مدير مكتب «الجزيرة الإنجليزية» السابق بالقاهرة: الصحافيون العرب يدركون مخاطر الإرهاب

فهمي قال لـ«الشرق الأوسط» إنه سيعتزل الصحافة لفترة ويعمل على استعادة جنسيته المصرية

محمد فهمي المدير السابق لقناة «الجزيرة» الإنجليزية («الشرق الأوسط»)
محمد فهمي المدير السابق لقناة «الجزيرة» الإنجليزية («الشرق الأوسط»)
TT

مدير مكتب «الجزيرة الإنجليزية» السابق بالقاهرة: الصحافيون العرب يدركون مخاطر الإرهاب

محمد فهمي المدير السابق لقناة «الجزيرة» الإنجليزية («الشرق الأوسط»)
محمد فهمي المدير السابق لقناة «الجزيرة» الإنجليزية («الشرق الأوسط»)

قال مدير مكتب قناة «الجزيرة الإنجليزية» السابق في القاهرة، الصحافي الكندي من أصل مصري محمد فهمي، إن الرئيس عبد الفتاح السيسي أنقذ مصر من الفوضى وخلص البلاد من الجماعات المتطرفة ليحميها من مصير دول مثل ليبيا وسوريا والعراق، وشدد في حوار مع «الشرق الأوسط» على أنه أصبح يوجد إدراك لدى كثير من الصحافيين العرب لما يحدث الآن من حرب عالمية ضد خطر الإرهاب.
وألقت السلطات المصرية القبض على فهمي أواخر عام 2013 أثناء عمله مديرا للقناة القطرية انطلاقا من فندق ماريوت الشهير بالقاهرة، مع صحافيين آخرين مصريين وأجانب، وجرى اتهامهم بالانتماء لجماعة الإخوان وفبركة مواد إعلامية لخدمة الجماعة. وعرفت القضية التي حظيت باهتمام محلي ودولي باسم «خلية الماريوت».
وينكر المتهمون هذه الاتهامات. وحكم على فهمي بالسجن سبع سنوات، لكن محكمة أعلى أعادت نظر القضية وقررت إصدار حكم فيها يوم 29 من الشهر الحالي، بينما قامت السلطات المصرية بترحيل زميل فهمي، الصحافي الأسترالي بيتر غريست. ويوجد في القضية محكومون مصريون وأجانب بعضهم فر خارج البلاد.
وعمل الصحافي الذي حصل على الجنسية الكندية عقب هجرته إليها عام 1992 في صحيفة «لوس أنجليس تايمز» وقنوات «دبي» و«الحرة» و«سي إن إن»، قبل أن يدير الجانب التحريري في قناة «الجزيرة الإنجليزية» بمصر في سبتمبر (أيلول) 2013، عقب الإطاحة بحكم الرئيس الأسبق محمد مرسي.
وقال فهمي إنه في حال براءته أو تثبيت الحكم بالسجن عليه، فإنه سيسعى للحصول على عفو وترحيل من البلاد، كما جرى مع زميله الأسترالي. وأضاف أنه سيعتزل الصحافة لفترة ويعمل في التدريس في جامعات غربية، مع اتخاذ إجراءات لاستعادة جنسيته المصرية. وإلى أهم ما جاء في الحوار..
> كيف بدأت مهنة الصحافة؟ ومن أين بدأت؟
ـ بدأت العمل في الصحافة رسميا منذ أول يوم من الحرب الدولية على العراق في عام 2003. دخلت أول يوم في وقت ضرب بغداد. كنت أعمل لصالح صحيفة «لوس أنجليس تايمز». كنت في ذلك الوقت مقيما في الكويت. في البداية كنا نغطي الأحداث من الكويت على أساس أن الكويت هي أقرب نقطة من العراق، وأنها مكان أساسي لكل الصحافة الأجنبية. كان هناك خوف من أن صدام حسين سوف يقوم بالرد بإطلاق أسلحة كيماوية. دخلت العراق مع بداية الحرب ومكثت في العمل مع هذه الصحيفة سنة تقريبا.
> لكنك انتقلت للعمل الإعلامي التلفزيوني.
ـ بعد تجربة حرب العراق التحقت بتلفزيون «دبي» لمدة سنتين، ثم توليت موقع مدير غرفة أخبار قناة «الحرة» في كل من دبي ومصر. وبعدها عملت لمدة سنة مع الصليب الأحمر الدولي في عام 2007.
> في أي بلد؟
ـ في لبنان.. أيام معركة نهر البارد، في الشمال.
> كإعلامي أم كمتطوع؟
ـ عمل إنساني وخيري.. استمر لمدة سنة، حيث كنت أعمل في السجون اللبنانية مسؤولا عن حماية حقوق المساجين السياسيين. أنا كنت أدخل على المساجين السياسيين لكي أرى إن كان أي منهم يتعرض للتعذيب أو يحتاج لعلاج أو يريد أن ينتقل لعنبر آخر، وما إذا كان يريد أن يرسل رسائل لأهله أو أن أهله يريدون أن ينقلوا له رسائل. وأبحث إن كان محامي السجين موجودا أم أنه يريد محاميا. وحين دخلت السجن في مصر كنت أفكر فيما إذا كنت سأجد متطوعين من الصليب الأحمر يبحثون في أحوال المساجين. المهم.. العمل مع الصليب الأحمر يختلف تماما عن العمل في الصحافة. في الصليب الأحمر توقع على إقرار بأنك لا تتحدث للصحافة، فعملك كله في الخفاء.. عمل إنساني وخيري بين الدول والمنظمات. هذا أفادني كثيرا.
> كانت «سي إن إن» مهتمة بقضيتك. متى بدأت العمل مع هذه القناة؟
ـ مع بداية ما يعرف باسم «الربيع العربي»، في 2011، عملت مع «سي إن إن» لمدة ثلاث سنوات مراسلا ومعدا. وعملت لها في مصر وليبيا وسوريا. كنا نعمل 7 أيام في الأسبوع ولمدة 24 ساعة في اليوم. كان عملا كبيرا جدا. استمر هذا إلى أن تركت القناة قبل مظاهرات 30 يونيو (حزيران) بأيام ضد حكم جماعة الإخوان في مصر. خلعت قبعة الصحافي ونزلت أهتف في شوارع القاهرة ضد الإخوان. كنت أصور طائرات الجيش وهي تحيي المتظاهرين في الميادين. كنت أشعر بالراحة والفرح لأن السيسي خلصنا من الإخوان.
> لكن في ذلك الوقت كانت المحطات الغربية بما فيها «سي إن إن» تتحدث عن مرسي وكأنها لم تكن تحبذ عزله قبل استكمال مدة رئاسته المقررة بأربع سنوات. ما رأيك؟
ـ أنا أعترف بأهمية الديمقراطية، خصوصا أنني درست في الخارج، وأعرف أهمية أن يكون هناك اختيار من جانب الشعب، ولكن أنا كنت أنظر إلى الإخوان كأنهم سرطان يجري في جسد إنسان مريض وكنت لا أعتقد أن أربع سنوات من العلاج الكيماوي ستفيد. وكان يجب استئصال الورم قبل انتشار السرطان. هذا التشبيه الذي رأيته. أنا كنت أرى بعين الصحافي ما يجري على الأرض. شعوري كان أن البلاد مقبلة على فوضى مثل ما يحدث في سوريا وليبيا والعراق. كنت أشعر بالقلق على الخميرة المصرية المعتدلة التي فيها أمان للناس والنساء وتنوع الثقافة. كنت أقف أمام السفارة الأميركية وكنت أقول لـ«سي إن إن» على الهواء إن علم تنظيم القاعدة يرفرف فوق سور السفارة الأميركية من جانب المتشددين.
> لماذا تركت «سي إن إن» في ذلك الوقت؟
ـ أخذت راحة.. انخرطت في المظاهرات ضد الإخوان، إلى أن أتاني اتصال هاتفي من قناة «الجزيرة الإنجليزية». قالوا لي تعال امسك المكتب الإنجليزي في القاهرة. ومن المهم جدا ذكر كلمة القناة الإنجليزية لأنني كنت لا أنظر بارتياح لقناة «الجزيرة» بالعربي ولا لقناة «الجزيرة مباشر مصر». كنت ألمس فيهما نبرة تحريضية، لكن القناة الإنجليزية كان يعمل فيها عدد من أصدقائي. كنت أعلم أن خطها العام وأداءها مختلف تماما. وافقت على العمل معهم لكن بشروط جرت الموافقة عليها.
> وما هي هذه الشروط؟
ـ أن يتم الفصل تماما بين عملي الذي أقوم به في قناة «الجزيرة الإنجليزية» والعمل الذي تقوم به «الجزيرة مباشر مصر» و«الجزيرة» العربي. وأن أتولى بنفسي جمع المعلومات وأن أختار الضيوف وألا يعمل الصحافيون الموجودون في «الجزيرة الإنجليزية» مع «الجزيرة» العربي أو «مباشر مصر». وألا يكون هناك تبادل للمادة الإعلامية بينهم. كان الوقت في شهر سبتمبر 2013. وعلى هذا بدأت وأخذت الموضوع كتحد، خصوصا أن كثيرا من الناس.. أقصد من أسرتي، قالوا لي خذ حذرك من «الجزيرة». قلت لهم «الجزيرة الإنجليزية» مختلفة تماما عن العربي، واكتشفت فيما بعد، وأنا في السجن، أن هذا كان سوء تقدير مني. فلأول مرة أكتشف، وأنا في قفص السجن، أن النيابة قدمت أوراقا للقاضي تفيد بأن جميع قنوات «الجزيرة»، بما فيها الإنجليزية، كان قد تم سحب رخص عملها من مصر، قبل أن أتولى مسؤولية القناة الإنجليزية بأيام قليلة، دون أن يخبرني أحد بذلك.
> هل تنازلت عن الجنسية المصرية بالفعل؟
ـ للأسف.. نعم. هذا الأمر جرى في ظروف صعبة. ومن حقي أن أستعيد الجنسية المصرية. وسأقوم بذلك فور الانتهاء من القضية التي تشغل كل تفكيري اليوم.
> ظروف عصيبة.. كيف؟
ـ حين صدر قرار من السلطات المصرية بترحيل المتهمين الأجانب في القضية، أعلنت من محبسي أنني لن أتنازل عن الجنسية المصرية، لأنه كان هناك ضغط من المحامين لكي أتنازل عن الجنسية حتى أتمكن من الاستفادة من قرار ترحيل الأجانب. أي أتنازل في مقابل الترحيل من مصر. لكنني رفضت. وبعد ذلك جاء لي أحد مندوبي جهاز أمني مصري في محبسي، وطلب مني التنازل عن الجنسية لمساعدتي كما ذكر لي. قال لي إن هذا لمساعدتك، وإن هذا الكلام قادم من مستويات عليا في الدولة؛ لأن هذا هو الطريق الوحيد للخروج لك ولزميلك بيتر غريست. وقال أيضا: نحن نعلم أنك لست من جماعة الإخوان. إلا أنني رفضت هذا الطلب أيضا. وقلت لن أتنازل عن الجنسية. وبعد ذلك قدم لي هذا المندوب هاتفا جوالا لأرد عليه بعد أن اتصل منه برقم معين، وكان على الطرف الآخر مسؤول كبير في الدولة لن أذكر اسمه، تحدث معي وقال لي يا محمد نحن نعلم أنك بريء وأنك لست من الإخوان، ويمكنك أن تقدم للحصول على الجنسية المصرية مرة أخرى فيما بعد من خلال مجلس الدولة. ويمكنك أيضا، إذا أردت، أن تأتي لمصر كسائح. ولو تنازلت فسيتم ترحيلك. وقال لي أيضا إن الجنسية في القلب وليست ورقة.
> وهل قررت التنازل عن الجنسية بناء على هذا الاتصال؟
ـ نعم.. أنا بعد هذه المكالمة حسبتُ المسألة، وقلت لنفسي إن أسرتي تعذبت معي بسبب هذه القضية، وإن إجراءات نقض الحكم يمكن أن تستمر لفترة طويلة وهكذا.. المهم تنازلت وأخبرت المحامين الذين معي. وأخبرت السفارة الكندية والسفير الكندي في القاهرة. وعلى ذلك كان الكلام كله أنه سيتم ترحيلي إلى كندا. حتى وزير الخارجية الكندي حين جاء في زيارة لمصر، منذ أكثر من شهر، أعلن أنه سيتم ترحيلي خلال أيام. وعلى هذا تقدمت زوجتي باستقالتها من عملها في إحدى شركات الاتصالات بالقاهرة استعدادا للرحيل معي وجاءوا لي بحقائبي إلى السجن، لكن فجأة، ودون أي أسباب، جرى ترحيل غريست فقط. أنا سعيد جدا لترحيل غريست، لأنه تعب كثيرا في السجن خصوصا أنه أجنبي ولا يتحدث اللغة العربية. المهم تقررت إعادة المحاكمة وجرى منع خروجي من مصر. أي أن اسمي موجود على قوائم منع السفر في المطار. ويوجد أمر قضائي بأن أذهب للتوقيع كل يوم في قسم الشرطة في الدائرة التي أسكن فيها في ضاحية الزمالك. والموضوع أصبح صعبا وليس سهلا.
> لو جرى ترحيلك فهل ستواصل العمل في الصحافة؟
ـ لا.. قررت الحصول على وقت طويل للاستراحة قبل أن أعود للعمل الصحافي. أنا منذ نحو 19 شهرا، أي منذ بدء القضية، في ضغط نفسي رهيب. أنا كنت قد هيأت نفسي لاستكمال حياتي في كندا. وقعت عقدا للتدريس في جامعة بريتش كولومبيا في هانكوفر لتدريس الصحافة، ووقعت عقدا آخر مع جامعة ميتشغان، للتدريس أيضا.. هذه ستكون بمثابة فترة انتقالية أرتاح فيها نفسيا وأعيد ترتيب أوراقي قبل أن أعود للعمل صحافيا. كما أنني سأقدم على الجنسية المصرة لكي أستعيدها، لأن الطريقة التي تنازلت بها عن الجنسية طريقة غير دستورية وتعتبر تحت الضغط.
> ما علاقتك بكندا؟
ـ أنا هاجرت لكندا سنة 1992 بعد تخرجي في المدرسة الثانوية الأميركية في مصر. درست في الكويت حتى الصف الأول الثانوي ودخل صدام حسين حرب الخليج الأولى. فعدت لمصر. ثم سافرت وأخذت الجنسية الكندية. وبعد كل هذه السنوات من العمل في الإعلام، وصولا إلى القضية التي سيجري الفصل فيها قبل نهاية هذا الشهر، أجد أن مشاعري تغيرت حين جرى سحب الجنسية المصرية مني. نعم.. شعرت بإهانة فظيعة. ورددت على ذلك بأن قمت برفع علم مصر في المحكمة. جدي كان مدير أمن محافظة الجيزة، ثاني أكبر المحافظات المصرية، وجدي الآخر كان مستشارا في وزارة العدل بمصر. وأخوالي ضباط في القوات المسلحة. التنازل عن الجنسية المصرية كان بالنسبة لي شيئا صعبا. أصبت بالاكتئاب. أن تؤخذ جنسيتك مثل أن تؤخذ حياتك.



لماذا يهتم الإعلام العالمي بحروب ويتجاهل أخرى؟

لقطة من حرب أوكرانيا (آ ف ب)
لقطة من حرب أوكرانيا (آ ف ب)
TT

لماذا يهتم الإعلام العالمي بحروب ويتجاهل أخرى؟

لقطة من حرب أوكرانيا (آ ف ب)
لقطة من حرب أوكرانيا (آ ف ب)

في حين تتصدر بعض الحروب والنزاعات اهتمامات وسائل الإعلام الدولية، فإن حروباً أخرى قد تكون أكثر مأساوية، تتوارى ولا تجد طريقها إلى العناوين الرئيسية. وهذا ما أرجعه خبراء لأسباب عدة من بينها هيمنة الغرب على الإعلام، وقلة اهتمامه بالصراعات في الدول الفقيرة، إضافةً إلى مستوى تعقيد نزاعٍ ما وطول أمده.

في تقرير نشره «معهد رويترز لدراسات الصحافة»، أخيراً، ذكر أنه بخلاف نزاعَي أوكرانيا والشرق الأوسط، «من غير المرجح أن تحظى حروب أخرى باهتمام الإعلام الدولي». ولفت التقرير إلى أنه «بدءاً من عام 2025، كان هناك 59 نزاعاً نشطاً بين دول حول العالم، وهو أعلى عدد منذ الحرب العالمية الثانية وفقاً لمعهد الاقتصاد والسلام».

أيضاً تضمّن تقرير «معهد رويترز» مقابلات مع ثلاثة صحافيين من بوركينا فاسو وأوغندا وإثيوبيا سبق لهم تغطية نزاعات وحروب، أعربوا كلهم عن إحباطهم من ضعف التغطية لقصص لها تأثير إنساني عميق.

ثم أشار التقرير إلى أن «الأزمات في الدول الفقيرة، خصوصاً في أفريقيا، تحظى باهتمام أقل من غيرها... وأنه خلال عام 2024 رصد المجلس النرويجي للنازحين تغطية إعلامية ضئيلة لأكثر أزمات النزوح، ثمانٍ منها كانت في أفريقيا، حيث تصدّرت الكاميرون وإثيوبيا وموزمبيق القائمة».

الأهمية الجيوسياسية

وأضاف أن «التغطية الإعلامية للنزاعات تعكس رؤية ضيقة تشكلها الأهمية الجيوسياسية أكثر من الإلحاح الإنساني». ثم لاحظ أن نتائج دراسة لـ«المرصد الأوروبي للصحافة» بيّنت إن «نحو 10 في المائة فقط من وقت البث في نشرات الأخبار العامة في ألمانيا وسويسرا والنمسا يُخصص لدول الجنوب العالمي».

محمد عبد الحميد عبد الرحمن، الصحافي السوداني ورئيس تحرير القسم العربي في إذاعة هولندا العالمية ومدير وكالة السودان للأبناء سابقاً، رأى أن «هناك علاقة معقدة بين الإعلام والسياسة والرأي العام». وأوضح في مقابلة مع «الشرق الأوسط» أن «الإعلام في أثناء الحرب لا يغطي ولا يعكس الواقع كما هو، بل يعكس ما يُعد مهماً أو قابلاً للتسويق أو يخدم سرديات معينة، لذلك تختلف التغطية من حرب إلى أخرى». ثم أردف: «المصالح الجيوسياسية، خصوصاً للدول الكبرى وحلفائها، وتحديداً أميركا ودول غرب أوروبا، هي التي تحدد مدى وكيفية تغطية الحروب ومبرّراتها وفظائعها ومترتباتها الإنسانية الفادحة».

ومن ثم، أضاف عبد الرحمن، الذي عمل خلال مسيرته المهنية مراسلاً حربياً في السودان والشرق الأوسط وأفريقيا وآسيا: «الاهتمام الإعلامي الدولي بالحروب يتناسب طردياً مع مدى تأثيرها على مصالح القوى الدولية والإقليمية واستراتيجياتها إلى حد ما»، لافتاً إلى تراجع الاهتمام بالوضع في السودان مع اندلاع حرب غزة، وتراجع الاهتمام بغزة في ظل استحواذ أوكرانيا على الاهتمام.

بعدها تطرّق الصحافي السوداني إلى «عوامل أخرى تؤثر في تغطية الحروب؛ من بينها البُعد الجغرافي لموقع الحرب عن مواقع مؤسسات الإعلام الدولية الكبرى، حيث غالباً ما تهم النزاعات التي يصعب الوصول إليها». وفي مقارنة بين حرب أوكرانيا والنزاع الممتد منذ عقود في الكونغو الديمقراطية، قال عبد الرحمن إن «وسائل الإعلام تتجنّب الخوض في النزاعات المعقّدة التي تتطلّب معرفة معقولة بخلفياتها، وتميل إلى التركيز على النزاعات التي يمكن تبسيطها إلى نزاع بين قوى شريرة وأخرى خيّرة ومظلومة».

الدمار في غزة (آ ف ب)

ملاحقة الجديد وهجر الحروب الطويلة

وأردف: «الصحافيون وأجهزة الإعلام عادةً ما يميلون إلى ملاحقة الجديد والابتعاد عن الحروب الطويلة، فكل كارثة تسرق الأضواء من سابقاتها، لكن رغم ذلك تلعب التغطية الإعلامية دوراً مهماً جداً، بل وحاسماً في بعض الأحيان، لتشكيل الرأي والضغط على أطراف النزاع والمجتمع الدولي للتخفيف من حدة النزاع أو تصعيده حسب المصالح المعرَّضة للخطر جرّاء استمرار الحرب».

من ناحية أخرى، وفق محمد عبد الحميد عبد الرحمن، «التغطية المتحيزة أو المتأثرة بالمصالح قد تعمل في بعض الأحيان على إطالة أمد الحرب؛ ذلك إلى أن استمرار تغطية نزاعٍ ما لفترة طويلة لا يعني بالضرورة استمرار اهتمام الرأي العام به، بسبب ما يمكن أن نسميه إرهاق التغطية والمتابعة والتعاطف».

وتابع: «لا تؤدي التغطية المكثفة بالضرورة إلى إنهاء النزاعات والميل إلى إنهائها كما نلاحظ بوضوح في الصراع الفلسطيني - الإسرائيلي... لأن المواقف الدولية تحكمها المصالح والتحالفات ولا تخضع في معظم الأحيان للضغط الإعلامي».

على صعيد متصل، وفق تقرير «معهد رويترز»، فإن «النزاعات بين الدول المستقلة تحظى بتغطية أكبر من النزاعات الداخلية؛ نظراً إلى تأثيرها الأوسع على السياسة العالمية والاستقرار الاقتصادي. أما النزاعات في المناطق الأقل تأثيراً اقتصادياً، فمن المرجح تجاهلها بغضّ النظر عن شدّتها أو آثارها الإنسانية... يلعب القرب الثقافي دوراً في تحديد الخبر المهم، وغالباً ما تحظى النزاعات التي يشعر الجمهور الغربي بأنها أقرب إليه بتغطية كبرى».

هنا أرجع يوشنا إكو، الباحث الإعلامي الأميركي، ورئيس ومؤسس «مركز الإعلام ومبادرات السلام» في نيويورك، غياب بعض الحروب عن العناوين الرئيسية، جزئياً، إلى «هيمنة الغرب على وسائل الإعلام والاتصال». وقال لـ«الشرق الأوسط» خلال حوار معه، إن «تجانس المحتوى الإعلامي يزيد من تفاقم أوجه عدم المساواة أو الاختلال في التوزيع العالمي للمحتوى الإعلامي».

وقارن بين حجم التغطية الإعلامية للحروب الجارية في أوكرانيا وإيران، وحجم التغطية للحروب المستعصية المستمرة منذ عقود في الصومال والسودان وجمهورية الكونغو الديمقراطية، فنبّه إلى أن «توزيع وسائل الإعلام يفترض ضمناً هيمنة السياسة والاتصال ورأس المال».

لجنة ماكبرايد

كذلك تطرّق إكو إلى إنشاء «اللجنة الدولية لدراسة مشكلات الاتصال» عام 1977 برئاسة الآيرلندي شون ماكبرايد (حامل جائزة نوبل للسلام)، ومشاركة ممثلين من 15 دولة أخرى. وقال إن اللجنة أعدَّت فيما بعد تقريراً بعنوان «أصوات متعددة... عالم واحد»، عُرف بـ«تقرير ماكبرايد»، شدد على «وجود اختلال فادح بين الشمال والجنوب، لا تزال أصداؤه تتردد إلى اليوم».

وللعلم، كان إكو قد أجرى عام 1991 دراسة حول تغطية الصحف النيجيرية للأزمات الإقليمية والدولية، كدراسة حالة عن ليبيريا وحرب الخليج. وذكر أن «الدراسة أظهرت أن وسائل الإعلام الغربية آنذاك، لا سيما (سي إن إن) الأميركية و(بي بي سي) البريطانية كانتا تقودان السرديات المتعلقة بالحروب... وهذا الوضع لم يتغير، إذ ما زال الإعلام الغربي يهيمن على سرديات الحروب حتى الآن».

أما بالنسبة إلى «حرب غزة»، فقد أورد تقرير «معهد رويترز» أنه «رغم التغطية الكبيرة للحرب في غزة، فإن بعض الضحايا يحظون باهتمام إعلامي أكبر من غيرهم. حيث كانت التغطية الإعلامية لكل قتيل إسرائيلي أعلى بـ33 مرة من نظيرتها للقتيل الفلسطيني في محتوى (بي بي سي) خلال سنة».

وهنا علّق خالد القضاة، عضو مجلس نقابة الصحافيين الأردنيين، في لقاء مع «الشرق الأوسط» فقال إن «الواقع يؤكد أن موضوع الحياد الإعلامي غير موجود، فبعض المؤسسات الإعلامية هي انعكاسات لسياسات دولية وتنسجم مع مواقفها فيما يتعلق بالحروب والنزاعات».

وأوضح أن «تغطية النزاعات والحروب تختلف بين المتابعة داخل دولة النزاع نفسها والتي تتعرض لانحيازات حسب مواقف الدولة وأطراف الصراع، والتغطية في المؤسسات الدولية التي تنحاز أيضاً إلى مواقف دولها واهتمامات شعوبها». وشدد من ثم على «ضرورة التنوع في مؤسسات الإعلام من أجل تقليل درجة الانحياز في تغطية النزاعات وضبط المصطلحات والمواقف وزيادة الاهتمام بالنزاعات المهملة».


ما تأثير تحديثات «إكس» للروابط الخارجية على المحتوى والجمهور؟

شعار "إكس" فوق أحد مقراتها في سان فرانسيسكو (رويترز)
شعار "إكس" فوق أحد مقراتها في سان فرانسيسكو (رويترز)
TT

ما تأثير تحديثات «إكس» للروابط الخارجية على المحتوى والجمهور؟

شعار "إكس" فوق أحد مقراتها في سان فرانسيسكو (رويترز)
شعار "إكس" فوق أحد مقراتها في سان فرانسيسكو (رويترز)

على الرغم من تراجع منصة «إكس» عن دعم الأخبار المعززة بروابط خارجية، فإن تعديلات خوارزمية أخيرة أجرتها المنصة «قد تعيد المحتوى الإخباري إلى واجهة الاهتمامات بشرط تغيير عقيدة النشر التقليدية».

هذا التحول لم يعد مجرّد تكهّن تقني؛ بل أثبتته الأرقام في دراسة حديثة أجراها مختبر «نيمن لاب» للصحافة التابع لجامعة هارفارد الأميركية، وأشارت إلى «عقوبات خوارزمية» غير مُعلنة تواجهها الروابط الخارجية، مقابل مكافآت لمنتجي المحتوى داخل المنصة.

الدراسة، التي نشرت نتائجها في أبريل (نيسان) الحالي، أوضحت أن «الناشرين الذين يعتمدون على نشر عنوان الخبر مرفقاً برابط يُخرج المستخدم من التطبيق لصالح بقائه على المنصة الإخبارية مالكة الخبر، باتوا يعانون من تراجع حاد في معدلات الوصول».

بينما رصدت الدراسة عدة عوامل أخرى قد تدفع بالأخبار إلى الواجهة. مثلاً، وجدت أن التغريدات التي تبدأ بعبارة «خبر عاجل» حققت تفاعلاً يزيد بمقدار 4 أضعاف بشرط أن يكون المحتوى مكتوباً بأسلوب «أصلي» يغني القارئ عن الخروج من المنصة.

أيضاً، حذّرت الدراسة من أن الخوارزمية أصبحت تتعامل بصرامة مع مقاطع الفيديو «المعاد تدويرها» من منصات أخرى؛ إذ يُخفض الوصول للفيديوهات التي تحمل علامات مائية لمنصة أخرى مثل «تيك توك» بنسبة تصل إلى 90 في المائة.

مستشار الإعلام الرقمي، رامي الطراونة، قال لـ«الشرق الأوسط» معلقاً إن «إكس» تسعى - حالها كحال جميع المنصات – إلى تعزيز وقت مكوث المستخدمين عليها لأطول مدة ممكنة. وأوضح أن الهدف هو بقاء المستخدم، غير أن «المنصة معنية كذلك بالحفاظ على طابع وصبغة محتواها الإخباري الملخص والمركز، مستغلة ميل المتابعين إلى تجربة مبسطة تتضمّن أقل عدد ممكن من التنقل والنقرات مع أكبر زخم من المعلومات (المعلبة) في المكان نفسه». وتابع: «لذلك فإن المنشورات التي تكتفي برابط وعنوان دون تفاصيل لم تَعُد تحظى بمكانتها السابقة، بينما باتت الأفضلية أوضح للمحتوى الذي يقدم الخبر نفسه داخل المنشور».

حسب الطراونة فإن «إكس» لا تعادي الأخبار؛ لكنها لم تعد تكافئ «الكسل التحريري»، على حد قوله. قبل أن يضيف: «لقد صار الوصول يُبنى على جودة الصياغة داخل (إكس) لا على مجرد رابط وانتظار جهد من المتابعين». ودلل على ذلك بأن محتوى «إكس» من المنشورات النصية والفيديو يمثل مصدر تغذية أساسي لـ«غروك» (نموذج ذكاء اصطناعي توليدي خاص طورته المنصة أخيراً)، الذي تستثمر فيه «إكس» بشكل كبير، وهو ما يضيف بعداً وقيمة إضافية لأهمية نشر المحتوى الكامل على المنصة من وجهة نظر ملاكها».

أيضاً وفق الطراونة فإن «الممارسة الأنسب حالياً لمواكبة تغيرات المنصة وخوارزميتها، هي ببساطة أن يبدأ المنشور بخلاصة خبرية قوية ومباشرة، تتضمن أهم معلومة أو تطور أو رقم، ثم يستكمل السياق عبر شرح أو محتوى مرئي سريع». وأردف: «كلما كان المحتوى أصلياً ومباشراً وسهل الالتقاط في لحظة الحدث، زادت فرص ظهوره ضمن التدفقات والملخصات الفورية». أما عن فرص الربح أمام الناشرين داخل المنصة، فقال: «رغم تقلبات (إكس) ما تزال أدوات الربح فيه تمثل فرصة مفيدة، إذا استُخدمت كرافعة تمويل لا كموجه تحريري... ويمكن للمؤسسات الإخبارية الاستفادة من الاشتراكات، ومشاركة الإيرادات، وتحقيق الدخل من الفيديو، ثم إعادة توظيف جزء من هذه العوائد لدعم انتشار المحتوى الجاد والعام ذي القيمة».

من جهة ثانية، في نقاش مطلع الشهر الحالي، جمع رئيس قسم المنتجات في «إكس»، نيكيتا بير، وصحافيين في الـ«نيويورك تايمز»، عبر المنصة، اتهمت الصحيفة المنصة بأنها «تحد من التفاعل على الأخبار»، لكن بير نفى، وأرجع التراجع إلى أسلوب الصحيفة. إذ قال إنها «لم تغير أسلوب صياغة عناوينها منذ 20 سنة، ووصف ذلك بـ«الأسلوب القديم» الذي لا يتناسب مع الخوارزمية، وأن المشكلة في «طريقة النشر» التي لا تشجع المستخدم على التفاعل.

من جانبه، اعتبر أحمد البرماوي، رئيس تحرير منصة «فولو آي سي تي» للاقتصاد الرقمي، في لقاء مع «الشرق الأوسط»، أنه «لا تزال فرص انتشار المحتوى الإخباري على منصة (إكس) قائمة، لكنها شهدت تحولاً واضحاً في آليات الوصول للجمهور». ثم أوضح أنه لم يعد أمام المؤسسات الإخبارية «خيار أحادي بين جذب الزيارات إلى مواقعها أو الاكتفاء بالنشر داخل المنصة»، بل أصبح الاتجاه نحو «نموذج هجين هو الأكثر واقعية وفاعلية».

وأضاف أن «الاعتماد الكامل على الروابط لم يعد يحقق النتائج المرجوة، في ظل القيود التي تفرضها الخوارزميات، بينما يحمل الاعتماد الكامل على النشر داخل المنصة مخاطر تتعلق بالتحكم في الوصول». وتابع: «لذا تميل المؤسسات الناجحة إلى المزج بين تقديم محتوى متكامل وجذاب داخل (إكس) مع استخدام الروابط بشكل انتقائي وذكي، وهذا التحول يعكس حقيقة أن (إكس) لم تعد مجرد وسيلة لتوزيع المحتوى؛ بل منصة نشر قائمة بذاتها تتطلب استراتيجيات تحريرية مخصصة».

أخيراً، على صعيد تحقيق الإيرادات، يرى البرماوي أنه «يمكن للناشرين الاستفادة عبر مسارين: الأول مباشر من خلال برامج تحقيق الدخل المرتبطة بنسبة التفاعل والمشاهدات. والثاني غير مباشر عبر بناء جمهور قوي يمكن توظيفه لاحقاً في الشراكات الإعلانية أو توجيهه إلى منصات أخرى».


جدل «حظر النشر» لا ينقطع في مصر

مقر نقابة الصحافيين في مصر (أرشيفية - متداولة)
مقر نقابة الصحافيين في مصر (أرشيفية - متداولة)
TT

جدل «حظر النشر» لا ينقطع في مصر

مقر نقابة الصحافيين في مصر (أرشيفية - متداولة)
مقر نقابة الصحافيين في مصر (أرشيفية - متداولة)

عادت قرارات «حظر النشر» لتتصدَّر المشهد الإعلامي في مصر، مثيرةً نقاشاً متصاعداً حول الحدود الفاصلة بين متطلبات العدالة وحق المجتمع في المعرفة، وبين ما يُكشَف للرأي العام وما يُحجَب عنه باسم «سرية التحقيقات». فكلما اشتعلت قضية في الفضاء العام، عاد السؤال ذاته ليفرض حضوره: أين تنتهي حرية النشر وتبدأ ضرورات الحماية القضائية؟

وانفتح الباب واسعاً أمام موجة جدل في مصر أعقبت قرار قضائي بـ«حظر النشر» في 3 قضايا أخيراً، وُصفت بأنها تمس «صورة المجتمع»، من بينها واقعة «انتحار سيدة في الإسكندرية»، وقضيتان تتعلقان بـ«اعتداءات جنسية على قُصّر من قبل أقارب»، في أحداث أعادت إلى الواجهة إشكاليات التناول الإعلامي للقضايا الحساسة، خصوصاً بعد تداول منصات إلكترونية مواد مكتوبة ومُصوَّرة عُدَّت صادمةً أو غير منضبطة مهنياً.

الإجراء السابق الذي اتخذته النيابة المصرية، الأسبوع الماضي، بـ«حظر النشر» عزته إلى «الحرص على حماية سير التحقيقات... ومنع تداول معلومات غير دقيقة أو غير مكتملة قد تؤثر في الرأي العام أو تمس خصوصية الضحايا وأسرهم».

غير أنَّ القرار، كما هي الحال في قرارات مماثلة خلال السنوات الأخيرة، لم يظل محصوراً في إطاره القانوني؛ بل تحوَّل إلى نقاش عام واسع امتد من غرف الأخبار إلى منصات التواصل. وبينما عدّ صحافيون في منصات رقمية إخبارية أن «حظر النشر» يضعهم أمام معضلة مهنية بين الالتزام القانوني من جهة، ومواكبة اهتمام الجمهور المتزايد من جهة أخرى، يرى برلمانيون وخبراء أنه يُعدُّ جزءاً من أدوات حماية التحقيقات في قضايا حساسة، وأنَّ «الهدف ليس حجب المعلومات عن المجتمع، وإنما ضبط توقيت نشرها».

نقيب الصحافيين المصريين، خالد البلشي، سارع إلى إعلان موقف قطعي «رافض لحظر النشر»، معتقداً أنه «لا يمكن أن يكون وسيلة للتعامل مع القضايا - مهما كانت تفاصيلها - في ظلِّ انتشار وسائل التواصل والتدفق الهائل والعابر للحدود للمعلومات». وإذ ذهب إلى اعتبار أن «المجتمعات تُحمَى بالحقائق لا بحجبها»، فإنَّه رأى أن «العلاج يكون دائماً بالنشر المهني الملتزم بالمعايير القانونية والمهنية».

وعلى مدار العقد الأخير شهدت مصر عدداً من قرارات «حظر النشر» في قضايا جنائية واجتماعية. ففي عام 2025 صدر قرار بـ«حظر النشر» في واقعة وفاة القاضي سمير بدر عبد السلام. وفي عام 2022 صدر قرار مماثل في قضية مقتل الإعلامية شيماء جمال على يد زوجها، كما طُبِّق «الحظر» في قضية مقتل الطالبة نيرة أشرف، وشمل الحظر أيضاً قضية «شقة الزمالك» الخاصة بحيازة آثار.

أما في سنوات سابقة، فقد امتد «حظر النشر» إلى قضايا ذات طابع أخلاقي وسياسي؛ ففي عام 2019 شمل قضية «الفيديوهات الفاضحة» المرتبطة بعدد من الفنانات ومخرج شهير. وفي عام 2015 فُرض الحظر في قضية مقتل ناشطة يسارية.

ويستند «حظر النشر» في مصر إلى مجموعة من النصوص التي تتيح لجهات التحقيق أو المحاكم «فرض السرية على بعض القضايا». ويجرِّم قانون العقوبات نشر تفاصيل التحقيقات في حال صدور قرار بالحظر، مع إمكانية توقيع عقوبات تصل إلى الحبس والغرامة.

رئيس «اللجنة التشريعية» بمجلس النواب المصري (الغرفة الأولى للبرلمان)، محمد عيد محجوب، قدَّم رؤيةً داعمةً لاستخدام «حظر النشر» في حدود معينة، عادّاً أنه «ضرورة إجرائية» في مراحل التحقيق الأولى، و«ليس بدعة مصرية». ويضيف لـ«الشرق الأوسط» أن الهدف الأساسي هو حماية مجريات الاستدلال، ومنع التأثير على الشهود، أو توجيه الرأي العام قبل اكتمال الصورة، محذِّراً من أنَّ تداول المعلومات غير المكتملة قد يؤدي إلى «حالة من اللبس والبلبلة بالمجتمع».

ويشار إلى أنه في بريطانيا يقيّد «قانون ازدراء المحكمة» الصادر عام 1981 النشر المؤثر على العدالة وفق مبدأ المسؤولية الصارمة، ويمنح المحاكم «سلطة تأجيل أو تقييد نشر تفاصيل القضايا لحماية سير المحاكمة، مع السماح بالتغطية العادلة والدقيقة».

ورغم سريان قرارات النيابة المصرية بـ«حظر النشر» في القضايا الثلاث التي شغلت الرأي العام أخيراً، فإنَّ النيابة قد باشرت، الثلاثاء الماضي، التحقيق في وقائع انتهاك لهذا «الحظر». ويقول متابعون إن «أغلبها وقع عبر حسابات على مواقع التواصل الاجتماعي».

عضو «المجلس الأعلى لتنظيم الإعلام» في مصر، عبد المحسن سلامة، قال إن «(حظر النشر) هو الاستثناء وليس القاعدة، ويأتي لضرورات معينة ولصالح كل الأطراف، وبهدف حماية المجتمع وخصوصيات الضحايا وذويهم وأسرهم». ويضيف لـ«الشرق الأوسط» أن «لجان المجلس الأعلى لتنظيم الإعلام تتابع (بدقة) مدى التزام وسائل الإعلام المحلية، والأجنبية العاملة في مصر، بقرار النيابة بشأن (حظر النشر) في القضايا المنظورة أمام جهات التحقيق راهناً، وذلك من خلال لجنتَي (الرصد والشكاوى)».

ويوضِّح سلامة أن «أي خروقات يتم رصدها تُعرَض على المجلس لاتخاذ ما يراه مناسباً بحقِّ المؤسسات المخالفة»، ويشير إلى أن «نسبة هذه الخروقات، سواء في القرار الحالي أو في القرارات السابقة تبدو محدودةً وفي نطاق ضيق». وأكد أن «قرارات حظر النشر تهدف إلى الحيلولة دون تحويل تلك القضايا المنظورة أمام المحاكم إلى مادة للتكهنات والتحليلات التي قد تخالف المعايير والقيم المهنية الراسخة».

أستاذة الصحافة في جامعة القاهرة، الدكتورة ليلى عبد المجيد، ترى أن «حرية النشر تظل الأصل في العمل الإعلامي»، لكنها «حرية محكومة بضوابط مهنية وقانونية هدفها حماية الأفراد، وضمان عدم الإضرار بالمجتمع».

وتوضِّح لـ«الشرق الأوسط» أنَّ «بعض القضايا، خصوصاً ذات الطابع الإنساني الحاد أو المرتبط بالأمن، أو الجرائم الحساسة، تستدعي قدراً من التوازن في التغطية الإعلامية بما يمنع الانزلاق إلى الإثارة أو انتهاك الخصوصية». وتلفت إلى أنَّ الإفراط في التفاصيل أو تقديمها دون سياق مهني قد يؤدي إلى آثار اجتماعية سلبية، من بينها احتمالات التقليد لدى بعض الفئات الهشة، خصوصاً الشباب والمراهقين.

غير أنَّ نقيب الصحافيين المصريين، ومع تمسكه بموقفه الرافض لقرارات «حظر النشر» والذي أعاد تأكيده لـ«الشرق الأوسط»، دعا الصحافيين والإعلاميين إلى «مراعاة الدقة المهنية والمسؤولية المجتمعية». وجدَّد دعوته إلى ضرورة «إطلاق التزام مهني طوعي وجماعي داخل الوسط الصحافي لضبط الأداء، وتطوير مواثيق وأكواد التناول الإعلامي، إلى جانب التدريب والمساءلة المهنية النقابية»، مؤكداً أن «الصحافة المنضبطة قانونياً ومهنياً هي الضمان الحقيقي لحماية المجتمع وحقوق جميع الأطراف».

لكن د. ليلى عبد المجيد ترى أن «التحدي الأكبر خلال المرحلة الراهنة يتمثل في تأثير وسائل التواصل الاجتماعي، التي غيرت جذرياً طبيعة تداول المعلومات، إذ لم يعد النشر مقتصراً على المؤسسات الإعلامية التقليدية، بل أصبح متاحاً للجميع؛ ما أدى إلى انتشار محتوى غير موثق يختلط فيه الخبر بالرأي والتكهن».

وتشير إلى أن «هذا الواقع الجديد يفرض تحديات إضافية على (حظر النشر) إذ لم يعد من السهل ضبط تدفق المعلومات عبر جهة واحدة، ما يطرح تساؤلات حول مدى فاعلية هذا الإجراء في العصر الرقمي».

ومن زاوية قانونية وحقوقية، يقدِّم المحامي والناشط المصري، طارق العوضي، مقاربةً وسطيةً، يتحدَّث فيها عن أن «(حظر النشر) يجب أن يُفهم بوصفه أداةً استثنائيةً لا قاعدة عامة». ويؤكد لـ«الشرق الأوسط» أنَّ «التوازن بين حرية الإعلام ومتطلبات العدالة التزام دستوري يتطلب استخدام هذا الإجراء بحذر شديد، بما يضمن عدم تحوله إلى وسيلة لحجب المعلومات عن الرأي العام بشكل دائم أو غير مُبرَّر».