مدير مكتب «الجزيرة الإنجليزية» السابق بالقاهرة: الصحافيون العرب يدركون مخاطر الإرهاب

فهمي قال لـ«الشرق الأوسط» إنه سيعتزل الصحافة لفترة ويعمل على استعادة جنسيته المصرية

محمد فهمي المدير السابق لقناة «الجزيرة» الإنجليزية («الشرق الأوسط»)
محمد فهمي المدير السابق لقناة «الجزيرة» الإنجليزية («الشرق الأوسط»)
TT

مدير مكتب «الجزيرة الإنجليزية» السابق بالقاهرة: الصحافيون العرب يدركون مخاطر الإرهاب

محمد فهمي المدير السابق لقناة «الجزيرة» الإنجليزية («الشرق الأوسط»)
محمد فهمي المدير السابق لقناة «الجزيرة» الإنجليزية («الشرق الأوسط»)

قال مدير مكتب قناة «الجزيرة الإنجليزية» السابق في القاهرة، الصحافي الكندي من أصل مصري محمد فهمي، إن الرئيس عبد الفتاح السيسي أنقذ مصر من الفوضى وخلص البلاد من الجماعات المتطرفة ليحميها من مصير دول مثل ليبيا وسوريا والعراق، وشدد في حوار مع «الشرق الأوسط» على أنه أصبح يوجد إدراك لدى كثير من الصحافيين العرب لما يحدث الآن من حرب عالمية ضد خطر الإرهاب.
وألقت السلطات المصرية القبض على فهمي أواخر عام 2013 أثناء عمله مديرا للقناة القطرية انطلاقا من فندق ماريوت الشهير بالقاهرة، مع صحافيين آخرين مصريين وأجانب، وجرى اتهامهم بالانتماء لجماعة الإخوان وفبركة مواد إعلامية لخدمة الجماعة. وعرفت القضية التي حظيت باهتمام محلي ودولي باسم «خلية الماريوت».
وينكر المتهمون هذه الاتهامات. وحكم على فهمي بالسجن سبع سنوات، لكن محكمة أعلى أعادت نظر القضية وقررت إصدار حكم فيها يوم 29 من الشهر الحالي، بينما قامت السلطات المصرية بترحيل زميل فهمي، الصحافي الأسترالي بيتر غريست. ويوجد في القضية محكومون مصريون وأجانب بعضهم فر خارج البلاد.
وعمل الصحافي الذي حصل على الجنسية الكندية عقب هجرته إليها عام 1992 في صحيفة «لوس أنجليس تايمز» وقنوات «دبي» و«الحرة» و«سي إن إن»، قبل أن يدير الجانب التحريري في قناة «الجزيرة الإنجليزية» بمصر في سبتمبر (أيلول) 2013، عقب الإطاحة بحكم الرئيس الأسبق محمد مرسي.
وقال فهمي إنه في حال براءته أو تثبيت الحكم بالسجن عليه، فإنه سيسعى للحصول على عفو وترحيل من البلاد، كما جرى مع زميله الأسترالي. وأضاف أنه سيعتزل الصحافة لفترة ويعمل في التدريس في جامعات غربية، مع اتخاذ إجراءات لاستعادة جنسيته المصرية. وإلى أهم ما جاء في الحوار..
> كيف بدأت مهنة الصحافة؟ ومن أين بدأت؟
ـ بدأت العمل في الصحافة رسميا منذ أول يوم من الحرب الدولية على العراق في عام 2003. دخلت أول يوم في وقت ضرب بغداد. كنت أعمل لصالح صحيفة «لوس أنجليس تايمز». كنت في ذلك الوقت مقيما في الكويت. في البداية كنا نغطي الأحداث من الكويت على أساس أن الكويت هي أقرب نقطة من العراق، وأنها مكان أساسي لكل الصحافة الأجنبية. كان هناك خوف من أن صدام حسين سوف يقوم بالرد بإطلاق أسلحة كيماوية. دخلت العراق مع بداية الحرب ومكثت في العمل مع هذه الصحيفة سنة تقريبا.
> لكنك انتقلت للعمل الإعلامي التلفزيوني.
ـ بعد تجربة حرب العراق التحقت بتلفزيون «دبي» لمدة سنتين، ثم توليت موقع مدير غرفة أخبار قناة «الحرة» في كل من دبي ومصر. وبعدها عملت لمدة سنة مع الصليب الأحمر الدولي في عام 2007.
> في أي بلد؟
ـ في لبنان.. أيام معركة نهر البارد، في الشمال.
> كإعلامي أم كمتطوع؟
ـ عمل إنساني وخيري.. استمر لمدة سنة، حيث كنت أعمل في السجون اللبنانية مسؤولا عن حماية حقوق المساجين السياسيين. أنا كنت أدخل على المساجين السياسيين لكي أرى إن كان أي منهم يتعرض للتعذيب أو يحتاج لعلاج أو يريد أن ينتقل لعنبر آخر، وما إذا كان يريد أن يرسل رسائل لأهله أو أن أهله يريدون أن ينقلوا له رسائل. وأبحث إن كان محامي السجين موجودا أم أنه يريد محاميا. وحين دخلت السجن في مصر كنت أفكر فيما إذا كنت سأجد متطوعين من الصليب الأحمر يبحثون في أحوال المساجين. المهم.. العمل مع الصليب الأحمر يختلف تماما عن العمل في الصحافة. في الصليب الأحمر توقع على إقرار بأنك لا تتحدث للصحافة، فعملك كله في الخفاء.. عمل إنساني وخيري بين الدول والمنظمات. هذا أفادني كثيرا.
> كانت «سي إن إن» مهتمة بقضيتك. متى بدأت العمل مع هذه القناة؟
ـ مع بداية ما يعرف باسم «الربيع العربي»، في 2011، عملت مع «سي إن إن» لمدة ثلاث سنوات مراسلا ومعدا. وعملت لها في مصر وليبيا وسوريا. كنا نعمل 7 أيام في الأسبوع ولمدة 24 ساعة في اليوم. كان عملا كبيرا جدا. استمر هذا إلى أن تركت القناة قبل مظاهرات 30 يونيو (حزيران) بأيام ضد حكم جماعة الإخوان في مصر. خلعت قبعة الصحافي ونزلت أهتف في شوارع القاهرة ضد الإخوان. كنت أصور طائرات الجيش وهي تحيي المتظاهرين في الميادين. كنت أشعر بالراحة والفرح لأن السيسي خلصنا من الإخوان.
> لكن في ذلك الوقت كانت المحطات الغربية بما فيها «سي إن إن» تتحدث عن مرسي وكأنها لم تكن تحبذ عزله قبل استكمال مدة رئاسته المقررة بأربع سنوات. ما رأيك؟
ـ أنا أعترف بأهمية الديمقراطية، خصوصا أنني درست في الخارج، وأعرف أهمية أن يكون هناك اختيار من جانب الشعب، ولكن أنا كنت أنظر إلى الإخوان كأنهم سرطان يجري في جسد إنسان مريض وكنت لا أعتقد أن أربع سنوات من العلاج الكيماوي ستفيد. وكان يجب استئصال الورم قبل انتشار السرطان. هذا التشبيه الذي رأيته. أنا كنت أرى بعين الصحافي ما يجري على الأرض. شعوري كان أن البلاد مقبلة على فوضى مثل ما يحدث في سوريا وليبيا والعراق. كنت أشعر بالقلق على الخميرة المصرية المعتدلة التي فيها أمان للناس والنساء وتنوع الثقافة. كنت أقف أمام السفارة الأميركية وكنت أقول لـ«سي إن إن» على الهواء إن علم تنظيم القاعدة يرفرف فوق سور السفارة الأميركية من جانب المتشددين.
> لماذا تركت «سي إن إن» في ذلك الوقت؟
ـ أخذت راحة.. انخرطت في المظاهرات ضد الإخوان، إلى أن أتاني اتصال هاتفي من قناة «الجزيرة الإنجليزية». قالوا لي تعال امسك المكتب الإنجليزي في القاهرة. ومن المهم جدا ذكر كلمة القناة الإنجليزية لأنني كنت لا أنظر بارتياح لقناة «الجزيرة» بالعربي ولا لقناة «الجزيرة مباشر مصر». كنت ألمس فيهما نبرة تحريضية، لكن القناة الإنجليزية كان يعمل فيها عدد من أصدقائي. كنت أعلم أن خطها العام وأداءها مختلف تماما. وافقت على العمل معهم لكن بشروط جرت الموافقة عليها.
> وما هي هذه الشروط؟
ـ أن يتم الفصل تماما بين عملي الذي أقوم به في قناة «الجزيرة الإنجليزية» والعمل الذي تقوم به «الجزيرة مباشر مصر» و«الجزيرة» العربي. وأن أتولى بنفسي جمع المعلومات وأن أختار الضيوف وألا يعمل الصحافيون الموجودون في «الجزيرة الإنجليزية» مع «الجزيرة» العربي أو «مباشر مصر». وألا يكون هناك تبادل للمادة الإعلامية بينهم. كان الوقت في شهر سبتمبر 2013. وعلى هذا بدأت وأخذت الموضوع كتحد، خصوصا أن كثيرا من الناس.. أقصد من أسرتي، قالوا لي خذ حذرك من «الجزيرة». قلت لهم «الجزيرة الإنجليزية» مختلفة تماما عن العربي، واكتشفت فيما بعد، وأنا في السجن، أن هذا كان سوء تقدير مني. فلأول مرة أكتشف، وأنا في قفص السجن، أن النيابة قدمت أوراقا للقاضي تفيد بأن جميع قنوات «الجزيرة»، بما فيها الإنجليزية، كان قد تم سحب رخص عملها من مصر، قبل أن أتولى مسؤولية القناة الإنجليزية بأيام قليلة، دون أن يخبرني أحد بذلك.
> هل تنازلت عن الجنسية المصرية بالفعل؟
ـ للأسف.. نعم. هذا الأمر جرى في ظروف صعبة. ومن حقي أن أستعيد الجنسية المصرية. وسأقوم بذلك فور الانتهاء من القضية التي تشغل كل تفكيري اليوم.
> ظروف عصيبة.. كيف؟
ـ حين صدر قرار من السلطات المصرية بترحيل المتهمين الأجانب في القضية، أعلنت من محبسي أنني لن أتنازل عن الجنسية المصرية، لأنه كان هناك ضغط من المحامين لكي أتنازل عن الجنسية حتى أتمكن من الاستفادة من قرار ترحيل الأجانب. أي أتنازل في مقابل الترحيل من مصر. لكنني رفضت. وبعد ذلك جاء لي أحد مندوبي جهاز أمني مصري في محبسي، وطلب مني التنازل عن الجنسية لمساعدتي كما ذكر لي. قال لي إن هذا لمساعدتك، وإن هذا الكلام قادم من مستويات عليا في الدولة؛ لأن هذا هو الطريق الوحيد للخروج لك ولزميلك بيتر غريست. وقال أيضا: نحن نعلم أنك لست من جماعة الإخوان. إلا أنني رفضت هذا الطلب أيضا. وقلت لن أتنازل عن الجنسية. وبعد ذلك قدم لي هذا المندوب هاتفا جوالا لأرد عليه بعد أن اتصل منه برقم معين، وكان على الطرف الآخر مسؤول كبير في الدولة لن أذكر اسمه، تحدث معي وقال لي يا محمد نحن نعلم أنك بريء وأنك لست من الإخوان، ويمكنك أن تقدم للحصول على الجنسية المصرية مرة أخرى فيما بعد من خلال مجلس الدولة. ويمكنك أيضا، إذا أردت، أن تأتي لمصر كسائح. ولو تنازلت فسيتم ترحيلك. وقال لي أيضا إن الجنسية في القلب وليست ورقة.
> وهل قررت التنازل عن الجنسية بناء على هذا الاتصال؟
ـ نعم.. أنا بعد هذه المكالمة حسبتُ المسألة، وقلت لنفسي إن أسرتي تعذبت معي بسبب هذه القضية، وإن إجراءات نقض الحكم يمكن أن تستمر لفترة طويلة وهكذا.. المهم تنازلت وأخبرت المحامين الذين معي. وأخبرت السفارة الكندية والسفير الكندي في القاهرة. وعلى ذلك كان الكلام كله أنه سيتم ترحيلي إلى كندا. حتى وزير الخارجية الكندي حين جاء في زيارة لمصر، منذ أكثر من شهر، أعلن أنه سيتم ترحيلي خلال أيام. وعلى هذا تقدمت زوجتي باستقالتها من عملها في إحدى شركات الاتصالات بالقاهرة استعدادا للرحيل معي وجاءوا لي بحقائبي إلى السجن، لكن فجأة، ودون أي أسباب، جرى ترحيل غريست فقط. أنا سعيد جدا لترحيل غريست، لأنه تعب كثيرا في السجن خصوصا أنه أجنبي ولا يتحدث اللغة العربية. المهم تقررت إعادة المحاكمة وجرى منع خروجي من مصر. أي أن اسمي موجود على قوائم منع السفر في المطار. ويوجد أمر قضائي بأن أذهب للتوقيع كل يوم في قسم الشرطة في الدائرة التي أسكن فيها في ضاحية الزمالك. والموضوع أصبح صعبا وليس سهلا.
> لو جرى ترحيلك فهل ستواصل العمل في الصحافة؟
ـ لا.. قررت الحصول على وقت طويل للاستراحة قبل أن أعود للعمل الصحافي. أنا منذ نحو 19 شهرا، أي منذ بدء القضية، في ضغط نفسي رهيب. أنا كنت قد هيأت نفسي لاستكمال حياتي في كندا. وقعت عقدا للتدريس في جامعة بريتش كولومبيا في هانكوفر لتدريس الصحافة، ووقعت عقدا آخر مع جامعة ميتشغان، للتدريس أيضا.. هذه ستكون بمثابة فترة انتقالية أرتاح فيها نفسيا وأعيد ترتيب أوراقي قبل أن أعود للعمل صحافيا. كما أنني سأقدم على الجنسية المصرة لكي أستعيدها، لأن الطريقة التي تنازلت بها عن الجنسية طريقة غير دستورية وتعتبر تحت الضغط.
> ما علاقتك بكندا؟
ـ أنا هاجرت لكندا سنة 1992 بعد تخرجي في المدرسة الثانوية الأميركية في مصر. درست في الكويت حتى الصف الأول الثانوي ودخل صدام حسين حرب الخليج الأولى. فعدت لمصر. ثم سافرت وأخذت الجنسية الكندية. وبعد كل هذه السنوات من العمل في الإعلام، وصولا إلى القضية التي سيجري الفصل فيها قبل نهاية هذا الشهر، أجد أن مشاعري تغيرت حين جرى سحب الجنسية المصرية مني. نعم.. شعرت بإهانة فظيعة. ورددت على ذلك بأن قمت برفع علم مصر في المحكمة. جدي كان مدير أمن محافظة الجيزة، ثاني أكبر المحافظات المصرية، وجدي الآخر كان مستشارا في وزارة العدل بمصر. وأخوالي ضباط في القوات المسلحة. التنازل عن الجنسية المصرية كان بالنسبة لي شيئا صعبا. أصبت بالاكتئاب. أن تؤخذ جنسيتك مثل أن تؤخذ حياتك.



الذكاء الاصطناعي... الوجه الجديد للإعلام الآسيوي

مذيعو أخبار ومراسلون في محطة «إن إتش كيه» اليابانية (إن إتش كي)
مذيعو أخبار ومراسلون في محطة «إن إتش كيه» اليابانية (إن إتش كي)
TT

الذكاء الاصطناعي... الوجه الجديد للإعلام الآسيوي

مذيعو أخبار ومراسلون في محطة «إن إتش كيه» اليابانية (إن إتش كي)
مذيعو أخبار ومراسلون في محطة «إن إتش كيه» اليابانية (إن إتش كي)

في صباح يوم عادي بالعاصمة الهندية نيودلهي، لم يعد يجتمع المحررون حول قوائم المواضيع المطبوعة فقط. فالآن أصبحت الشاشات مضاءة بلوحات قياس تتبع سلوكيات القراء وقت حدوثها، بينما تقترح أدوات الذكاء الاصطناعي عناوين رئيسة بعدة لغات، وتحدد التحليلات أي مواضيع ستخرج من نطاق صالة التحرير.

وحقاً بدأت صالات التحرير التقليدية تختفي تدريجياً في معظم أنحاء آسيا، حيث ما عاد الموضوع الإعلامي الآسيوي يُكتب فقط بالحبر، أو يُبث عبر الأثير، بل يُكتب بلغة البايثون (لغة برمجة)، ويُخزّن على السحابة الإلكترونية، ويُوزّع عبر الخوارزميات.

من دلهي وبكين حتى سيول وطوكيو، تسير المؤسسات الإعلامية بهدوء عبر واحدة من أكبر عمليات التحوّل التقني في تاريخها، وفي قلب هذا التحوّل تكنولوجيا المعلومات، والذكاء الاصطناعي الذي لا يعيد تعريف كيفية إنتاج الأخبار فحسب، بل أيضاً كيفية استهلاك المجتمعات في أنحاء آسيا للمعلومات، وتفسيرها. لقد انتقل الذكاء الاصطناعي، الذي كان ذات يوم مقتصراً على التحليلات غير المرئية ورسائل التنبيه الآلية، إلى قلب صالة التحرير حيث يعيد تشكيل طريقة نقل الأخبار، وترجمتها، والتحقق منها، واستهلاكها.

مذيعة تلفزيونية روبوتية في الصين (تشينخوا)

الذكاء الاصطناعي أداة اتصال لا بديل

في الهند، مثلاً، احتوى الفضاء الإعلامي -وهو أحد أكبر الفضاءات الإعلامية وأكثرها تنوعاً في العالم- الذكاء الاصطناعي باعتباره أداة. وفي ظل وجود عشرات اللغات، وجمهور يمنح الأولوية للهواتف الجوّالة، تعتمد المؤسّسات الإعلامية الهندية راهناً بشكل متزايد على الذكاء الاصطناعي في الترجمة، وتحويل المقاطع الصوتية إلى نصوص، وتلخيص المحتوى.

ووفق كونال كابور، وهو محرّر رقمي بارز في منصة إخبارية هندية رائدة، «أصبح الذكاء الاصطناعي واقعاً أساسياً لدولة مثل الهند. إنه يتيح لنا اختيار موضوع خبري، وجعله متاحاً بعدة لغات في غضون دقائق... وطبعاً، هذا لا يحلّ محل الصحافة، بل يعزّز وضعها».

هنا لا تشبه صالة التحرير المكتبة بقدر ما تشبه المختبر، حيث يجلس مهندسون في البرمجيات إلى جوار صحافيين، ومراسلين، لضمان ألا يكون «التوصيل بلغات متعددة» مجرد هدف، بل عملية آلية سلسة. وتستخدم العديد من صالات التحرير الهندية الآن الذكاء الاصطناعي لتحويل التقارير الاستقصائية الطويلة إلى تفاسير، ومقاطع «ريلز»، ونشرات صوتية قصيرة. وأيضاً تستخدم مكاتب صحافة البيانات التحليلات القائمة على تكنولوجيا المعلومات لرصد نتائج السياسات الحكومية، والأنباء الرائجة الخاصة بالانتخابات، والبيانات المرتبطة بالمناخ.

من جهة ثانية، تحوّل مؤسسات إعلامية، عبر استخدام منصات مثل «بهاشيني» و«بهاراتجين»، تقريراً واحداً باللغة الإنجليزية إلى نشرة صوتية باللغة التاميلية، ومقطعاً مصوّراً باللغة الماراثية، وموجزاً مكتوباً باللغة البنغالية في أقل من 60 ثانية. وهنا يوضح محرر مقيم في دلهي: «نحن نعمل على جَسر الهوة الرقمية. كان مألوفاً أن الصحافة الإقليمية قليلة الموارد، أما الآن فيستطيع صحافي مبتدئ في منطقة ريفية استخدام الذكاء الاصطناعي للتأكد من دقة بيانات حكومية، أو ترجمة أخبار دولية إلى اللهجة المحلية فوراً».

جلسة نقاشية في إحدى محطات التلفزيون الهندية (رويترز)

اللغة الإنجليزية

وقد يكون الأثر الأبرز والأهم للذكاء الاصطناعي في الهند ملموساً خارج صالات التحرير التي تعتمد على اللغة الإنجليزية. إذ تستخدم المؤسسات الإعلامية الإقليمية -والتي كثيراً ما تقيدها الميزانيات المحدودة- حالياً أدوات الذكاء الاصطناعي للتنافس مع مؤسسات في مراكز حضرية على السرعة، وعدد المشاهدات. ووفق محرر بارز في صحيفة يومية تصدر باللغة الهندية في دلهي: «للمرة الأولى تساعد التكنولوجيا في ترجيح الكفة لصالح الصحافة الإقليمية. لقد حدّ الذكاء الاصطناعي من الاعتماد على صالات التحرير المركزية، ودعم الصحافيين المحليين».

وإضافة إلى الترجمة، يزداد اعتماد المؤسسات الإعلامية الهندية على أدوات الذكاء الاصطناعي في استخراج البيانات، والبحث القانوني، والتحقّق من المعلومات. وتفحص أنظمتها سجلات المحاكم، والعطاءات الحكومية، والتصريحات المشفوعة بالقسم الخاصة بالانتخابات، والإفصاحات البيئية، والأعلام الشاذة، والأنماط الناشئة.

الحالة الصينية...

في حين يوجّه «الاحتواء» استخدام الهند للذكاء الاصطناعي، تشكّل «السيطرة والكفاءة» استخدام الصين له.

فالصين تظل القائد العالمي في تحول البث الإعلامي إلى الآلية. ومنذ ظهور أول مذيعين إخباريين بالذكاء الاصطناعي للمرة الأولى منذ سنوات، تطوّرت التكنولوجيا من «الروبوتات» إلى اختفاء القدرة على التمييز بين البشر و«الروبوت». ومنذ مطلع العام الحالي بدأت مؤسسات مثل «شينخوا» وشبكة تلفزيون الصين الدولية تستخدم «بشريين رقميين» بأبعاد ثلاثية بمقدورهم إذاعة أنباء عاجلة بأكثر من 20 لغة بشكل متزامن.

المذيعون الصناعيون هؤلاء مزوّدون بـ«نماذج لغة كبيرة متعدّدة الوسائط» تستطيع مزامنة الصوت مع حركة تعبيرات الوجه، والإيماءات في الوقت الفعلي. ولا يكمن سبب هذا الانجذاب في خفض التكلفة فحسب، بل يشمل الاتساق، وثبات الأداء. إذ لا تشعر الآلات بالتعب، أو الإرهاق... ولا تنحرف، أو تعيد تأويل الأشياء.

وهنا يشرح سوميت جين، المحلل الإعلامي المقيم في العاصمة الصينية بكين، قائلا: «... بالنسبة إلى الصين تتجاوز المسألة خفض التكاليف لتصل إلى القدرة على التحكم في الرواية بما يضمن توصيل رسالة الدولة كل يوم طوال أيام الأسبوع بمثالية، وباتساق لا يتغير». ويردف: «المعضلة الأخلاقية هنا عميقة، فمع صعوبة التمييز بين المذيعين الصناعيين والبشريين، يزداد الخط الفاصل بين المسؤولية التحريرية والمخرج الخوارزمي ضبابية».

في المقابل، في حين أتاح هذا التطور للإعلام الصيني العمل على نطاق هائل، فإنه أثار نقاشات جدلية على المستوى الدولي بشأن الاستقلال التحريري، والمراقبة، والرقابة. ولكن مع ذلك ترى وسائل الإعلام الصينية أن التكنولوجيا أمر لا يمكن تفاديه. ووفق المنتج الإعلامي لي واي: «إن التحول إلى الآلية في مجتمع رقمي بهذا الحجم ليس خياراً، بل ضرورة».

كوريا الجنوبية: الطابع الشخصي

بالتوازي، قادت كوريا الجنوبية صحافة الذكاء الاصطناعي إلى اتجاه مختلف نحو المبالغة في إضفاء الطابع الشخصي. إذ لم تعد الأخبار تُنقل وتُقدم باعتبار أنها منتج منفرد، بل يعاد تشكيلها باستمرار لكل مستخدم.

في العاصمة سيول لم تعد الأخبار عبارة عن «منتج» تقرأه، بل بيانات تتغير بحسب كينونتك وهويتك. فإذا كنت من الركاب في منطقة غانغنام يستخدم التطبيق الإخباري الذكاء الاصطناعي لمنح الأولوية للتحديثات الخاصة بالانتقال، والأسهم التكنولوجية. وإذا كنت طالباً فإنه يسلّط الضوء على سياسة التعليم.

وحالياً تستثمر المؤسسات الإعلامية الكورية الجنوبية، بشكل كبير، فيما تسمى «الصحافة التي تعمل آلياً» حيث تراقب عناصر الذكاء الاصطناعي بشكل آلي تلقائي مواقع التواصل الاجتماعي بحثاً عن المواضيع الرائجة، وتكتب تقارير أولية، بل وحتى تتعامل مع تحسين محركات البحث قبل أن يراها محرّر بشري.

وبهذا الشأن، حذّر محرّر بارز مقيم في العاصمة الكورية سيول خلال منتدى إعلامي نُظّم أخيراً، فقال: «مكمن الخطر هنا هو سيادة مبدأ الراحة في مجال الصحافة. فإذا أوضح الذكاء الاصطناعي للناس ما يتوافق مع عاداتهم، فسنفقد الاحتكاك والتفاعل الذي يجعل الديمقراطية ناجحة».

اليابان: ذاكرة أرشيفية

في هذه الأثناء يُستخدم الذكاء الاصطناعي في اليابان «حارساً للماضي»... إذ تحوّل هنا إلى أداة لتحقيق سلامة الأمة، وحفظ السياق التاريخي.

وبالفعل تستخدم المؤسسات الإعلامية اليابانية الذكاء الاصطناعي لوضع سياق فوري لنبأ عاجل مع صور أرشيفية، ما يوفر عدسة تاريخية عميقة تعجز الأنظمة التقليدية عن التعامل معها. ويوضح هيروشي تاناكا، المحرر البارز في طوكيو: «يستطيع الصحافيون لدينا توصيل النقاط بشكل فوري بين تحول اقتصادي حالي وتغيير في السياسات منذ ثلاثين سنة». ثم يضيف: «أصبح الذكاء الاصطناعي الشريك الخفي في كل صالة تحرير». في أي حال، يظل تركيز اليابان على استخدام التكنولوجيا في تعزيز الدقة، والجاهزية للكوارث بما يضمن أن تسهم الثواني، التي تيسر توفيرها بفضل الذكاء الاصطناعي، في إنقاذ الأرواح على أرض الواقع. هنا لا يعمل الذكاء الاصطناعي باعتبار أنه عنصر معطل، بل إنه حارس لجودة مستوى الأداء.

الخط الأخلاقي...والمهمة الجديدة للإعلام

في أي حال، يصح القول إن ظهور الذكاء الاصطناعي في جميع أنحاء آسيا حلّ محل الأدوار التقليدية لصالات التحرير. وبحلول عام 2026 تحوّلت مهام مثل كتابة تقارير الأرباح، والموجزات الرياضية، وتحديثات أحوال الطقس إلى هذه الآلية. لكن مقابل تحرير الصحافيين من العمل الروتيني المتكرّر، أدى التقدم التكنولوجي هذا إلى تزايد المخاوف من فقدان الوظائف، وتراجع الثقة.

لقد تغير دور الصحافي، حيث لم يعد يتمحور حول كتابة موضوع فحسب، بل يتعلق بإدارة «بيئة محيطة للمحتوى». والآن تتولى الآلات حالياً إنجاز تقريباً كل المهام الروتينية، مثل كتابة ما سُجل من أهداف في الألعاب الرياضية، أو موجزات أسواق الأسهم. وتقول الصحافية الهندية أنيتا ديساي: «إن الدور الجديد للصحافي هو أن يكون حارساً للحقيقة. لندع الذكاء الاصطناعي يتولى أمر البيانات، بحيث نستطيع نحن التركيز على إجراء المقابلات، وجمع المعلومات الاستقصائية، والدراما الإنسانية التي لا تستطيع الآلة الشعور بها، أو القيام بها».

وفعلاً في العام 2026 لم يعد الصحافي راوياً لقصة، بل يعد حارساً للصدقية، ومسؤولاً عن ضمان خدمة التكنولوجيا للحقيقة عوضاً عن تجاوزها.


حق رفض ملخصات «غوغل» يثير مخاوف «العقوبة الخفية» لدى الناشرين

شعار «غوغل» فوق أحد مبانيها (رويترز)
شعار «غوغل» فوق أحد مبانيها (رويترز)
TT

حق رفض ملخصات «غوغل» يثير مخاوف «العقوبة الخفية» لدى الناشرين

شعار «غوغل» فوق أحد مبانيها (رويترز)
شعار «غوغل» فوق أحد مبانيها (رويترز)

أعاد اقتراح طرحته «هيئة المنافسة والأسواق البريطانية» (CMA) لمنح الناشرين حق رفض استخدام محتواهم في تغذية ملخصات «غوغل» المعززة بالذكاء الاصطناعي، الجدل حول مستقبل العلاقة بين شركات التكنولوجيا والناشرين، وسط تساؤلات بشأن جدوى هذا الحق قانونياً وعملياً. وفي حين تُصر «الهيئة» على ألا ينعكس الرفض سلباً على ظهور المواقع في نتائج البحث، أثار خبراء مخاوف من «عقوبة خفية» قد تطال الناشرين عبر تراجع غير مُبرر في الترتيب أو الزيارات.

«هيئة المنافسة والأسواق البريطانية» كانت قد ذكرت في نهاية يناير (كانون الثاني) الماضي، أنه «ينبغي أن يكون بإمكان الناشرين إلغاء الاشتراك الذي يسمح باستخدام محتواهم في ملخصات الذكاء الاصطناعي من (غوغل)». فردت «غوغل» على الاقتراح البريطاني بإفادة، قالت فيها إنها «تدرس بالفعل تحديثات لعناصر التحكم للسماح للمواقع الإلكترونية بإلغاء الاشتراك تحديداً في ميزات الذكاء الاصطناعي التوليدي للبحث».

الدكتور السر علي سعد، الأستاذ المشارك في تخصص الإعلام الجديد بجامعة أم القيوين، رأى أنه في ضوء المقترحات البريطانية الأخيرة، يبدو منح الناشرين حق رفض استخدام محتواهم في ملخصات الذكاء الاصطناعي أو في تدريب النماذج، حقاً قانونياً مُعلناً؛ لكنه غير محصن عملياً بشكل كامل بعد.

وأوضح لـ«الشرق الأوسط» أن «هيئة المنافسة والأسواق البريطانية» تستند إلى منطق مشابه لقانون الأسواق الرقمية الأوروبي الذي «لا يجيز معاقبة الناشرين أو تهميشهم في نتائج البحث بسبب رفضهم؛ غير أن الإشكالية تكمن في أن خوارزميات الترتيب معقدة وغير شفافة، ما يجعل العقوبة الخفية ممكنة تقنياً حتى لو كانت محظورة تنظيمياً».

وتابع سعد: «لذا، فإن الضمان الحقيقي لا يتحقق إلا عبر الفصل التقني الواضح بين البحث التقليدي وخدمات الذكاء الاصطناعي، وإتاحة آليات تدقيق مستقلة وحق الطعن التنظيمي إذا ثبت تراجع غير مبرّر في الزيارات أو الترتيب، وهو ما تعمل عليه الهيئات التنظيمية حالياً وفق ما توضحه هيئة المنافسة والأسواق البريطانية والمفوضية الأوروبية».

«وكالة الصحافة الفرنسية» كانت بدورها قد أوردت بنهاية يناير الماضي أن «ناشري المواقع الإلكترونية والمؤسسات الإعلامية كانوا قد وجهوا اتهامات لروبوتات الذكاء الاصطناعي بسرقة محتواهم من دون تعويض، بهدف تغذية نماذجهم التي تقدم للمستخدمين المعلومات مرة أخرى دون الإشارة للمصدر». وأفادت «الوكالة» بأن «هذا المسار المجحف تسبب في تقليل دخول المستخدمين إلى صفحات الناشرين الأصليين، ما يقلل من عدد زوار مواقعهم، وبالتالي من عائداتهم الإعلانية».

ووفق الدكتور سعد، فإن قرار الرفض هذا «محفوف بالمخاطر»، بينما عدّ النموذج الأكثر عملية، هو ترخيص المحتوى، «وفي حال قرر الناشرون الرفض الجماعي لاستخدام محتواهم في التدريب أو في الملخصات، فإن البديل الواقعي الذي يتشكل عالمياً، هو الانتقال إلى اقتصاد ترخيص المحتوى، سواءً عبر اتفاقات ترخيص مباشرة كما حدث بين (أوبن إيه آي) ومجموعة (أليكس سبرينغر)».

سعد اقترح أيضاً نموذجاً آخر يمكن أن يكون عادلاً للطرفين، هو «نماذج مشاركة العائدات الإعلانية، أو التفاوض الجماعي للناشرين على غرار التجربة الأسترالية، إلى جانب نماذج الوصول عبر واجهات برمجية مدفوعة بدل السحب الحر للمحتوى». واعتبر أن «هذه النماذج لم تعد افتراضية؛ بل موثقة وفاعلة، وتشير بوضوح إلى تحول المحتوى الصحافي من مورد مجاني إلى أصل اقتصادي منظم في بيئة الذكاء الاصطناعي».

وفي هذا الصدد، رأى هاني سيمو، خبير المشاريع الرقمية، في حوار مع «الشرق الأوسط»، أن وجود آليات واضحة لتعويض الناشرين عن استخدام محتواهم في تدريب الذكاء الاصطناعي «يقع في صميم اهتمام جميع أصحاب المصلحة في المجال».

وأضاف: «لا نزال نسبياً في بداية عصر الذكاء الاصطناعي، ولذا أجد أن الأمور لا تزال في مراحل التشكيل والتطوير، ونتيجة لذلك غالباً ما اعتمدت (غوغل) على تعويض الناشرين من خلال اتفاقيات ثنائية لا يمكن تعميمها».


السعودية تصنع مستقبل الإعلام في منتدى عالمي

الحارثي متحدثاً خلال النسخة السابقة من المنتدى (واس)
الحارثي متحدثاً خلال النسخة السابقة من المنتدى (واس)
TT

السعودية تصنع مستقبل الإعلام في منتدى عالمي

الحارثي متحدثاً خلال النسخة السابقة من المنتدى (واس)
الحارثي متحدثاً خلال النسخة السابقة من المنتدى (واس)

أكَّد محمد بن فهد الحارثي، رئيس المنتدى السعودي للإعلام، أن قطاع الإعلام في السعودية يحظى بأولوية وطنية بوصفه أداة للقوة الناعمة وصناعة الوعي. وأشار الحارثي، في حوار مع «الشرق الأوسط»، إلى أن رعاية خادم الحرمين الشريفين الملك سلمان بن عبد العزيز تمنح المنتدى بُعداً يُعزز من مكانة المملكة بوصفها مركزاً إعلامياً عالمياً.

وكشف رئيس المنتدى السعودي للإعلام، الذي سينطلق الاثنين 2 فبراير (شباط) المقبل، عن تفاصيل «بوليفارد 2030» التي تحتفي بمشروعات السعودية، وتأتي بالتزامن مع مرور 10 أعوام على إطلاق الرؤية، وعن إطلاق أول جائزة عالمية في فئة غير مسبوقة للمحتوى المُولّد بالذكاء الاصطناعي.

رعاية ملكية للمنتدى

وقال الحارثي إن رعاية خادم الحرمين الشريفين لنسخة هذا العام رسالة واضحة بأن الإعلام يحظى بأولوية وطنية، بوصفه أداة للقوة الناعمة وصناعة الوعي، ما يجذب نخبة من صناع القرار والخبراء الدوليين، ويرسخ مكانة السعودية مركزاً إعلامياً يصنع التأثير، ويقود الحوار حول مستقبل الصناعة في عالم سريع التحول.

وأوضح أن المنتدى يتميز بأنه حراك استراتيجي متواصل يترجم «رؤية المملكة 2030»، وأن ما يميزه هو التكامل بين الحوارات المهنية والمبادرات العملية، ومن ذلك معرض «فومكس» والجائزة السعودية للإعلام، ما يخلق منظومة شاملة تنتج مخرجات ملموسة.

وأضاف: «نحن نضيف للقطاع بُعداً مستقبلياً من خلال استكشاف تأثير الذكاء الاصطناعي، وبناء جسور التواصل مع المؤسسات العالمية، وتمكين الكوادر الوطنية، بما يجعل المنتدى رافداً حقيقياً لتطوير الصناعة محلياً وإقليمياً».

وأكد الحارثي أن المنتدى هذا العام يكتسب بُعداً استثنائياً بتزامنه مع مرور 10 أعوام على إطلاق الرؤية، وسيشهد للمرة الأولى إطلاق «بوليفارد 2030»؛ وهي مساحة تستعرض منجزات برامج الرؤية والمشروعات الضخمة (مثل الدرعية، والعلا، والبحر الأحمر، والقدية)، بجانب معرض مستقبل الإعلام.

أول جائزة عالمية للذكاء الاصطناعي

وعن قدرة المنتدى على مواكبة التحولات العالمية، قال الحارثي إن شعار المنتدى، «الإعلام في عالم يتشكل»، يعكس إدراكاً عميقاً للتحولات الجيوسياسية والتقنية. وقال: «ستعقد أكثر من 150 جلسة حوارية تغطي موضوعات متنوعة، من توظيف الذكاء الاصطناعي إلى اقتصاد الإعلام والترفيه، ومن أبرز الإنجازات أن النسبة الأكبر من المتحدثين هم قيادات إعلامية دولية بارزة تزور السعودية للمرة الأولى. كما أضفنا للجائزة السعودية للإعلام فئة غير مسبوقة للمحتوى المُولّد بالذكاء الاصطناعي، لتكون أول جائزة عالمية في هذا المجال».

وعن مساهمة المنتدى في بناء جسور التفاهم مع المؤسسات العالمية، وتصحيح الصورة الذهنية، قال الحارثي إن المنتدى يُمثل أداة قوة ناعمة؛ من خلال مبادرة «SMF Connect» تربط الإعلاميين السعوديين بنظرائهم عالمياً. وأضاف: «لقد لمسنا أن الإعلامي الأجنبي حين يأتي للسعودية يخرج بانطباعات إيجابية، وبعضهم اعترف بأن نظرته للمملكة كانت مبنية على معلومات غير دقيقة قبل أن يخوض التجربة المعيشة، ويرى الإنجازات بنفسه في الرياض».

وأوضح الحارثي أن أبرز التحديات التي تواجه الإعلام السعودي حالياً، هي مواكبة التقنيات المتسارعة، وبناء كوادر مؤهلة في المجالات المستقبلية، وتعزيز المنافسة العالمية للمحتوى السعودي. وعن آلية عمل المنتدى على مواجهتها، قال الحارثي: «إن ذلك يتم عبر برامج متخصصة مثل مبادرة (غرفة العصف)، وهي مساحة مُصمَّمة للعصف الذهني وصناعة الأفكار؛ حيث يجتمع الشباب الموهوبون مع الخبراء والمختصين في جلسات منظمة لاستكشاف قضايا الإعلام الراهنة، وتوليد أفكار برامجية ورقمية يتم تبنيها من مؤسسات إعلامية أو إنتاجية مختلفة، ومبادرة نمو (SMF GROW UP) الداعمة للشركات الناشئة، وهي بالشراكة مع برنامج ضمان تمويل المنشآت الصغيرة والمتوسطة (كفالة) والفرصة متاحة للمؤسسات الإعلامية لكي تستفيد من هذه المبادرة».

محمد بن فهد الحارثي رئيس المنتدى السعودي للإعلام (المنتدى)

«سفراء الإعلام»

ومبادرة «سفراء الإعلام» التي تُهيئ طلاب الجامعات ليكونوا جيلاً جديداً من الكوادر المهنية القادرة على المنافسة إقليمياً ودولياً. ونفخر بأن معظم الشباب والشابات الذين يعملون في فريق المنتدى في هذه النسخة هم من مخرجات هذه المبادرة في نسختيها السابقتين.

وأشار الحارثي إلى أن التحول الرقمي والذكاء الاصطناعي محوران رئيسيان في نسخة المنتدى 2026، وأضاف: «خصصنا جلسات متعمقة لاستكشاف توظيف الذكاء الاصطناعي في الصحافة وصناعة المحتوى، والبنية الرقمية للإعلام، كما أطلقنا فئة جديدة في الجائزة السعودية للإعلام للمحتوى المُولّد بالذكاء الاصطناعي، وهي نقلة نوعية تُعيد تشكيل مفهوم الصناعة الإبداعية، وتهدف هذه الخطوات إلى تحفيز الابتكار وبناء ثقافة تجريبية لدى الإعلاميين، بما يجعل المملكة في طليعة الدول المستفيدة من التقنيات المتقدمة. ومن مبادرات المنتدى المتخصصة في هذا الإطار، (معسكر الابتكار الإعلامي) الذي يُركز على الذكاء الاصطناعي وتحليل البيانات».

توسع في الجائزة السعودية للإعلام

وأوضح الحارثي طبيعة التوسع الذي شهدته الجائزة السعودية للإعلام، عبر 4 مسارات تغطي 14 فرعاً؛ حيث تمثلت الإضافة الأبرز في استحداث فئة المحتوى المُولَّد بالذكاء الاصطناعي ضمن مسار المحتوى المرئي والمسموع، لتكون بذلك أول جائزة عالمية متخصصة في هذا المجال ضمن منظومة الجوائز المهنية. كما أُضيفت جائزة «المنافس العالمي» التي تكرّم المبادرات الإعلامية السعودية ذات الحضور والتأثير الدولي، بهدف تحفيز المنافسة العالمية وترسيخ ثقافة الابتكار.

وعمّا إذا كان قد انعكس هذا التوسع في الجائزة على نتائج المشاركة في فروعها، قال الحارثي: «إن الجائزة تجاوزت البُعد المحلي لتصبح منصة عالمية حقيقية؛ حيث استقطبت مشاركات من أكثر من 20 دولة، بزيادة قدرها 200 في المائة في المشاركات الدولية مقارنة بالنسخة السابقة، يشمل ذلك تنوعاً جغرافياً استثنائياً يشمل دولاً عربية، ويمتد إلى قوى إعلامية عالمية، مثل الصين وأميركا وبريطانيا وألمانيا وفرنسا، إضافة إلى سنغافورة وسويسرا وهولندا، ونجح هذا الحضور الدولي في رفع سقف المنافسة؛ حيث تأهل أكثر من 500 عمل للفرز النهائي ضمن 14 فرعاً مهنياً، وسيحتفي المنتدى بالفائزين من مختلف أنحاء العالم، في حفل التكريم يوم 4 فبراير (شباط) 2026».

بالإضافة إلى الجائزة، أصبح للمنتدى مبادرات متعددة. وعن أهميتها في تعزيز قطاع الإعلام السعودي، قال الحارثي: «إن المبادرات تحوّل المنتدى من فعالية سنوية إلى عمل مؤسسي مستدام وحراك متواصل، فمبادرة (ضوء المنتدى) تنقل النقاشات الإعلامية لمختلف مناطق المملكة، و(غرفة العصف) تخلق مساحة لصناعة الأفكار الإبداعية، في حين (سفراء الإعلام) تبني جيلاً جديداً من الكوادر الأكاديمية بخبرة ميدانية مبكرة، وهذه المبادرات مجتمعة تُسهم في بناء بيئة إعلامية ممكّنة، وتعزز القدرات الوطنية، وتضع المملكة في موقع القيادة الإعلامية إقليمياً ودولياً».