللبناني

ختاماً، يأتي اتساع حاجات الإيواء والإعمار في وقت تراجعت قدرة الاقتصاد اللبناني والدولة على تحمل أعباء إضافية. إذ تشير الأرقام إلى توقع انكماش الناتج المحلي الحقيقي بنسبة 6.4 في المائة خلال 2026، في حين تضاف احتياجات الحرب الحالية إلى فاتورة إعادة إعمار 2024 المقدرة أصلاً بنحو 11 مليار دولار.بناءً عليه؛ لم يعد الملف مقتصراً على تعويض أصحاب المنازل المتضررة، بل صار يشمل تأمين الإيواء للنازحين، وإزالة ملايين الأمتار المكعبة من الركام، وإعادة تأهيل الخدمات والبنى التحتية، ثم إعادة بناء آلاف المباني وأكثر من 21 ألف وحدة سكنية مدمّرة بالكامل ضمن نطاق التقييمات المُنجزة حتى الآن.


سوزان كولينز... هل ينجو الاعتدال أمام محاولات تقييد ترمب؟

في ملف إيران، أقرَّت بأن «الرئيس لم يمتلك خطة جيدة»، في محاولة منها لإبراز استقلاليتها عن إدارته.
في ملف إيران، أقرَّت بأن «الرئيس لم يمتلك خطة جيدة»، في محاولة منها لإبراز استقلاليتها عن إدارته.
TT

سوزان كولينز... هل ينجو الاعتدال أمام محاولات تقييد ترمب؟

في ملف إيران، أقرَّت بأن «الرئيس لم يمتلك خطة جيدة»، في محاولة منها لإبراز استقلاليتها عن إدارته.
في ملف إيران، أقرَّت بأن «الرئيس لم يمتلك خطة جيدة»، في محاولة منها لإبراز استقلاليتها عن إدارته.

بعد أقل من ثلاثة أسابيع، تواجه السيناتورة الجمهورية سوزان كولينز معركة الفوز بولاية سادسة في مجلس الشيوخ عن ولاين ماين، بأقصى شمال شرقي الولايات المتحدة، أمام منافسها الديمقراطي تروي جاكسون. بعد نحو ثلاثة عقود في المجلس، تدافع كولينز (73 سنة) عن سجل طويل من الخدمات والتسويات، في حين يتساءل ناخبون اعتادوا تأييدها إن كان إخراج الجمهوريين من قيادة المجلس الطريق الأجدى لتقييد الرئيس دونالد ترمب؟ وبين الحسابين، تتجاوز المعركة مستقبلها الشخصي لتطرح سؤالاً أوسع: هل تكفي الثقة بالسياسي حين يفقد الناخب ثقته بالحزب الذي ينتمي إليه؟

كولينز المولودة في السابع من ديسمبر (كانون الأول) 1952 في كاريبو، أقصى شمال ماين، واحدة من ستة أبناء لعائلة ارتبط اسمها بتجارة الأخشاب والخدمة العامة. تولّى والدها ووالدتها رئاسة بلدية المدينة، وخدم الأب في المجلس التشريعي للولاية. هناك، قرب الحدود الكندية، تشكلت صلتها بمجتمع صغير يعرف ممثليه بأسمائهم ويحاسبهم على ما يقدمونه لحياته اليومية. لكن هذه الصلة تواجه اليوم اختباراً صعباً، مع تحول مقعدها ساحة صراع على الأغلبية، وعلى مكان الوسطيين في سياسة أميركية قد تصبح فيها هوية الحزب أهم من شخصية ممثله.

من بلدة كاريبو ...إلى واشنطن

تخرجت كولينز في جامعة سانت لورانس الصغيرة الراقية بريف ولاية نيويورك عام 1975، وبدأت العمل مع النائب الجمهوري وليام كوهين (وزير الدفاع فيما بعد)، ثم انتقلت معه إلى مجلس الشيوخ.

ولاحقاً، تولت كولينز مسؤولية التنظيم المهني والمالي في حكومة ماين، ثم إدارة المكتب الإقليمي لوكالة المشاريع الصغيرة بتعيين من الرئيس جورج بوش الأب. ثم عام 1996، انتُخبت لخلافة كوهين في مجلس الشيوخ، لتبدأ مسيرة جُددت أربع مرات. وهي متزوجة من توماس دافرون، وتقيم في مدينة بانغور بولاية ماين.

بيد أن هذه التفاصيل ليست مجرد محطات في سيرة ذاتية؛ إذ تكونت سياسياً داخل «التيار التقليدي» في الحزب الجمهوري، الذي يعوّل على الخبرة التشريعية واحترام المؤسسات والتفاوض مع الديمقراطيين لإنجاز التسويات. ولم تبنِ حضورها على الخطب الصاخبة أو «التعبئة» ضد واشنطن، بل على معرفة طرقها: كيف تُكتب التشريعات، وتُجمع الأصوات، وتُنتزع المخصّصات لولاية صغيرة.

وحقاً، تلخص كولينز خلال لقاء مع الـ«واشنطن بوست»، هذه النظرة بقولها: «هناك من يعملون، وهناك من يستعرضون»، واضعة نفسها في الفئة الأولى. ثم تقول إن خطاباً نارياً يرفع شعبية صاحبه على وسائل التواصل الاجتماعي لا يغير بالضرورة النتيجة. وهذه حجة شخصية عامة مخضرمة في زمن يكافئ المواجهة العلنية، وأحياناً يعتبر التفاوض والمساومة بعيداً عن الكاميرات ضعفاً.

غير أن تداخل الأسرة والمهنة والمؤسسة، الذي منحها جذوراً وثباتاً، يسمح لخصومها أيضاً بتصويرها ممثلة لطبقة سياسية استقرت طويلاً في السلطة. فالأقدمية في حملتها رصيد يحمي مصالح ولايتها، لكنها في حملة منافسها جاكسون تطرح سؤالاً عمّا إذا كانت الخبرة ما زالت تنتج تغييراً يشعر به الناس.

استقلالية قيد المحاكمة

والواقع، أنه يصعب اعتبار كولينز «تابعاً» لترمب؛ إذ تقول حملتها إنها لم تصوّت له قط، بل كانت ضمن الجمهوريين الذين أيّدوا محاولة عزله الثانية عام 2021. كذلك خالفت إدارته في تصويتات مهمة، بينها رفض تعيين بيت هيغسيث وزيراً للحرب، ورفض النسخة النهائية من تشريع الضرائب والإنفاق الكبير عام 2025. ولها أيضاً سجلٌ يتجاوز الاعتراض؛ فقد قادت مع السيناتور جو مانشين - الذي كان آنذاك من أبرز الديمقراطيين اليمينيين قبل مغادرته الحزب -، مساراً مشتركاً لتعديل قانون فرز الأصوات الانتخابية. وأقرّ التعديل عام 2022 لمعالجة ثغرات كشفت عنها أزمة انتقال السلطة، إثر رفض ترمب الإقرار بهزيمته أمام جو بايدن وترويجه ادعاءات بتزوير انتخابات 2020. وهذه وظيفة مؤسساتية للوسط: تحويل الخلاف إلى قواعد يمكن أن يقبلها الطرفان.

لكن منتقديها يميّزون بين مخالفة الرئيس ومنعه. ووفق تحليل في الـ«نيويورك تايمز»، فإنها تعارض سياساته في التصويت أكثر من سائر الجمهوريين، لكن معارضتها نادراً ما تبدّل النتيجة. وهنا تنتقل المحاكمة من النيات إلى الفعل... فما معنى الاستقلالية إذا بقيت الإدارة قادرة على تنفيذ ما تعترض عليه؟

وتظل قضية الإجهاض الجرح الأعمق في تقييمها. فكولينز تؤيد حقوق الإجهاض، لكنها دعمت تثبيت القاضي المحافظ بريت كافانو عام 2018، قبل أن يشارك في قرار المحكمة العليا الذي ألغى الحماية الدستورية الفيدرالية لهذا الحق عام 2022. ودفاعها المستمر عن ذلك التصويت يعيد فتح مسألة الثقة لدى ناخبين يرون أن تطميناتها لم تصمد أمام النتائج.

مع ذلك، ليس كل تصويت خاسر مسرحية سياسية، كما أن ليس كل اعتراض دليلاً كافياً على المقاومة. فالشيخ لا يملك منفرداً غالبية المجلس. أما السؤال المشروع، فهو ما إذا كانت كولينز تستخدم كامل نفوذها لفرض حدود على الإدارة، أم تكتفي بمسافة محسوبة تسمح لها بالبقاء داخل ائتلافها؟ حسب المنتقدين.

ترمب على مائدة الناخب

وبالفعل، تبدو هذه المناقشة أقل تجريداً في ماين، حيث تتقاطع السياسات الرئاسية مع فواتير التدفئة والتجارة والسياحة عبر الحدود. فالحرب مع إيران رفعت تكلفة الوقود، في حين وضعت الرسوم على كندا مصالح محلية أمام ضغوط إضافية. وباتت كولينز مطالبة بمعالجة أزمات تخلقها الإدارة التي ينتمي حزبها إليها.

وفي حين ضغطت لتسريع مساعدات التدفئة للأسر محدودة الدخل، وسعت إلى استثناء الملح الذي يُرش على الطرق في فصل الشتاء من الرسوم الجمركية، حوّل منافسها جاكسون، الحطّاب والرئيس السابق لمجلس شيوخ الولاية، إنجازها إلى عبارة هجومية مؤداها أن «سكان ماين لا يستطيعون أكل ملح الطرق»، في حرصه على نقل النقاش من الاستثناءات التي تنتزعها إلى السياسات التي تجعلها ضرورية.

وفي مناظرتهما الثالثة مساء الثلاثاء، برز مجدداً ملف الهجرة بعد مقتل مهاجر برصاص أحد عناصر إنفاذ قوانين الهجرة (أيس) في بلدة بيدفورد خلال يوليو (تموز). وأقرّت كولينز بأن الإدارة نشرت أعداداً كبيرة من العناصر من دون تدقيق مناسب في اختيارهم، في حين حمّلها جاكسون مسؤولية سياسية عن التمويل.

وفي ملف إيران، أقرَّت بأن «الرئيس لم يمتلك خطة جيدة»، في محاولة منها لإبراز استقلاليتها مسافة عن إدارته. لكن انتقالها من تأييد الحرب في البداية إلى دعم تقييد صلاحياته العسكرية يمنح خصمها فرصة للسؤال عن توقيت الاعتراض، لا عن وجوده وحده.

في المقابل، تهاجم كولينز سجلّ جاكسون التشريعي وتحمّله مسؤولية سياسات تقول إنها رفعت تكاليف الطاقة والسكن. وبالتالي، ما عادت المواجهة بين مرشحة بلا إنجازات وخصم بلا سجل، بل بين تفسيرين للغلاء وللجهة الأقدر على تخفيفه: نفوذ جمهوري داخل الإدارة، أم غالبية ديمقراطية تراقبها وتواجهها.

غالبية أم جسر؟

عام 2020، فازت كولينز بفارق نحو 9 نقاط مئوية، في حين خسر ترمب ولاية ماين بفارق مماثل. يومها استطاع الناخب أن يرفض الرئيس ويحتفظ بالسيناتورة على ورقة الاقتراع نفسها. أما الآن، فلا انتخابات رئاسية تتيح الفصل ذاته، بل أصبح مقعدها إحدى الأدوات المباشرة لمعاقبة البيت الأبيض.

وفي تحقيقات للـ«نيويورك تايمز» والـ«واشنطن بوست»، تلتقط شهادات الناخبين هذه النقلة، حيث لا ينكرون خدماتها ولا يشككون في كفاءتها، لكنهم يريدون ببساطة مجلساً يضع قيوداً على ترمب. في المقابل، لا يزال ديمقراطيون ومستقلون يعدّونها ممثلة موثوقة، ويرفضون التضحية بها لمجرد انتمائها الحزبي. من هنا، يرى البعض أن خسارتها قد تبدو ربحاً واضحاً للديمقراطيين في حساب المقاعد، لكنها تحمل احتمال خسارة شريكة تفاوض داخل الحزب الآخر. ولا تناقض حتمياً بين الأمرين: يستطيع الديمقراطي أن يقدّر دورها، ثم يرى أن تغيير الأغلبية أرجح كفة من الاحتفاظ بذلك الدور.

وبالمثل، لن يكون فوزها هزيمة صافية لترمب؛ فهو يحتفظ للجمهوريين بمقعد بالغ الأهمية، وربما يساعدهم على حماية الغالبية. لكنه سيبرهن أيضاً على أن الفوز في بعض الولايات يتطلب الابتعاد عن الرئيس، وأن الصيغة الجمهورية القابلة للتسويق وطنياً ليست بالضرورة الصيغة الأكثر ولاءً له.

وتزداد المفارقة مع رئاسة كولينز لجنة المخصصات في مجلس الشيوخ. فهي تطلب من الناخب حماية نفوذ يصعب تعويضه سريعاً، في حين يردّ خصومها بأن النفوذ يقاس بما يمنعه أيضاً. وإذا استطاعت الإدارة تعطيل إنفاق أقره الكونغرس أو الالتفاف على أولوياته، تغدو قدرة كولينز على حماية صلاحيات الكونغرس في إقرار الإنفاق جزءاً من تقييم نفوذها نفسه.

بل حتى الطرفان اللذان يريدان حسم المعركة يجدان نفسيهما أمام حسابات متعارضة: فالجمهوريون يحتاجون إلى أصوات ناخبين ينفرون من زعيمهم، والديمقراطيون يحتاجون إلى إقناع ناخبين بأن إعجابهم بسيناتورة جمهورية لا ينبغي أن يتقدّم على تغيير اتجاه الحكم.

الوسط يبحث عن جدواه

بالتالي، لا تعني هذه المعركة أن الساحة خلت تماماً من الوسطيين، ولا أن الشعبوية احتكرت الحزبين بالقدر نفسه. كما أن الوسطية ليست مرادفاً دائماً للانتماء إلى المؤسسة. فقد يكون السياسي المخضرم شديد الحزبية، وقد يكون جديداً وقادراً على بناء تسويات. وجاكسون - نفسه الذي ينافس كولينز - يعقّد الثنائية المبسطة. فهو تقدمي طبقي، لكنه صاحب خبرة في قيادة مؤسسة تشريعية. ولذلك؛ لا يكفي وضعه في خانة الشعبوية ثم اعتبار هزيمة كولينز إذا حصلت، دليلاً تلقائياً على انتصار التطرف. فالاختبار الأهم هو ما سيقدمه الفائز من سياسات، وكيف سيتعامل مع حدود السلطة وخصومه.

مع ذلك، تكشف كولينز عن أزمة حقيقية في نموذج الوساطة القديم. فحين يُطالب الناخب بمنع قرار يمس حقوقه أو معيشته، لا تكفيه الإشارة إلى حوار مستمر مع صانعيه. بل يحتاج المعتدل إلى شرح الرابط بين قدرته على الوصول إلى المسؤولين وقدرته على تغيير ما يفعلونه، وإلّا بدت التسوية امتيازاً لأهل السياسة لا منفعة للمواطنين.

وفي صورة ساخرة من الحملة، وصل خطأً إعلان يهاجم جاكسون، موَّلته مجموعة جمهورية، إلى مدينة بورتلاند بولاية أوريغون بدلاً من مدينة بورتلاند في ماين. ثم صحح الخطأ وأعيدت الأموال، لكنه أتاح لخصوم كولينز التشكيك في اتصال حلفائها بالولاية. وهذه واقعة صغيرة في سباق يختبر صدقية القرب من الناس.

الأرجح، أن انتخابات ماين لن تحسم مصير الاعتدال الأميركي، لكنها ستكشف عن الشروط الجديدة لبقائه. فنجاة كولينز ستعني أن الرصيد الشخصي والخدمات والاستقلال النسبي ما زالت قادرة على مقاومة الاستقطاب. وخسارتها ستشير إلى أن ناخبين باتوا يفضّلون تغيير ميزان السلطة على الاحتفاظ بوسيط داخلها.


وسطيّون من الحزبين الأميركيين الكبيرين على خط النار

مبنى «الكابيتول» في واشنطن مقر مجلسَي الشيوخ والنواب بالولايات المتحدة (أ.ب)
مبنى «الكابيتول» في واشنطن مقر مجلسَي الشيوخ والنواب بالولايات المتحدة (أ.ب)
TT

وسطيّون من الحزبين الأميركيين الكبيرين على خط النار

مبنى «الكابيتول» في واشنطن مقر مجلسَي الشيوخ والنواب بالولايات المتحدة (أ.ب)
مبنى «الكابيتول» في واشنطن مقر مجلسَي الشيوخ والنواب بالولايات المتحدة (أ.ب)

لا يواجه جميع المعتدلين نسخة مطابقة لاختبار السيناتورة سوزان كولينز في ولاية ماين؛ إذ بعضهم يحاول النجاة في دوائر تميل إلى الحزب الآخر، وبعضهم الآخر يدافع عن استقلاليته أمام قاعدته. ومن أبرز هؤلاء من دون افتراض أن فرصهم الانتخابية ومواقفهم متساوية، الساسة التالية أسماؤهم:

• النائب الجمهوري براين فيتزباتريك في بنسلفانيا، الذي يمثل الدائرة الأولى ويواجه الديمقراطي بوب هارفي، المفوض في مقاطعة باكس والمدرّس السابق. يبني العضو السابق في مكتب التحقيقات الفيدرالي صورته على العمل عبر الحزبين ومخالفة ترمب في ملفات محددة. لكن خصمه يسعى إلى تحويل الاقتراع من تقييم لشخص النائب إلى حكم على الغالبية الجمهورية. ومع ذلك، لا يصح افتراض أن مجرد تشابه مأزقه مع كولينز يجعل حظوظهما متطابقة.

• النائب الجمهوري مايك لولر في نيويورك، يخوض مواجهة مع الديمقراطية كيت كونلي، صاحبة الخبرة العسكرية والأمنية، في الدائرة السابعة عشرة التي فازت فيها كامالا هاريس عام 2024. لولر يقدم نفسه جمهورياً براغماتياً قادراً على العمل مع الديمقراطيين، لكنه يحتاج إلى الاحتفاظ بالقاعدة الجمهورية أيضاً. امتحانه هو إقناع الناخب بأن استقلاله يترك أثراً ملموساً، في حين تسعى منافسته إلى جعل العلاقة بترمب محور الاختبار.

• النائبة الديمقراطية ماري غلوسنكامب بيريز في ولاية واشنطن، التي تواجه الجمهوري جون براون في الدائرة الثالثة، وتقدم نموذجاً معكوساً لكولينز؛ فهي ديمقراطية تحاول الاحتفاظ بدائرة أيدت ترمب، وتستند إلى خطاب محلي واهتمام بالمهن والتكاليف اليومية، وتخالف حزبها في بعض القضايا. لكن استمالة المحافظين لا تضمن رضا الديمقراطيين، وقد وثّقت الإذاعة العامة المحلية استياء ناخبين من خيارات السباق. ويكشف اختبارها أن بناء ائتلاف عابر للحزبين يحتاج إلى بقاء قاعدة متحمسة، لا مجرد الوصول إلى الطرف الآخر.

• النائب الديمقراطي دون ديفيس في نورث كارولينا، يواجه الجمهورية لوري باكهاوت في الدائرة الأولى، بعدما جعلت إعادة ترسيم الخريطة الانتخابية التي فرضها الجمهوريون، الفوز فيها أكثر صعوبة على الديمقراطيين. ديفيس يروّج لوسطيته، لكن الخريطة تضع حدوداً لما تستطيع السمعة الشخصية تحقيقه.

توضح هذه الحالات أن بقاء الوسط لا يعتمد فقط على اعتدال الناخبين، بل هو يتأثر بحدود الدوائر، وصورة الرئيس، وتعبئة القواعد، وقدرة المرشح على تحويل المخالفة الحزبية إلى منفعة مفهومة... ثم إن فوز معتدل من حزب قد يعني هزيمة معتدل من الآخر، لا انتصاراً تلقائياً على التطرف. لذلك قد يكون الاختبار الأعمق بعد الانتخابات: هل يملك الناجون استعداداً ونفوذاً لبناء تشريعات مشتركة، أو تفرض معركة الغالبية عليهم العودة إلى الاصطفاف الذي وعدوا ناخبيهم بتجاوزه؟